البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

"التجربة الجزائرية".. كما يراها القيادي الجهادي عطية الله الليبي

المحتوي الرئيسي


  • عطية الله الليبي
    19/08/2014 12:17

الحمد لله والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه:      طبعًا أنتم تعرفون أن الحركة الجهادية في الجزائر جاءت بعد أحداث سياسية كان لها طابعها الخاص، وكان لها تأثيرها الإيجابي على الحركة الجهادية، ودخول الجبهة الإسلامية للإنقاذ بقيادة عباس علي بلحاج للانتخابات، ومشاركتهم في العملية واللعبة السياسية ونجحوا في الانتخابات، وكان من المفترض أن يحكموا البلد.      الجبهة الإسلامية  للإنقاذ كانت تنظيمًا إسلاميًّا سلفيًّا إلى حد ما، أي تحمل طابعًا سلفيًّا، ليس لها انتماء واضح جدًّا لمدرسة معينة أو لمجموعة معينة، ولكن يغلب عليها الطابع السلفي، مع نوع من الحركية والاستفادة من تجارب جماعات أخرى كجماعة الإخوان ومع الجماعات الجزائرية المحلية.  

   الجبهة الإسلامية تكونت بشخصيات شكلوا أنفسهم وجمعوا أنفسهم كحزب سياسي للدخول في العمل السياسي، كانوا متناثرين، وكان علي بلحاج هو الخطيب المفوه، وأُوتي القدرة على الخطابة على طريقة الشيخ كشك في مصر، ولكن هو كانت له جماهيرية أشد وأكبر جدًّا، كانت آلاف مؤلفة من الناس يتعلقون به، كان يطوف في البلدان والمناطق والمساجد الكبيرة، وعنده أسلوب مميز، يتكلم بلغة أقرب إلى العامية، ويمزج بين العربية والعامية، ويستعمل العامية بكثرة في كلامه، ويميل أحيانًا إلى أسلوب فكاهي وتهكمي، وقد فتح الله عليه في الخطابة، وأظنه -إن شاء الله- رجلًا صالحًا، فيه بركة، وفيه صدق وإخلاص، وفيه حمية للدين، سمته صالح، وهو أيضًا من مشايخ العلم، درس العلم ومن العلماء -إن شاء الله-.    

 كان عباس مدني ومجموعة من القيادات الأخرى هم الأقرب إلى القيادات السياسية؛ لكن كانوا قيادات تاريخية لهم دور من زمان.      علي بن عباس رجل شيباني كبير في السن عمره سبعون سنة ويزيد تقريبًا، حضر الثورة الجزائرية، وشارك في الجهاد الجزائري، وعنده خبرة في ذلك، بالإضافة إلى أنه مثقف، فعلى المستوى الوطني يعتبرونه مثقفًا على مستوى عالٍ جدًا، فهو يحمل درجة بروفسور، وله أربع شهادات دكتوراه، ويجيد اللغة الإنجليزية والفرنسية وأشياء مماثلة، ولكنه كان إنسانًا عاديًّا وطنيَّا مجاهدًا من المجاهدين القدامى، وكان لديه توجه إسلامي وتاريخ إسلامي، وكان محبًا للحركة الإسلامية.      في أوائل الثمانينات وأواسط الثمانينات كان هؤلاء يجمعون أنفسهم، رغم اختلاف التوجهات إلا أن العمل الإسلامي جمعهم، وإرادة إقامة النظام الإسلامي، والدولة الإسلامية، فكان فيهم سلفيون، وكان فيهم بعض الناس العاديين، ومثقفين إسلاميين، ومشايخ، ولم يكن عندهم انتماء معين، ولكن اجتمعوا على فكرة تكوين حزب.    

 وفي عام 1988م عندما كان الشاذلي بن جديد هو الرئيس الجزائري، حدثت مظاهرات ضده، خرج فيها شباب أسموها (ثورة الخبز)، خرج الشعب الجزائري بالملايين في مظاهرات عارمة بالعاصمة حتى ظُن أنهم سيزحفون ويحتلون القصر الجمهوري، فطلع الشاذلي يبكي على التلفاز ويناشد الناس بأن ترجع، وأنه من تلك اللحظة شرَّع التعددية الحزبية، وأعلن عن إصلاحات وغيرها، فرجع الناس، وأرجعتهم قياداتهم استنادًا إلى أن الرئيس وعد بأنه سَيُفعِّل تعدد الأحزاب وسيقوم بالإصلاحات وغير ذلك، بعد ذلك الشاذلي بن جديد بالفعل وفى بوعده وشرَّعوا في البرلمان التعددية الحزبية، لأنه كان حاكمًا لحزب واحد في السابق وهو حزب جبهة تحرير الوطن (FLN)، وهو الحزب الذي توحدت فيه الأحزاب أيام الثورة، واستلم السلطة في الاستقلال بعد خروج فرنسا، فكان الحزب الحاكم ومنه كل رؤساء الجزائر، فهذا الحزب كان هو الحزب الوحيد، الناس ضجرت من تصرفات هذا الحزب ودكتاتوريته وحصل تمرد شعبي وثورة كادت تطيح بالدولة والحكومة، فتدخلوا في الآخر بالبكاء وبالاستجداء والمناشدات، وهكذا هدأ الشعب، وهدأتهم القيادات الشعبية وغيرهم، ثم دخلوا مرحلة التعددية فلما دخلوا مرحلة التعددية كان هؤلاء (علي بلحاج، وعباس مدني) وجماعة كبيرة من الدعاة ومن المشايخ وغيرهم، كان فيهم الصالح وفيهم الطالح، ثم أتتهم المحكات وتدينوا، المهم أنهم كونوا حزبًا (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) وأسموه اسمًا دالًّا على أنه اسم ثوري، وكان عندهم ثورية بالفعل، كان منهجهم فيه كثير من الخير وكثير من الصواب والوضوح ؛ فكانت مسألة الحاكمية مسألة واضحة جدًّا عندهم، وهذه الدولة كافرة مرتدة، فعباس المدني في جميع خطبه وفي كل تنظيراته يبث هذا، ويركز على تكفير الدولة، ولم يكن لديهم تردد في ذلك ولكن كانوا يرون أنه يجوز استغلال الفرصة السياسية، فيقولون: ندخل كحزب سياسي فنزاحم على السلطة، وكانوا يتشجعون على أن الشعب سيؤيد دعوتهم، وطبعًا كان هناك صحوة ونهضة شعبية إسلامية كبيرة جدًّا، فكانوا يتوقعون أن الشعب سيختارهم 100% وسيختار الإسلام، وسيختار الحزب الإسلامي، وقيام الدولة الإسلامية، فكان هذا تأويلهم واجتهادهم، وبالفعل دخلوا العمل السياسي، ودخلوا الانتخابات، وفي أول انتخابات بلدية فازوا بها في العاصمة في البلديات الكبرى وسيطروا على العاصمة على مستوى البلديات، فتجد أبا اللحية مدير البلدية، ومدير الدائرة، ومدير الجوازات، أو مدير الشرطة والحماية المدنية، وهكذا فكانوا مسيطرين، وبعد الانتخابات التشريعية البرلمانية والتي يشكل الفائز فيها الحكومة، فقامت الجبهة الإسلامية بدخولها ففازوا فيها بنسبة 88% أي نسبة ساحقة، فمن المفروض أن يستلم حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ السلطة، ولكن مباشرة بعد إعلان النتائج وإعلان فوز الجبهة الإسلامية دخل الجيش.  

