البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

أخطاء جابر عصفور! (1-2)..غواية التراث أم غواية الكلام المرسل دون دليل ؟

المحتوي الرئيسي


أخطاء جابر عصفور! (1-2)..غواية التراث أم غواية الكلام المرسل دون دليل ؟
  • أ.د. إبراهيم عوض
    26/07/2022 08:10

حين رأيت، للمرة الأولى منذ نحو أسبوعين، كتاب الدكتور جابر عصفور: "غواية التراث" المنشور فى سلسلة "كتاب العربى" عند بائع الصحف لم أتحمس له كثيرا، ومن ثم لم أشتره. وربما كان لعدم وجود فكّة معى فى ذلك الوقت دخل فى هذا القرارـ وربما كان لكتاب إبراهيم عبد المجيد: "غواية الإسكندرية" دخل أيضا فى عدم الشراء، إذ كنت قد اشتريته قبلها بقليل ممنِّبا نفسى أن أعثر فيه على ما يمكن أن يفسر سر نفورى من قراءة ذلك الكاتب، الذى لم أستطع فى التسعينات أن أقطع من روايته: "الصياد واليمام" أكثر من صفحات معدودات ألقيت بالرواية بعدها جانبا ضيقًا ببطئها وثقلها وعجز الكاتب عن التعبير السلس المبين بسبب اضطراب الضمائر فى يده فلا تعرف عمن يتكلم إلا بصعوبة غير مسوغة فنيا، كما لم أجد فى مجموعة قصصية له اشتريتها من "مكتبة الأسرة" بعد ذلك بسنوات ما يبرر الكلام الكبير عنه وعن أعماله، إذ بدت لى عادية جدا يستطيع أى شخص أن يكتب مثلها، فقرأت منها بعض ما فيها من قصصٍ بُغْيَةَ العلم بالشىء ليس غير، لا بحثًا عن المتعة أو رغبةً فى الكتابة عنها لأنى لم أجد فيها ما يستحق الانشعال بها أكثر من ذلك.

 لكن تكرار رؤيتى للكتاب ووجود الفكّة معى فى المرة الثانية أو الثالثة قضى على ترددى فوجدتنى أشتريه وأتغاضى عن الزيادة القليلة التى أضافها البائع إلى سعره الرمزى. ومضيت فى قراءة كتابه الجديد: "الغواية" بهذه النية وذلك التطلع، إلا أننى لم أجد فيه ما يساعدنى على التخلص من النفور القديم من الكاتب وما يخطه قلمه. زد على هذا أن الرجل ينحاز لكل ما هو أجنبى عن التربة المصرية العربية المسلمة، سواء كان فكرا ماركسيا كان هو واحدا من أعضاء الحزب الذى يعتنقه ويرفع رايته، أو جاليات أوربية مختلفة أو احتلالا رومانيا قديما، ولا يرى فى شىء من ذلك ما يمثل غزوا ثقافيا يهدد حياتنا السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية، وفى ذات الوقت يَسِم المصريين الذين ذهبوا إلى السعودية للعمل ثم عادوا بأنهم يمثلون "غزوًا ثقافيًّا رجعيًّا" بنص كلامه.

 يا ألطاف الله! إلى هذا الحد؟ مع أنه هو نفسه قد ذهب مثلهم للعمل بالسعودية! آه، لكنْ يبدو أنه، كما ذهب ماركسيًّا، عاد ماركسيًّا، وليس فى الماركسية بطبيعة الحال، كما هو واضح، شىء من الغزو الثقافى بالمرة! يعنى أن المصريين المسلمين الذين عادوا من الخليج هم غزاة ثقافيون رجعيون متخلفون بما يعنى أنهم عنصر غير مرغوب فيه وينبغى التخلص منه ومن أخطاره وتهديداته، رغم أن هناك من الكتّاب من إذا سمعوا أحدا ينادى باليقظة والتصدى للغزو الثقافى الغربى خوفًا من الفكر الإلحادى مثلا أو الانفلات الجنسى زِنًا ولِوَاطًا وسِحَاقًا اتهموا من يتكلمون بهذه الطريقة بالتخلف والانغلاق. المهم إذن أن هناك فعلا غزوا ثقافيا، وليس الأمر وهما خاطئا فى أذهان من يقولون به.

كل ما فى الأمر أن الغزو المكروه هنا ليس هو الغزو الغربى بل الغزو العربى الإسلامى! أقول هذا رغم أنى لا أرى وجوب تغطية المرأة وجهها أو إطلاق الرجل لحيته مثلا، بَيْدَ أننى لا أرى أيضا فى سلوك أولئك الذين يتصرفون بخلاف ما أرى إلا لونا من الحرية التى ليس فى القانون ولا فى الشريعة ما يمكن أن يؤاخَذوا بسببه. وعلى الأقل فهذا أفضل ألف مرة من العُرْى وشرب الخمر وأكل الخنزير والإلحاد والتبعية الذليلة للثقافة الغربية التى لا يستطيع من ابْتُلُوا بها من الأذناب عندنا أن يفرزوا غَثَّها من ثمينها، إذ لا يعرفون لهم مرجعية عربية إسلامية، وإن كنت أيضا آخذ على طائفة من المتدينين اهتمامهم المغرق فى الشكلية وتمسكهم الشديد بالتفصيلات غير الجوهرية على حساب القيم العليا للدين: كالسعى لتحصيل الثقافة والتعمق فى العلوم والتفوق فى التخصصات المختلفة وإتقان العمل والتدقيق والإبداع فيه والحرص على التخطيط والنظام والنظافة والجمال والأناقة والتسامح الفكرى والمذهبى والوعى الحقيقى بالأخطار المبيرة التى تتهدد وجودنا فى هذا العصر العجيب.

