البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

"المقدسي" يكذب من استند لكتابه في تكفير العاملين بمدارس الدولة السورية

المحتوي الرئيسي


"المقدسي" يكذب من استند لكتابه في تكفير العاملين بمدارس الدولة السورية
  • أبو محمد المقدسي
    03/05/2015 12:06

تحت عنوان (بطلان تكفير المنظومة التعليمية كلها وغلو من سعى إلى استتابة كافة أعضائها) كتب المنظر الجهادي الأردني المعروف أبو محمد المقدسي يقول:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:-

فلقد دعاني إلى كتابة هذه الكلمات المختصرة ما قرأته من كلام بعض الغلاة من تكفير كافة المدرسين والعاملين في التعليم في مدارس الدولة السورية، وزعم بعض أنصارهم في بعض حواراتهم وجدالاتهم مع من أنكر عليهم ذلك بأنهم يتكئون في بعض ما يذهبون إليه في ذلك على كتاباتي -زعموا- في تكفيرهم للمنظومة التعليمية كاملة في زماننا وتكفير ما تحويه مدارس الحكومات من إداريين ومدرسين ومشرفين باختلاف توجهاتهم، وإيجاب الاستتابة لهم كشرط ليُخلى سبيلهم وتُعصم دماؤهم، وذكروا ذلك فيما نُشر على مواقع التواصل في بعض حواراتهم وعزا بعضهم واتكأ في مذهبهم إلى كتاب (إعداد القادة الفوارس بهجر فساد المدارس) وهي رسالة كنتُ قد كتبتها من باب إنكار مفاسد مدارس الحكومات قبل قرابة ثلاثة عقود، كنتُ حينئذ في بداية رحلتي في الكتابة وقمة توقُّد حماستي، ومع ذلك فلم يصدر مني حين كتبتها ولا قبل ذلك ولا بعده تكفير مدرسي هذه المدارس أو مشرفيها أو إدارييها؛ فالكتاب أصلًا لم يُصنف في أحكام التكفير كما هو بيِّن من عنوانه؛ ولذلك قلتُ في مقدمة هذه الرسالة: "فهي لأجل ذلك ما صُنفت حول هذه المدارس التي لم تؤسس على تقوى من الله ورضوان لتقدم في الدراسة أو التدريس فيها حكمًا فقهيًا محددًا كالحرمة أو البطلان وإن كانت -يقينًا- تمتلئ بالباطل والحرام، بل فيها ما هو أطم وأعظم من ذلك، فيها الكفر والزندقة والإلحاد والشرك الصراح، وسيرى قارئُها إذا ما تصفحها أن الأمر جدّ بالأدلة والبراهين لا مغالاة فيه ولا مبالغة..." أ.هـ.

وكل من عنده شيء من العلم يعلم أن هذه الفقرة تتكلم عن وجود الكفر والحرام وغيره في هذه المدارس وفي مناهجها كما فصَّلتُه في الكتاب بالأدلة والبراهين، وأنه ليس في العبارة تعميم ولا تبعيض لتكفير المدرسين ولا العاملين في هذه المدارس، إذْ الحكم على الفعل شيء هو دون الحكم على الفاعل كما يدركه المبتدئون في فهم مسائل التكفير، ولقد كنتُ نبهتُ في رسالتي (الثلاثينية) وحذرتُ من أخطاء التكفير المشتهرة التي يقع فيها كثير من الشباب المبتدئين، فكان أول خطأ نبهتُ عليه من ذلك هو "عدم التفريق بين الكفر المطلق وتكفير المعين، أو كفر النوع وكفر العين".

حيث قلتُ فيه: "وذلك أن كثيرًا من المبتدئين في طلب العلم لا يميزون بين إطلاقات كثير من العلماء في كتبهم، -نحو حكاية ابن القيم -رحمه الله- عن خمسمئة إمام من أئمة الإسلام أنهم كفروا من أنكر الاستواء وزعم أنه بمعنى الاستيلاء- أو نحو قولهم: من قال القرآن مخلوق فقد كفر، أو قال إن الله في كل مكان فقد كفر".

وعلى هذا المنوال ما كنا نطلقه من إطلاقات عن بعض من وقع بأعمال أو أقوال مكفرة: "إن فلانًا قد وقع بمكفرات" أو أنه قال أو فعل الكفر، فقد كان يَنسب بعض المبتدئين إلينا بسبب مثل هذه الإطلاقات تكفير أولئك المعينين، وهو ما لم نقله أو نقصده بحال.

وكذلك إطلاقات العلماء في الطوائف المنحرفة عن عقيدة أهل السنة والجماعة كقولهم: "الجهمية كفار" أو "القدرية كفار" أو نحو ذلك.