 كان الجيش متوقعًا ومتهيئًا أن الجبهة ستفوز، وكان قد حسم أمره بالمشاورات، وهذا لابد أن يكون كذلك ولا يحتاج ذلك إلى وثائق، فكان الجيش حاسمًا أمره أنه في حال وصول الجبهة الإسلامية للحكم ليس عندنا غير الحل الأخير وهو النزول للشارع بالدبابات، أي انقلاب على نتيجة الانتخابات، وبالفعل نزل الجيش وسيطر على العاصمة وعلى المدن الكبرى، ونزلوا بالدبابات إلى الشوارع، وألغوا نتائج الانتخابات، وأعلن الجيش إلغاء الانتخابات.  

   حينها استقال مباشرة الشاذلي بن جديد، واستقال الغزالي الذي كان رئيسًا للوزراء، ووضعوا رئيس وزراء آخر، وحدثت تغيرات دستورية سريعة، وصدر قرار المجلس القيادي العسكري بإلغاء منصب رئيس الدولة، ووضعوا بدله منصب المجلس الأعلى للدولة أو شيئًا من هذا القبيل، أي أحدثوا منصبًا جديدًا، والمعنى في الحقيقة هو الرئيس ويتولاه الجيش، فجاء (علي كافي) وهو أحد جنرالات الجيش الكبار ومعه (خالد نزار) ومجموعة من الجنرالات الذين هم عملاء فرنسا وتربية فرنسا وأبناء وربائب فرنسا، كانوا هم المسيطرون، وهم من أنزل الجيش، وإنزال الجيش معناه اصطدام بالشعب، والشعب صوت للجبهة غالبية ساحقة، وهذا قليل أن يحصل بهذا المستوى في جميع الدول الديمقراطية، فدخول الجيش ونزوله معناه صدام بالشعب، وهذا ما حصل بالفعل.     الشعب خرج للمظاهرات والاعتصامات وسُميت (مرحلة الاعتصامات)، كان الشعب يخرج للساحات الكبيرة في العاصمة، كان هناك ساحة كبيرة مشهورة تاريخيًّا من أيام الثورة أو من قبلها من أيام فرنسا اسمها ساحة الشهداء وهي معروفة إلى الآن بساحة الشهداء، وفي ساحة أول نوفمبر وفي الساحات الكبيرة في العاصمة وهكذا في المدن الأخرى.

    الشعب كان يخرج بمئات الآلاف، والناس يعتصمون في الخيام، شُلَّت الحركة، وحدث عصيان مدني، فلا حركة إلا للجيش بالدبابات والمدرعات، الجيش بدأ بضرب وإطلاق الرصاص وبدأ الاصطدام بالشعب، فقُتل كثير من الناس، قَتل الجيش المئات بل الآلاف من الناس، ثم بدأت بعدها حملات الاعتقال في كل مكان، وحصلت اعتقالات للمشايخ فاعتقل علي بلحاج وعباس المدني وعبد القادر حشاني وغيرهم، وكلهم قيادات، ومن تفطن منهم وكان لديه إرادة وعزيمة وذكاء حزم أمره وهرب مثل: محمد السعيد وبعض القيادات الذين كانوا أعضاء في الحركة الجهادية.      في الأيام التي كانت الجبهة تمارس فيها العمل السياسي، وأثناء دخولها للمشاركة السياسية، كان هناك إخوة من إخواننا منهم من كانوا هنا في أفغانستان ومنهم من لم يأتِ إلى أفغانستان، ولكن كانوا يقتنعون ويحملون الفكر الجهادي، ولم يكونوا في الأصل على قناعة بتيار الجبهة ، أو لم يكونوا مقتنعين بدخول الجبهة للبرلمان، وبدخول الجبهة للعمل السياسي والانتخابات، كانوا يرون عدم شرعية هذه الأعمال وعدم جوازها، وكان لهم خط جهادي معين، فبدؤوا بتشكيل وتكوين أنفسهم، وبلوروا أنفسهم شيئًا فشيئًا، فنزل من هنا مجموعة من بينهم الشيخ خالد سعيد، ولكن كان نزول الشيخ خالد سعيد بعد إلغاء الانتخابات، وكانت هناك مجموعات من قبله، مجموعة من إخواننا كما قلنا لم يأتوا للجهاد في أفغانستان، وكانوا يمارسون بعض العمليات وكانت إمكاناتهم محدودة وقليلة والأسلحة عندهم قليلة، ولكن جمعوا بعض الأسلحة من الناس، ومن البيوت، وأسلحة الصيد، وبعض الرشاشات التي تحصلوا عليها ، فكانوا يمارسون بعض العمليات ، فيهجمون على مركز شرطة، وكان هذا قبل الفترة الانتخابية، وكذلك أثناء الحملة الانتخابية، ونفذوا مجموعة من العمليات واشتهر منها عملية (قمارة)، وعمليات صار لها اسم في التاريخ، وفي تلك المرحلة هجموا على ثكنات، ومراكز الشرطة، وكانوا يأخذون الأسلحة، وبهذا بدأت شوكة المجاهدين تقوى وجمعوا أنفسهم، فهؤلاء تقريبًا كانوا هم السابقون، وجزء منهم كان امتدادًا لحركة جهادية كانت تجاهد في أيام الهواري بومدين الرئيس الجزائري السابق قبل الشاذلي، كانت توجد أيضاً حركة جهادية رئيسها رجل صالح -نحسبه مجاهدًا- اسمه (مصطفى بويعلي) فهذا كان رجلًا مجاهدًا، ومعه شخص آخر داعية شيخ كبير وقديم في الجهاد، وهو ممن شارك في الثورة وحضرها اسمه (عبد القادر شبوطي)، وكان هؤلاء عندهم حركة جهادية أيام البويعلي، وثم تم القبض على البويعلي وقُتل بعد ذلك، وعبد القادر شبوطي قد هرب وكان يعيش في الجبال لفترة طويلة هاربًا من الدولة، كان من هذه الحركة بعض الناس من الهاربين والدولة تبحث عنهم، ثم هدأت الحكاية والدولة تركتهم، ولكنهم هم اختاروا العيش بعيدًا ولم يدخلوا المدن، وعاشوا في القرى والجبال وهكذا ، وعندما بدأ الإخوة يجمعون بعض بقايا الحركة تواصلوا مع هؤلاء، وبدأ يحصل نوع من الإعداد لانطلاقة الجهاد.    

 كان هذا أيام الجبهة وهي لا زالت في عزِّ نشاطها وتمارس العمل السياسي والدعوي، ولم يكن في برنامجها الجهاد أو الإعداد أو أي شيء من هذا، وعندما نزل الجيش وألغى نتائج الانتخابات ،  وحدث الانقلاب الذي أسموه انقلاب ديسمبر 91م ، حصل هذا الانقلاب على الشرعية كما يقولون، بعد اختيار الشعب لهذه النتيجة، وبدأت الاعتقالات وكثير من أنصار الجبهة وخاصة من الشباب في كل أنحاء الجزائر وخاصة في المدن الكبرى وتحديدًا في العاصمة التي هي قلب البلاد ولبّها، كثير من الشباب أنصار الجبهة رأوا أنه لا خيار إلا الانضمام إلى المجاهدين والقتال معهم، لا خيار إلا خيار الجهاد.

