البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

استراتيجية تنظيم القاعدة في إفريقيا بين جذورها الأولى وآفاقها المستقبلية

المحتوي الرئيسي


استراتيجية تنظيم القاعدة في إفريقيا بين جذورها الأولى وآفاقها المستقبلية
  • عبدالمنعم منيب
    07/09/2022 06:57

كيف ومتى ولماذا بدأ وجود "منظمة القاعدة" في إفريقيا؟ وما هي استراتيجيتها وأهدافها في هذه القارة منذ البداية؟ ثم كيف تطور هذا الوجود وهذه الاستراتيجية في قارة إفريقيا؟

 

إن الضوء الذي ستنيره لنا الإجابة عن هذه الأسئلة كلها سوف يكشف لنا الكثير من الملامح عن آفاق مستقبل "منظمة القاعدة" في إفريقيا.

 

تحتل قضية التنظيمات المسلحة في إفريقيا مساحة واسعة من اهتمام الساسة والإعلاميين والباحثين لأسباب شتى، لكن يأتي على رأس أسباب هذا الاهتمام الوجود الملحوظ والمؤثر لمنظمة القاعدة في أنحاء إفريقية متعددة؛ فذلك التنظيم المسلَّح هو أبرز تنظيم دولي مسلح في الثلاثين سنة الأخيرة، وهو التنظيم الذي قاده منذ تأسيسه المهندس أسامة بن لادن في ثمانينيات القرن العشرين حتى مصرعه عام 2011م على أيدي قوة خاصة أمريكية هاجمت مسكنه في أبوت آباد في باكستان؛ كما هو مشهور.

 

الأسس الفكرية والاستراتيجية لتوجه القاعدة الى أفريقيا

 

في البداية لابد أن نلاحظ أن وجود تنظيم القاعدة في أفريقيا ارتكز على أسس فكرية كانت متجذرة في الفكر السياسي لدى أسامة بن لادن نفسه، لأن أسامة بن لادن كان يؤمن أن مشروع إقامة دولة بمفهومه الإسلامي الأيديولوجي الذي يعتنقه لن يتم الا على أيدي قبائل وفي بيئة نظام قبلي حيث لا توجد حكومة مركزية قوية، ولذلك فقد كانت بينه وبين العديد من القادة الجهاديين المصريين المخالفين لرأيه مجادلات عديدة، وكان أسامة بن لادن يستدل بإقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدولة الاسلامية الأولى في الجزيرة العربية عبر القبائل وفي وسط القبائل.

 وبسبب هذه الأفكار لم يسع أسامة بن لادن لمحاولة الاستيلاء على الحكم في دول ذات حكومات مركزية مسيطرة، أي تلك الدول التي يطلق عليها الفكر الاقتصادي الماركسي مصطلح دول ذات "نمط الإنتاج الأسيوي"، حيث تسيطر حكومة مركزية على الاقتصاد والسياسة عبر سيطرتها على النهر الذي هو شريان ومركز الإنتاج الاقتصادي كما في التاريخ الطويل جدا لكل من مصر والعراق، ولذلك سعى للاستيلاء على الحكم في اليمن أولا وفشل، ثم انتقل الى تأسيس وجود حركي وعسكري في الصومال في بداية التسعينات من القرن العشرين، وبالمواكبة مع ذلك تسرب تنظيم القاعدة بأشكال متعددة الى أفريقيا جنوب الصحراء شرقا وغربا ووسطا وجنوبا.

 

اختيار البيئة القبلية

 

إن هذا الأساس الفكري المتعلق بالارتكاز على البيئة القبلية في الحركة عند أسامة بن لادن سانده الفكر الأمني المبني على التجربة المسلحة لتنظيم القاعدة في أفغانستان والصومال ونحوهما، حيث لمس كبار قادة القاعدة المؤسسين مثل أبو عبيدة البنشيري (على امين الرشيدي) وأبو حفص المصري (صبحي أبو ستة) وغيرهما أن الدول ذات الطبيعة القبلية أو الريفية أو التي تحكمها حكومة لا تحكم سيطرتها المركزية على كافة أقاليم الدولة هي الدول الأنسب لكي تتمدد فيها منظمة القاعدة وتؤسس أفرعا لها فيها سواء كملاذات آمنة أو قواعد خلفية للانطلاق لعملياتها الدولية المختلفة، وذلك لأسباب عديدة ومنها ضعف قدرة هذه الدول في المجال الأمني.