فلا يميزون بين هذا وبين تنزيل هذه الأحكام على الأعيان، فربما كفروا كل من سمعوا منه شيئًا من هذه المقالات أو قرؤوه في كتبه ومؤلفاته، حتى سمعتُ منهم من كَفَّر كثيرًا من الأعلام؛ لوقوعهم في شيء من تأويل الصفات كالحافظ بن حجر والنووي وغيرهم! وهذا كله من التهور والتسرع الذي لا تحمد عقباه.

والصواب عند العلماء المحققين أنهم وإن أطلقوا تلك الإطلاقات في المقالات أو الطوائف التي تنتحلها إلا أنهم لا ينزلون حكم التكفير على المعين إلا بعد النظر في شروط التكفير وموانعه، فمن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام مرارًا في (الفتاوى) أن "الجهمية كفَّرهم السلف والأئمة تكفيرًا مطلقًا، وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها" أ.هـ.

وخلاصة هذا الموضع:

أن التكفير المطلق: هو أن يثبت بالدليل الشرعي كفر من أتى بقول أو فعل معين، وذلك أن يقال: من قال كذا فقد كفر، أو من فعل كذا فقد كفر، هكذا بإطلاق دون تنزيل الحكم بالكفر على شخص بعينه.

فالتكفير المطلق: هو تنزيل الحكم بالكفر على السبب، لا على الشخص فاعل السبب.

أي: هو تجريم الفعل نفسه لا الفاعل؛ ولذلك يكفي فيه فقط النظر في الدليل الشرعي من حيث كونه قطعي الدلالة على الكفر الأكبر، وأنه ليس من الصيغ محتملة الدلالة مع النظر في قطعية دلالة الفعل أو القول نفسه على الكفر.

أما تكفير المعين: فهو تنزيل حكم التكفير على الشخص المعين الذي قال أو فعل السبب المكفر، فلا بد فيه إضافة إلى النظر في تجريم الفعل كما في التكفير المطلق، أن يُنظر في حال الفاعل أو القائل من حيث ثبوت الفعل عليه وانتفاء موانع الحكم في حقه، أي: استيفاء شروط التكفير وانتفاء موانعه.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكنتُ أبين لهم أن ما نُقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من قال كذا وكذا، فهو أيضًا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعَت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة "الوعيد" فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا...} الآية، وكذلك سائر ما ورد "مَن فَعل كذا فله كذا" فإن هذه مطلقة عامة وهي بمنزلة من قال من السلف: "من قال كذا فهو كذا"، ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة.

والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول -ﷺ- لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا" أ.هـ. (مجموع الفتاوى - 3/147-148)

وقال أيضًا (35/101): "وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولًا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية ، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، وليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه، مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام أو لنشوئه ببادية بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا أنه من أحاديث رسول الله -ﷺ- ...إلخ" وقد تقدم.

إلى أن ختمتُ ذلك بقولي: "والخلاصة، أن عدم مراعاة الفرق بين التكفير المطلق وتكفير الأعيان مزله ومهواة تردى فيها البعض، فكفروا خلقًا ممن لا يحل تكفيرهم إلا بعد الإعذار والإنذار، فضلوا بذلك وأضلوا كثيرًا" أ.هـ. باختصار من (الثلاثينية).

هذا، وقد أسمعني بعض من خاض مناقشات مع الغلاة حول مناطات تكفيرهم للمنظومة التعليمية بما يستدلون به وهو إصدار لإذاعة اسمها (البيان) بعنوان (خطوة خطوة -حلقة التعليم) فاستمعتُ إلى شيء من ذلك فوجدتُ أحد مشايخهم يبرر ويستدل لتكفير جميع المعلمين والإداريين والمشرفين بعضويتهم في نقابة المعلمين وبنى تكفيرهم على ما ورد في أهداف النقابة الواردة في قانونها الأساسي؛ لأن هذه النقابة يلزم كل معلم الانتساب إليها كي يُسمح له بالعمل في سلك التعليم، وذكر أن قد ورد في قانون النقابة ذكر أهداف كفرية للتعليم.