 خلاصة الكلام أن إبراهيم عبد المجيد لا يرى مثلا فى دخول الفكر الماركسى إلى مصر واعتناقه هو وأشباهه له وانخراطهم فى أحزاب تدعو إليه وتعمل على نشره فى البلاد ما يعاب وما لا ينبغى أن يسمَّى: "غزوا ثقافيا"، أما النزعة العربية الإسلامية فهذه رجعية وتخلف. ثم يحدثنا بعض من يمسكون بالقلم من أبناء جلدتنا عن وجوب قبول الآخر. نعم، لكنه الآخر الغربى الذى يخطط منذ قرون لاستئصالنا ثقافيا على الأقل، إن لم يكن استئصال وجودنا نفسه لو استطاعوا كما فعلوا مع الهنود الحمر فى أمريكا وسكان أستراليا الأصليين، وكما فعلوا أيضا إلى حد ما ويريدون أن يمضوا إلى نهاية الطريق فيه مع الفلسطينيين.

 

فهذا أحد أسباب ترددى فى شراء كتاب الدكتور عصفور، إذ ذكّرتنى كلمة "الغواية" فى عنوانه بمثيلتها فى عنوان كتاب "غواية الإسكندرية" الثقيل الظل الوخيم الأنفاس الذى لا يطيق صاحبُه وجودَ طائفة من المصريين فى الإسكندرية، وإن لم يحدثنا عما ينبغى أن نعمله فى موضوعهم: أنحبسهم؟ أم ننفيهم من البلاد كليةً؟ أم نكتفى بردّهم على أعقابهم من عروس البحر المتوسط التى لا يمكن طبعا أن تتسع فى نفس الوقت لهم ولأمثال الخواجة داريل وكفافيس وتزالاس وتسيركاس والميّتين فى هواهم كالأستاذ عبد المجيد والأستاذ إدوار الخراط اللذين يمثلان، فى نظر كاتبنا، قيم التحضر، وعليهما ألقت الأقدار عبء مواجهة التحدى المتمثل فى ذلك التخلف التصحيرى ودحره، أو على الأقل إرجاعه من حيث جاء رغم أنهم جاؤوا (والله العظيم) من مصر؟ أم نعدمهم ونخلّص مصر من شرهم وعارهم فنريح ونستريح؟ وطبعا لن تفتح أمريكا فى هذه الحالة ملفّهم أو تؤلّب الدنيا على مصر بسببهم، فأمثالهم ليس لهم عند "ال أمري كان لى" أية حقوق إنسانية أو حتى حيوانية!

 

إن الرجل يتكلم باعتزاز وحنين عن الجاليات الأوربية المختلفة التى كانت تعيش فى الإسكندرية من قبرص ويوغوسلافيا وأرمينيا واليونان وإيطاليا وروسيا. حتى ثوار المدرعة بوتومكين الروسية الذين أسسوا أول حزب شيوعى فى "كنانة الله فى أرضه" وأصدروا أول صحيفة ماركسية فى بلادنا الطاهرة فى السنوات الأولى من القرن البائد، هؤلاء الشيوعيون الحمر المغرمون بالدماء والعمل فى الظلام وبث الكراهية بين الطبقات وتأليب فئات الشعب بعضها على بعض يجدون، رغم أنهم أجانب أغراب لا علاقة لهم بمصر ولا بطين مصر، مكانا رحبا وسيعا فى قلب إبراهيم عبد المجيد، ووجودهم فى أرض المحروسة إذن مبارَك ومكرَّم، أما أولئك المصريون الذين لا يشاطرونه أفكاره مثلما لا يشاطره إياها إلا قلة جِدّ ضئيلة ليس لها عدد يذكر من عموم أهل الوادى فكلا وألف كلا، وكأن مصر (أو الإسكندرية على الأقل) قد تحولت إلى عزبة يملكها ملكية خاصة لا يشاركه فيها أحد، فمن حقه أن يقول لهذا: "نعم"، ولذاك: "لا" دون أن يكون لأى إنسانٍ الحق فى التعقيب عليه ولو بكلمة "بِمْ"! لَكُمُ الله (آسف! بل عليكم اللعنة) أيها الرجعيون المتخلفون الرِّمَالِيّون! والرِّمَالِيّون هذه نسبة إلى"الرِّمَال" كما هو بَيِّن، إذ حقّر الأستاذ الكاتب ثقافة الرمال (أو حسب تعبيره: "الروح القبلى الجاهل المشبع بالرمال".

والمقصود حسب فهمى، والله أعلى وأعلم، ثقافة العروبة والإسلام لكونها آتية من الصحراء حيث تكثر الرمال كما نعرف جميعا) مثلما حَقَّرَ من شأنها سلمان رشدى فى روايته: "الآيات الشيطانية". ولعل من المناسب أن أوضح للقارئ أن كلام إبراهيم عبد المجيد هذا قد قاله ضمن مداخلة له فى ندوةٍ ("عالميةٍ" كما سماها) بمكتبة الإسكندرية عام 2001م. هل تعنى هذه المعلومة لكم شيئا؟ ومع ذلك فقد قلت لنفسى: إن كلمة "التراث" فى عنوان كتاب الدكتور عصفور جديرة يا فلان (فلان هذا هو أنا) بأن تجعلك تتغلب على ترددك ونفورك من كتاب الأستاذ عبد المجيد الذى ألقى بظلاله الثقيلة الوخيمة على كتاب الدكتور جابر. وكان أن اشتريتُ "غواية التراث"!