    الجبهة لم يكن في برنامجها الجهاد، ولكن في نفس الوقت لم تكن بعيدة كثيرًا عن الجهاد، ولم تكن تسب المجاهدين ونحوها من هذه الأمور، كان بها البعض مع الصالحين، وعلي بلحاج أحسنهم كوجه صالح وواجهة صالحة، وتقريبًا معظم ما في الجبهة من خير وصلاح يدور في هذا الرجل علي بلحاج، وربما لولا وجوده وتأثيره وعمله في الجبهة لكان لا فائدة منها، فكانت لديهم مبادئ وأفكار جيدة، منها تكفير الحكومة ومعروف لديهم أن الحكومة كافرة مرتدة ويجب جهادها، فكانت هذه الأفكار موجودة وقد هيأت الكثير من الشباب، وكثير من الشعب للانضمام للحركة الجهادية واختاروا الجهاد، بُدئ الجهاد عندما أُلغيت هذه الانتخابات، والشباب الذين كانوا يمارسون العمل الجهادي بنظام قبل ذلك ، قد بدؤوا بتجنيد الشباب وانتشر الجهاد في البلاد كلها، فبدأ العمل الجهادي ينتشر بشكل مجموعات في كل المدن وكل القرى وفي كل الأرياف.     طبعًا بطبيعة الحال الجزائر تعرفون طبيعة تضاريسها وظروفها الطبيعية، فهي بلد من الجبال والجبال فيها أكثر من أفغانستان، العاصمة جزء منها وراء البحر وخلفها كله جبال، وكذلك بقية المدن، مدن في الجبال، وقرى في الجبال، جبال وسلاسل جبلية وراء سلاسل جبلية تشق البلاد من غربها إلى شرقها، جبال عالية، وفيها أيضًا ميزة أخرى فكثير من جبالها كسلاسل الأطلس التي تمتد من حدود المغرب إلى تونس وتصل قممها  في باتما في وسط الجزائر، وكلها جبال وقمم وهضاب، وهناك ميزة أخرى هي أن معظم جبالها خضراء وغابات، وليست جرداء كجبال باكستان ، فهناك بيئة مناسبة وممتازة جدًّا لممارسة حرب عصابات طويلة الأمد، فهذه قواعد خلفية طبيعية تسهل لك الهروب، وتاريخيًّا منذ أن عرفت الجزائر في التاريخ قبل الإسلام وبعد الإسلام وأثناء الدول الإسلامية وأثناء الدولة العثمانية ثم أثناء الغزو الاستعمار الفرنسي وغيرها كان كل من يعارض الحكومة، أو يعارض الاستعمار، يأوي مباشرة إلى الجبال، فكانت الجبال تقل الناس كلهم، وملجأ للناس كلها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾      بالنسبة لي أنا عشت في أفغانستان ورأيت جبالها، ثم بعد فترة غبنا عن الجهاد حوالي ثلاث سنوات كنا في الخارج للدراسة ونحوها، وعندما رأيت جبال الجزائر والسلاسل الجبلية ومشيت في الجبال ورأيت الغابات كان منظرًا مؤثرًا جدًّا، وقد قلتُ قصيدة في ذلك الوقت عن الجبال، وكانت قد نشرت في مجلة، طبعًا نسيتها كلها ولكن مطلعها: أيا جبلا خلقت لكي تُـكنَّ المسلم الحر وتجعل من شعابك للذي بالدين قد فر ملاذًا آمنا به ينجو من فتن كبرى أذكر أن هذا كان مطلعها، وهي من البحر المتقارب، وزنها إيقاعي موسيقي خفيف. فهذا منظر كان مؤثرًا جدًّا بالنسبة لي، المهم بعدها لما حصل انقلاب على الانتخابات، بدأت الناس تؤمن بأن الخيار للجهاد ولا خيار غيره، وبدأت المجموعات الجهادية بتجنيد آلاف الناس، والناس تبحث: أين المجاهدون، فبدأت تتكون مجموعات و(كليكات) كما يسمونها بلهجتهم العامية، ونحن نقول بالليبي: (كبانية، أي مجموعة أو شلة أو عصبة )، فتكونت مجموعات ومجموعات للجهاد، وكان السلاح كثيرًا والحمد لله، وأيضًا كان في الجيش أناس هربت وتمردت، وفي الشرطة أيضًا أناس تمردت، كان هناك ملتزمون كثير في الجيش وفي الشرطة وفي كل مكان، كان في الالتزام كثير في الجزائر، كانت هناك صحوة شعبية قوية جدًّا جدًّا، وكان العامل والمحرك الأول الكبير فيها هو علي بلحاج، وهذا الرجل موهوب جدًّا، بدأ الجهاد وانتشر الجهاد، فكان هنا عملية وهناك عملية، الشرطة مضروبة، مجموعات معظمها غير منظمة في كل مكان، ولكن كانت هناك أناس منظمون هم النواة لهذا العمل، وهم الجماعة الإسلامية المسلحة، كان منهم (عبد القادر لعيادة) الذي أُطلق قبل أربع أو خمس سنوات، كان في السجن في الفترة الماضية وقد حكم عليه باثنتي عشرة سنة تقريبًا، وقد سُجن في بداية الجهاد وخرج من السجن مؤخرًا، وكان منصور الملياني، وجاء القاري سعيد، القاري سعيد شيخ جزائري وخريج من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، من قدامى المجاهدين العرب الذين جاءوا لأفغانستان، من القدامى المعدودين على الأصابع، وهو من مشايخنا، نحن لما أتينا هنا أنا شخصيًّا قرأتُ عليه، رجل صالح، رجل طيب، من أهل العلم، وكان مع الشيخ أسامة أيضًا، فهو أيضًا انضم ضمن مجموعة، لكن لم يطل عمله هناك حتى قُبِض عليه وسُجن هو ومجموعته ضمن عملية أسموها (عملية الميناء) في العاصمة، حيث كانوا يريدون الاستيلاء على الميناء، وقدر الله أن فشلت العملية وسُجن قائدها في العام 1992م، وخرج من السجن أوائل العام 1994م ، مكث سنتين في السجن، وكان خروجه ضمن هروب مثل هروب قندهار الذي حدث هذه السنة، حصل هروب هكذا في الجزائر سنة 1994م  من سجن في مدينة باتما إحدى المدن الريفية الكبرى على هضاب الأطلسي، وهي مدينة  داخلية لا تطل على البحر -أي الأطلسي عاصمة الأطلس-، هذا السجن في باتما اسمه (لومبيز) - لفظ فرنسي-، هرب منه حوالي ألف أخ، فكانت عملية هروب كبيرة ومشهورة، وكانت بتنسيق بين الداخل والخارج، كان قائدها القاري سعيد فهو قائد الترتيبات