البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

مكونات الحركة الإسلامية في تونس

المحتوي الرئيسي


مكونات الحركة الإسلامية في تونس
  • الإسلاميون
    28/10/2014 09:06

يذهب بعض الباحثين والكتّاب إلى القول إنّ الحركة الإسلامية التونسية عريقة عراقة جامع الزيتونة في تونس , ومعروف أنّ هذا الجامع لعب دورا كبيرا في تاريخ تونس، كما ساهم في الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية لتونس، ووقف سدّا منيعا في وجه الاستعمار الفرنسي الذي كان يعمل على فرنسة تونس ، وجرّها إلى دائرة التغريب والفرنسة . وقد خرّج جامع الزيتونة عشرات الشخصيّات المغاربية التي قادت العمل الوطني والنضالي في أقطار المغرب العربي , وكان مناهضو الاستعمار يلجؤون إلى الزيتونة لإكمال دراستهم والتزوّد من معين الوطنية والإسلام , وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ رئيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر الشيخ عبد الحميد بن باديس قد درس في جامع الزيتونة , كذلك شيخ الحركة الإصلاحية في تونس الشيخ الثعالبي وغيرهم . ويرتبط ظهور الحركات الإسلامية في تونس بتحركات بدأت في جامع الزيتونة في أواخر الستينات، حيث شرعت شخصيّات إسلامية، منها الشيخ عبد القادر سلامة، ومحمد صالح النيفر، والشيخ بن ميلاد، في إلقاء محاضرات، ومواعظ، ودروس دينية، وبعض هذه المحاضرات كانت تنتقد الحال السياسية، والثقافية، والاقتصادية، في تونس . وكان من بين الذين درسوا في الزيتونة في هذه الفترة بالذات عبد الفتّاح مورو (أحد أهمّ المشاركين في تأسيس الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس) وبدأ مهمته تلك في عقد صلات وثيقة بشخصيات وأوساط تونسية . ويقول الدكتور حيدر إبراهيم علي (صاحب كتاب التيارات الإسلامية وقضية الديموقراطية): إن تاريخ الحركة الإسلامية التونسية هو التاريخ الموازي والمضاد للبورقيبية، وفي إطار أوسع للغرب , فقد كان الحبيب بورقيبة من أكثر الزعماء صراحة في إعجابه بالثقافة الغربية , وكان -أحيانًا - يعبّر عن استيائه للثقافة العربية التي تشتمل -ضمنًا- بعض العقائد الإسلامية والدينية .. ويقول الباحث هشام جعيّط عن الحبيب بورقيبة : بقي بورقيبة بالفعل مبهورا بأوروبا ولا سيمّا بفرنسا , وهو يشمئزّ في قرارة نفسه من الفكرة العربية والمشرق، ويعدُّه عالما مغايرا تماما لعالَمِه وله الشعور أنّ العروبة صيغة رجعية مغرقة في التقاليد واللاعقلانيّة، وأنّ القومية العربية فكرة ديماغوجيّة . لقد شكلّت علمانية بورقيبة خطرا على الأمن الثقافي التونسي، حيث أصبحت الهويّة العربية والإسلامية مهددّة في تونس , كما أصبحت القيم الإسلامية مطموسة؛ بسبب المناهج التعليمية، والخطط الإعلامية المستوحاة من توجيهات بورقيبة العلمانية , وهذا ما جعل الحركة الإسلامية التونسية تركّز على الجانب الفكري، والتربوي، والثقافي ،والتأكيد على أنّ الإسلام حضاريّ في بعده , وأنّ الحضارة الغربية - بإفرازاتها المادية - خطرة على المجتمع التونسي، وهي تهددّ الكيّان التونسي، بالانهيار الكامل . وفي بداية السبعينات التقى عبدُ الفتّاح مورو راشد الغنوشي، الذي كان في -وقت سابق- معجبا بالفكر القومي الناصري ثمّ تبنىّ الفكر الإسلامي , ونشأت صداقة بينهما انعكست على نشاطهما السياسي فيما بعد . ولد راشد الغنوشي (زعيم حركة النهضة) في حامة قابس، ودرس المرحلة الابتدائية في بلدته حامة قابس , والمرحلة الثانوية في المدرسة الثانوية التابعة لجامعة الزيتونة ثمّ انتقل إلى بلدة مثيلبة حيث نال الشهادة الأهلية - المتوسطة - ومن تمّ درس في المدرسة الخلدونية في العاصمة التونسية، وبعد ثلاث سنوات حصل على الثانوية العامة .عمل في بداية حياته العملية معلّما في مدينة قفصة حتى سنة 1964 , وبعدها سافر إلى دمشق ليدرس الفلسفة، حيث حصل على إجازة في الفلسفة سنة 1968 .وفي دمشق تسنىّ له أن يقرأ النتاجات الفكرية للإخوان المسلمين وتحديدا ماكتبه سيد قطب، وأبو الأعلى المودودي (أمير الجماعة الإسلامية في باكستان) . وبعد إتمام دراسته في دمشق عاد راشد الغنوشي إلى تونس سنة 1969 , وباشر التدريس في ثانويات تونس (العاصمة) و حمّام الأنف، والقيروان . وفي سنة 1979 ترك التدريس وتفرغّ لاستكمال دراساته العليا في الشريعة الاسلامية . وفي سنة 1970 قررّ -مع عبد الفتّاح مورو- الشروع في اعطاء دروس وإقامة حلقات دينية تعليمية في المساجد , وكانت جلّ هذه الدروس تتمحور حول حضارية الإسلام وخطورة الثقافة الغربية المادية. وانضما كلاهما إلى جمعية المحافظة على القرآن الكريم سنة 1971 وأخذا يمارسان نشاطهما. ومن جامع (سيدي يوسف) في العاصمة