البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

"النصوص الشرعية القطعية".. والمؤسسة الكنسية

المحتوي الرئيسي


  • د. زينب عبدالعزيز
    10/09/2022 06:19

نشرت جريدة "اليوم السابع"، يوم الأحد الموافق 5 / 9 / 2010، خبرا يتكون من ثلاث نقاط هي:

*  أن الأقباط العاملين فى السعودية يطالبون ببناء كنائس لأن عدم وجودها يجعلهم يعانون من مشاكل روحية،

*  أن الكنيسة القبطية لديها كنائس فى الكثير من الدول العربية فيما عدا السعودية،

* أن بابا الفاتيكان قد جدد طلبه ببناء أول كنيسة في السعودية، إلا أن الفقهاء والعلماء السعوديين قد رفضوا ذلك بإعتباره مخالفا للنصوص الشرعية القطعية بشأن بناء الكنائس والمعابد فى جزيرة العرب،

وقبل ان اتناول الموضوع الرئيسي، وهو المطالبة ببناء كنائس في السعودية، أسأل هؤلاء الأقباط الذين "يعانون من مشاكل روحية": ما الذي دفعكم للذهاب للعمل فى السعودية وأنتم تعلمون يقينا ومسبقا أنها خالية من الكنائس؟! والإجابة بكل أسف لا تخرج عن أحد أمرين: إما إغراء المال؛ أو القيام بدور العمالة (الإستخباراتية) المزدوج لصالح المؤسسة الكنسية.

والازدواجية هنا تعنى: إما القيام بدور مخلب القط الذي تتذرع به الكنيسة القبطية للوصول الى مآربها، وإما القيام بدور التجسس لصالح نفس الكنيسة، أو الإثنين معا.. وكلاهما بكل أسف يمس الكرامة بلا جدال وخاصة   ويمس الولاء للوطن..

كما أن مثل هذا الوضع للعاملين بعقود مؤقتة، بالسعودية أو بغيرها من البلدان، يقع تحت مسمى "العمالة السيارة"، أى العمالة عابرة السبيل وليسوا من المواطنين. و العمالة السيارة لا حقوق دستورية لها على الدولة التى تستضيفها لفترات محدودة، لأنها عابرة سبيل، مثلها مثل السياح والزوار، أي أنه وجود مؤقت، وعليها الالتزام التام والإحترام الكامل لقوانين و عادات الدولة التي تعمل بها.

وتنطبق نفس الإجابة تقريبا على النقطة التالية، بمعنى ان عدم وجود كنائس بالسعودية أمر يعلمه الجميع بما فيهم قادة الكنائس والعاملين بها، وخاصة الكنيسة القبطية، التى تعيش بملايينها الثلاثة من الأتباع وسط قرابة ثمانين مليونا من المسلمين، أى ان ذلك ليس بأمر مخفى أو بجديد، لأنه محرّم شرعا وسارى المفعول منذ أيام الرسول صلوات الله عليه: أن كل أرض المملكة أرض حَرَمْ. وكون بعض الدول العربية قد رضخت للضغوط وسمحت ببناء كنائس رغم ندرة وجود مواطنين مسيحيين بها، فهذا لا يبرر ولا يجوز ان تقوم السعودية، ارض الحرمين الشريفين، بعمل نفس الشيء لكي لا اقول نفس الخطأ، لأن اى كنيسة اليوم لا تستخدم للعبادة فحسب وإنما تستخدم أساسا لمشاريع التنصير. وهو القرار الذي أصدره مجمع الفاتيكان الثانى باستخدام الكنائس المحلية فى عملية التبشير والتنصير. والعمالة السيارة لا حقوق لها على الدولة التى تعمل بها إلا ما يكفله لها قانون العمل، فقط لا غير.

ونأتى لبابا الفاتيكان، بنديكت 16، وبناء كنائس فى أرض المملكة السعودية، أو على حد تعبير البابا الراحل يوحنا بولس الثاني: "رشق أرض المملكة بالكنائس و غرسها بالأناجيل"! فهذه الفكرة العدوانية الإستفزازية ترجع أيضا الى مجمع الفاتيكان الثانى (1965) وقراره تنصير العالم، وهو قرار يُعد أحد أسباب البلاء الذي يعتري العالم حاليا: فلا يمكن اقتلاع أى فرد أو أية دولة من دينها وتقف صامتة.

