البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

قنطرة الإلحاد: عباس العقاد وعلي الوردي نموذجًا

المحتوي الرئيسي


قنطرة الإلحاد: عباس العقاد وعلي الوردي نموذجًا
  • د. محمد جلال القصاص
    19/08/2022 08:01

بسم الله الرحمن الرحيم

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

في الساحة الفكرية عدد من الرموز يشكلون حالة من الوسطية بين العلمانية والحالة الصحوية المتمثلة في الجماعات الإسلامية، من أهم هؤلاء المهندس مالك بن نبي والدكتور علي عزت بيجوفيتش والدكتور عبد الوهاب المسيري وعباس العقاد وعلي الوردي، وغالبًا ما تتطور أطروحات هؤلاء في اتجاه علماني، مما يدفع بسؤالٍ عن مدى تأثير هذه الظاهرة على التجديد في العالم الإسلامي؟

ولأن الظواهر تقرأ من زوايا مختلفة، وفي مستويات مختلفة، ويصعب تفسيرها بسببٍ واحدٍ، ولأننا في مقال وليس بحثًا علميًا، ولذا سنضطر إلى أن نجيب من زاوية واحدة، هذه الزاوية أسميها (قنطرة الإلحاد)، ونضرب المثال بعباس العقاد وعلي الوردي، وإن يسر الله وقتًا وجهدًا عدنا من زاوية أخرى.

التقى عباسُ العقاد وعليُّ الوردي على فكرتين: الأولى: حتمية العوامل الوراثية والبيئة؛ والثانية:التطور. فكلاهما يقول بحتمية تأثير العامل الوراثي والبيئة، وكلاهما يقول بالتطور، والقولان أعرض قنطرة يمر من عليها الإلحاد لثوابتنا الإسلامية!!

أولًا: البيئة والعامل الوراثي:

 يدعي عباس العقاد أن العامل الوراثي والبيئة هما المكونان الرئيسيان للعبقرية، فعبقرية النبي، صلى الله عليه وسلم، سببها حب التعبد الذي ورثه عن آبائه، الذين كانوا سدنة البيت والمشرفين على شعائر الكفر قبل الإسلام، ولم يكونوا كذلك. بل كانت فيهم السقاية، والتفاصيل عند جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، وعبقرية أبو بكر سببها وَلَعُهُ ببطله المغرم به (رسول الله، صلى الله عليه وسلم) وعمر صنعت الجنديةُ عبقريته، وعلي أخلاق الفروسية هي التي صاغته عبقريًا، وعثمان بن عفان الشقاءُ في بيت زوج أمه (عقبة ابن معيط) هو الذي دفعه إلى الإسلام دون بني أمية؛ وفاطمة الزهراء بنت الحبيب، صلى الله عليه وسلم، ورثت شخصيتها من جد أمها الكافر خويلد.. يقول عن بنت النبي: متعبده مثل جدها الكافر خويلد!!

ولا تصدق شيئًا من هذا فكله من خيال العقاد!!

وعلي الوردي يسند كل فضيلة في الشخص للعامل الوراثي والعامل البيئي، وحين أرادوا أن يكرموه بجائزة لتفوقه رفض تسلمها، مدعيًا أن لا فضل له في تفوقه الدراسي، يقول: ما أنا إلا حصيلة عوامل بيئية ووراثية ولا فضل لشخصي في شيءٍ مما فعلت، هي البيئة وهي الوراثة. هكذا يتحدث!!

ولا أدري أكان وحيدًا أم كان معه في نفس البيئة ومن نفس البيت آخرون ولم يكونوا مثله؟!!

ثانيًا: التطور:

يؤمن كلاهما بفكرة التطور: العقاد يعمم فكرة التطور على كل شيء، يقول عن الإنسان الأول أنه كان همجيًا مشركًا، ثم تطور في الأديان كما تطور في أساليب المعيشة، فمن وثنية مطلقة إلى وثنية محدودة (عدد قليل من الآلهة) إلى التوحيد. وبداية التوحيد عنده توحيد الفراعنةُ الناسَ على آتون (إله) الشمس. ويتحدث بأشياءٍ أخرى أشد من هذا غرابة!!

 ويجاهر عباس بالإيمان بـ (نظرية) دارون عن أصل الأنواع، بل ويدافع عنها، ويؤمن بأشياء أخرى أشد غرابة!!

 ومن يقرأ في كتاب الله ساعة يعلم أن الإنسان الأول هو آدم- عليه السلام- خلقه الله بيده وعلمه:{قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، { وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}،  واصطفاه من خلقه: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ). وفي الحديث عن الإنسان الأول أنه (نبِيٌّ مُكَلَّمٌ، خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ رُوحَهُ). فكان نبيًّا ولم يكن همجيًّا مشركًا كما يفتري عبَّاس.

وفي محكم التنزيل أن الله بعث في كل أمة نذير، وأن الأمم السابقة أهلكت بذنوبها (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى)، فالتاريخ قبل موسى عليه السلام لا يعلمه إلا الله، ولا نعرفه عنه شيء إلا مما جاء فيما أنزل الله على رسله، ولذا كان أول ما سأل عنه فرعون هو أخبار القرون الأولى: ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾.

فالبشرية لا تتحرك في خطٍ مستقيم تطورًا، وإنما تزدهر وتباد تبعًا لحالتها مع رسل ربها.  