 

وبالمناسبة فهذه الأيام تشهد هوجة من الغوايات ولا هوجة عرابى فى زمانه: فهذه غواية التراث، وهاته غواية الإسكندرية، وهذى غواية الحرف، وهاتى غواية الحب، وذى غواية السحر، وتى غواية الشيطان، وذِهْ غواية المستحيل، وتِهْ غواية الدمعة، وهاذيك غواية الحركة، وهاتيك غواية السرد، وتيك غواية الكتابة، وتلك غواية الجسد... إلى آخر الغوايات التى تخطر والتى لا تخطر على البال. وبالمناسبة أيضا فقد كتبتْ شيخة الإسلام السِّحَاقِيّة إرشاد مانجى فى كتابها:" مشكلة الإسلام اليوم"، الذى تهاجم فيه الإسلام وإلهه ورسوله وأتباعه وتدعو فيه المسلمين بقوة إلى إباحة اللواط والسحاق حتى يثبتوا أن الإسلام دينٌ حنونٌ غير قاسٍ، هذه الشيحة السحاقية كتبت تثنى على د. جابر ثناء شديدا وتنقل عنه ما تراه سببا لاستحقاقه هذا الثناء الحار، وهذا نص كلامها فى ترجمته العربية: "جابر عصفور كاتب مصري يُبْدِي ارتياعه إذ يرى زحف "إسلام الصحراء" على ما في بلده من تقليد في التبادل الصاخب بالأخذ والرد. وهو يشير إلى أن إسلام الصحراء يتعارض مع ما في "حياة "الحارة" من تعددية ومساومات، إذ انه متعصب".

وعلى غرار بَدْو القرن السابع (أرجو أن يأخذ القارئ باله جيدا من عبارة "بدو القرن السابع" هذه!) الذين كانوا يرَوْن في كل منعطف ثأرا يتربص بهم فإن الإسلاميين الذين يستوحون حياة الصحراء يرتابون فورا بـ"الآخر"، وحتى يضمرون له الكراهية. و"الآخر" هو اليهود، والغربيون، والمرأة التي يقول عصفور إن ثقافة الصحراء تعدُّها "مصدرا للغواية والشر"...". نفس الكلام الذى يقوله إبراهيم عبد المجيد! وقد نقلت هذا النص من دراستى المنشورة على المشباك بعنوان "شيخة الإسلام السحاقية، والاجتهاد على الطريقة الأمريكية" منذ أكثر من عام.

 

وكتاب الأستاذ الدكتور يضم عشرين مقالا نشرتها مجلة "العربى" الكويتية فى عامى 1994م- 1995م تتحدث عن الأدب العربى القديم شعره ونثره وعدد من القضايا المتعلقة به وبعض الدارسين الذين اهتموا بذلك التراث كالدكتور طه حسين ود: محمد النويهى ود. مصطفى ناصف والأستاذ صلاح عبد الصبور. وسوف ينصبّ كلامى هنا على ما جاء فى المقدمة والفصلين الأولين من الكتاب لما اطلعت عليه فيها من أفكار وآراء بدت لى غريبة ومتسرعة ولا تقوم على أى أساس سوى القفز المتعجل من شاهد هنا أو عبارة هناك إلى نتائج لا وشيجة بينها وبين تلك المقدمات. ولسوف أدلف إلى الموضوع رأسا دون تضييع وقت فأقول إن الدكتور جابر قد ربط بين الشاعر والنبى فى أكثر من موضع مؤكدا أن الجاهليين كانوا ينظرون إلى الشاعر والنبى بنفس العين (د. جابر عصفور/ غواية التراث/ كتاب العربى رقم 62/ 15 أكتوبر 2005م/ 15، 17)، وساق فى هذا الصدد كلمة منسوبة إلى أبى عمرو بن العلاء تقول: "كانت الشعراء عند العرب فى الجاهلية بمنزلة الأنبياء عند الأمم الأخرى" (المرجع السابق/ 17). لكن ههنا سؤالا ملحا يحتاج إلى جواب مقنع شاف، وإلا ظل يَشُوك العقل ويزعجه، وهو: كيف يا ترى يقال إن الجاهليين كانوا ينظرون إلى النبى والشاعر على أنهما شىء واحد، وهم قد رفضوا النبوة متمثلة فى شخص النبى محمد، فى الوقت الذى لم يكونوا يرفضون فيه الشعر ولا الشعراء؟ بل كيف اتهموه عليه الصلاة والسلام بأنه ليس نبيا بل شاعرا لو كان الشعر هو النبوة عندهم، والنبوة هى الشعر؟ الحق أنْ ليس لموقفهم هذا من معنى إلا أن النبوة والشعر لديهم شيئان مختلفان لا يلتقيان.