فخلاصة ما ذكروه: أنهم استدلوا بأن القطاع التعليمي "يعتبر من أهم قطاعات الدول والأنظمة، وقد استغله النظام الكافر في سوريا في زرع الكفر والإلحاد، وأن المدرسين هم الأداة التي تنفذ ما يريده النظام ويسعى في تحقيقه وترسيخه في نفوس الأجيال، والمدرسون ومن فوقهم من المدراء والمشرفين كلهم أعضاء في هيئة نقابة المعلمين السورية، ولو نظرنا إلى أهداف هذه النقابة لوجدناها ذَكرت في القانون الأساسي لها في المادة الثانية أن من أهدافها: النضال من أجل تحقيق المجتمع العربي الاشتراكي الموحد بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي، ورفع الوعي المهني والوعي القومي الاشتراكي بين المعلمين، وكذلك تعزيز الثقافة الديمقراطية وغرس القيم الوطنية والقومية في نفوس التلاميذ والطلبة".

وعقبوا على هذا بقولهم أن "هذه الأهداف تشتمل على أربع مناطات كفرية منها:

• الدعوة إلى القومية
• وكذلك الدعوة إلى حزب البعث، والرضوخ والانقياد لقيادة حزب البعث
• وكذلك الدعوة إلى الاشتراكية
• والدعوة إلى تعزيز الثقافة الديمقراطية في نفوس الطلاب"

وبرروا تكفيرهم بأن "جميع المدرسين لا بد لهم أن ينتسبوا لهيئة نقابة المعلمين والانتساب إليهم يعتبر إقرارًا ورضى لما هم عليه، والرضى بالكفر كفر كما بينه العلماء -رحمهم الله-" أ.هـ.

أقول: يعلم كل عاقل عارف بالواقع أن هذا شأن جميع دول العالم سواء حكمت بنظام الحزب أو بغيره، فمعلوم أن الدول وطواغيتها لا يُنشئون المدارس كعمل صالح أو كصدقة جارية أو لهدف التعليم المجرد والبريء! بل جميع الأنظمة في العالم تتولى أمر التعليم لتحقق من خلاله ما تريده من أهداف، وقد كنتُ قد أوردتُ قبل قرابة ثلاثين سنة في كتابي المشار إليه أعلاه (إعداد القادة الفوارس) وهو يتحدث عن الكويت التي ليس فيها حزب ولا بعث ولا اشتراكية ولا قومية، فذكرتُ بعض ما ورد في المرسوم الأميري الذي نص على أهداف التعليم، وأوردتُ بعض تلك الأهداف، ومنها: "غرس الولاء للوطن والأمير في نفوس الطلاب" ومع ذلك لم أُكفر بذلك المنظومة التعليمية؛ لأنني أعرف أن هذه أهداف النظام وليست أهداف المعلمين، وأن جميع أنظمة العالم تهدف إلى مثل ذلك، ولكن ليس جميع المعلمين يلتزمونه أو يعملون على تحقيقه، بل إن الأنظمة نفسها لا تلتزم بكل تلك الأهداف بدليل ما ذكره المستدل بتلك الأهداف أعلاه من أن من أهداف النقابة "تعزيز الثقافة الديمقراطية" ومعلوم أن هذا مفقود لا يسعى إليه النظام السوري ولا تعززه نقابة المعلمين هناك، بل هو ديكور وتلميع للنقابة والنظام في عصر تقدس جاهليته الديمقراطية.

ولذلك فإنه من الجهل والغلو تكفير المنظومة التعليمية كلها لمجرد النص على هذه الكفريات في نقابة المعلمين، وإنما يكفر فقط من الْتزم تلك الأهداف وعمل بها وسعى لتحقيقها.

أما من لم يثبت عليه أنه الْتزمها وكان من المنتسبين للإسلام فلا يجوز تكفيره لمجرد انتسابه للمنظومة التعليمية أو لنقابتها، بل ينظر أولًا في المادة التي يدرسها إن كانت تحوي كفرًا، فالفيزياء والكيمياء والرياضيات ونحوها -مثلًا- الأصل أنها لا دخل لها بتاريخ النظام ولا فكره ولا كفره، وإن كان قد يزج فيها بأشياء غير أصيلة في المادة زجًا، لكنه نادر والنادر لا أثر له.

ثم لا بد للمتصدر للتكفير أن ينظر هل يُقر المدرس الانحرافات أو الكفريات الموجودة في مادته أو يدرسها دون نقد أو تنبيه للطلاب؟ فكل من عاش ودرس في مدارس الحكومات يتذكر أنه قد مر عليه مدرسون لا يكترثون لأهداف التعليم فضلًا عن أهداف الطواغيت، كما مر عليه كذلك مدرسون صالحون ودعاة أفاضل كانوا مربين وينتقدون المنهج وينبهون على الأباطيل التي فيه، والتكفير بالعموم لا شك يشمل هؤلاء وغيرهم.