ومن هنا تتوافق هذه الرؤية مع ما رصدته بحوث العلوم السياسية من أن ما اصطلح على تسميتها بالدول الفاشلة هي الأكثر عرضة لخطر تمدد الإرهاب فيها.

ورغم ما يمكن أن نعتبره استراتيجية أسامة بن لادن لإقامة دولة إسلامية ركيزتها القبائل فإن تحركات منظمة القاعدة في أفريقيا ظلت تستخدم القارة الأفريقية لتحقيق "التكتيكات" وليس "الاستراتيجية"، وذلك حتى غزو الولايات المتحدة لأفغانستان في نهايات 2001م، وتمثلت هذه التكتيكات أولاً في اعتبار العديد من دول إفريقيا أحد الملاذات الآمنة لاتخاذها قواعد ومحطات يقيم فيها وينطلق منها أعضاء المنظمة، وكعادة منظمة القاعدة فإن هذا لم يمنع قيادة المنظمة من استغلال الهشاشة الأمنية في قارة إفريقيا لشَنّ هجمات مسلحة كبيرة في دولها المختلفة وربما أشهرها حادثتا تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998م، وكذلك استهداف طائرة مدنية إسرائيلية بصاروخين لم يصيباها بالتزامن مع تفجير استهدف فندق برادايس الذي يملكه إسرائيليون، وكلتا العمليتين كانتا في مومباسا في كينيا (28 نوفمبر 2002م)، ومن هنا فاستخدام دول إفريقيا في تكتيكات التخفي والإقامة الآمنة وتوجيه ضربات لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ظل هو النشاط الأبرز للقاعدة في إفريقيا حتى ذلك الحين.

 

ولا شك أن منظمة القاعدة استخدمت جسورًا لتنفيذ نشاطها هذا، وهذه الجسور ليست إلا أعضاءها من الأفارقة ممن انضموا إلى صفوفها سابقًا في أفغانستان أو اليمن أو الصومال والسودان؛ حيث كان لها معسكرات تدريب وتثقيف في كلّ هذه الدول في فترات متعددة.

 

مجالات جديدة لتحرك القاعدة في أفريقيا

 

إن النشاط الذي مارسته منظمة القاعدة حتى ذلك الوقت في المجال التكتيكي في إفريقيا فتح للمنظمة الباب لتدخل الى مجالين آخرين من النشاط وهما:

 

النشاط الأول: هو تجنيد المزيد من الأفارقة لفِكْر المنظمة، ومِن ثَمَّ مساندتها في أنشطتها المختلفة حول العالم؛ حيث تتراكم العديد من العوامل الثقافية والإثنية والاجتماعية والاقتصادية التي تجعل البيئة الإفريقية مواتية أحيانًا لانتشار فكر القاعدة بين المواطنين.

 

النشاط الثاني: هو النشاط الاقتصادي القائم على عمليات تهريب المعادن والسلاح ونحوهما؛ حيث تزخر قارة إفريقيا بشبكات تهريب لهذه المواد يصل حجم تجارتها لمئات الملايين من الدولارات سنويًّا.

 

فروع القاعدة في أفريقيا

 

 

 

وبينما كانت منظمة القاعدة تتحرك في هذه المجالات التكتيكية جاءت الأحداث المتلاحقة في القارة الإفريقية لتصنع فروعًا لمنظمة القاعدة؛ إذ أعلنت جماعة إسلامية مسلحة([1]) مبايعتها للقاعدة عام 2007م، وأطلقت على نفسها اسم "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب">المغرب الإسلامي"، وبمرور السنوات انضمت العديد من الجماعات الإسلامية المسلحة الأخرى للقاعدة مثل "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) عام 2017م، والتي تمثل اتحادًا فضفاضًا لعدد من المجموعات أو الجماعات الإسلامية التي تنشط في شرق إفريقيا وفي منطقة الساحل.

 

وكانت جماعة "شباب المجاهدين" الصومالية قد أعلنت ولاءها لتنظيم القاعدة قبل ذلك (عام 2012م) لتمثل أحد أقوى فروع القاعدة على المستوى الدولي والإقليمي بشرق القارة السمراء.