في داخل السجن، وبعد خروجه بعدة أشهر لعلها كانت حوالي أربعة أشهر قُتل -رحمه الله- في عملية، كان رجلًا صالحًا جيدًا موثوقًا عند كثير من وجهاء الناس، وكان من الممكن أن تجتمع عليه الحركة الجهادية، وكان الأمير وحينها أبو عبد الله  أحمد أمير الجماعة الإسلامية حسب ما شهد وقاله الإخوة الذين سمعوا منه وعرفوه، حيث قال أنه كان يريد أن يسلم للشيخ سعيد الإمارة ولكنه قُتل، وفي فترة مقتله أنا دخلتُ للجزائر، دخلت الجزائر مرتين، الأولى عام 1993م، وخرجت أوائل 1994م ، ثم رجعت في أواخر 1994م، وبقيت حتى 1998م، فكانت هي الفترة طويلة، ولم يقدر لي ربي أن ألتقي بالقائد سعيد طبعًا، فحينما دخلت كان هو في الشرق وأنا كنت في العاصمة، ثم أتى خبر مقتله، فالمهم أن الجهاد قد بدأ بمجموعات تنتشر في كل مكان، والشرطة تُضرب في كل مكان، والجيش يُضرب في كل مكان، ويغنم سلاح من كل مكان، وتتحرك سيارات النيسان أو البترولات التي تتبع للشرطة والدرك، ولديهم الشرطة والدرك هما القوتان التابعتان لوزارة الداخلية ، ولديهم طبعًا الاستخبارات، ولديهم الجيش، ثم بدؤوا يستحدثون مؤسسات عسكرية أمنية جديدة، وفي فترة الجهاد أحدث عدد من المؤسسات.      بدأت الشرطة تضرب في كل مكان، والدرك يضرب في كل مكان، والجيش يضرب في كل مكان، والثكنات يُهجم عليها، والمعسكرات ومراكز الجيش، هذا في البداية وبطبيعة الحال مثل أي حرب عصابات، مثل كل حروب العصابات التي قرأناها في الكتب، من حرب الصين ماو تسي تونغ، إلى جيفارا وكاسترو، وكل هؤلاء الذين قرأنا عنهم وجدناها هناك، وفي البداية كان الجيش يصعد إلى الجبال بسيارتين أو ثلاث سيارات تصعد بحثًا عن الإرهابيين في الجبال، وكانت الحكومة في البداية مستأسدة، والمجاهدون لم ينضجوا بعد وما زالت أسلحتهم قليلة، فتصعد السيارات هذه إلى الجبال، ولا تدخل للجبل ولا تتعمق في الغاية، تمشي في شعاث الجبال والغابات، ويحمون أنفسهم ولا يستطيعون تتبع المجاهدين، ولكن يأتون للجبال وغالبًا الجبال لا يكون فيها طرق وتنتهي الطرق فيها لمستوى معين، وبعض السلاسل الجبلية إلى الخلف لا يوجد أصلًا طرق إلا بالأرجل -ليس فيها إلا أنت وركابك-، فكانت الدوريات في البداية بسيارتين أو بالثلاثة، وتعرفون أن الأرياف والجبال توجد بها قرى، كما ترون القرى هنا في أفغانستان على ضفاف الجبال، وذلك غير الجبال الخلفية الممتدة لغابات لا يوجد فيها سكان غالبًا ، فتأتي السيارتان أو الثلاث لهذه الجبال، ثم بدأوا يضربون، تدخل السيارتان فيضربها المجاهدون، ثلاث سيارات يضربونها، فبدأ يحصل توازن - تُسمى (مرحلة التوازن) في حروب العصابات-، فصارت الدولة لا تستطيع إرسال سيارتين أو ثلاث، إذا أرادوا إرسال قوات إلى الجبل فلابد أن يبعثوا قوات كبيرة مكونة من قافلة ضخمة وطيران هيلكوبتر يحميه، فبدؤوا يُضربون، والمجاهدون في بداية هذه الضربات الخفيفة غنموا فيها السلاح، ففي كل ضربة يأخذون سلاحًا يقوون به أنفسهم، وازداد أنصارهم.      توفر في التجربة الجهادية الجزائرية عوامل نجاحٍ -بحسب ما قرأت في التجارب، وحسب ما رأيت وتابعت- لم تتوفر في غيرها، فكان هناك نسبة تأييد من الشعب لا أتوقع أنه وُجِد في مكان آخر على المستوى الإسلامي، فمثلًا قرأنا في التجربة السورية التي كتبها أخونا الشيخ أبو مصعب السوري وتابعناها أيضا من خلال مصادر أخرى، كان هناك تأييد شعبي ولكن لم يكن لهذه الدرجة، أما الذي وُجِدَ في الجزائر تأييد أُجزم بدون شك أن 70% من الشعب كان مع الحركة الجهادية، ويمكن أن تصل النسبة إلى 80 أو 85% أو أكثر، وحيثما يتحرك المجاهدون يحصل المجاهد على الإيواء ويحصل على الطعام والشراب، والناس تحرسه أين ما مشى، أي كان هناك تأييد شعبي في المدن، أما القرى والأرياف والجبال فالتأييد للمجاهدين كان 100% ، فنسبة 70% على الأقل أتكلم عن أنها كانت في المدن الكبرى، والمدن الصغرى، والبلديات.      كانت نسبة التأييد الشعبي كبيرة، والذي جعل التأييد الشعبي يوجد عدة أسباب: أولها: ما سبق الحركة الجهادية من الدعوة وحركة الدعوة والصحوة الإسلامية. ثانيها: وهو عامل رئيسي وكبير جدًّا لا يقل عن العامل الأول في الأهمية، وهو الحجة المنطقية والأدبية والعقلية التي اقتنع بها الناس، فكان الناس يرون أن هؤلاء أناس مساكين جاءوا بطريقة سلمية، وهؤلاء أناس مؤدبون، ضربتهم الدولة على رؤوسهم وألغت الانتخابات، ما الذي تريده الدولة أكثر من هذا؟ لا يوجد غير خيار الحرب، فالناس اقتنعت بهذا وأكثر الشعب بسطاء لا يفهمون القول بأن هذا الحاكم مرتد وغير مرتد وكافر وغير كافر، وأنه يجب تغييره والخروج عليه والجهاد ومنابذتهم بسيفك وهكذا، فالناس لا تفهم ذلك إلا من يعرف الأمور الشرعية، ولكن الناس استووا جميعًا في القناعة بهذه الحجة المنطقية والأدبية بأن الجبهة حاولت بطريقة سلمية ومُنعت، فكان لذلك تأثير على طبقة المثقفين وعوام الناس والمقموعين، فلم يعد هناك من يُعارض المجاهدين؛ لأن من يُعارضهم يعارض هذه الحجة الظاهرة، وهذا ما رأيته بعيني وعشته أن المجاهدين أصبحوا عند الناس هم القوة الظاهرة والغالبة والبرهان الساطع، فلا أحد يستطيع التحدث أمامهم، فأنت عندما تتمكن من ناصية الحجة والبرهان تبدأ هذه القوة السياسية الضخمة، فأين ما تمضي تجد الناس تقتنع بك لأن الحق معك، حتى من ليس معك من الناس تجده مقتنعًا بك ويقول: معه حق، هذا بالإضافة إلى التأييد الشرعي، وأيضًا كره الناس للحكومة ووصل هذا الكره إلى مستوى قبل المظاهرات مثل أيام الشاذلي، والعصيان المدني الذي حصل ثم ردَّة فعل الحكومة بالقتل ضد الاعتصامات الشعبية في الساحات حين قتلوا مئات الآلاف، ثم الاعتقالات وغيرها، فكان في كل بيت ثأر، وكل بيت لديه ثأر مع الحكومة، فهذه التراكمات أوصلت الكره للحزب الحاكم والحكومة إلى مستوى عالٍ، أضف إلى ما سبق من عوامل أن الحكومة كانت مفككة وكحكومة باكستان الآن، فكانت الحكومة مفككة وناخر فيها دودة الفساد، فكان الحديث لدى الجميع عن الفساد، فعندما تقرأ في الصحافة وتطالع كل الجرائد الجزائرية تجدها تتحدث عن الفساد، وكان الإعلام والصحافة مستقلًا وديمقراطيًا، فكان الحديث عن الفساد ويقصدون به الفساد الاقتصادي من سرقات أموال ورشوات، وأيضًا كان هناك فساد في الإدارة والبيروقراطية فساد كبير جدًّا، ومن أمثلة الفساد أن قيادات من الجيش استأثروا بالشركات الكبرى في البلاد، فترى جنرالًا أو اثنين مثلًا هما المتحكمان في القهوة وفي استيرادها، الناس في الجزائر تشرب القهوة بديلًا عن الشاي، أغلبهم يشربونه سواء في الصحراء في الشرق والغرب، ومعظم أهل الوسطى يشربون القهوة كما يُقال: (القهوة حاكمة فيهم) فيشربون القهوة السوداء ويسمونها (الكحلى)، الجزائر لا تُزرع فيها القهوة، وإنما تأتي من كوبا والبرازيل واليمن وكينيا وساحل العاج، فيتحكم في الاستيراد جنرال أو اثنان، فيشدون على الشعب برفع السعر، ويعملون المقالب في الشعب وهكذا، وهذا نموذج واحد فقط، فكانت الطبقة السياسية والطبقة العسكرية تتحكم في الدولة وفي التجارة وفي الاستيراد والتصدير والشركات الكبرى كلها بأيديهم ، فكان هناك نوع من الإقطاع والنظام الطبقي، وصلت البلاد إلى مستوى رهيب جدًّا من الفساد، فالدولة كانت مخلخلة، دولة سهلة الانهيار، فكانت هذه العوامل: القوة المنطقية والحجة والبرهان الأدبي الذي تمتع بها المجاهدون، وكذلك إلغاء الانتخابات، وما سبقها من مرحلة الدعوة والصحوة الإسلامية القوية جدًّا، وقضية كره الحكومة والدولة، والثارات التي تكونت مع الدولة، وضعف الدولة نفسها وفسادها، والأهم التأييد الشعبي، أضف إلى ذلك الظروف الطبيعية التي تكلمنا عنها كالجبال والغابات أيضًا، فالغابات فيها أجزاء مثمرة بها ثمار وأعشاب يمكن أن تأكلها، وتشرب منها، الشاي نجده فيها والنعناع أيضًا، وفيها كذلك نبات الفقاع -هذا وقت الفقاع-، والبلوط، يوجد غابات بلوط، والتوت، وأشياء كثيرة جدًّا، طبعًا هذا ليس الأساس ولكنه مساعد، وكان هناك غابات يعيش فيها الإنسان، والأمر الآخر توفر الماء في كل مكان، أين ما تذهب تجد عينًا، العيون والشعاب والوديان تسيل في الصيف والشتاء، وكثير من المناطق ثلجية، الكثير من المناطق ثلجية مثل المنطقة الوسطى القريبة من البحر، تكسوها الثلوج في الشتاء دائمًا، وأمطار شتوية غالبًا، فالعيون كثيرة تسيل ويأتي المجاهدون والناس وتملأ منها بدون أي مشكلة، ويستعملون في نقلها البغال والحمير، وتُحمل في أوعية زرقاء (الجركات الزرقاء).      كانت طريقة العسكر في الجبال هي التخندق والحفر في الأرض غالبًا، وأحيانا باستعمال الخيام تحت أشجار الغابات، فيحفرون (نصفية) حفرة متر مثلًا وفوقها الخيمة، وكان لديهم طرق فنية جيدة في استخدام الأشجار فيبنون فيها الغرف وهكذا، ولا يستخدمونها في الخيام، يربطون بها المشمع ويستخدمونه، ولكن الغالب هو استخدام البلاستيك الذي ينسجون منه خيامًا ويعملونه بشكل عريش  وبأغصان الأشجار، حيث يثبتونها ويربطونها بالحبال أو بالتل (أسلاك حديدية) ثم يغطونها بالبلاستيك، أو مادة تشبه البلاستيك قوية سوداء اللون، ويستعمل هذا النوع في الغابات على نطاق واسع، وقليل ما يستعملون اللون الأبيض، ويستعمل المزارعون البلاستيك الأسود في تغطية التبن، في المزارع والسهول الجبلية والبيوت الزجاجية، ويستخدم أيضًا في التخييم في العرائش أو الخنادق في الأرض يسمونها (كازمة)، وهي غرفة تكون كبيرة كلها في الأرض، تدخل من الدرج لغرفة تحت الأرض ليس لها جدار، غرفة كلها في الأرض، وجدرانها من الجبل نفسه، ولكن السقف يبدو فيها سقفًا عاليًا مكونًا من أغصان الشجر الكبيرة وبعض الأغصان الصغيرة ويضعون عليها البلاستيك، ويضعون عليها التراب.   (الكازمة أظنه لفظ عربي، وكأن أصلها الكاظمة من الكظم، كظم الغيظ، أو المنع أو التضييق، ولعل اسمها الكاظمة أو ربما له أصل أعجمي أو أوربي، وكان هذا الاسم مشهورًا لدى الجزائريين من قبل أيام الثورة، والمجاهدون يستعملون نفس الاسم).     