وعليه، فالمبادرة بتكفير عموم المدرسين بناءً على الكفريات التي نصت عليها سياسة التعليم أو أهدافه أو أهداف النقابة دون النظر فيما تقدم، هو من المجازفة والجرأة على التكفير التي يتعاطاه الغلاة الذين يسيرون على نهج الخوارج.

ولقد تملكني العجب عندما استمعتُ إلى تكفير القوم للمنظومة التعليمية كلها دون تفصيل بناءً على تلك القواعد الهشة، فتيقنتُ أن القوم قد أتوا من جرأتهم على تقحُّم التكفير من غير ضوابط ولا تنقيح للمناطات أو سَبْر للأسباب، ومعلوم أن العالم الذي نعيش فيه اليوم ودُوَله كلها تنبني على قوانين وأنظمة، وأن الناس الذين يعيشون في هذه الدول كلهم تجري عليهم هذه القوانين وتُفرض سواء كانوا من أنصار هذه القوانين أو من أعدائها، وليس ذلك وقفًا على التعليم ومنظومته وحسب، بل لا تستخرج شهادة ميلاد المولود ولا هويته ولا بطاقة جنسيته ولا جواز سفر ولا رخصة قيادة ولا ترخيص محل ولا يحصل على وظيفة في وزارة أو شركة وغير ذلك مما يواجهه طوال حياته إلى أن يستخرج أهله له شهادة الوفاة، لا يفعلون ذلك كله إلا وهم يطبقون قوانين وأنظمة وتعليمات ومراسيم خاضعة كلها في النهاية لقوانين وأنظمة وأهداف الطواغيت ورغباتهم وسياساتهم، وأن كل هذه المنظومة القانونية وضعها الطواغيت ومشرعوهم؛ لتحقيق أهدافهم وإطالة بقائهم، لكن من الناس من يخلص في الاستقامة عليها ويراعيها في الغيب والشهادة والسر والعلن ويكون من أنصار الطواغيت وأوليائهم ومناصري قوانينهم بعجرها وبجرها، ومنهم من لا يؤمنون بالطاغوت ولا يحبون قوانينه بل يبغضونه ويكفرون به ولا يتولونه ولكنهم مستضعفون تجري عليهم الأنظمة والقوانين كشأن كل من يعيش في هذا العالم اليوم، وأكثر الناس لا ينظر في هذه القوانين ولا يطالعها ولا يقرأها حين يقدم على استخراج وثيقة أو معاملة مفروضة عليه؛ لأنه لا بد له أن يستخرجها على كل حال، مضطر لذلك مفروض عليه، وتترتب على تركه له عقوبات معلومة، وكل همه تجنب تلك العقوبات وحماية حقوقه ودرء المفاسد عن نفسه وأهله.

فمن يستخرج شهادة ميلاد -مثلًا- يستخرجها طبقًا لقانون الأحوال المدنية وأكثر الناس لم يقرؤوا هذا القانون ولا دروا بما فيه ولا شعروا بالأهداف التي وُضع لها، وجُلها أمني؛ لحفظ عروش الطواغيت وصد عادية المجاهدين عنهم، وربما لو قرأه بعض الغلاة لكفَّر بسببه كل من استخرج شهادة الميلاد أو هوية الأحوال كما فعله بعضهم عندنا، إلى أن آلَ مآلهم إلى تكفير من استخرج رخصة القيادة أو وقف على الإشارة الحمراء أو دفع فاتورة الكهرباء! فكل ذلك يمشي بقوانين وضعها الطواغيت! وحتى لو كانت القوانين إدارية فلها أهداف تصب في النهاية لمصلحة الطواغيت وأنصارهم ونظامهم الحاكم بغير ما أنزل الله!

وكذلك أكثر من يستخرج جواز السفر لا يقرأ قانون الجنسية ولا يدري ما يحتوي ولا يهمه سوى الحصول على الجواز؛ ليتمكن من السفر أو الحج أو غيره، فكيف نكفر هذا وذاك بشيء ما درى عنه ولا قصده ولا الْتزم محتواه؟!

ولا يكفر مع الذهول عن القصد المكفر وعدم إرادته طالب علم يعرف ضوابط التكفير فضلًا عن عالم يُرجع إليه في الفتوى ويصدَّر لأخطر الأحكام التي ينبني عليها استحلال الدماء والأموال والفروج، وما المفاسد التي نعاينها اليوم في شتى الساحات إلا فروع عن فساد هذه الأصول وفساد وجهل وانحراف المتصدرين للتوقيع فيها والفتيا.

أضف إلى ذلك، إن مبنى الشريعة وأصلها على السماحة والرحمة والتوسعة خصوصًا في عهود الاستضعاف ومقامات الضيق ففي القواعد "إذا ضاق الأمر اتسع" و"المشقة تجلب التيسير" و"الضرورات تبيح المحظورات".