 ذلك أنهم، باتهامهم له صلى الله عليه وسلم بالشعر، إنما كانوا ينكرون النبوة من جهة، ويحاولون التحقير من شأنه وشأنها من جهة أخرى. لقد كانوا يريدون أن يقولوا له إن الأمر الذى جاءهم به هو أمر عادى جدا، فهو ليس إلا واحدا من هؤلاء الشعراء الذين يملأون الجزيرة شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، أما النبوة فدونها خَرْط القَتَاد. أى أن الكلام عن النبوة ليس هو الكلام عن الشعر.

 إنهما أفقان مختلفان لا يلتقيان، وليس كما يُفْهَم من كلام الكاتب من أنهما كانا عندهم شيئًا واحدًا. وأمامنا نصوص الشعر الجاهلى وتراجم شعرائه، ويا ليتنى أجد مَنْ يدلّنى على نص يناقض ما أقول! أما كلام أبى عمرو بن العلاء فهو مجرد دعوى لا ندرى أقالها فعلا أم لا. وإذا كان قد قالها أكان يعنيها بحذافيرها أم لا. وحتى لو كان يعنيها بحذافيرها فإنّ كلامه لا يلزمنا ما دمنا لم نجد فى أخبار الشعراء ولا وقائع التاريخ ما يصدّق ما قال. ثم لقد كان العرب يطالبون النبى عليه السلام بأن يأتيهم بمعجزة، فهل مَنْ سمعهم قد طلبوا من أىٍّ من شعرائهم شيئا من هذا البتة؟ وكان موقفهم من النبوة عنيفا غاية العنف، ولم يكونوا يقبلون أن يقول لهم النبى عليه الصلاة والسلام إنه متصل بالسماء يأتيه الوحى منها بُكْرَةً وعَشِيًّا، واتهموه بسببها بالجنون وعرضوا عليه أن يأتوه بالأطباء كى يعالجوه ويشفوه من هذا المس الشيطانى الذى نزل به، فهل من سمعهم يتهمون أيا من شعرائهم بهذا أو بعشر معشار هذا؟

 

ولقد ردد الدكتور هنا أيضًا ما قاله بعض العلماء القدامى من أن القبيلة كانت، إذا نبغ فيها شاعر، احتفلت به أيما احتفال وجاءت وفود القبائل الأخرى لتهنئها بهذا (ص 18)، فهل من سمع أن قريشا احتفلت بالنبى عليه السلام وهنأت أنفسها باصطفاء السماء له؟ أقول هذا رغم تحفظى على مثل هذا الكلام الذى نقله الدكتور وردده كما هو دون أن يعرضه على ميزان التحقيق والدليل، وسوف آتى إلى هذا بعد قليل. لكنى أردت أن أحاجج الكاتب بكلامه لأبين له أن الطرق كلها مسدودة فى وجه الربط بين النبى والشاعر عند العرب! بل لقد كانوا فى مكة يستغربون أن تنزل النبوة على النبى عليه السلام بالذات ولا تنزل على الأغنياء ورؤوس القوم، وقالوا: "لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رجلٍ من القريتين (مكة والطائف) عظيم؟" (الزخرف/ 13)، فهل من سمعهم يقولون شيئا من هذا لشاعر من شعرائهم؟

 

كذلك هل قال لهم أى من الشعراء عندهم إنه يُوحَى إليه من السماء و دعاهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر ونَبْذ الربا وإكرام الضعيف والمسكين واليتيم وتَرْك عبادة الأوثان، وسفَّههم على تلك الوثنية، وحرَّم عليهم الزنا والتفاخر بالآباء والأحساب، وبغَّض إليهم العصبية القبلية، وعمل على الخروج بهم من دائرة البداوة الضيقة إلى رحابة الآفاق الحضارية والإنسانية، وأفهمهم أن لهم دورا عالميا يكفل لهم الذكر الجميل فى تاريخ البشرية، وفَرَضَ عليهم الزكاة والصلاة والصيام وطَهَّر الحج مما شابه من خَبَثٍ وثنىّ على مر العصور فابتعد به عن صفائه التوحيدى القديم كما كان يمارسه أبو الأنبياء خليل الرحمن عليه السلام؟ فمَنْ ذلك الشاعر يا ترى؟ وحتى لو كانت النبوة التى يعنيها الدكتور عصفور هى التنبؤ الغيب، فهل من سمع أن شاعرا جاهليا تنبأ أو حتى حاول أن يتنبأ بالغيب أو حتى طالبه أحد ممن حوله أن يتنبأ بالغيب؟ فمَنْ ذلك الشاعر يا ترى؟ وهذا كله بغض النظر عن أن الإسلام ينكر إنكارا شديدا أن يكون هناك من يقدر على مثل هذا التنبؤ! لكننا إنما نملى للمعارض فى حبل المعارضة حتى لا تكون لديه أية حجة يمكن أن يرفعها فى وجهنا! إن كل ما كان الشعراء يقولونه لا يعدو التفاخر بالأحساب أو بشرب الخمر أو التغزل فى النساء أو مدح الملوك ورؤساء القبائل أو وصف مشاهد الصحراء أو حيوان الوحش أو الحصان أو الناقة أو الوقوف لدى الأطلال... وما إلى ذلك، فأين هذا من النبوءات والتنبؤ؟ أفتونى أيها القراء إن كنتم لى من المخالفين! الحق أنه لم يحدث أن قال شاعر من الشعراء إنه قادر على التنبؤ، ودعنا من أن يكون قد تنبأ فعلا!