التونسية بدأت الفكرة الإسلامية تسطع، وتخرج من دائرة المسجد إلى دائرة الجامعة . وقد عمل راشد الغنوشي، وعبد الفتّاح مورو، على إقناع أكبر عدد ممكن من النخب المثقفة في المساجد، والمعاهد التعليمية بأنّ الاسلام هو البديل الحضاري الحيّ , وشرع راشد الغنوشي في كتابة مقالات في جريدة (الصباح) اليومية، والتي أتاحت له نقل أفكاره الى أكبر شريحة ممكنة من المثقفين , كما كان يكتب في مجلة (جوهر الإسلام) لصاحبها الشيخ المستاوي . ومع بروز مجلة (المعرفة) التي كانت المنبر الفعلي للحركة الإسلامية في تونس كثفّ راشد الغنوشي من كتابة المقالات التي تتناول الحضارة الغربية وإفرازاتها الماديّة وانعكاساتها الخطيرة على مجمل الأوضاع في البلاد الإسلامية , وكان راشد الغنوشي في هذه المرحلة معجبا بفكر سيد قطب، ومالك بن نبي، وأبي الأعلى المودودي، و محمد الغزالي. وكانت مجلة (المعرفة)- والتي كان راشد الغنوشي أحد كتّابها- تركّز على مواجهة الفكر اليساري والعلماني، وموضوع المرأة في الإسلام .وأثناءها تأسسّت مجلة المجتمع، حيث بدأ معها الخطاب الإسلامي يتبلور شيئا فشيئا . ولم تكن هذه التحركات لراشد الغنوشي، وعبد الفتّاح مورو، بمنأى عن رصد السلطة التونسية التي كانت تراقب -عن كثب- هذه التطورات، وخصوصا بعد أن أصبحت الظاهرة الاسلامية بارزة في الجامعات، والثانويات، والمعاهد التعليمية، والمساجد . وبعد سنوات من النشاط المتواصل انعقد اجتماع سرّي عام 1979 بضاحية منوبة في تونس، قررّ إثْرها راشد الغنوشي، وعبد الفتّاح مورو، تأسيس تنظيم إسلامي على غرار تنظيم الإخوان المسلمين , أطلقوا عليه اسم : الجماعة الإسلامية . وكان بعض الحضور يرفض فكرة التنظيم، وطالب بإبقاء الحركة الإسلامية في تونس بعيدة عن متاهات التحزّب و السياسة , والاسترسال في العمل الثقافي، والتعليمي، والتربوي، والاجتماعي . ومن الذين عارضوا فكرة التنظيم: أحميدة النيفر، وصلاح الدين الجورشي، وزيّاد كريشان، الذين فضلّوا تأسيس جماعة أطلقوا عليها اسم (الإسلاميون التقدميون) وكانوا يتحركون في الخطّ الثقافي العام . وإثْر إعلان الحزب الدستوري الحاكم في تونس عن مشروع التعددية السياسية سنة 1981 , بادر أعضاء الجماعة الاسلامية التي كان يتزعمها راشد الغنوشي إلى عقد مؤتمر عام، أعلنوا -في ختامه- عن حلّ الجماعة الإسلامية، وتأسيس حركة جديدة باسم حركة الاتجاه الاسلامي , وانتُخِبَ راشد الغنوشي رئيسا لها، وعبد الفتّاح مورو أمينا عاما لحركة الاتجاه الاسلامي , وتمّ الإعلان رسميا عن هذه الحركة في 06-06-1981 , وتقدمّت هذه الحركة الجديدة بطلب إلى وزارة الداخلية للحصول على اعتماد رسمي , ولم تتلق هذه الحركة أيّ جواب . وفي تموز - يوليو 1981 ألقي القبض على راشد، وأُحيل إلى المحاكمة في تشرين الأول سنة 1981 مع مجموعة من قيادة حركة الاتجاه الإسلامي بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مشروعة، وحكم عليه بالسجن لمدّة عشر سنوات، وبعد ثلاث سنوات من الاعتقال جرى إطلاق سراحه في 02-08-1984 بعفو رئاسي، بعد وساطة من رئيس الحكومة -آنذاك- محمّد المزالي . وعندما كان راشد الغنوشي معتقلا تولىّ قيادة حركة الاتجاه الإسلامي كلٌّ من: الفاضل البلدي، وحمّادي الجبالي . وفي شهر كانون الأول - ديسمبر 1984 عقدت حركة الاتجاه الإسلامي مؤتمرا سريّا، انتهى إلى تثبيت راشد الغنوشي، وعبد الفتّاح مورو على رأس الحركة . وفي 06- 06 - 1985 عقدت حركة الاتجاه الاسلامي مؤتمرا صحفيّا، كشفت فيه علانيّة في الذكرى الرابعة لتأسيسها عن وثائق مؤتمرها السرّي، وأسماء أعضاء المكتب السياسي، والذين كان من بينهم راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو، وصالح كركر، وصادق شورو، وحمّادي الجبالي، وعلي العريض، وفاضل البلدي , وكان هؤلاء يتولون مسؤوليّات مركزية في حركة الاتجاه الإسلامي . وأعيد اعتقال راشد الغنوشي في شهر آب - أغسطس 1987 وحوكم مع مجموعة من رفاقه بتهمة قيام عناصر من حركة الاتجاه الاسلامي بتفجير أربعة فنادق سياحية في تونس العاصمة في شهر آب - أغسطس 1987 . وقد أنكر راشد الغنوشي هذه التهمة، ونددّ بأعمال العنف التي شهدتها تونس، غير أنّ محكمة أمن الدولة حكمت عليه بالسجن المؤبّد، بتهمة تهديد أمن الدولة، والاتصال بدولة أجنبيّة هي إيران , كما حكم بالإعدام على سبعة من رفاقه و نفّذ الحكم في اثنين منهما. وبعد ذلك أصدر الرئيس (زين العابدين بن علي) عفوًا عن راشد الغنوشي بمناسبة عيد الفطر في 15 - 05 - 1988 حيث غادر بعدها تونس.    (2)   فكرة تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي ذات الطابع السياسي لم تكن محل إجماع بين كل عناصر الجماعة الإسلامية , و حول مستقبل الاتجاه الإسلامي برز اتجاهان: الأول يمثله راشد الغنوشي، وعبد الفتاح مورو، وكانا يريان ضرورة المضيّ بالحركة نحو بلورة تنظيم على غرار تنظيم الإخوان المسلمين , والاتجاه الثاني ومن رموزه صلاح الدين الجورشي، وأحميدة النيفر، وزيّاد كريشان الذين رفضوا النموذج الإخواني، واقترحوا إبقاء الحركة في بوتقتها الفكرية والثقافية , ومن رحم الاتجّاه الثاني تأسس ما عرف بالإسلاميين التقدميين. وكانت هناك مبررات عديدة جعلت الجماعة الإسلامية تخرج من الدائرة الفكرية إلى الدائرة السياسية , ومن هذه المبررات : - نضج الخطاب الإسلامي وبداية اقتناع كوادر الفكرة الإسلامية بضرورة لعب دور في الواقع السياسي التونسي . - إغراق السلطة التونسية في حال التبعية، وضرورة التصدّي لها من خلال المساهمة في التغيير السياسي . - تحديّات التيارات والقوى العلمانية والتغريبية. - التحديات التي عاشها العالم العربي والإسلامي، مثل: أحداث أفغانستان، ولبنان، وفلسطين، وغيرها . - انتصار الثورة الإسلامية في إيران . وكل هذه العوامل الداخلية والخارجية أملت على راشد الغنوشي ورفاقه ضرورة تكوين حزب سياسي . وفي حزيران - يونيو 1981 أعلن راشد الغنوشي عن تحويل الجماعة الإسلامية إلى حزب سياسي تحت اسم الاتجاه الاسلامي برئاسة راشد الغنوشي , وعضوية عبد الفتاح مورو، الذي أصبح أمينا عاما لحركة الاتجاه الإسلامي , وبن عيسى الدمني مسؤولا عن الاتصالات، وحبيب المكني مكلفا بالإعلام . وقد رفضت وزارة الداخلية التونسية جملة وتفصيلا الترخيص لحركة الاتجاه الإسلامي وللحول دون أن تكبر في الواقع السياسي التونسي بادرت إلى اعتقال كل قيادات حركة الاتجاه الإسلامي . وفي بيانها التأسيسي ركّزت حركة الاتجاه الإسلامي على ضرورة تحصين الشخصية التونسية من الذوبان في إفرازات التغريب ووضع حدّ لحال التبعية المطلقة للغرب , وإعادة بعث الإسلام الحضاري؛ ليلعب دوره الكامل في الواقع التونسي المتجذّر في عمق الحضارة الإسلامية , والمساهمة في تأسيس كيان تونسي منسجم كل الانسجام مع حضاريّة الإسلام وإعادة توزيع الثروات توزيعا عادلا . وكانت السلطات التونسية تنظر إلى هذا التنظيم السياسي الجديد بكثير من القلق والحذر خوفا من تكرر التجربة الإيرانية في تونس، والتي كان راشد الغنوشي ورفاقه يمدحونها كثيرا ويبدون إعجابهم بها , وكانوا يعلنون جهارا تأييدهم لها , وخوفا أيضا من تكرار التجربة الجزائرية، حيث خرجت التنظيمات الإسلامية في الجزائر من قمقمها إلى العمل العلني , وبروز الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر بقيادة مصطفى بويعلي. وما زاد في قلق السلطات التونسية هو وقوع انفجارات في بعض الفنادق التونسية , ومعروف أنّ تونس تعتمد بالدرجة الأولى على صناعة السياحة , ولأجل كل ذلك قامت السلطة التونسية باعتقال راشد الغنوشي، حيث حدث عندها أول صدام سياسي بين السلطة التونسية وحركة الاتجاه الإسلامي و خصوصا عندما تورّط بعض الإسلاميين في أعمال عنف اتخذتها الحكومة التونسية ذريعة للقمع والعنف الرسمي , ويورد بورجا صاحب كتاب (الإسلام السياسي) , صوت الجنوب مشاهد عديدة لبدايات الصدام بين السلطة والإسلاميين في تونس منها ما حدث في الحرم الجامعي في شباط - فبراير 1981 حيث تمّ سجن عميد كلية جامعية وتهديده بالقتل عندما تدخلت الشرطة في الحرم الجامعي واشتبكت مع الإسلاميين , وكذلك حاول الإسلاميون منع المفطرين في شهر رمضان وتصادموا مع الشرطة في حزيران - يونيو 1981 بعد حريق الباخرة الروسية التي كان يجري تصليحها في الميناء , وكان المتظاهرون يرفعون شعارات إسلامية , كما وقع تخريب لنوادي القمار في تونس ووقع تصادم بين الإسلاميين والشرطة التونسية في 17 تموز - يوليو 1981 و في اليوم التالي من هذا التاريخ جرى اعتقال راشد الغنوشي زعيم حركة الاتجاه الإسلامي وأمين الحركة العام عبد الفتّاح مورو وعدد من أعضاء المكتب السياسي باستثناء الحبيب المكني وعدد كبير من المتعاطفين مع حركة الاتجاه الإسلامي , وقد صدرت ضدّهم مجموعة من الأحكام تراوحت بين عامين إلى اثني عشر عاما . وقد تمّ تعيين حمادي الجبالي مسؤولا للمكتب التنفيذي الجديد . وذهب الإسلاميون التقدميون إلى القول بأنّ الجماعة الإسلامية أو حركة الاتجاه الإسلامي لو بقيت على ما كانت عليه وانصرفت إلى الدعوة الإسلامية بشكل هادئ ومتزن لما تعرضّت الحركة الإسلامية التونسية إلى هذه المحنة , وكانت عناصر من جماعة الإسلاميين التقدميين ترى أنّ المجتمع التونسي لم ينضج بعد لاستيعاب مفاهيم الإسلام السياسي خصوصا وأنّ نهج الحكم العلماني والتغريبي قد خلفّ في تونس أثارا لها أولّ وليس