كان هناك بعض المغارات -جمع غار في الجبال، بعضها قديم منذ أيام الثورة ضد فرنسا، ومنها ما هو جديد الذي حفره الإخوة في الجبال التي تكون بيئتها مناسبة للحفر، أي تربتها جيدة أو بحجارة صخرية جيدة، فيحفرون فيها، وكلامي هذا فيه لمحة عن طريقة تمركزهم في الجبال، وكانت طبيعة هذه الغابات تختلف من منطقة لأخرى، فهناك غابات جيدة وهناك غابات ليست جيدة كالغابات الصنوبرية، فالصنوبر هذا يشتعل كعود الكبريت وخطير جدًا، لهذا كانت الحكومة أين ما وجدت الصنوبر تشعله بقنبلة أو أيِّ مادة تحرق هذه الغابة، طبعًا كان الطاغوت يحرق الغابات، وهذا ما يستعملونه في حروب العصابات حتى الكفار، وكذلك الطيران يحرق الغابات في الصيف، أما في الشتاء فلم يكن بإمكانهم إشعال الحرائق في الغابات؛ لأنها تكون خضراء وبسبب المياه والأمطار، ولذا كان تخوف المجاهدين من الحرائق يبدأ في موسم الصيف حيث كان الطاغوت يحرق الغابات بواسطة الطيران، وكان يفرح إذا وجد غابات الصنوبر، حيث يرميها بالقنابل الحارقة التي تشتعل في الأشجار، هل تعرفون ما هو الصنوبر؟ هو ما تستخدمونه في إشعال النار (حطب التوليع)، هذا الشجر عندما يشمُّ رائحة النار تجري فيه وتشعله، وقد حدثت لي قصة مع الحريق عندما مشت عليَّ النار، أحرقوا الغابة والذي بها، فقلت ستأكلني النار حتمًا –وأنا أحكي لكم عن النار عندما تأتي إليك، فقد قلت لا تقترب من النار، ولا تمش في الغابة بزعم أنك تعرفها وتقول أنا أعرفها، ولا تمش في الصحراء تقول أعرفها، فتضيع في الصحراء وكذلك الأمر في الغابة- فالنار أمرها عجيب ففي مرة أحرق الطاغوت الغابة كنت أنا و(عبد الرحمن الفقيه) -هذا الأخ من الإخوة المسجونين الآن في بريطانيا، وهو كان معي هناك في الجزائر مع مجموعة من الإخوة في الجماعة الإسلامية المقاتلة ممن التقينا بهم هناك، وكنت أنا هناك نيابة عن القاعدة، وهم مع القاعدة وهو من الجماعة المقاتلة، فالتقينا هناك دون أي تنسيق بيننا وكنت قد سبقتهم بقليل وهم جاؤوا بعد مدة مقاربة، فالتقينا هناك وبقينا لمدة أربع سنوات وكنا معًا أينما ذهبنا، وكان صاحبي وجاري في البلد، ومعنا في الجهاد والعمل الجهادي، وخرجنا معًا إلى الجهاد في العام 1989م ، ثم افترقنا وجمعتنا الجزائر مرة أخرى- فكان معي في الغابة، وكانت غابة كبيرة وقد حكيت لكم عن شجرة الصنوبر فهو يتميز بأن شجرته تكبر هكذا وفي فصل الصيف تتساقط أوراق الصنوبر تحت الشجرة وهي أوراق طويلة كالإبر، فالذي يجف منه يسقط ويكون طبقة من القش على الأرض، فبمجرد رمي عود ثقاب تشتعل النار وتمشي في الأشجار نفسها، تمشي النار أمام عينيك بشكل عجيب جدًّا ومخيف، فعندما أحرق العدو الغابات في تلك المرة، كان بيننا وبين الضفة الأخرى شعبة   كبيرة وطويلة  ، وهذه الشعبة أحيانًا يكون بها ماء، وأعتقد أنها كانت في تلك الفترة جافة، ونحن كنا في هذه الشعبة والحريق كان قد وصل للشعبة الأخرى، فكنا قد جمعنا أغراضنا والمركب والشنط وكان لدينا محمل فوضعنا فيه أغراضنا، وكان من المفترض أن ننسحب لكن قلنا ننتظر قليلًا وتشاورنا حيث كان معنا اثنان أو ثلاثة من الإخوة الجزائريين، وقلنا ننتظر نحن قد جمعنا عدتنا وأغراضنا ويمكن أن تغلب الشعبة النار، كانت النار تلتهم الحشائش والقش وتأتي مشتعلة وكان لها صوت مخيف وهي تحرق المنطقة، قلنا هذه النار لن تتجاوز الشعبة  لأن الشعبة كان بها حجارة وبعض المناطق التي لا قش بها -كان الوقت حينها بعد الظهر أو العصر تقريبًا- ، فتخيل معي أن الشعبة بدأت بالتفحم ونحن للتو نمر عليها، فكان الحل هو الفرار حيث كان منظر النار عجيبًا، كان صهد النار وحرارتها تنتقل من مكان إلى آخر، ونحن نهرب منها وهي تجري خلفنا، في نهاية هربنا واجهنا جبلًا والجبل كهضبة يصعب الصعود عليها لأعلى، فكان معنا أخ جزائري مسكين وكأن لديه خبرة من قبل، لجأ إلى خندق صغير به قطعة فرش (موكيت) كان الإخوة يصلون عليها كالمصلى، فنام في الخندق والنار تمشي وتجيء على المكان لمدة دقيقتين أو ثلاث، فمشت النار فوقه وهي تجري خلفنا، وهو قاعد تحت النار وطبعًا أكلت النار قليل من يديه وأصابعه وقليل من رجليه وعالجناه لاحقًا، وهي تجري خلفنا، المهم أن النار كانت تلحق بنا نحن الأربعة، وأحرقتنا قليلًا، فلجأنا إلى منطقة فيها حجارة والحمد لله ابتعدنا قليلًا عن الحشائش ونجانا الله تعالى. الحكمة من هذا الموقف أن لا يستهان بالنار فهي تأكل بشكل سريع، ولا تقل أبدًا النار بعيدة ، النار خداعة وتجري بسرعة، لا تقل سنطفئها، ولا تقل أن شيئًا سيوقف النار، فهي صعبة جدًا إذا اشتعلت، الأمر الآخر هي تأكل وتمشي فإن كان الشخص لديه حفرة يختبئ بها قد تضره ولكن لا يموت منها، هذه قصة النار وكان هذا استطرادًا المقصد منه أن العدو كان يحرق الغابات وخاصة غابات الصنوبر. وهناك أنواع من الأشجار في الغابات كان الجزائريون يسمونها أشجار (الضرو) كأنه اسم عربي-، وكان هناك شجرة اسمها (الدفلة) التي تعمل النوار الأحمر البنفسجي، هذه الأشجار أوراقها غليظة وشديدة الخضرة فلا تحرقها النار ولا تأكلها، الضرو لا تأكله النار أبدًا مهما حاولت الاشتعال فيه لا تشتعل إلا بصعوبة بالغة، حتى كانوا يحرقونها ويرمون القنابل الحارقة بلا فائدة، فأفضل الغابات هي التي بها الضرو، ومن أشدها وأصعبها التي بها الصنوبر، وكانت أكثر المناطق بها الصنوبر، ولكن كانت هناك أشجار أخرى منها الكاليتوس الذي يسمى السرو أو المعروف بشجرة الكافور ذو الرائحة، هذا الكافور يحترق ويعود الموسم القادم لتجد شجرته ضاربة بعد أن يكون قد تفحم، ولكن سبحان الله قلبها يكون صحيحًا فترجع وعند نزول المطر تعود للنمو وبعد موسمين تقريبًا تجدها شجرة عادية، بعكس الصنوبر بمجرد اشتعاله يتحول إلى فحم وينتهي.      