 

وأخيرًا وليس آخرًا: هل هناك شاهدٌ ولو واحدًا يتيمًا على أن العرب قد سَمَّوْا أحدًا من شعرائهم بالنبى، أو سمَّى أىٌّ من هؤلاء الشعراء نفسه نبيا؟ لقد كانوا يقولون إنهم يستلهمون فنهم من الشياطين، أما الأنبياء فلم يحدث أن قال أحدهم إنه تتنزل عليه الشياطين، بل كانوا ينفون أن تكون لهم أية صلة بالشياطين، ومنهم سيدنا رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وفَضَحَ سبحانه وتعالى كل من يحاول الإساءة إليه بأى طريق، إذ نزل القرآن الكريم بهذه الآيات فى سورة "الشعراء": "هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)"، وذلك ردا على سخافات المشركين الذين كانوا يَفْتَرُون على الحقيقة الكذبَ قائلين إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن نبيًّا بل شاعرًا يستلهم الشياطين فيما يقول، مما يعد من أقوى الأدلة على أنهم لم يكونوا فى أى يوم من الأيام يسوّون بين النبى والشاعر. كما أكد القرآن فى نفس السورة أن رسالة القرآن إنما يحملها وينزل بها على قلبه من السماء روح القدس الكريم: "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)".

وبالمثل نقرأ فى مواضع أخرى من القرآن المجيد قوله عز من قائل من سورة "عبس": "كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)". ومثل ذلك قوله تعالى من سورة "النحل": "قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)"، وكذلك قوله سبحانه من سورة "البقرة": "قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97)".

 

يقول العامة: ربنا عرفوه بالعقل. ونحن أيضا نقول هذا، والعقل يطرح تلقائيا أمثال هذه الأسئلة التى طرحتها هنا، والمطلوب أن يرد أحد عليها بما ينقض شيئا من هذا الذى نقول! ذلك كل ما نطلبه، وليس فيما نطلبه شىء من التعنت! أما ترديد الكلام الذى لا رِجْلين له يقف عليهما ولا حتى عكازين يستند إليهما فلا يُحِقّ حقا ولا يُبْطِل باطلا، بَلْهَ أن يحق الباطل الأبلق البطلان أو يبطل الحق الذى لا يخر منه الماء ولا يتسرب منه الهواء! يقول القرآن فى من كانوا يرددون الشائعات فى عائشة رضى الله عنها وأرضاها وصلى وسلم على زوجها الكريم العظيم: "إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ" (النور/ 15)، فهذا التلقى بالأفواه والقول بالألسنة دون علم ودون حجة ودون شاهد واحد فى موضوعنا هنا هو هو نفسه ما جرَّمه ودانه القرآن المجيد فى حالة المرددين للشائعات فى حق الصِّدّيقة بنت الصديق! وحاشا لله أن نكون نحن أهل العلم ممن يرددون كلاما لا دليل عليه يمكن المناضلة به عنه! ومع ذلك كله فإنى أعلن للقراء من الآن أن هناك من سيظل يردد هذا الكلام، وكأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم، وهؤلاء هم أصحاب مذهب "عنزة ولو طارت"!

 

كذلك ورد فى الكتاب المذكور نقلا عن "العمدة" لابن رشيق أن العرب كان، إذا نبغ فى إحدى قبائلها، شاعرٌ احتفل به رجالُ القبيلة ونساؤها ووِلْدانُها أيما احتفال وأقيمت الأفراح وضُرِبَتِ المزاهر وأتت القبائل الأخرى تهنئها (ص 18). وهذا فى الواقع كلام مرسل لا دليل عليه سوى أمثال هذه الكلمة الطائرة التى أذكر أنى قرأتها مرارا وأنا بصدد البحث فى تاريخ العرب قبل الإسلام، لكنى لم أكن أعيرها التفاتا خاصا، بل كنت أنظر إليها على أنها نوع من المبالغات التى قد يكون لها مغزاها، لكنها لا يمكن أن تكون صحيحة بحرفها، وإلا فأية قبيلة يا ترى قد احتفلت هكذا بشاعرها؟ أو من ذلك الشاعر الذى احتفلت قبيلته به على هذا النحو وجاءت الوفود من القبائل الأخرى لتهنئها بنبوغه؟ إن لدينا مئات الشعراء الجاهليين، فهل يستطيع أحد أن يتذكر أنه قرأ شيئا محددا فى هذا السبيل غير تلك العبارة الطائرة التى من الواضح أن فيها غلوا شديدا ينكره ما نعرف من حياة الجاهليين؟ وبالمناسبة هل كانت حصة كل قبيلة من الشعراء دائما شاعرا واحدا؟ إننا نعرف أن كثيرا من القبائل كان ينبغ فيها عدد من الشعراء لا شاعر فرد فقط، كما هو الأمر فى حالة أَوْس بن حجر وابن أخته زهير بن أبى سُلْمَى وابنا زهير: كعب وبُجَيْر، ثم الحُطَيْئَة راوية كعب، وكما فى حالة هدبة، الشاعر الذى كان له ثلاثة إخوة كلهم شعراء هم حَوْط وسيحان والواسع، فضلا عن أمهم حيّة بنت أبى بكر بن حيّة... إلخ. ومع ذلك فالكلام عن احتفال القبيلة بنبوغ شاعر فيها يوحى أن كل قبيلة لم يكن ينبغ منها إلا شاعر واحد! ثم فى أى وقت يا ترى كانت القبيلة تحتفل بنبوغ شاعرها؟ أتحتفل به حين ينظم أول قصيدة؟ أم تحتفل به متى نظم عددا معينا من القصائد؟ أم تحتفل به عندما يهجو قبيلة معادية؟ أم تحتفل به إذا أجازه الشعراء الكبار فى سوق عُكَاظ مثلا؟ أم كانت هناك لجنة أدبية فى كل قبيلة هى التى تحدد نبوغ الشاعر من عدمه؟ أم لا بد أن تكون شهادة نبوغه صادرة من الشاعر الذى كان هو راوية له؟

 

إن الأمر، كما هو واضح، يخلق من المشاكل أكثر مما يَحُلّ، بل يُدْخلنا فى متاهة لا مخرج منها. وعندنا، كما قلت قبل قليل، المئات من شعراء الجاهلية، فهل نجد فى شعر أى منهم أن قبيلته قد احتفلت به أو أن أية قبيلة أخرى قد احتفلت بشاعر من شعرائها على أى نحو من الأنحاء؟ فمن ذلك الشاعر يا ترى؟ وأين نَصّ ما قاله فى هذا الموضوع؟ ليس ذلك فقط، بل إن هناك شعراء قد خلعتهم قبائلهم كالشعراء الصعاليك مثلا، فكيف نوفق بين هذا الموقف الرافض الذى اتخذته قبائل هؤلاء الشعراء منهم وخَلْعها لهم وبين ما يقال عن احتفال كل قبيلة بشعرائها على النحو الذى وصفناه؟ ألا ما أكثر مثل هذه العبارات فى تراثنا وتراثات الأمم الأخرى، لكن واجبنا يقتضينا دائما التفرقة بين الحقيقى منها وبين الرمزى أو المبالَغ فيه، وذلك بعرضها على وقائع التاريخ ومنطق العقل والنصوص المقطوع بصحتها أو التى يغلب على الظن فى الأقل أنها صحيحة. أما أن نصدق كل ما نقرؤه دون تمحيص أو تحقيق فهو أمر خطر على البحث العلمى!

 

من هنا فإن قول الكاتب تعقيبا على كلام ابن رشيق: "ومن المؤكد أن اقتران فرحة ميلاد الشاعر بفرحة الأعراس التى يتباشر بها الرجال والولدان فى كلمات ابن رشيق تشير إلى ارتباط الشعر بالمعنى الأسطورى للولادة الجديدة، والخلق الدائم، وذلك فى الدائرة التى وصلت العرس البشرى لتزاوج الذكر والأنثى بأعراس الطبيعة الطبيعية والحيوانية حيث تتجدد الطبيعة فى دورة الفصول، وتتجدد السلالة الحيوانية فى دورة الخصوبة، وتتجدد الطاقة الإبداعية فى دورة الشعر. وذلك هو السبب فى اقتران الفرحة بدلالة الولادة الثلاثية الأبعاد فى كلمات ابن رشيق حيث الإشارة واضحة إلى غلام يُولَد وفرس يُنْتَج وشاعر يَنْبُغ. وأحسب أن البعد الجنسى الذى انطوت عليه الرمزية الأسطورية للولادة الجديدة فى هذا السياق هو الذى وصل بين "فحولة" الشاعر و"فحولة" الحيوان" وأنزل الشاعر المبرِّز بين من هم أدنى منه شعريا منزلة الفحل بين "الحِقَاق" (الإبل الصغيرة)، وهو نفسه الذى وصل بين "القصيدة" و"المرأة" فى رمزية المعنى "المفتَرَع" للجِدّة والبكارة، وذلك فى الدلالة المتكررة التى ظلت تترجع عبر القصائد إلى أن لخصها بيت أبى تمام:

 

والشعر فرجٌ ليست خصيصته ** طول الليالى إلا لمفترعه"

 

(ص 18- 19)، هذا الكلام من الكاتب عن الفحولة والولادة الجديدة يفتقر إلى أساسٍ ينهض عليه، إذ ليس هناك أى دليل على أن مثل هذه الاحتفالات بنبوغ الشعراء كانت تتم، اللهم إلا تلك الكلمة الطائرة المنسوبة إلى ابن رشيق والتى لا تدل، فيما هو واضح، على ما جاء فيها دلالة حرفية، بل دلالة رمزية كما سلف القول.

 

أما ذكر الفحولة هنا فليس دليلا على شىء مما قاله الكاتب، وإلا فقد كان العرب يستخدمون كلمة "الفحل" فى كل مجال يبرز فيه الشخص ويفوق غيره لا فى الشعر وحده، ومثلها كلمة "الافتراع". ومن الشواهد على الأول وصف أبى سفيان للنبى عليه السلام حين علم بتزوجه صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة رغم العداوة الملتهبة التى كانت فى ذلك الحين بينهما، إذ قال معلقا على تصرفه عليه السلام: "هو الفحل، لا يُقْدَع أنفه"، وكذلك الأبيات التالية لأبى العلاء المعرى وأبى تمام وابن المعتز والأخطل والمتنبى وقتيلة بنت النضر على الترتيب:

 

أَيّامَ سُنبُلَةُ السَماءِ زَريعَةٌ ** وَسُهَيلُها فَحلُ النُّجومِ حُوارُ

 

***

 

