البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

إستراتيجية أمريكية لتفكيك مراكز الثقل في العالم العربي

المحتوي الرئيسي


إستراتيجية أمريكية لتفكيك مراكز الثقل في العالم العربي
  • أحمد الحِلَّه
    02/05/2015 05:16

"شخصٌ متردد، لا يملك رؤية ولا استراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمات المتكررة في منطقة الشرق الأوسط"؛ هكذا وصف العديد من المراقبين الرئيس الامريكي باراك أوباما.

يقولون أيضا: بعد انسحاب الجيش الأمريكي من العراق وأفغانستان، أصبحت أولويات أوباما تتركز على تطوير الاقتصاد ورفع مستوى الخدمات الاجتماعية والصحية المحلية.
هذا الموقف له مؤيديه، وهو مدفوعٌ بالانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان والعراق، وكذلك رفض الإدارة الأمريكية التدخل العسكري المباشر في عدد من أزمات الشرق الأوسط، مثل: العراق وسوريا، وفي الآونة الأخيرة، اليمن. في كل هذه الحالات، اكتفت الولايات المتحدة فقط بتقديم الإغاثة الإنسانية والدعم اللوجستي إلى أصدقائها أو حلفائها، أو تدخلت باستخدام الطائرات لتنفيذ عمليات عسكرية محدودة في سياق مكافحة الإرهاب والتطرف.
لكن..

(أ) المصالح الأمريكية الاستراتيجية في الشرق الأوسط:

بعيدًا عن نظريات المؤامرة، ودون تحميل الإدارة الأمريكية مسؤولية ما حدث في المنطقة، يجب أن نلقي نظرة فاحصة على سياسة الولايات المتحدة تجاه الأزمات المدمرة في الشرق الأوسط. ومن الحقائق المعروفة جيدا أن الإدارة الأمريكية لديها مصالح استراتيجية في المنطقة العربية، وعلى استعداد للتدخل بكل قواها من أجل حماية هذه المصالح. هذا هو مفهوم لا جدال فيه في السياسة الدولية.

وتشمل هذه المصالح:
(1) الحفاظ على أمن إسرائيل
(2) تأمين مصادر الطاقة
(3) تأمين سوق السلاح
(4) تأمين استهلاك البضائع الأمريكية في الشرق الأوسط.

كانت هذه المصالح مضمونة إلى حد ما على مدى القرن الماضي، وكانت واشنطن قادرة على مواجهة أي تهديد يواجهها سواء بالقوة الدبلوماسية أو العسكرية، خاصة في منطقة الخليج- وآخرها الحرب الأمريكية على العراق (أو بالأحرى، على صدام حسين). ومنذ ذلك الحين، لم تتعرض المصالح الأمريكية إلى أي تهديدات حقيقية، ما عدا رجل القش المسمى "الإرهاب".
سلكت الولايات المتحدة هذا الدرب حتى موجة الثورات العربية في عام 2011، التي يُعتَقَد أنها باغتت واشنطن، كما العديد من البلدان العربية. ويمثل الربيع العربي منعطفا حادا في المنطقة؛ نتيجة الإطاحة بعدد من حلفاء واشنطن، مثل: الرئيسين زين العابدين وحسني مبارك (الموصوف بأنه "كنز استراتيجي" لإسرائيل). وهو ما دقَّ ناقوس الخطر في البيت الأبيض؛ خوفا من أن تؤثر هذه التغييرات على المصالح الأمريكية؛ نتيجة عدم الاستقرار المحلي، وعدم اليقين الأمريكي بشأن مستقبل المنطقة.

