البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

(1977-2017) (شخصيات عرفتها) د. عبد الوهاب المسيري (مفكرًا) (2)

المحتوي الرئيسي


(1977-2017) (شخصيات عرفتها) د. عبد الوهاب المسيري (مفكرًا) (2)
  • م. أبوالعلا ماضى
    22/12/2017 09:52

لقد كان د. المسيري -رحمه الله- مفكرًا من نوع خاص، يمكن أن أصفه بالمفكر "المتمرد"، فهو ذلك الذي بدأ التمرد صغيرًا ثم يافعًا واحتكَّ بالمدرسة الماركسية النقدية وتأثر بها وعاش في تنظيماتها، فهو يحكي في كتابه "رحلتي الفكرية" عن تمرده وهو صغير قائلا: "أذكر مرة أن أستاذ اللغة العربية (الأستاذ عوض) طلب مني وأنا في السنة الثانية من المرحلة الثانوية أن أكتب موضوع إنشاء عن "حديقة منزلكم"، و"الإنشاء" لم تكن مادة نتعلم فيها كيف نرتب أفكارنا ونحولها إلى كلمات مكتوبة وبنية منطقية متماسكة، وإنما كانت قوالب لفظية جاهزة نحفظها عن ظهر قلب ثم نرصها رصًّا حين تحين المناسبة، ومن هذه القوالب التي ما زلت أذكرها مجموعة من الكلمات تعبر عن "موقفي" من الطبيعة أنها تخلب اللب، وتشرح الصدر، وتملأ القلب روعة وجلالا، وبالطبع كانت هناك الآيات القرآنية والأبيات الشعرية والأمثلة التي نرصِّع بها ما نكتب أو ما ننشئ، ضقت ذرعًا بكل هذا فكتبت موضوع إنشاء أقول فيه ما أحس به، بدأ الموضوع بتأكيد أن منازل الفقراء ليس لها حديقة، وأن أطفالهم لا يعرفون معنى الحدائق ويعيشون بين أكوام القمامة، وهاجمت الظلم الاجتماعي بشكل عام، فأعطاني الأستاذ "صفرًا" على هذا الموضوع وأبلغ أهلي عن كتاباتي "الشيوعية"، وبطبيعة الحال لم تكن لها أي علاقة بالشيوعية (التي لم أكن أعرف عنها شيئا آنذاك) أو أي مذهب سياسي، وإنما كانت تعبيرًا عن رفض فتى يافع للظلم الواقع على أعضاء المجتمع" انتهى كلام د. المسيري.

ولعل هذا يفسر لماذا لم يستمر د. المسيري كثيرًا في الإخوان المسلمين في بداية حياته، وانتقل بعدها إلى الحرس الوطني وهيئة التحرير، ثم انتقل إلى الحزب الشيوعي ومكث به حوالي 5 سنوات ثم تركه لأسباب تتعلق بإلغاء شخصيته والذوبان في التنظيم، فهذا يدل على أن كثيرًا من الحركات والأحزاب الإسلامية تتجه في مشروعها السياسي الاقتصادي نحو اليمين، وتتراجع فيها الاهتمامات بالعدالة الاجتماعية إلى حد كبير ويبقى فيها فقط الصدقات والزكاة للفقراء، وليس رفع مستواهم ومعالجة قضية الفقر في المجتمع علاجا جذريًا وليس مسكنًا هذا بالنسبة للإسلاميين، وبالرغم من هذا ومن أجل هذا أيضا (أي مروره على الإخوان المسلمين) لم يكن يوما د. المسيري شيوعيًّا ملحدًا بل كان يقول عن نفسه بدعابة (كنت ماركسيًّا على كتاب الله وسنة رسوله) أي كان مقتنعًا بالبعد الاقتصادي الخاص بالعدالة الاجتماعية في النظرية الماركسية فقط، ولكنه بالرغم من ذلك ظل يفكر ويقلب في أفكاره حول النظرية الماركسية، وبعد تعمقه في الفكر الغربي عمومًا رأسماليًّا أو ماركسيًّا انتهى للإيمان بالنظرية الفلسفية الإسلامية وتمرد على المفهوم الماركسي كما تمرد على المفهوم الرأسمالي مبكرًا، ولذلك كنت أقول لبعض أساتذتي من المفكرين الإسلاميين الذين يتحفظون أحيانًا على بعض آراء د. المسيري إذا تماسَّت مع الفقه بأن الرجل ليس مفكرًا إسلاميًّا فقيهًا، فهو لم يدرس العلوم الشرعية من مدارسها التقليدية مثل معظم المفكرين والعلماء الإسلاميين أو (المسلمين)، ولكن مدخله هو الفكر الفلسفي، وهي ذات مدرسة الراحل العظيم الرئيس على عزت بيجوفيتش، الذي واجه المشروع الغربي (الرأسمالي والاشتراكي) في عقر داره فلم يكن يستعين في نقض مشروعهم الفكري بالمصادر الإسلامية مثل (القرآن الكريم والسنة الصحيحة) لأنهم لا يؤمنون بها أصلا، ولكن يجابههم بالمنطق الفلسفي العميق في العلاقة بين الوجود والإنسان والمادة والروح... إلخ.