والأمة اليوم مقهورة بحكم الطواغيت مفروضة عليها هذه القوانين، فمن شايعهم وناصرهم ورضي بقوانينهم أو ناصرهم عليها فهو منهم، ومن كان مستضعفًا لا يرضاها ويبرأ منها ويبغضها ولو بقلبه ولا يظهر ما يناقض ذلك ولا ينصرها، فبأي شيء يكفر إلا بالغلو؟!

ولو أردتُ أن آتي بأمثلة من هذه القوانين وما فيها من شنائع ثم أُلزم الغلاة بإلزامات لو الْتزموها لكفروا الناس أجمعين، لطال بنا المقام، ولكن لكل أحد أن يقرأ أهداف كل وزارة وأهداف كل نقابة وما شرعت قوانين الجنسية والجوازات والأحوال المدنية بل والمرور والصحة والبلديات وقوانين العمل والعمال من أجله؛ ليتعرف على هذه الحقيقة التي يتعامى عنها الغلاة في انتقائيتهم، وليعلم بعد ذلك أن كل ذلك منسجم مع الأصل العام الذي تسير الدولة على خطوطه العريضة ونصوصه الأساسية ألا وهو الدستور.

والتعاطي مع هذا بجهل هو ما حدى بغلاة المكفرة وآلَ بهم إلى تكفير العباد والبلاد، ولم يحكم كثير منهم بالإسلام إلا لأنفسهم وأفراد معدودين معهم!

ولكن المقرر عند أهل العلم الراسخين أن لازم المذهب ليس بمذهب إلا أن يشعر به صاحب المذهب فيلتزمه ويرتضيه، وأن الإنسان لا يؤاخَذ بفعلٍ انتفى قصده فيه وجهل أو ذهل عن المراد منه، بحيث يكون كالأعجمي الذي يتلفظ بلفظ كفري لا يعرف معناه، ولا يتقحم تكفير الناس بمثل ذلك إلا من لا يرفع بشروط وموانع التكفير رأسًا، ويغرف من أخطاء التكفير غرفًا، ويجرف في تكفير الناس جرفًا، ولا يرحم مستضعفًا تجاوز الشرع عنه وعفا، ولا يتذكر ويعتبر بقوله -تعالى-: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} ثم يرتب على ذلك الجهل والتخبط في التكفير من استحلال الدماء والأموال المعصومة ما يوبق به دنياه وأخراه.

وقبل أن أختم هذا أقول لهؤلاء الغلاة المتهورين: لماذا استتبتم المدرسين مع احتمالية وجود من لا يعمل ولا يطبق أهداف النقابة ولا يؤيد قوانينها التي تعمل لأجل نشر الكفر؟ ولم تكفِّروا الآباء الذين سمحوا لأولادهم تلقي هذا الكفر الذي تهدف إليه النقابة والذي أَسست الدولة مدارسها من أجله؟ بل يجبرون أبناءهم ويأطرونهم أطرًا عليه، ويعاقبونهم على تقصيرهم في الذهاب إليه!

فكفرتم كل من أقر الكفر الذي ذكرتموه في النقابة أو رضي به، ولم تكفروا من أمر بذلك الكفر وأجبر عليه وعاقب على تركه!!

أليس هذا تشهِّي وانتقائية في التكفير غير مضبوطة بضوابط؟! وهكذا هو شأن الغلاة والمتخبطون.

وأنا هنا لا أختار ذلك طبعًا ولا أتبناه، لكني أُلزم المكفرين للمنظومة التعليمية كلها دون تفصيل بما يلزم من إطلاقاتهم؛ لأُظهر تناقضهم إن لم يلتزموه، أوغلوهم في التكفير ومجازفاتهم وجهلهم إن هم تجرؤوا عليه والْتزموه.

وللحديث صلة -إن شاء الله-، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أخبار ذات صلة

كتب المحامى خالد المصري أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المتهمين في القضية رقم 271 لسنة 2021 جنايات أمن الدولة طوارئ ق ... المزيد

الطرق الصوفية - الجماعات الإسلامية الدعوية  - المذاهب الإسلامية، هي في الأساس وسائل للوصول لغايات شرعية (في أساسها) ولذلك لا تحمد ولا تذم لذاتها، وإنم ... المزيد

بعد سقوط الخلافة قال «توماس إدوارد لورانس» المشهور بـ«لوارنس العرب» في كتاب «ثورة في الصحراء»: «لقد وضعنا بمهارة مكة في مواجهة إسطنب ... المزيد