 

انضمام كل هذه الجماعات الإفريقية لمنظمة القاعدة فرض عليها أن تتقبل وجود أجندات واستراتيجيات محلية وإقليمية بعد أن كان أسامة بن لادن وخليفته أيمن الظواهري لا يظهر في خطابهم السياسي أي استراتيجية أو أهداف سوى الهجوم على المصالح الأمريكية والإسرائيلية في العالم كله، وبالتالي نجد في أوراق أسامة بن لادن المشهورة باسم "وثائق أبوت آباد"([2]) توجيهات وتوصيات بشأن طبيعة وأساليب العمل الحركي المحلي الذي ينبغي أن تلتزم به الفروع المتعددة لمنظمة القاعدة في مختلف بقاع العالم.

 

القاعدة وآثار الربيع العربي

 

لقد أرجع بعض المحللين ذلك وغيره من توجهات القاعدة ذات الطبيعة المحلية إلى حركة الربيع العربي، ورغبة منظمة القاعدة في ركوب الموجة الشعبية، ولكن في واقع الأمر فإن الأمر ليس كذلك، وإنما الأمر هو أن فروع القاعدة في إفريقيا وغيرها هي منظمات محلية لها أهدافها وأجندتها المحلية([3]). وهذه الأجندات المحلية تمثل مبرر وجودها أصلاً، وبجانب هذا انضمت إلى منظمة القاعدة ابتغاء الحصول على دعم القاعدة لتنفيذ هذه الأهداف والأجندات المحلية، ولا يسعها أن تتخلى عن أهدافها وأجندتها المحلية، وإلا تخلى عنها أغلب أنصارها والمتعاطفين معها، كما أن قيادة منظمة القاعدة المتمثلة في أسامة بن لادن وأيمن الظواهري ومن معهم في القيادة العليا للمنظمة ازدادت حاجتهم لوجود وانتشار فروع لمنظمة القاعدة حول العالم؛ من أجل إعطاء متنفَّس للمنظمة بعد احتلال الولايات المتحدة  لملاذهم الآمن في أفغانستان ومطاردتهم عبر كافة بقاع العالم في إطار ما أُطلق عليه دوليًّا مصطلح "الحرب على الارهاب"؛ فالفروع تحتاج منظمة القاعدة لدعمها فنيًّا ومعنويًّا وأحيانًا ماليًّا، بينما القاعدة بحاجة للفروع لدعمها معنويًّا وفتح متنفَّس لها عبر بقاع شتى حول العالم، لذلك نجد أن بعض المحللين الغربيين يرون أن الإنجاز الأهم لأيمن الظواهري هو بقاء منظمة القاعدة على قيد الحياة حتى الآن بعد كل الحروب والهجمات الأمريكية التي شنَّتها عليها.

 

وبناءً على ذلك كله نجد أن "منظمة القاعدة" لم يكن بإمكانها أن تُلزم فروعها الإقليمية بالتخلي عن أجنداتها المحلية والتحرك وفق الأجندة التي بنت عليها "منظمة القاعدة" وجودها أصلاً، ومن هنا عملت على تحقيق ما يمكن تحقيقه من استفادة متبادلة بينها وبين هذه الفروع الإقليمية والمحلية.

مستقبل القاعدة في أفريقيا

 

إن فهم التاريخ ووعي أبعاده المتعددة ينير البصيرة فيعطيها القدرة على رؤية معالم المستقبل، والتأمل العميق لمجمل تاريخ منظمة القاعدة وفروعها في إفريقيا يوضح لنا بجلاء معالم المستقبل.

 

فنشوء وتطور فروع القاعدة في إفريقيا نتج عن مزيج من هشاشة وفشل الدولة، ووجود مظالم ونزاعات اجتماعية واقتصادية وإثنية، وغياب التنمية السياسية والاقتصادية السليمة في القارة، بجانب وجود قدر من ضعف الفهم والوعي الإسلامي الصحيح، وهذا الضعف مصاحب لعاطفة إسلامية جيّاشة، كل ذلك تفاعل مع التدخلات الأجنبية (الأوروبوأمريكية) لاستغلال القارة ومواردها المهمة لغير صالح المواطنين الأفارقة.

 

واستمرار نفس العوامل لن ينتج عنه غير نفس النتائج، وهي انتعاش وتمدد جماعات العنف المسلح ومنها القاعدة وداعش، وغيرها.