المهم بدأت الحركة الجهادية، وبدأت تتجمع المجموعات الجهادية، وتكونت الجماعة الجهادية المسلحة، وكان (شبوطي) الذي حكيت لك عنه صاحب أبو يعلى ومعهم آخر اسمه (سعيد مخلوفي)، كان ضابطًا في الجيش وهو من ألف كتابًا أيام الاعتصامات وأسماه (العصيان المدني)، وكانت فكرة العصيان محاولة للاستفادة من فكرة الخميني في الثورة الخمينية في إيران، أي الثورة الشعبية لإسقاط الدولة. ( سعيد مخلوفي) أسس هو و(عبد القادر شبوطي) ما سمي بـ (حركة الدولة الإسلامية)، كانت جماعة منصور بلعيان ولعيادة والقاري سعيد، والجماعة الإسلامية المسلحة، وتكونت مجموعة أخرى، هذه المجموعات الكبيرة التي هي تابعة للجبهة الإسلامية للإنقاذ المُقالة بشكل رسمي، والرسميون التابعون للجبهة التي كان يقودها (محمد السعيد)، والشيخ محمد كان داعية مشهورًا، وكان يقود خلية الأزمة بعد اعتقال قيادات الجبهة الإسلامية منهم العباسي وعلي وعبد القادر حشاني، هؤلاء الثلاثة هم كبار القادة وبعد اعتقالهم فرت القيادات الأخرى الوسطى والصغيرة ومنهم (سعيد مخلوفي) وتجمعوا بعد هربهم وشكلوا ما يُسمى بخلية الأزمة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكان لهؤلاء سرِيَّة في العاصمة اسمها (سريَّة الفداء)، ثم تحولت إلى (كتيبة الفداء)، وكانت هذه الكتيبة نخبوية، أي جميع شخصياتها أساتذة جامعات وأطباء ودكاترة وبعضهم طلبة في الجامعات ومهندسين، أي كانوا مثقفين جدًّا، وهذه هي مجموعة (محمد سعيد)، وكانوا قد دخلوا مع الجبهة قبل الانتخابات وحضروا معها وفازوا معها، أي دخلوا مع الجبهة واندمجوا اندماجًا كاملًا، ولما تم إلغاؤها جمعوا أنفسهم وبدؤوا يمارسون العمل الجهادي، وكانت الطوائف الأخرى السلفية تسميهم (جماعة الجزأرة) -وهذا الأمر يحتاج لشرح وتوضيح وتعليق-، كان السلفيون يعتبرونهم أشبه بالإخوان المسلمين وهم ليسوا إخوانًا، هم أناس مستقلون لديهم أخطاء ولديهم صواب، عرفنا أناس منهم عن قرب، وهم فيهم أناس صالحون وعقول مفكرة ومثقفة، و(محمد سعيد) أعتقد أنه رجل صالح ورجل طيب جدًّا ومتعلم وشيخ وداعية من أهل العلم وكان أستاذًا في الجامعة .      كانت هناك أيضًا مجموعة الجيش الإسلامي للإنقاذ، وكان تمركزهم في شرق الجزائر وهم مجموعة من الشباب الذين كانوا مع الجبهة وسلحوا أنفسهم، وبدؤوا بممارسة العمل الجهادي، وكانوا مستقلين وكان اسمهم امتدادًا للجبهة الإسلامية، أو كالجناح المسلح للجبهة. إذًا كانت هذه هي المجموعات الرئيسية للإنقاذ وكان هناك مجموعات صغيرة أخرى متفرقة ومتناثرة، كمجموعة عبد القادر الصوان في جبل اللوح، وحسن حطاب ومجموعات قريبة من العاصمة في بومرداس، وجميع هؤلاء دخلوا في الوحدة عندما قامت في مايو 1994م ، وسبق هذه الوحدة جهود واتصالات واجتماعات ونقاشات وغيرها.     الجماعة الإسلامية المسلحة، والحركة الإسلامية أو حركة الدولة الإسلامية -وهذا اسمها بعد التغير، ولا أدري أي القسمين كان أولًا- نسيت اسمها بقيادة عبد القادر الشبوطي وسعيد مخلوفي، وكانت لديهم خلية الأزمة التي عندها كتيبة الفداء لسعيد العاصي ومحمد سعيد، والجيش الإسلامي للإنقاذ الذين اعتبروا أنفسهم امتدادًا أو بمثابة الجماعة المسلحة لجبهة الإنقاذ، وكان معظم تمركزها في الشرق، وليس لهم أي نشاط في الوسط والعاصمة، فلم يستطيعوا عمل أي شيء، وكان معهم جماعات أخرى، ولم يكن هناك ولاء فيما بينهم وكان بينهم تنافر وتفرق، فكثرت جماعات ومجموعات غير مرتبطة ببعضها، إلى أن جاءت الوحدة في مايو 1994م كان أمير الجماعة المسلحة رجلًا فاضلًا وصالحًا وطالب علم وشيخًا وداعية اسمه (أبو عبد الله أحمد) وكان من العاصمة وداعية مع الجبهة وإمام مسجد، وهو من تولى بعد أن تم أسر عبد القادر العيايدة، وقُتل الشيخ سعيد، والشيخ خالد سعيد، ومنصور الملياني، وقُتل بعدها شخص اسمه جعفر الأفغاني، كان قد تولى القيادة جاء بعده (أبو عبد الله أحمد) ولم ألتق به شخصيًّا ولكن حسب أثره وشهادة الناس أنه تم تزكيته واتفق عليه المخالف والموافق، واتفقوا على جلالة قدره وصلاحه، كان جيد الفهم، والفتن وقعت بعده ، عندما جاء (جمال زيتوني) وكانت بدايات الانحراف.      (أبو عبد الله أحمد) فترته لم تطل كثيرًا، واعتقد أنه مكث نصف سنة أي ستة أشهر تقريبًا، ثم قُتِل اغتيالًا أثناء مشيه بسيارة في طريق سريع بين العاصمة ومنطقة بليدا على الطريق السريع فحاذته سيارة ثم رشقوه بالرصاص حتى قُتِل، وكان مقتله غامضًا فقد كانت هناك تساؤلات ونظريات وتفسير للقتل، وحين حدث التفكك بين الجماعات بدأت المعلومات والشكوك تظهر، وظهرت سيناريوهات الله أعلم بصحتها ولا أجزم بشيء، ولكن كانت النظريات التحليلية تتمركز حول وشاية من الداخل واختراق وأناس معينة كُتبت أسماؤها واتهمت بأنها تخلصت منه اغتيالاً، والله أعلم ليس لدينا يقين بشيء.