وعلي الوردي لا يكاد يتحدث أو يكتب إلا ويقول: تطورت الأخلاق حتى ضاعت وتبدلت.يقول: تطورت أخلاق البادية حتى ضاعت وتبدلت، وتطورت المدينة حتى ضاعت أخلاقها وتبدلت. ولا يتحدث عن أن قيمًا ما حلت محل قيمٍ أخرى فأزاحتها، وقد يحدث العكس. بل يحدث بالفعل!!

قنطرة الإلحاد الأعرض:

فكرة التطور وحتمية العامل الوراثي والبيئي هي القنطرة الأعرض التي يمر من عليها الكفر إلى ثوابتنا؛ فغاية المحادين لله ورسوله أن يثبتوا أن الرسالة من الأرض.. تطور بيئي. أن يثبتوا أن القيم لم تأتِ وحيًا من الله وإنما اهتدى إليها البشر من أنفسهم. أن الكون أزلي أبدي، من مليارات السنين (عصر الديناصورات) وإلى مليارات السنين (بعد انتهاء البشر، بمعنى أن البشر مرحلة تطورت من غيرها وتتطور إلى غيرها)، فالحياة على الأرض تتطور وتستمر للأبد. يتحركون حول هذا المعنى دائمًا ويأتون من كل بابٍ يستطيعون الدخول منه. فمرةً يقولون: علمه بشر، ومرة يقولون يطلب ملك أجداده، ومرة يقولون تطور للكهانة والسحر والشعوذة في الجزيرة العربية (وكل هذ الأفكار يؤمن بها ويدعو إليها عباس العقاد وسنأتيه مرة بعد مرة إن شاء الله).

المعركة حول إدعاء أرضية الرسالة هي الأشد والأوسع والأعمق في الفكر الإسلامي، وعامة ما يطرح من المنافقين والغافلين يتحرك حولها، فالذين يتحدثون عن عبقرية النبي، صلى الله عليه وسلم، والذين يقفون تحت مظلة (التنمية البشرية).. أولئك الذين يظنون أن سعادة الأفراد ونهضة الأمة بالجد والاجتهاد فقط، وأن النهوض قد يتحقق بعيدًا عن النموذج الإسلامي الأول.

وقد شاهدت أحد علماء الاجتماع يتحدث في مؤتمر علمي ويقول: يأتمر المختصون من الكافرين كل عامٍ ليثبتوا أن الرسالة تطور بيئي، وذلك منذ أربعة عقود، ولم يفلحوا للآن.

الرسالة ظهرت فجأة وبدون مقدمات في المجتمع، فلم تكن في مكة حركة علمية أو ظواهر تعبدية تنبئ عن تطور الحال لمشهد الرسول والصحابة، وإنما كان الكفر والفسق على أشده.

ولم يُعرف شخص الرسول، صلى الله عليه وسلم، بخطابة، أو شعرٍ، ولا بتعلمٍ، ولا تعليمٍ، وبدأ يتحدث فجأة بحديثٍ من جنس كلامهم ومختلف عن قولهم (القرآن الكريم)، ويأتي بخوارق للعادات (معجزات) يثبت بها صدق حديثه، ويتحدث عن غيبٍ. وهو صاحبهم.. بمعنى يلازمهم ويعرفونه معرفة الصاحب بصاحبه.

 وتغيرت الجزيرة العربية. في سنوات قليلة. تحول نفس الأشخاص من رعاة للشاة إلى رعاةٍ للأمم. بحفنة من المفاهيم والتصورات البسيطة، التي تجيب على ذات الأسئلة التي تطرحها الفلسفة المعاصرة: الخلق، دور الإنسان في هذه الحياة، وماذا بعد الموت؟

 الفكرة الكامنة وراء تسويق مثل هذه الأفكار(التطور، وحتمية البيئة) هو صرفنا عن منظومة القيم السماوية.. النسق العقدي الرباني.. الكتالوج الجاهز والقابل للتطبيق، والذي يثمر تحولًا جذريًا في الأشخاص والواقع. فنحن المسلمين غير هؤلاء؛ سماويين. لسنا أرضيين كما ادعى عباس العقاد وعلي الوردي، وهما مثلان لفكرٍ منتشر تغلل في عقول شباب الصحوة الإسلامية وأثر فيهم، ولك أن تتدبر في الجموع التي تنصت لهذين الكاتبين وهما يحملان هذه الرذيلة الفكرية وينشرانها على العوام؛ والدعاة الجدد وهم تطبيق عملي للبرمجة العصبية/ التنمية البشرية؛ بل والمنصتين لأحاديث البرمجة العصبية نفسها، وقلَّ الملتفون حول حديثٍ النبي، وحال النبي،صلى الله عليه وسلم، وصحابته، رضوان الله عليهم.

 

أخبار ذات صلة

في حلقة تلفزيونية استغرقت ساعتين حوارا على قناة "بلانكا بريس"، مع الإعلامي كمال عصامي في برنامج "وجوه مشرقة"، بتاريخ 29 تموز/ يوليو 2022م، أدلى ا ... المزيد

هلاك فرعون ونجاة المستضعفين في التاريخ القديم ، هو ذكرى وعبرة بخذلان وخسران  كل الفراعين..ولو بعد حين.

فلكل أمة مستضعفة فرعون...ول ... المزيد