 

إن الاقتصار على الحل الأمني ليس سوى تهدئة مؤقتة للظاهرة في البقعة التي تتقوى فيها أدوات القمع الأمني، ولكن سرعان ما ستبرز الظاهرة في بقعة أخرى تتسم بالرخاوة الأمنية، بل سيتم التحايل على القمع الأمني من حين لآخر بأساليب حرب العصابات والذئاب المنفردة المعتادة والمجرَّبة في العالم كله.

 

إنّ أيّ حلّ شامل وجذري لهذه الظاهرة لا بد أن يشمل الأخذ في الاعتبار لكل أو أغلب المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية للمواطنين، مع نشر العلم الشرعي الإسلامي السليم، بعيدًا عن التشدد أو الانحلال.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا الآن هو:

 

 إذا كانت هذه الخلاصة تستشرف المستقبل من جانب المجتمع والدولة في إفريقيا تجاه ظاهرة "فروع منظمة القاعدة في إفريقيا"؛ فما هو مستقبل هذه الفروع نفسها في إفريقيا؟

 

إن مستقبل منظمة القاعدة لا يختلف عن تاريخها؛ ما لم تغير أهدافها واستراتيجياتها وأساليبها، ستظل تفشل في بقعة ما، فتنسحب منها إلى بقعة أخرى، وقد تعود للبقعة التي انسحبت منها في حالة ما إذا تغيرت الظروف التي دفعتها للانسحاب، وهكذا كما رأينا سلوكها في العديد من الدول كأفغانستان والشيشان والعراق وسوريا واليمن والصومال والجزائر ومالي ونيجيريا، وغيرها.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

([1]) وهي أصلاً امتداد للجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، انظر تفاصيل أخرى في: دراسة ترصد تحركات التنظيمات الإرهابية في القارة الإفريقية، على الرابط التالي: https://cutt.us/337aw تاريخ المشاهدة 24 يونيو 2022م.

 

([2]) وثائق أبوت آباد هي مجموعة من أوراق أسامة بن لادن التي حصلت عليها الاستخبارات الأمريكية من منزل أسامة بن لادن عند قتله، وتشمل مراسلاته وملاحظاته المكتوبة، وقد أفرجت عن جزء كبير منها في 1 نوفمبر 2017م، ونشرتها، وبالبحث على الإنترنت سيجد القارئ كثيرًا جدًّا من المواد الصحفية والتليفزيونية التي عرضت هذه الوثائق أو جانبًا منها وعلقت عليها، لكن هناك مَن جمع جزءًا كبيرًا منها ونشرها في ملف واحد بصيغة PDF، ومن ذلك ما تجدونه على الرابط التالي: https://cutt.us/0iyBs .. على موقع أرشيف. تاريخ المشاهدة 24 يونيو 2022م.

 

([3]) هذه الجماعات لها أجندات سياسية واقتصادية محلية بحتة مثل سعي منظمة شباب المجاهدين للاستيلاء على الحكم في الصومال، وسعي فرع القاعدة في غرب إفريقيا والساحل لأهداف سياسية كإقامة دولة تحكم بالشريعة-الإسلامية">الشريعة الإسلامية وفق رؤيتهم للشريعة، كما أن لبعضهم أجندة اقتصادية تارة أخرى، والهدف الاقتصادي مهم جدًّا بالنسبة لهذا الفرع فيعتقد الخبراء أن الجماعات المنتسبة إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تكسب بشكل مشترك ما بين 18 و35 مليون دولار سنويًّا مع ما تفرضه من ضرائب على شبكات التهريب وعمليات التعدين المحلية.

 

انظر: Daniel Eizenga and Wendy Williams, The Puzzle of JNIM and Militant Islamist Groups in the Sahel, December 1, 2020 على الرابط التالي : https://cutt.us/EnarA تاريخ المشاهدة 20 يونيو 2022م.

 

 

أخبار ذات صلة

في حلقة تلفزيونية استغرقت ساعتين حوارا على قناة "بلانكا بريس"، مع الإعلامي كمال عصامي في برنامج "وجوه مشرقة"، بتاريخ 29 تموز/ يوليو 2022م، أدلى ا ... المزيد

قال مراسل وكالة "أسوشيتد برس" على موقع تويتر"، صباح يوم الثلاثاء، إن غارة أميركية قتلت المزيد