وقد ذكرت في مرة سابقة حين كنت أتحدث عن الرئيس علي عزت بيجوفيتش والندوة التي أشرت إليها في القاهرة عن كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب"، والتي أدارها د. المسيري حيث قال في افتتاح الندوة: "إنه لو قرأ هذا الكتاب لوفَّر عليه 18 عامًا من التحول من الماركسية إلى الإسلام".

وحين حدث هذا التحول من الفكر الماركسي إلى الفكر الإسلامي من زاوية فلسلفية، كان تحوله عميقًا وسلسًا في آن معًا، فهو في تحوله الفكري لم يدخل في خصومة مع أصدقائه القدامى الذين صحبهم في رحلته الفكرية الماركسية، وإنما ظلت علاقته بهم تقوم على التقدير والاحترام المتبادل.

وهو كذلك المفكر الذي عُني بالظاهرة الصهيونية وأدرك مبكرًا خطورة فقر المكتبة العربية في المراجع العلمية التي تدرسها بشكل علمي واضح، فعكف لمدة تقترب من خمسة وعشرين عامًا على إعداد موسوعة لعلها أهم موسوعة صدرت في المائة عام الماضية بلغة الضاد، أقصد موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" في ثمانية مجلدات.

ولقد ساهمت رؤية وفكر د. المسيري في ترتيب العقل الثقافي العربي لقطاع كبير من النخبة الثقافية والسياسية في أهم صراع واجه ولا يزال الأمة العربية، وهو الصراع العربي الصهيوني.

لقد كانت نظرة أجيال كثيرة سابقة أن الكيان الصهيوني نتيجة تنظيم وتخطيط وقدرة اليهود في الغرب والتي أدت إلى سيطرتهم على دوائر صنع القرار ودوائر المال والأعمال والإعلام.

ولكن المسيري -رحمه الله- غيَّر هذه النظرة واخترع تعبير (الجماعة الوظيفية) وأطلقه على الكيان الصهيوني ومن يدافع عنهم من مجموعات صهيونية في الغرب، وأثبت أن العدو الرئيسي للأمة هو الاستعمار الغربي الذي ينتقل من أوروبا إلى الولايات المتحدة، ويريد أن يهيمن على الشعوب الفقيرة والنامية ومنها الأمة العربية والعالم الإسلامي، وأن الدولة التي تُسَمَّى إسرائيل هي أداة لتنفيذ ذلك الغرض وليست المسيطرة، وشبَّه العلاقة بينهما بتشبيه الموظف المنافق لرئيسه، يعرف أهدافه ويحققها فهو يتماشى معه، وطبعًا يقصد بالموظف المنافق (الكيان الصهيوني وجماعاته بالغرب) والمدير المستبد الظالم الإدارات الغربية المختلفة، وكان يقول -رحمه الله- لو أن الغرب أرسل جيوشًا لاحتلال المنطقة وتفكيكيها لتكلَّف كثيرًا من الأرواح والأموال ولكن (إسرائيل) تكفيه هذا، وكان يقول أيضًا إن دعم الولايات المتحدة الأمريكية (الحكومة) في العام ثلاثة مليارات دولار وهي تكلفة أقل من تشغيل حاملة طائرات أمريكية في العام، والحقيقة أن هذه فكرة قلَبت تصورات كثيرين من النخبة العربية، ومن أقلهم كاتب هذه السطور.

رحمه الله على ما قدم من هذه الزاوية وغيرها، وللحديث بقية بإذن الله...

أخبار ذات صلة

# ..أثارت زوبعة شراء ملك السعودية غير المُتَوج ولا الموفق (محمد بن سلمان) للوحة التاريخية المُصور فيها المسيح عليه السلام .. والمُسمَّاه (مخلِّص العال ... المزيد

دعونا نعترف أن العقود الخمسة الأخيرة كانت تمثل انتشارا سلفيا طاغيا ، تأُثر به الجميع ..حتى صارت قضايا الاعتقاد السلفية في الصفات وتوحيد الألوهية وأس ... المزيد

هذا موضوع أرغب في الكتابة فيه منذ زمن، وهو متعلّق بقضيّة كثيرا ما أُسألُ عنها من قبل كثيرين، خصوصاً ممّن يعانون من حالة من الاكتئاب، وإن كان السؤال ي ... المزيد

- لا يختلف المسلمون على وجوب إفراد الله بالعبادة ، وأن من عبد غير الله ؛فقد تلبس بالشرك المناقض لدين الإسلام ، وأن المرء لا يكون مسلما إلا إذا أقر بلا ... المزيد

تعليقات