في هذا الوقت، كانت بعض المخاوف تُحَلِّق في الأفق، فيما يتعلق بطبيعة وشكل البدائل التي قد تحل محل تلك الأنظمة العربية المتحالفة مع واشنطن. وتعاظمت مخاوف الإدارة الأمريكية مع صعود الإسلاميين إلى الحكم، خاصة في مصر، أحد أكبر وأقوى دولة في العالم العربي. وقد أثار صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة المخاوف بشأن مستقبل اتفاقية كامب ديفيد وعلاقة مصر الثورية مع إسرائيل وأمنها، فضلا عن التأثير المحتمل لتوجيه ضربة حاسمة لدول الخليج، التي تمثل مخازن النفط والغاز الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة.
وفي مواجهة هذه المخاوف والشكوك، استثمرت الإدارة الأمريكية وحكومات عدد من الدول العربية في احتواء موجة التغيير الثوري. بيدَ أن الإدارة الأمريكية، تحت قيادة الرئيس باراك أوباما، كانت تستهدف ما هو أكبر من مجرد احتواء الاحتجاجات؛ حيث أدركت أن الثورات العربية كانت مجرد أعراض لعدد من القضايا المعقدة المتصاعدة من أعماق الوعي الجمعي (للشباب) العربي. وإجمالا، كانت الثورات مدفوعة بالطغيان والظلم والفقر، وتهدف إلى الحرية والتغيير والديمقراطية- التي قد تكون بذرة غرسها أعداء واشنطن وتل أبيب. ولذلك، فإن عملية استبدال قائد بآخر قد لا تقنع الشعوب العربية بالتغيير العميق.

ضرورة اتخاذ تدابير غير تقليدية

بالإضافة إلى هذا، تدرك واشنطن حقيقة أن تدخلها المباشر ليس محل ترحيب الجمهور العربي بشكل عام؛ بسبب نظرته السلبية لدور أمريكا في رعاية أمن إسرائيل، وصداقتها مع الدكتاتوريات التي ظلمت الشعب العربي- ويعتبرونها سبب معاناتهم على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما تدرك واشنطن أيضا التكاليف المالية والبشرية التي سوف تضطر إلى دفعها لتدخلها المباشر في المنطقة، خصوصا بعد تجربتها في العراق وأفغانستان.

لذلك، قررت واشنطن، والرئيس أوباما، تبني موقف "الصمت الاستراتيجي"، الذي يحل مكان التدخل الأمريكي المباشر، بدعم يتقلَّب بين الضمنيّ والصريح، من خلال تأليب الأحزاب الإسلامية والعربية ضد بعضها البعض، وضد شعوبها. وفي حين تعمل هذه الأطراف المتنازعة (الحكومات والجماعات) على تحقيق ما يعتقدون أنه المصالح الوطنية والإقليمية، فإنهم في الحقيقة ينفذون الخطة الأمريكية ذات الأهداف الاستراتيجية غير التقليدية المحجوبة عن العيان. هذه الأهداف صيغت لاستثمار أحداث المنطقة العربية واستغلالها إلى أقصى حد.
(ب) أهداف واشنطن السرية وغير التقليدية في المنطقة:

تشمل هذه الأهداف:

* "تمسيد" العقل الجمعي للجمهور العربي من خلال الترويج للعنف وعدم الاستقرار بما يدفع المواطنين إلى الندم لأنهم فكروا في الحرية والتغيير، ويجعلهم يفتقدون الأنظمة المتحالفة مع واشنطن، التي أطاحت بها الثورات. يتحقق ذلك عن طريق إشعال الحروب الطائفية والمذهبية، وهو الطراز الأكثر تعقيدا وعنفا في التاريخ.

* استنزاف الدول الكبرى في المنطقة بأدوات الصراع الداخلي والإقليمي، عسكريا واقتصاديا، من خلال إطالة أمد هذه الصراعات وتأجيجها لسنوات عديدة. والأحداث في سوريا مثال واضح على سياسة واشنطن التي تهدف إلى إطالة أمد الصراع عبر منع النظام والمعارضة- وأنصارهما مثل إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية- من حسم المعركة. وتسعى هذه السياسة لئلا يكون هناك غالب أو مغلوب؛ لتدمير البلاد، وبالتالي تدمير روح الشعب السوري.