وقد أعرب البابا الراحل، يوحنا بولس الثانى، صراحة عن هذا المطلب في كتاب: "الجغرافيا السياسية للفاتيكان"(1992) والذي يسير البابا الحالي على خطاه بكل إصرار وتعنت.. إذ نطالع فى ذلك الكتاب أن الهدف المعلن بوضوح لا مواربة فيه هو: فتح الأراضي السعودية على مصراعيها أمام عمليات التنصير وبناء الكنائس، بل لقد كان هذا هو أحد المطالب التي دار النقاش حولها عند زيارة خادم الحرمين المؤسفة للفاتيكان. الأمر الذي نراه مكتوبا بكل وضوح لكي لا أقول بكل وقاحة وجبروت في الفقرة التالية:

 " كيف يمكن قبول إدعاءات السلطات السعودية باعتبار أن مجمل هذه المملكة عبارة عن منطقة مقدسة ـ   وليس منطقة الحجاز التى تضم مكة والمدينة فحسب ـ لأن هذا الموقف يؤدى إلى منع المسيحيين من إقامة أى صليب على ذلك "المسجد" الذي تبلغ مساحته 2149690 كيلومترا مربعا" (صفحة256).. وفى مكان آخر تم اقتراح الإكتفاء بأسوار الحرمين واستباحة كل ما عداها!

وعملية الزج بالكنيسة القبطية فى نفس المطالبة الفاتيكانية يعنى أنها محاولة لمزيد من الضغوط على السعودية وإقحام مصر لمساندة طلبها الجائر، كما يكشف عن طواطؤ دور الكنيسة القبطية مع الفاتيكان فى هذا الموضوع تحديدا. مما يضع ولاء هذه الكنيسة القبطية لمصر وللأغلبية الساحقة المسلمة محل نظر..

أما عن موضوع الكنائس بصفة عامة فهى بدعة من البدع التى تم إدخالها على ما يُعرف بالديانة المسيحية. فالسيد المسيح لا يعرف شيئا عن الكنائس، و لم يطالب بإقامة كنيسة، لأنه كان يبشر بإقتراب حدوث "ملكوت السماوات" فى عهده وخلال أيام، فكيف يفكر فى بناء كنائس للتعبد مستقبلا؟! وفقا لأقوال السيد المسيح لم يكن هناك أى أمل فى مستقبلٍ ما لإقتراب نهاية العالم فى عهده وفقا لدعوته.

بل إن ما قاله السيد المسيح حرفيا لأتباعه هو: "وأما أنت فمتي صليت فادخل إلي مخدعك وأغلق بابك وصلّ إلي أبيك الذي في الخفاء" (متي 6: 6)

 ثم، إن من كان يلوم بطرس ويؤنبه قائلا: "يا قليل الإيمان لماذا شككت؟" (متى 14: 31).. وبعد ذلك بقليل نراه يقول له: "اذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" (16: 23)، وإذا كانت هذه الإدانة الصارمة صادرة عن السيد المسيح لبطرس كيف يعقل أن نراه يقول له، يقول لنفس الشخص الذى يشك والذى لا إيمان له: "وأنا اقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 16: 18) ؟!. وهذه الجمل او الأرقام مما ثبت أنها من الإضافات التراكمية اللاحقة.

والتناقض ليس واضحا فحسب في هذا التضارب، وإنما أيضا في استخدام نفس كلمة "كنيسة"، التى تمثل عملية تزوير لغوى لأنها لم تكن معروفة ولا موجودة لغويا أيام السيد المسيح.. فهى مشتقة عن اليونانية ekklesia   وتعنى "اجتماع" أو "جمعية"، كما باتت تعنى بعد ذلك مجازا المكان الذي يجتمع فيه الأتباع. ويقال إن أول استخدام لها وفقا لأعمال الرسل كان سنة ستين ميلادية، ثم قامت المؤسسة الكنسية بإطلاقها على أول إجتماع تم فى أورشليم/القدس بين الحواريين سنة 48، برئاسة يعقوب، شقيق السيد المسيح، الذي تولى قيادة الحواريين بعد السيد المسيح. وفى هذا الاجتماع الأول الذي انعقد لتدارس ما العمل تم الإعلان عن إلغاء العهد، الممثل فى الختان الذي فرضه الرب وأراده عهدا أبديا، وإحلال بدعة التعميد بدلا عنه لتسهيل عملية الدخول فى المسيحية أو قبولها، إذ كان الختان يقف عقبة فى وجه الكثير من البالغين.. وتعد هذه البدعة أول تحريف أساسى لأنه يمثل الخروج عن الشرع وتبديله من أجل إدخال مزيد من الأتباع فى المسيحية..

والسيد المسيح لم يطلق اسم "كنيسة كاثوليكية" على الإطلاق وانما أغناسيوس الإنطاقى هو الذي افتراها سنة 112، في رسالته الى مسيحيى مدينة إزمير. ثم تبنى مجمع القسطنطينية سنة 381 هذه التركيبة وأدخلها في عقيدة الإيمان، وفرض اللعنة والحرمان على من لا يقبلها أو لا يؤمن بها.