    المهم أن الوحدة قامت على يد ( أبو عبد الله أحمد) بعد جهود ومشاورات واتصالات استمرت لمدة سنة أو أكثر وبضغوط كبيرة حيث أن كل الناس كانوا يريدون الوحدة، حتى الشعب والناس في الخارج كانوا يريدون الوحدة، فقامت برئاسة (أبي عبد الله أحمد) واعتمدوا اسم (الجماعة الإسلامية المسلحة) فدخلت فيها الحركة الإسلامية أو حركة الدولة الإسلامية التابعة للشبوطي، ودخل محمد سعيد ومجموعته، وأبو الفداء، ودخلت مجموعات كثيرة أخرى، أما الجيش الإسلامي فبقي في الشرق ولم يدخل في الوحدة.      أعلنت الوحدة وفرح بها الناس وتهلل ، وكانت وحدة على سبيل الجهاد وعلى المنهج السلفي ووو .... ، وكانت بنودها العامة جيدة، وازداد عدد المجاهدين في هذه الفترة أي ما بين مايو 1994 م إلى أواسط 1995م تقريبًا، فكانت هذه الفترة هي الفترة الذهبية للجهاد، وطبعًا أنا حضرت هذه الفترة في أواخر أيام (أبي عبد الله أحمد) أي بدايات أيام الزيتوني، وبقيت سنة ونصف أي إلى أواخر 1995م تقريبًا.      كانت فترة ذهبية حيث كان المجاهدون يسيطرون على معظم البلاد بنسبة 100% من أرياف وجبال ليلًا نهارًا، يتحركون فيها بحريّة ولا تستطيع الحكومة أن تخرج، ولا تدخل الحكومة إلا في حالات التمشيط، أي تأتي لمنطقة معينة بجيش يتكون من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف عسكري ودبابات ومدرعات وهيلوكبتر الغطاء الجوي، المجاهدون ماذا يفعلون؟ يقومون بجمع أغراضهم وإخفائها، وعند بحثهم لا يجدون شيئًا فيتركون المكان ويذهبون، ويعلنون في إعلامهم أنهم قد أحرقوا مركزًا وقتلوا عددًا من الإرهابيين، وهذا كله كذب والله، فنحن في المنطقة وقد رأينا شيئًا عجيبًا، فيقولون قتلنا خمسين إرهابيًّا ويستحيل أن يُقتل خمسون واحدًا منهم مثلًا في تمشيط، والكلام الذي كتبه أرباب ومؤلفو حرب العصابات تراه كما هو حتى يُهيأ لك أن كل شيء يطبق كما هو مكتوب في  حروب العصابات، فتجد العدو يطبق ما كتب، وكذلك رجال العصابات يطبقونه، فيأتي العدو ويقوم بحشد كبير جدًّا ويهاجم المجاهدين، فينسحبون ويلتفون عليه وينصبون له كمينين أو ثلاثة ويضربونه، فيأسرون عشرة أو اثني عشر جندي، فيهرب الباقي وهكذا في كل مرة، ويأتي الطيران يضرب ويحرق الغابات، ويحرق آثار المراكز، مثلًا تجد المركز يجمع أغراضه ويرحل ويُبقي القليل من الفراش فالعدو يفرح بأن عثر على آثار مركز، فيقولون حرقنا مركزًا وهكذا، ويأتون بصور في أطراف الغابة لمراكز قريبة، ونحن كنا قد قرأنا في حروب العصابات وحرب المستضعفين ومذكرات ماو سي تونغ وكاسترو، فكنت أتعجب وأقول: سبحان الله حذو القذة بالقذة، فكما هو مسجل في حروب العصابات العدو يطبقه في المرحلة، وفعل المجاهدين كرجال العصابات وطبعًا الجزائريون لا يعرفون حروب عصابات ولا شيء، فقط هم تدربوا هكذا بالفطرة، وهكذا العمل يوجب عليك أن يكون هكذا، فكان العدو يأتي بحشد كبير ويخرج فاشلًا في كل مرة ؛ لأنه وصل إلى مرحلة توازن مع العصابات، فكان لا يستطيع أن يأتي بسيارتين أو ثلاث سيارات إلى الغابة، فصار لا يستطيع أن يأتي إلى منطقة المجاهدين إلا بحشد كبير ويقوم بالتمشيط الذي يقوم به بين الحين والآخر حتى يحافظ على هيبة الدولة، هو يحقق مكاسب بقتل بعض الناس أو بأسر البعض أو يحرق المراكز ويقطع الطرق، وأيضًا الأمر الأخطر والمحزن جدًا وما كان يحزننا هو العوام  فقد وصل العوام إلى مرحلة الهروب مع المجاهدين، فكم من مرة هرّبتُ مع المجاهدين عوام من الناس هربوا ليس لديهم سلاح، وكان بعضهم يعرف الغابات والطرق فيساعد المجاهدين في الدلالة، فالعدو عندما يأتي ويهجم ويحشد الآلاف ويغلق الطرق، وكان الدرك والشرطة في خدمة الجيش ومعهم دائمًا ، ووظيفتهم تفتيش الشعب فهذه مهمتهم، وهم يمثلون وزارة الداخلية وتفتيش الناس ليس من مهمة الجيش، فكان الجيش يستخدم الدرك لإخراج الناس ومحاصرة الرجال والنساء فتحصل انتهاكات لأعراض الناس مثل اليهود وهم كاليهود بالضبط، وهذا الأمر يزيد الناس حنقًا وغضبًا على الطاغوت، وكلما زادت ممارساته يزداد حنق الناس عليه، فيدور في حلقة مفرغة ولا يحقق أي نتائج، فيتعب من هذا.     أكبر عملية تمشيط حضرتها هناك كانت مدتها أربعة أيام أغلقوا فيها المنطقة، وقيل أن التقديرات لعدد العساكر في هذه العملية ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف عسكري، أغلقوا المنطقة وكانت منطقة جبلية كبيرة واسعة في  بومرداس وكانت في مناطق خميس ...، وتمتد إلى البيرا ومناطق واسعة جدًا، أغلقوا المنطقة وكانوا يدخلون إلى الوادي وإلى الغابة، ولا يدخلون إلى أعماق الجبال العالية، ولكن يرمون بالطيران للإغلاق والحصار، وكان عملهم الأغلب هو تفتيش الناس، وطبعًا هؤلاء الناس من العوام، وكنا نعيش على مجهودات هؤلاء العوام ، فكان المجاهدون على اتصال بهؤلاء الناس فينزل الناس إلى المدينة ويحضرون الحاجيات ويخدمون المجاهدين ويخبزون لهم ويقومون بجميع هذه الأمور، كانوا أنصارًا كالأنصار هنا، ولكن الفرق أنهم هناك أنصار عرب، وهذا أمر أفضل .. فالضرر الحقيقي كان على الناس، ولهذا كثير من الشباب في مراحل لاحقة كانوا يهربون مع المجاهدين ، فلا يبقى إلا الرجال من الكبار والشيب والعجائز والنساء، أما الشباب فكانوا يهربون عندما يسأل الجيش عنهم، وعندما يسألون عنه أهله يقولون لهم هذا في العاصمة وليس موجودًا، طبعًا كانوا يؤذون الناس، وأقل الإيذاء هو إهانتهم وضربهم وتفتيش بيوتهم، والدخول للبيوت إهانة!     استمرت هذه الحرب بعدما تكونت هذه الوحدة برئاسة أبو عبد الله أحمد، واستمرت لمدة ستة أشهر، فكانت فترة ذهبية، وبعد مقتله الغامض والذي تدور حوله الشكوك حدثت فوضى كبيرة جدًّا، فكانت بداية الفتن وبداية المشاكل، وكان هناك قانون داخلي للجماعة المسلحة أسموه القانون الأساسي، وكان ينص على أن المجموعة المسلحة في حال غياب أمير الجماعة أو مقتله أو عجزه يتولى نائبه، وكان النائب يسمونه بالمستخلف الأول، وهو يتولى القيادة بعده بشكل تلقائي، ثم يجتمع مجلس الشورى في فترة تقدر بأسبوعين ويدرس هل يُقِر المستخلف هذا أم يُعين غيره، وهكذا نص القانون تقريبًا. الذي حدث أنه عند مقتل أبي عبد الله أحمد تولى المستخلف القيادة ، وكان المستخلف حينها اسمه (محفوظ أبو خليل) من منطقة براقي من ضواحي العاصمة، هذا الرجل كان من جماعة محمد سعيد الذين يسمون بالجزأرة، التيار السلفي لم يكن يحب تيار الجزأرة  ولديه ملاحظات وغلٌّ من أيام المرحلة السلمية الدعوية وكان بينهم شحناء، وكان هناك تيار في الجماعة المسلحة منهم عنتر زوابري والزيتوني وآخر اسمه أبو كابوس وعدنان وأبو بصير ماكادور وآخر اسمه أبو ريحانة، مجموعة أسماء لأشخاص كانوا متنفذين وأكثرهم أناس جُهال، فهذا عنت شخص جاهل، ولا أعتقد أنه مخابرات أو أن فيهم مخابرات، ولا أعتقد أن المخابرات تقبله، والجهل

أخبار ذات صلة

كتب المحامى خالد المصري أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المتهمين في القضية رقم 271 لسنة 2021 جنايات أمن الدولة طوارئ ق ... المزيد

الطرق الصوفية - الجماعات الإسلامية الدعوية  - المذاهب الإسلامية، هي في الأساس وسائل للوصول لغايات شرعية (في أساسها) ولذلك لا تحمد ولا تذم لذاتها، وإنم ... المزيد

بعد سقوط الخلافة قال «توماس إدوارد لورانس» المشهور بـ«لوارنس العرب» في كتاب «ثورة في الصحراء»: «لقد وضعنا بمهارة مكة في مواجهة إسطنب ... المزيد