استغلال مراكز الثقل في الدول العربية، وتجريدها من أسلحتها غير التقليدية التي قد تشكل يومًا ما تهديدا استراتيجيا حقيقيا لأمن إسرائيل. شوهد هذا عندما حشدت واشنطن أساطيلها في البحر الأبيض المتوسط لضرب دمشق ردا على استخدامها الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية. ومع ذلك، عندما وافق النظام السوري على المبادرة الروسية التي تقضي بتدمير الأسلحة الكيميائية، تراجعت واشنطن عن ضرب سوريا، واستمر سيناريو الصراع الداخلي حتى أصبح أكثر من نصف الشعب السوري لاجئًا. هذا ينطبق أيضا على الأسلحة النووية الإيرانية؛ فإيران تحرص على رفع العقوبات، نتيجة الإنهاك الاقتصادي الذي عانته نتيجة تدخلها المباشر، ودعم حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وبدورها استغلت الولايات المتحدة، بقيادة باراك أوباما، الوضع الاقتصادي الخانق لدفع طهران إلى تقديم تنازلات خطيرة بشأن برنامجها النووي في سياق "اتفاقية لوزان" مؤخرا.

* هدم الدول القومية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية؛ من خلال الصراعات العرقية (مثل الأكراد)، والصراعات الدينية (المسلمين والمسيحيين والدروز والآشوريين والكلدان إلخ)، والصراعات الطائفية (الشيعة والسنة)، وتعزيز الرغبة في تقسيم المنطقة إلى شظايا صغيرة معظمها يفتقر إلى السيادة والتقدم الذاتي؛ نتيجة لتدمير بنيتها التحتية واقتصادها وتفشي الفقر والجهل فيها. هذا من المرجح أن يحدث في بلدان كبيرة، مثل: العراق وسوريا واليمن وليبيا، بل قد ينتشر إلى دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية ومصر. إذا حدث هذا، فإن المنطقة العربية سوف تفتقر إلى دولة مركزية قادرة على لَمّ شتات الشعب العربي لتشكيل نهضة حقيقية.

* إطالة أمد الصراع والقتال والدمار؛ بما يعني أن العجلة الاقتصادية الأمريكية سوف تستمر في الدوران، وأن الأطراف المتنازعة سوف تحتاج إلى الصناعات العسكرية. وعلى المدى الطويل، سوف تكون الكيانات المنبعثة من الرماد في حاجة ماسة إلى إعادة الإعمار. وهو ما سيؤدي إلى فتح السوق للشركات الأمريكية والأوروبية للتدخل وتقديم خدماتها.. بمقابل، طبعًا.

(ج) التفكيك وإعادة التنظيم.. أخطر مراحل الاستراتيجية الأمريكية:

الأهداف الاستراتيجية الأميركية المذكورة أعلاه تحققت جزئيا عن طريق "الصمت الاستراتيجي" الذي انتهجه الرئيس أوباما. ويمكن تحقيق الجزء الأكثر خطورة في المستقبل، وهو تفكيك المنطقة بأسرها والدول القومية وإعادة تنظيمها على أسس عرقية وطائفية ومذهبية بطريقة تخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية الثلاث: (1) أمن إسرائيل (2) مصادر الطاقة (3) السوق الاستهلاكية في الشرق الأوسط.

ولنجاح عملية تفكيك وإعادة تنظيم المنطقة يُشتَرَط إشراك أكبر دول الشرق الأوسط- التي لا تزال سليمة إلى حد ما- في الصراعات المدمرة؛ مثل: إيران والمملكة العربية السعودية ومصر وتركيا. هذا هو ما تسعى واشنطن إلى القيام به؛ من خلال استغلال رغبة ايران في التوسع بإعطائها الفرص لبسط سيطرتها، وهو ما يثير بدوره الدول العربية وتركيا ضدها. هذا السيناريو يسير على قدم وساق من خلال انقلاب الحوثيين في اليمن، المدعومين من إيران، ما أسفر عن استجابة سعودية (عملية عاصفة الحزم) لحماية نفسها من التهديد الإيراني الشيعي المُحدِق بحدودها الجنوبية.