ومما كثر ترديده فى المجال الفاتيكانى أيام زيارة خادم الحرمين للفاتيكان، أنه لا توجد علاقات دبلوماسية بين السعودية والفاتيكان.. وهنا لا بد من تحديد أنه لا يجب ولا يجوز ان تكون هناك أية علاقات دبلوماسية بين المملكة السعودية والفاتيكان، لأن مثل هذه الإتفاقية ستكون الركيزة الرسمية التى سيتعللون بها رسميا لبناء الكنائس، وهو ما يكتبونه وليس بسرٍ من الأسرار.

إن الإلتزام بنصوصنا الشرعية القطعية لا فصال ولا نقاش فيه، والالتزام بها فرض عين على كل مسلم ومسلمة. وقد أمر سيدنا رسول الله باخراج اليهود والمشركين من جزيرة العرب، ونهى أن يجتمع فيها دينان، وتبعه الصحابي في ذلك، لأن الجزيرة العربية هي محل قبلة المسلمين، ولا يجوز أن ينشأ فيها بيت لعبادة غير الله. بل لقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، "لا تحدثوا كنيسة فى الإسلام ولا تجددوا ما ذهب منها". ومن أقواله عليه الصلاة والسلام: "لا تكون قبلتان في بلد واحد"؛ "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب"؛ "لا خصاء فى الإسلام ولا كنيسة"؛ "اخرجوا المشركين من جزيرة العرب"؛ "لا يجتمع بيت رحمة وبيت عذاب"..

وعن السيدة عائشة، رضى الله عنها، قالت: "آخر ما عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، أن لا يترك بجزيرة العرب دينان".. ولا يسع المجال هنا لأورد كل ما أنزله المولى عز وجل فى القرآن الكريم من آيات تفضح ما تم من تحريف وتبديل ومآخذ فى المسيحية الحالية وفى نصوصها، وكلها إدانات أثبتها علماء الغرب المسيحي بعد ذلك، وكثير منهم كنسيون. فهل يعقل أن نخرج عن دين الله وعن تعاليم سيدنا رسول الله من أجل إرضاء بعض القائمين على ديانة هم أول من يعرف أنها عانت الأمرّين من التبديل والتحريف عبر المجامع على مر العصور؟! بل لقد إعترف الفاتيكان فى مجمعه الثانى (1965) أن الأناجيل ليست منزّلة من عند الله وان من كتبها هم بشر، وان الاختلافات التي فيها و بينها هى "من قبيل التعددية في التعبير"!

والأمر ليس مرفوعا لخادم الحرمين الشريفين فحسب وإنما لكافة القيادات الإسلامية وأصحاب القرار فى العالم الإسلامى والعربى لوضع شطحات هذه المؤسسات الإستفزازية التنصيرية في المكان الذي يجب ان توضع فيه و تلتزم به.. وعلى جميع هذه القيادات الإسلامية بكل مستوياتها أن تدرك بوضوح: ما هو المنتظر منها، من جانب الفاتيكان وقساوسته؛ وما هو المنتظر منها، من كافة المسلمين، دفاعا عن النصوص الشرعية القطعية..

 والمقارنة بين الكفتين، خيانة الإسلام والخضوع للمطالب الكنسية، أو الدفاع عن الإسلام والحفاظ عليه، وهي مقارنة لا يجب بل ولا يجوز أن تطرح أصلا..

 

أخبار ذات صلة

فى حلقة الاسبوع الماضى على قناة المحور برنامج حوار لندن تم تناول هذا موضوع ( لماذا فشل الاسلاميون ؟) وانا احاول تجميع ما استطيع من المعانى التى تتصل بهذا ... المزيد

التلاوة متابعة القراءة، وهي أعمق من القراءة وأكثر أبعادا، ومن ثم فلها حق، بل حقوق. لحق التلاوة ميزان يوزن به، وهو الإيمان، والإيمان ما وقر في القلب وصدق ... المزيد

أصدر الدكتور طه حسين سنة 1938م كتابًا كان قد ألفه قبل ذلك بسنةٍ عنوانُه "مستقبل الثقافة فى مصر"، حاول فيه أن يضع الأسس التى ينبغى أن تسير عليها العملي ... المزيد

لست أزهريا بالمعنى المتعارف؛ فقد كانت دراستي الشرعية في مرحلتي الجامعة والماجستير ، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،  وعلى حسب مناهجها في العق ... المزيد