لها أخر على المجتمع التونسي أفضت إلى تشويه الشخصية التونسية . والجدل الواسع بين الثقافي والسياسي داخل الحركة الإسلامية التونسية وعلى رأسها حركة الاتجاه الإسلامي استمرّ متواصلا إلى وقت لاحق حتى عندما أصبحت حركة الاتجاه الإسلامي تحمل عنوانا جديدا هو حزب النهضة . وإذا كانت السلطة التونسية قد اتهمّت حركة الاتجاه الإسلامي بالوقوف وراء أعمال العنف , فانّ الحركة الإسلامية التونسية وعلى رأسها حركة الاتجاه الإسلامي كانت تدفع عنها تهمة العنف , ويته راشد الغنوشي السلطة التونسية بأنها هي صانعة العنف ومهندسته الأسّاسية وفي هذا السيّاق يقول : أبرز ما يسم علاقة الدولة التابعة بمجتمعها هو علاقة العنف , إنّ التغريب في حدّ ذاته هو أبرز وأفدح ألوان العنف الذي تمارسه الدولة , انّه عملية سلخ مجتمع عن أصوله وضميره من أجل ما يسمى بالحداثة وهي في الحقيقة ديكتاتورية الغرب على شعوبنا من خلال وساطة جماعة التحديث والتغريب على النمط الغربي نقيضا كاملا للديموقراطية من كل وجه. ويكمل الغنوشي الصورة بقوله : فإذا أضفنا إلى هذا القمع الاجتماعي والسياسي الرسمي ما تمارسه بعض فصائل المعارضة بدافع الغيرة والحسد والخوف من تنامي الاتجاه الإسلامي وما تمارسه من دسّ وإيغار للصدور بل من عنف ضدّ كل منافسيها السياسيين الذين استطاعت بأساليبها الإرهابية أن تصفيّهم تقريبا وتخرجهم من حلبة الصراع حتى إذا جربّت ذلك مع الاتجاه الإسلامي تصدّى لها دفاعا عن الحرية العامة . ويجزم الغنوشي أنّ حركة الاتجاه الإسلامي كانت ترفض العنف وهذا ما يفسّر وقوف قواعد الاتجاه الإسلامي ضدّ أعمال التخريب التي كان يغذيها شعور الفتيان في المعاهد التعليمية بالحيرة والقلق وغموض المستقبل وديكتاتورية الإدارة كما تغذيها أطراف سياسية داخل النظام وخارجه تتبنىّ العنف منهاجا , وعلى رغم ما أجتهد بعض الحاقدين ممن لا خلاق لهم في إلباس الاتجاه الإسلامي لبوس العنف في الأحداث المدرسية الأخيرة فإنني أؤكد وسيكشف التاريخ ذلك أنّه لولا تصدّي الاتجاه الاسلامي في المدارس لأعمال التخريب لما بقيّ شيئ قابل للكسر أو الحرق لم يكسر ولم يحرق . ويقول الباحثون الذين تتبعوا مسار الحركة الاسلامية التونسية أنّ الغنوشي كان يرفع شعار الديموقراطية وحقوق الانسان ونبذ العنف في مرحلة كان يعمل فيها على تكريس حزبه الاتجاه الإسلامي في الواقع السياسي التونسي , ذلك أنّ قواعد اللعبة السياسية كانت تقتضي أن يناور الغنوشي إلى حدّ ما , لكن بعدما تبينّ له أنّ السلطة التونسية لا يمكن على الاطلاق أن تستوعب وجود حركة إسلامية سياسية تتبنىّ المشروع الإسلامي وتحارب التغريب . وبعد انقلاب السلطة الجزائرية على مشروع الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر , بدأ الغنوشي يطلق تصريحات ومواقف تدين كافة الأنظمة , وأخذ يدعو إلى الجهاد على على المنظومات السياسية القائمة وفي تصريحه لصحيفة الانقاذ الوطني السودانية قال الغنوشي : والجهاد ضدّ أنظمة الكفر والاستبداد والعشائرية والتجزئة والولاء للأجنبي - وتكاد أنظمة العالم الاسلامي لا تخرج من هذه الأوصاف - فانّ للأمة الاسلامية أن تنهض بمهام الصراع الحضاري والشهادة للمشروع الحضاري الاسلامي , فلا مناص من تركيز الجهد الجماهيري على مجاهدة هذه الأنظمة الخائنة لتعريتها وتوهينها وارضاخها لسلطة الشعب والاطاحة بها. وهذا الكلام الذي كررّه راشد الغنوشي في أكثر من مكان وأدلى به لأكثر من منبر إعلامي أخذ يطلقه بعد مغادرته تونس حيث حكم عليه بالسجن المؤبّد . ويمكن القول أنّ الغنوشي بات مقتنعا أنّ الديموقراطية هي حكر على طبقة سياسية معينة , وفي حال حققّ التيار الإسلامي لأيّ نجاح وعبر القواعد المعترف بها فانّ مصير هذا التيار وعاقبته ستكون على وتيرة ما حدث في الجزائر عندما ألغت الدبابة المشروع الديموقراطي, وعندما أسقطت الدبابة اختيار الشعب الجزائري . المنطلقات الفكرية لحركة الاتجاه الإسلامي : تعتبر حركة الاتجاه الإسلامي جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي التونسي وهي وإن لم تتمكّن من التحول إلى الرقم الصعب في المعادلة السياسية التونسية , الاّ أنّها أستطاعت أن تهزّ الواقع السياسي والذي كانت ترسم مساراته ومنحنياته القوى العلمانية والتغريبية . وعندما تأسست حركة الاتجاه الإسلامي كان المناخ السائد في تونس مناخا تغريبيا تتجلى فيه الأنماط الغربية بكل صورها , وكان مشروع حركة الاتجاه الإسلامي مناقضا لمشروع الحكم والقوى السياسية التي كانت تسبح في فلك السلطة . وكانت حركة الاتجاه الإسلامي ضدّ العلمانية مع الإسلام الحضاري , ضدّ الظلم مع الدولة العادلة ودولة الانسان والعدالة , ضدّ الأحادية السياسية مع التعددية السياسية والإعلامية , ضدّ اغراق تونس في التبعية للغرب ومع عودة تونس إلى أصالتها وشخصيتها في نطاق المنطلقات الإسلامية , ضدّ مشروع بورقيبة الذي أغرق تونس في كمّ هائل ولا حدود له من المعضلات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمعيشية , مع مشروع مغاير هو مشروع دولة الإسلام . صحيح أنّ الغنوشي لم يكن يطرح هذا الطرح بشكل مباشر الاّ أنّه وفي خطابات حركة الاتجاه الإسلامي كان يركّز على ضرورة المشروع الإسلامي وجاهزيته لقيادة الأمة . وفي كتابه الحريات العامة في الدولة الإسلامية يقول راشد الغنوشي : أنّ السلطة وظيفة اجتماعية لحراسة الدين والدنيا والقيمّون على الدولة ليسوا الاّ موظفين وخدّاما عند الأمة, والسلطة هي مدنيّة على كل وجه لا تختلف عن الديموقراطيات المعاصرة الاّ من حيث علوية سيادة الشريعة الإسلامية أو التقنين الإلهي على كل سيادة أخرى في هذا النظام , أمّا ما تبقى فهو وسائل يؤخذ بها على قدر مساهمتها في تحسين أداء تلك الوظيفة ألا وهي في دحض الظلم وإقامة العدل على مقتضى الشرع الإلهي أي بحسب ما نصّ عليه أو تضمنّه أو بحسب ما لايخالفه .   ويتضح من خلال هذا الكلام أنّ راشد الغنوشي كان يملك تصورا لما يجب أن تكون عليه الدولة أو السلطة , وهذا النموذج الذي كان يتحدث عنه مغاير كل المغايرة لما كان سائدا في المنظومة السياسية التونسية , وقد فهمت السلطة التونسية أنّ الغنوشي ومن خلال هذا الطرح إنمّا يعمل على قيادة انقلاب شامل على البورقيبية في أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية , وأنّه يعمل وحركة الاتجاه الإسلامي من منطلق نسف المنطلقات الإيديولوجية الذي قام عليها نظام الحبيب بورقيبة في تونس , وكانت دوائر القرار في تونس تتخوّف أن يتحوّل هذا الجنين إلى غول خطير يأكل اليابس والأخضر في المستقبل القريب , ومثلما كان لحركة الاتجاه الإسلامي مشروعها في التعاطي مع النظام القائم والمجتمع , كان النظام القائم يملك استراتيجية تعتمد في الراهن على الاستئصال , وفي المستقبل على المجابهة الشاملة …    (3)   لم يكن في نيّة مؤسس حركة الاتَّجاه الإسلامي (راشد الغنوشي) أن تكون حركته حركة ثورية تغيّر الواقع العلماني في تونس عن طريق (الحتميّة الثورية) , وإعجاب الغنوشي بمشروع الثورة الإيرانية هو إعجاب بمشروع الثورة بشكل عام , وإذا كانت الظروف سنحت لهذه الثورة أن تنتصر في أرض فارس , فقد لا تسنح الظروف لأن تنتصر ثورة مماثلة في حقول جغرافية أخرى . وعندما أسسّ الغنوشي ورفاقه حركة الاتجّاه الإسلامي كانوا حريصين على أن تطرح الحركة مشروعها برويّة وحنكة؛ خصوصًا في خضمّ واقع سياسي وثقافي معقّد كالواقع التونسي . وأعمال العنف التي واكبت تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي قام بها أفراد متعاطفون مع التيّار الإسلامي ولم تصدر إليهم أوامر من قيادة الاتجاه الإسلامي بالتحرك لتغيير الواقع بقوة . والذين كتبوا عن حركة الاتجاه الإسلامي ومنهم الهاشمي الحامدي في كتابـه أشواق الحرية : قصة الحركة الإسلامية في تونس يقول إنّ حركة الاتجاه الإسلامي تجاهلت طرح حتى الثوابت التي تؤمن بها من قبيل تطبيق الشريعة الإسلامية وتنفيذ الحدود وتعديل قانون الأحوال الشخصية , وبما أنّ الواقع الثقافي التونسي كان مشوهّا تابعا فإنّ حركة الاتجاه الإسلامي قامت لتغيير هذا الواقع بالدرجة الأولى وتصحيح المفاهيم حول الإسلام الحضاري . وفي نظر بعض الباحثين فإنّ السلطة التونسية حاولت استدراج حركة الاتجاه الإسلامي إلى حلبة العنف لتتمكنّ من إعداد كافة الذرائع والتبريرات للشروع في استئصالها . فالسلطة التونسية - بعد منحها الترخيص القانوني لحركة الاتجاه الإسلامي- كانت تعمل على استفزازها، علمًا أنّ السلطة هي التي أقرّت مشروع التعددية الحزبية . وكانت كتابات راشد الغنوشي في مجلات حركته هادئة تناقش الواقع السياسي بكثير من المراعاة دون تصعيد للموقف؛ وحتى الإشادة بالثورة الإيرانية كانت موضوعية لا انفعال فيها ولا حماس . وكثيرًا ما كان الغنوشي في كتاباته يسعى للتوفيق بين الإلهي والإنساني؟! " ونستطيع أن نجازف بالقول إنّ الكتابات الإسلامية التونسية تبحث عن إنسانية إسلامية إن جاز القول بإمكانية بروز الإنسانية بالمعنى المتداول داخل أيّ نسق أو بناء ديني يقوم على مقولة مثل الحاكمية لله , وهذه هي المحاولة الأولى للتوفيق بين الإلهي والإنساني , ويظهر التأثير المعتزلي في فهم الإرادة الإنسانية أو دور الإنسان ووظيفته في الوجود ونظرته إلى الكون ووسائله في الإدراك والمعرفة، وهذا ما انطلقت منه رسالة الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي التي أجازتها الحركة الإسلامية التونسية في مؤتمر عام . وتكشف المنطلقات العقائدية التي انطلقت منها حركة الاتجاه الإسلامي أنّ هذه الحركـة لا تؤمن بالعنف - لا على سبيل الحكم الواقعي ولا على سبيل الحكم الثانوي - فالتغيير عندها يجب أن يتمّ وفق أسس كونية واجتماعية تضمنتها سنن التاريخ وحركتـه , وهذا لا يعني أن فريضة الجهاد ساقطة , لا، بل لها مصاديقها ومناخاتها وضروراتها أيضا . والانفتاح على الأخر كان من سمة حركة الاتجاه الإسلامي إلى درجة أنّ أدبيّات الحركة كانت غنيّة بموضوعات الديموقراطية والمرأة والعلاقة مع الغرب؛ والتركيز على هذه المضامين كان الأبرز بالمقارنة مع مضامين من قبيل تطبيق الشريعة الإسلامية، والقوانين الإسلامية وإسلامية المجتمع أو جاهليته . وفي هذا السياق قال راشد الغنوشي : "لقد كانت قضية الحريات العامة في الدولة الإسلامية الهمّ الأعظم الذي استبدّ بي منذ بدايات الحركة الإسلامية في تونس من مرحلة الدعوة لمبادئ الإسلام في مواجهة الثقافة الوافدة المهيمنة إلى مرحلة التفاعل الواسع مع هموم المجتمع التونسي والعربي عامة، أي: منذ أكثر من عشر سنوات , وكان أهمها قضية الحرية ولا تزال!!! , فقد كان تقديم إجابات واضحة عن التحديّات المطروحة على الفكر الإسلامي في بلد مثل تونس قد ضرب بسهم وافر في التغريب؛ والثقافة ضرورة معرفيـة لا بديل عنها للحركة الإسلاميّة فيها . وعندما تأسسّت حركة الاتَّجاه الإسلامي أعلن راشد الغنوشي أنّه يقبل بقواعد اللعبة الديموقراطية، وهو يعتبر سلطة الشيوعيين شرعية إذا وصلوا إلى الحكم بالوسائل الديموقراطية و الشرعية , وحتى الكتّاب الغربيين ومنهم صاحب كتاب الإسلام السياسي الباحث الفرنسي بورجا اعترف أنّ راشد الغنوشي هو أوّل "مناضل أصولي" يعترف بقبول اللعبة الديموقراطية حتى لو أدّت إلى فوز أشرس خصوم الغنوشي أي الشيوعيين ويعتبر الغنوشي أنّ الديموقراطية لها سند في النصوص الشرعية وهي الشورى بآليّة أخرى إلاّ أنّ الغنوشي لا يعطي مفهومًا واضحًا عن الشورى، وهل هي عينها الديموقراطية الغربية؟ والإقرار بقواعد اللعبة الديموقراطية لا تعني أنّ الغنوشي كان قد تخلّى عن مبدأ إقامة الدولة الإسلامية في تونس بل يعتبر ذلك فرضًا على كل مسلم , والشرعية في النظام الإسلامي كما يقول الغنوشي هي في الالتزام الكامل بالحكم بما أنزل الله أو القبول الكامل بالاحتكام إلى شرع الله.. وعلى الرغم من اهتمام الغنوشي بالمفاهيم والتعريفات على خلفيّة تكوينه الأكاديمي , إلاّ أنّه لم يقدم مفهوما واضحًا عن الديموقراطية التي يقول عنها: إنّها مفهوم إجمالي يتسّع لأشدّ الأنظمة تناقضا . وبناءً عليه اتهمّت بعض القوى العلمانية والتغريبية في تونس راشد الغنوشي بأنّه مجرّد مناور ومداهن يريد استخدام الوسائل الديموقراطية لإقامة نظام أصولي على الطراز الإيراني , وأنّ الغنوشي برز بهذا الطرح الديموقراطي واحترام قواعد اللعبة ليتسنى له ممارسة العمل السياسي وإعداد العدّة للانقضاض على الحكم ,وهذا ما عملت محكمة أمن الدولة على تأكيده رغم أنّها لم تكن تملك أيّ أدلة ضدّ راشد الغنوشي ورفاقه الذين كان ذنبهم الوحيد هو تأسيس حركة تدعو إلى إسلامية وعروبة تونس . وهو ما اعتبرته دوائر تونسية بأنّه خروج عن القانون كما اعتبرت مؤسسي حركة الاتجَّاه الإسلامي هم مجرّد خارجين عن القانون، وينتمون إلى جمعية ذات طابع سياسي غير قانونية, وكأنّ الديموقراطية خلقت فقط للعلمانيين والتغريبيين . ولم تكن هذه مسلكيّة نظام بورقيبة مع حركة الاتَّجاه الإسلامي ومؤسسيها فحسب بل إنّ لعنة النظام لاحقت الغنوشي ورفاقه حتى بعد الإطاحة الهادئة بحكم الرئيس الحبيب بورقيبة, وعلى الرغم من أنّ راشد الغنوشي بارك حكم الرئيس زين العابدين بن علي واعتبر نظامه تجديديّا وضروريا لنهضة تونس وبناء الديموقراطية إلاّ أنّه جرى اعتقاله مجددا في عهد زين العابدين بن علي , ورغم أنّ الغنوشي ولدى حلّه لحركة الاتَّجاه الإسلامي وتأسيسه لحركة النهضة فضَّل ألا يكون الإسلام عنوانا لاسم حركته الجديدة إلاّ أنّ الدوائر التونسية استمرّت تعتبره ذلك الرجعي الظلامي التوليتاري الخطر على الحداثة والتنوير والتغريب. ورغم أن حركة النهضة التي تأسّست سنة 1988 قامت بتكييف نفسها مع الواقع السياسي الجديد إلاّ أنّها لم تحصل على الترخيص أبدا , وأستمرّ الصدام بينها وبين السلطة. وقد أصدرت حركة النهضة في هذه المرحلة جريدة الفجر وحاولت أن تدحض عن نفسها كل الشبهات والاتهامات إلاّ أنّ السلطة التونسية كانت تصّر على أن حزب النهضة غير شرعي ويعمل على قلب نظام الحكم . ولم يتحمّل قياديون في حركة النهضة هذه المحنة فغادر حركة