قَد كانَ عُذرَةَ مَغرِبٍ فَافتَضَّها ** بِالسَيفِ فَحلُ المَشرِقِ الأَفشينُ

 

***

 

وَكَأَنَّ الرَعْدَ فَحلُ لِقاحٍ ** كُلَّما يُعجِبُهُ البَرقُ صاحا

 

***

 

لا شَيءَ أَقبَحُ مِن فَحلٍ لَهُ ذَكَرٌ ** تَقودُهُ أَمَةٌ لَيسَت لَها رَحِمُ

 

***

 

أَمحمّدٌ، ولأَنْتَ نَجْلُ نَجِيبَةٍ ** مِن قَوْمِها، والفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ

 

وإذا كان "الفحل"هو الذَّكَر من كل حيوان، فإن من اللغويين من يوسع الكلمة بحيث تشمل النبات أيضا فيقال: "فَحْل النخل"، وهو ذكرها الذى تُلَقَّح به حوائلها. كما تطلق الكلمة على الحصير الذى يُتَّخَذ من خوص النخيل، وتُسَمَّى المرأة السليطة:"فحلة"، والخشونة بالــ"فحولة".

كما جاء فى "الأغانى" عن سليمان أخى الحسن بن وهب أنه "فحل من الكتاب" لأنه "عريق في الكتابة". وبالمثل أورد صاحب "الأغانى" وَصْف إسحاق الموصلى مَعْبَدًا المغنى بأنه كان "من أحسن الناس غناء، وأجودهم صنعةً، وأحسنهم حَلْقًا، وهو فحل المغنين وإمام أهل المدينة في الغناء". بل لقد غنى معبد هذا للأحوص الشاعر الأموى بيتين قالهما فى جارية ذات صوت فاتن سمعها تغنى وهى تملأ جرتها من الغدير، ووصف غناءها بالفحولة:

 

إن زين الغدير من كسر الجَـــــــــــــــــرَّ وغنَّى غناء فحلٍ مجيدِ

 

قلت: من أنت يا ظعين؟ فقالت: ** كنت فيما مضى لآل الوليد

 

وعلى نفس الشاكلة وَصَفَ الصفدىُّ الملكَ الأفضل بدر الجمالى فى كتابه: "الوافى بالوفيات" بأنه "كان مثل والده: حسن التدبير فحل الرأى". كذلك أورد الصفدى من شعر ابن النبيه البيت التالى الذى يتغزل فيه بلحظ معشوقته واصفًا إياه بالفحولة:

 

مفلَّج الثَّغْر معسول اللَّمَى غَنِجٌ ** مؤنَّث الجفن فَحْل اللحظ شاطرُهُ

 

وبالمثل لا يختص "الافتراع" بالشعر وحده، إذ كثيرًا ما يُوصَف الأديب بأنه "يفترع أبكار المعانى" سواء كان شاعرا أو ناثرا، كما أن هذا اللفظ كثيرا ما يُسْتَخْدَم خارج نطاق الأدب والبلاغة تماما كما فى الأبيات الشعرية التالية، وهى للمتنبى وشرف الدين الحلى ومحمد توفيق على والسلامى ولسان الدين بن الخطيب ومصطفى الغلايينى على التوالى:

 

هُوَ افْتَرَعَ الفَتحَ الذي سارَ مُعْرِقًا ** وَأَنْجَدَ في عُلْوِ البِلادِ وَأَتْهَما

 

***

 

مَلِكٌ ما افترع المُلْكَ إلى ** أن رآه اللَّه كُفؤًا مُرْتَضَى

 

***

 

مِن فَراعينِهِ قَد افتَرَعَ المَجْـــــــــــد وَمِن عُربِهِ نُيوب الأُسودِ

 

***

 

أيا أخا الجود وابن المجد، لا بلدٌ ** إلا بذكرك أو بالسيف يُفْتَرَعُ

 

***

 

والعَزْمُ يَفْتَرِعُ النّجومَ بناؤهُ ** مهْما أقامَ علَى التُّقى تأسيسا

 

***

 

لم يَفْتَرعْ هامَ العُلا. إنَّ الفَتى ** مَنْ شَدَّ لِلْعَلْياءِ رَحْلَ مَضائهِ

 

بل إنه لا صلة بين الكلمة فى أصل معناها وبين الجنس، على عكس ما قد يوهم كلام الكاتب، فالفَرْع من كل شىء أعلاه، والفرع من القوم شريفهم، والفرع هو المال الطائل المُعَدّ، والفرع شعر المرأة، والفرع هو الغصن، والفرع هو القوس غير المشقوقة، والفرع هو مجرى الماء إلى الشِّعْب، والفرع هو أول ولد تنتجه الناقة... وإذا كانوا يقولون: "فَرَع فلانٌ المرأة وافترعها"، فإنهم كذلك يقولون: فَرَعَ الرَّجُلُ في الجَبَلِ: صعد، وفَرَعَ رأْسَ فلان بالعَصا والسَّيْفِ فَرْعًا: عَلاهُ بها ضَرْبًا، وفَرَعَ القَومَ فَرْعًا وفُروعًا: علاهم بالشرف والجمال أو بالطول، وفرع الفرسَ باللجام: قَدَعَه، وفرع بين القوم: حجز وأصلح... فمن هذا يتبين لكل ذى عينين أن ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور لا محل له من الإعراب برغم ما فى الكلام عن الأسطورة والخصوبة والولادة الجديدة والخلق الدائم وما إلى ذلك من المصطلحات التى غزت ثقافتنا مؤخرا من بريق يُعْشِى أبصار طائفة من القراء ويجعلهم يتوهمون أنهم قد أحاطوا بالعلم من جميع أطرافه وأنهم قد تعمقوا بحر المعرفة كل التعمق!