الموقف الأمريكي الضعيف تجاه الانقلاب الحوثي في اليمن قبل بضعة أشهر يمكن تفسيره برغبة واشنطن في طمأنة إيران، ودفعها لتحقيق المزيد من التقدم في القضية اليمنية. في ذلك الوقت، أعرب البيت الأبيض عن قلقه إزاء تطور الأحداث في اليمن، وشدد على استمرار التنسيق مع الحوثيين لضرب تنظيم القاعدة في البلاد. واكتفت إدارة أوباما بتقديم دعم محدود لعملية عاصفة الحزم من أجل تشجيع المملكة العربية السعودية على اتخاذ إجراءات جادة في مواجهة إيران، من أجل إفساح المجال للصراع بين إيران والمملكة العربية السعودية، وما يتمخض عنه من ردود قد تتخذها بلدان أخرى في المنطقة.

في السياق ذاته، تم التوصل إلى اتفاق لوزان بشأن البرنامج النووي الإيراني أثناء معركة حامية الوطيس في اليمن. وقد منح الرئيس أوباما شخصيًا هذه الاتفاقية دفعة على الرغم من حقيقة أنها أغضبت حليفتها إسرائيل؛ بهدف منع إيران من امتلاك قنبلة نووية، ومنحها الأمل في رفع العقوبات المفروضة عليها، من أجل تشجيع طهران على مواصلة مشروعها التوسعي.
وبالتالي، يُرَجَّح أن تشهد المنطقة العربية المزيد من التعقيدات والصراعات بسبب توسع المواجهات في اليمن إلى حرب برية، أما النتائج فيصعب التنبؤ بها. ومثلما يمكن لإيران أن تعكر صفو الوضع الداخلي في المملكة العربية السعودية؛ عن طريق تحريض الشيعة في الجنوب والشرق، فإن لدى المملكة العربية السعودية القدرة أيضًا على زعزعة الوضع الداخلي في إيران؛ عن طريق تحريض العرب السنة في الاهواز جنوب غربي إيران، والقبائل السنية البلوشية المنتشرة من شرق إيران إلى باكستان، والتي هي حليف للرياض. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للجانبين التدخل بشكل مباشر في الأزمة السورية.

ويُعتَقَد أن الرئيس باراك أوباما يمتلك قدرة عالية على إدارة سياسته الخارجية بهدوء ودهاء سياسي، وهو ما سمح له بدفع إيران لتحقيق رغباتها التوسعية الجامحة، والانخراط مع طهران ودمشق وبغداد. وهو يدرك تماما أن هذا من شأنه إثارة ردود فعل غاضبة من الدول العربية المجاورة، وسيفتح الباب أمام صراعات طائفية ومذهبية في المنطقة.
نختم حديثنا باقتباسٍ من مقابلة أجراها توماس فريدمان مع باراك أوباما يوم 4 أبريل 2015، ونشرتها نيويورك تايمز. في هذا اللقاء تحدث الرئيس أوباما عن حلفاء واشنطن العرب قائلا: "أعتقد أن أكبر التهديدات التي يواجهونها قد لا تكون قادمة من الهجوم الإيراني. بل ستكون من حالة الاستياء النابعة من داخل بلدانهم".

*ترجمة: علاء البشبيشي

أخبار ذات صلة

كتب المحامى خالد المصري أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المتهمين في القضية رقم 271 لسنة 2021 جنايات أمن الدولة طوارئ ق ... المزيد

الطرق الصوفية - الجماعات الإسلامية الدعوية  - المذاهب الإسلامية، هي في الأساس وسائل للوصول لغايات شرعية (في أساسها) ولذلك لا تحمد ولا تذم لذاتها، وإنم ... المزيد

بعد سقوط الخلافة قال «توماس إدوارد لورانس» المشهور بـ«لوارنس العرب» في كتاب «ثورة في الصحراء»: «لقد وضعنا بمهارة مكة في مواجهة إسطنب ... المزيد