النهضة عبد الفتّاح مورو عقب خلاف كبير مع راشد الغنوشي، كما استقال من الحركة كوادر قياديون منهم الهاشمي الحامدي و استطاعت السلطة بوسائلها وإغراءاتها أن تستميل عناصر قيادية من حركة النهضة إليها , وفي أواخر الثمانينيات بدأت حركة النهضة تتعرض لهزات تنظيمية وسياسية وكان للسلطة يد طولى في ذلك , وبدأت هذه الحركة من جهتها تستعدّ للاستقرار في المنفى و تحاول إعادة بناء نفسها .. عندما غادر راشد الغنوشي السجن بعفو من الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، أشرف على إحداث تغيير جذري على حركة الاتَّجاه الإسلامي وتمثلّ هذا التغيير في تحويل هذه الحركة إلى حزب النهضة , وصدرت التعليمات إلى مختلف الولايات والمحافظات بأنّ حزب النهضة الجديد هو حزب سياسي يملك إستراتيجية جديدة وتكتيكًا مختلفًا عما كانت عليه حركة الاتجاه الإسلامي , وأصدرت حركة النهضة جريدة الفجر لتكون الناطق الإعلامي والسياسي باسم حركة النهضة . وفي سنة 1989م بعد سنة واحدة من إطلاق سراح راشد الغنوشي عصفت الخلافات الداخليّة بحركة النهضة و اضطرّ العديد من قيادييها إلى تقديم استقالتهم , وقد نجحت السلطة التونسية في استقطاب العديد من القياديين في حركة النهضة تمامًا، كما نجحت السلطة الجزائرية في استقطاب عناصر قيادية في الجبهة الإسلامية للإنقاذ والذين أصبح بعضهم وزراء مثل سعيد قشي و أحمد مراني حيث أصبح سعيد قشي وزيرًا للتشغيل وأحمد مراني وزيرًا للشؤون الدينية في وقت كان فيه عباس مدني وعلي بلحاج في سجن البليدة العسكري . وبين 1989 - 1992م اندلعت في تونس أعمال عنف جرى إثرها اعتقال العديد من القياديين في حركة النهضة ومنهم حمّادي الجبالي رئيس تحرير جريدة الفجر الإسلامية وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدّة 15 سنة، وكان الجبالي - بالإضافة إلى تولّيه رئاسة تحرير جريدة الفجر- عضوًا في المكتب السياسي لحركة النهضة . أمّا راشد الغنوشي فقد حكمت عليه محكمة أمن الدولة بالسجن المؤبّد في 28 -08-1992 . وبعد إطلاق سراحه بعفو رئاسي خاص غادر تونس وتوجّه إلى الجزائر حيث واكب تطورات الساحة السياسية في الجزائر منذ تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أيلول - سبتمبر 1989م , وكانت الحكومة التونسية تطالب برأسه وأوفدت لهذا الغرض مسؤولين تونسيين رفيعي المستوى لاسترداده من الجزائر؛ بحجّة أنّ هناك حكما قضائيّا صدر بحقّه في تونس، ولم ينجح هؤلاء المسؤولون في إقناع نظرائهم الجزائريين بضرورة استرداده . وعندما تمّ اعتقال قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في 30 حزيران - يونيو 1991 طلبت السلطات الجزائرية من راشد الغنوشي أن يغادر الجزائر فتوجّه إلى السودان ومنه إلى بريطانيا، حيث حصل على اللجوء السياسي وبات يقيم في العاصمة البريطانية لندن . وفي منفاه الجديد حاول أن يعيد ترتيب البيت النهضوي فنجح إلى حدّ ما في الحفاظ على الإطار السياسي للحركة الإسلامية التونسية - النهضة - وأخذ يصدر البيانات تباعًا تعليقًا على مستجدات الأحداث والتطورات السياسية في تونس . واستمرّت جريدة الفجر التابعة لحركة النهضة في الصدور من العاصمة القبرصيّة نيقوسيا ثمّ توقفّت لأسباب مادية فيما يبدو . وفي بريطانيا عكف الغنوشي على إيصال صدى الحركة الإسلامية التونسية إلى مختلف المعنيين بهذا الشأن الإسلامي وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات التي تعقد في بعض المناطق العربية والإسلامية . وبسبب انتقال حركة النهضة إلى المنفى فقد فقدت الكثير من فعّاليتها السياسية وبات عملها يقتصر على إصدار البيانات , وحتى هذه البيانات الورقية راحت تقلق السلطات التونسية التي طالبت مرارًا و بشكل رسمي من السلطات البريطانية وضع حدّ لنشاطات الغنوشي , وكان ردّ الحكومة البريطانيّة أنّ الغنوشي لم يخرق القوانين المعمول بها في بريطانيا . ومن رحم حركة النهضة انبثقت تيارات إسلامية برؤى أخرى , كما أنّ خارطة الحركة الإسلامية التونسية كانت متعددة التوجهات , وأهم هذه الحركات هي : الإسلاميون التقدميون : الإسلاميون التقدميون تيار إسلامي عقلاني الاتجاه , اشتغل في أوساط الجماعة الاسلامية منذ بداية السبعينيات في المساجد والجامعات والمعاهد التربوية , وعندما قررّ راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو تحويل الجماعة الإسلامية إلى حركة الاتجاه الإسلامي في بداية الثمانينيات , عارض الإسلاميون التقدميون وعلى رأسهم أحميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي وزيّاد كريشان وأصرّوا على الاستمرار في خطهم الإسلامي ضمن رؤيتهم الثقافية والفكرية والعقلانية . وكان هذا التيار يحمل في بدايته على ما يسمى بمذهب السلف الصالح وأقطاب السلفية القدامى والمعاصرين، واعتمد على مقولة اليسار الإسلامي , وكان هذا التيار يركّز على العقل أكثر من تركيزه على النص , وحمل الإسلاميون التقدميون على عاتقهم فكرة تجديد الإسلام وطرح كل الأشواب التي علقت به ، الفقهية والعقائدية والأصولية وغيرها , وذهبت هذه الجماعة إلى حدّ القول بجواز تعطيل الثوابت عندما تكون هناك ضرورة إلى ذلك . وفي كتاب المقدمات النظرية للإسلاميين التقدميين : لماذا الإسلام , وكيف نفهمه ؟ نجد ما يلي : تبدو مجموعة الإسلاميين التقدميين أقرب إلى ما يسمى داخل الحركات الإسلامية عموما بالاتجاه التربوي أي القائلين بأسبقية تربية أفراد المجتمع الإسلامي على تجنيدهم وتجييشهم سياسيًا , لهذا السبب ولخصوصيّة المسألة الثقافية في تونس كان طرح الإسلاميين التقدميين. وكان الجورشي وهو من رموز هذا التيّار يطالب بثورة ثقافية لأنّها تمثّل عنصرًا جوهريّا في إعادة بناء وعي المجتمع و أن تتمّ بعد ذلك عملية إعادة هيكلة المجتمع . ويتساءل الجورشي عن أيّهما حدث في بداية الأمر : الدولة أو المجتمع ؟ وقد اتجّه الإسلاميون التقدميون نحو ثورتهم الثقافية من خلال فهم جديد للدين , وفي نظر أحد أقطاب هذا التيار أحميدة النيفر فإنّ المسألة السياسية مسألة مهمة ولك الأولويّة أصبحت مشكلة إعادة قراءة الفكر الديني هي التي تحتّل المركز الأول . ويحددّ الإسلاميون التقدميون منهجهم في التجديد الثقافي والإسلامي باعتماد العقل وسيلة في فهم النصوص المقدسّة من كتاب وسنّة دون الوقوع في الحرفيّة أو النصيّة , ويعتمدون على الاجتهاد كمنهج نحو تحقيق التجديد المنشود . وكان الإسلاميون التقدميّون يتحركون في الوسط الجامعي ,كانوا يركزّون بالدرجة الأولى على النخبة لأنّ هذه النخبة بيدها تغيير مناحي الحياة .   حزب التحرير الإسلامي التونسي :   ظهر حزب التحرير الإسلامي في تونس نتيجة نشاط العديد من المؤمنين بفكرة حزب التحرير المشرقي المولد والذين كانوا على مدار سنوات منخرطين في حزب التحرير الإسلامي , وقد عقد الاجتماع التأسيسي للحزب في كانون الثاني - يناير 1983 , وكان هذا الحزب يخططّ للإستيلاء على السلطة ومن ثمّ إعادة تأسيس الخلافة الإسلامية وذلك من خلال وسائل وطرق تبنّاها الحزب في دستوره العام . و قد تمّ اعتقال وملاحقة معظم قياديي حزب التحرير وبينهم عدد من العسكريين في النصف الثاني سنة 1983 بتهمة تشكيل جمعية سياسية والانتساب إليها وحضور اجتماعاتها وتحريض عسكريين على الانتساب إلى هذه الجمعية وأصدرت المحكمة العسكرية أحكامًا بالسجن على عدد من قادة الحزب وكوادره وبينهم محمد جربي زعيم حزب التحرير في تونس . وفي آذار - مارس 1990م تمّ تقديم مجموعة جديدة من أعضاء الحزب إلى المحاكمة بتهمة توزيع منشورات في المساجد . وتولّت قيادة الحزب مجموعة مدنيّة عسكرية بالتوافق فيما بينها، ومن رموزها الطاهر العيادي ومحمد فاضل شطارة ومحمد جربي , وكان حزب التحرير الإسلامي يصدر نشرة سريّة بعنوان : الخلافة . وقد ربطت السلطات التونسية عدة مرات بين نشاطات الحزب ومحاولات انقلابيّة فاشلة لاسقاط السلطة في تونس وأهمها ما حدث عام 1983 وعام 1986 , وكانت السلطات التونسية تتوجّس خيفة من تغلغل هذا الحزب داخل المؤسسة العسكرية , وكانت إستراتيجية حزب التحرير تنصّ على غرس أكبر قدر ممكن من العناصر داخل الجيش التونسي , لتتمكنّ في نهاية المطاف مجموعة من الضبّاط الإسلاميين من الانقضاض على السلطة من الداخل , وقد نجح الحزب في استقطاب عشرات العسكريين الذين كانوا يمدّون الحزب بالدخائر الحربية والأسلحة الخفيفة , وتمّت تصفية هذا الحزب في وقت مبكر من تاريخ الحركة الإسلامية التونسية . طلائع الفداء : طلائع الفداء مجموعة إسلامية مسلحة يتزعمها محمد حبيب الأسود وقد جرى الكشف عنها في عام 1987م عندما اتّهمها السلطات التونسية بالتخطيط لقلب نظام الحكم وإقامة دولة إسلامية , وبعد توليّ زين العابدين رئاسة الدولة التونسية صدرت قرارات بالعفو عن معتقلي المجموعة وتمّ إطلاق سراحهم .

أخبار ذات صلة

كتب المحامى خالد المصري أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المتهمين في القضية رقم 271 لسنة 2021 جنايات أمن الدولة طوارئ ق ... المزيد

الطرق الصوفية - الجماعات الإسلامية الدعوية  - المذاهب الإسلامية، هي في الأساس وسائل للوصول لغايات شرعية (في أساسها) ولذلك لا تحمد ولا تذم لذاتها، وإنم ... المزيد

بعد سقوط الخلافة قال «توماس إدوارد لورانس» المشهور بـ«لوارنس العرب» في كتاب «ثورة في الصحراء»: «لقد وضعنا بمهارة مكة في مواجهة إسطنب ... المزيد