 

وبالمناسبة فإذا كان أبو تمام قد شبَّه الشعر بالفَرْج فى البيت الذى ساقه كاتبنا، فغيره من الشعراء قد شبَّهوا العملية الإبداعية تشبيهات أخرى لا علاقة لها بالفرج بأى معنى ولا على أى وضع: يقول الحطيئة مثلا:

 

فَالشِعرُ صَعبٌ وَطَويلٌ سُلَّمُه

 

إِذا اِرتَقى فيهِ الَّذي لا يَعلَمُه

 

زَلَّت بِهِ إِلى الحَضيضِ قَدَمُه

 

وَالشِعرُ لا يَسطِيعُهُ مَن يَظلِمُه

 

يُريدُ أَن يُعرِبَهُ فَيُعجِمُه

 

وَلَم يَزَلْ مِن حَيثُ يَأتي يَحرُسُه

 

مَن يَسِمِ الأَعداءَ يَبقَ مِيسَمُه

 

ويقول عُوَيْف القوافى:

 

أَبيتُ بِأَبوابِ القَوافي كَأَنَّما ** أُصَادِي بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا

 

عَواصِيَ إِلاَّ ما جَعَلتُ وَراءَها ** عَصَا مِرْبَدٍ تَغْشى وُجوهًا وَأَذْرُعا

 

إِذا خِفْتُ أَن تُرْوَى عَلَيَّ رَدَدْتُها ** وَراءَ التَرَاقِي خشْيَةً أَن تَطَلَّعَا

 

ويقول أحد الشعراء فى "البيان والتبيين":

 

وقافيةٍ لجْلجتُها فرَدَدْتُها ** لذي الضرس لو أرسلتُها قَطَرَتْ دَما

 

وقال الفرزدق فى "البيان والتبيين" أيضا: "أنا عند الناس أشعرُ العرب، ولرُبَّما كان نزْعُ ضِرسٍ أيسرَ عليَّ من أن أقول بيت شعر". وقال منيع كذلك فى كتاب الجاحظ:

 

فجئتُ ووَهْبٌ كالخَلاة يضمُّها ** إلى الشِّدْق أنيابٌ لهنّ صَرِيفُ

 

فقَعقعتُ لَحْيَيْ خالدٍ واهتضمتُه ** بحُجَّة خَصمٍ بالخصوم عنيفُ

 

ويقول على بن الجهم فى ترويض القوافى:

 

أَعاذِلَ، ما أَعَزَّكِ بي إِذا ما ** أَتاحَ اللَيلُ وَحشِيَّ الكَلامِ

 

وَعَنَّت كُلُّ قافِيَةٍ شَرودٍ ** كَلَمحِ البَرقِ أَو لَهَبِ الضِرامِ

 

عَلى أَعجازِها قَرمٌ إِذا ما** عَناهُ القَولُ أَوجَزَ في تَمامِ

 

شَوارِدُ إِن لَقِيتَ بِهِنَّ جَيشًا ** صَرَفنَ مَعَرَّةَ الجَيشِ اللُّهامِ

 

وَإِن نازَعتَهُنَّ الشربَ كانَت ** مُدامًا أَو أَلَذَّ مِنَ المُدامِ

 

يَثُرْنَ عَلى اِمرِىءِ القَيسِ بنِ حُجرٍ ** فَما أَحَدٌ يَقومُ بِها مَقامي

 

إِلَيكَ، خَليفَةَ اللَهِ، اِستَقَلَّت ** قَلائِصُ مِثلُ مُجفِلَةِ النَعامِ

 

ويقول مهيار الديلمى فى ذات المعنى:

 

فكالشجا قافية في اللَّها ** تماكسُ الحاذِرَ والراقيا

 

تخدعُ بالتأنيس من رامها ** صِلُّ صَفًا لا يرهبُ الحاويا

 

بعثتُ من فكري لها رائضًا ** ذَلَّل منها اللَّحِزَ الآبيا

 

وقُدْتُها أُمكِنُ من ظهرها ** أُركِبهُ أحسابَ إخوانيا

 

ينقُلني الودُّ إلى مثلها ** والمالُ لا يَنْقُل أخلاقيا

 

أخبار ذات صلة

لم يكن غريبا أن لا أجد بحثا حقيقيا من الباحثين في العلوم السياسية ولا وزارة الخارجية للإجابة عن هذا السؤال: كيف تجاوز النظام الإيراني العقوبات الفادحة ... المزيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

 

فلا يكف الدكتور "سعد الدين الهلالي" عن التلاعب بالثوابت ... المزيد

الشهيد سيد قطب رجل ملأ الدنيا وشغل الناس حيا وميتا، ولا يزال لشخصه ومؤلفاته أثر بالغ من حيث الحديث أو النقاش أو التداعيات، وفي كل فترة يفتح موضوع: هل كفر ... المزيد

ما الجديد الذي كان يمكن لزيارة بايدن أن تأتي به؟!

 

لا يبدو أن "إعلان القدس" و"بيان قمة جدة"، قد كشفا عن اندفا ... المزيد