البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

وما آفة الأخبار إلا رواتها

المحتوي الرئيسي


وما آفة الأخبار إلا رواتها
  • د.سامي العريدي
    04/10/2015 12:44

مقدمة بقلم أبو محمد المقدسي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد..
فهذه رسالة مختصرة لطيفة طيبة مفيدة لأخينا وحبيبنا الشيخ أبي محمود الدكتور سامي العريدي حفظه الله ؛ يحتاجها واقعنا اليوم، نصح فيها لإخوانه المسلمين والمجاهدين ؛ بعدما عاين من أمراض وأخطاء تتعلق بالأخبار والنقول تسببت في تعقيد الخلاف وتعميق الشقاق بين الإخوة في الدين بل والجهاد ، وما ذلك إلا بسبب التقصير بوصايا ربنا عز وجل ووصايا نبينا صلى الله عليه وسلم المتعلقة بحفظ النفس ووقايتها من حصائد اللسان ، وحسن الظن بالمسلمين ، ووجوب التثبت من الأخبار ، وكم نحن بحاجة لمثل هذه الوصايا والتذكير بها في واقع يموج بالفتن ويعج بالخلاف والشقاق الذي نخر في صفوف أهل الجهاد مما أقر عيون أعداء الدين وأحزن عيون المسلمين .
وقد قيل (التثبت من الأخبار من شيم الأخيار ) اللهم اجعلنا منهم ، فكم من فتنة كان شرارتها خبرا كاذبا أو ملفقا أو منقولا نقلا مشوها.. لو اتبع الناس في التعامل معه وصايا ربهم ،ووصايا نبيهم صلى الله عليه وسلم لأماتوا الفتنة في مهدها.
وإن ما يقوم به المصلحون من التذكير بمثل هذا لواجب تكليفي وسبب شرعي لدرء الفتن عن الصف المسلم ،ولدفع المصاب والعقاب المترتب على تلكم المخالفات والآثام عن أهل الإسلام؛ كما قال تعالى : (واتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً).
أسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين عامة وأحوال أهل الجهاد خاصة وأن يؤلف بين قلوبهم ويجمع كلمتهم وأن ينصرهم على عدوهم ؛ وأن يتقبل من أخينا الدكتور سامي هذا النصح والتذكير وينفع برسالته ويبارك بسعيه وجهاده.
 
نص رسالة الدكتور سامي العريدي
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى الأنبياء والرسل والملائكة أجمعين، رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي، وبعد:
فهذه كلمات أسطرها في مسألة عمت بها البلوى وانتشر بسببها القيل والقال ونُسب إلى المجاهدين والدعاة من الأقوال والأفعال ما هم منه براء وهذه المسألة هي (وما آفة الأخبار رواتها) وهي ظاهرة قديمة حديثة أشار إليها العلماء والمصلحون في كتبهم ومصنفاتهم وحذروا منها كثيرا لما في  التساهل فيها من أثر كبير وخطير في إشاعة الفوضى وخاصة في مثل زماننا هذا الذي انتشرت فيه وسائل الاتصال والنشر بلا ضوابط شرعية وانتشرت فيه الخلافات والأهواء والنزاعات بين الأفراد والجماعات فأخذ البعض ينقل من الأخبار والأقوال ما ينصر فعله وقوله حسب فهمه ورأيه لا كما هو الواقع فنقل من الأحداث والوقائع على الصورة التي يفهما لا كما هي في أرض الواقع فَغَيَّر كثيرا من الحقائق ونسب إلى الجماعات والعلماء والدعاة والمجاهدين ما هم منه براء 
وهذا الصنف من الناس نظرنا في حالهم فوجدنا أكثرهم إما فروا من ساحات الجهاد إلى أرض الطغاة وإما ذهبوا إلى جماعات الغلاة فكفروا المسلمين واستباحوا دماءهم نسأل الله السلامة والمعافاة. 
وللتحذير من هذا الصنف من الناس ولبيان خطورة تصديقهم بلا تثبت ولا وقوف على حقيقة ما ينقلون من لأخبار وأحداث أكتب هذه الكلمات مستعينا بالله العظيم:
 
مراقبة الله في الكلام
(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)
إن عدم مراقبة الله في الكلام من أعظم أسباب هلاك العبد في الدنيا والآخرة فكم من عبد يجتهد في الطاعات والقربات ولكنه يرخي العنان للسانه ليتكلم بلا ضوابط شرعية ولا مراقبة لله فيورده لسانه المهالك نسأل الله العافية والسلامة وفي أمثال هؤلاء يقول ابن القيم –رحمه الله-: (ومن العجب أن الإنسان يهُن عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا. والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر الحرام وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً ينزل منها أبعد ما بين المشرق والمغرب، وكم نرى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات لا يبالي ما يقول). 2
وقد حذرت الشريعة المطهرة من عدم مراقبة الله في الكلام أشد التحذير فقال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد) وقال ﷺ: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا فليبلغ الشاهد الغائب). 3
وعن معاذ بن جبل: (قال كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار قال: لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار وصلاة الرجل من جوف الليل قال ثم تلا (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ) حتى بلغ (يَعْمَلُونَ).
ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروته وسنامه؟ 
قلت: بلى يا نبي الله -فأخذ بلسانه- قال: كف عليك هذا .
فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به؟
فقال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم). 4
وعن علقمة عن بلال بن الحارث المزني قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله عز وجل، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل بها عليه سخطه إلى يوم القيامة) قال علقمة: فانظر ويحك ماذا تقول وماذا تكلم. فرب كلام قد منعني أن أتكلم به ما سمعت من بلال بن الحارث ". 5 
 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: (من أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه). 6
والنصوص الشرعية في هذا الباب كثيرة فالعاقل من حفظ لسانه وصان كلامه فلم يتكلم إلا بحق وصدق كما أمره بذلك الحبيب المصفى ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت). 7
 
وجوب التثبت من الأخبار (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)
 
إن التثبت والتبين من الأخبار والأحداث قبل الحكم عليها وبناء المواقف واتخاذ الآراء تجاهها مما أمرت به الشريعة وحثت عليه قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)
وقال الله تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ)
وقال صلى الله وسلم :(كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع). 8
وقال رسول الله -ﷺ-: (لو يُعطى الناس بدعواهُم ، لادّعَى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهُم . ولكن اليمينَ على المدّعَى عليهِ). 9 
والتثبت يكون من التأكد من ثبوت الخبر والحدث والتأكد من صحة فهم الناقل له على وجهه الصحيح قال الشوكاني: (والمراد من التبين التعرف والتفحص ومن التثبت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر). 10
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -: (وكثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم، وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس، ويتعذر على بعضهم). 11
 
حسن الظن بالمؤمنين (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)
 
أمر الشرع بحسن الظن بالمؤمنين واجتناب ظن السوء بهم وجعل ذلك من صفات أهل الإيمان قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) 
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا). 12
وعن عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك. ما أعظمك وأعظم حرمتك. والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك. ماله ودمه وأن نظن به إلا خيرا). 13
ومن حسن الظن بالمؤمنين أن تعلم أخي الحبيب أنه ما من عالم ولا شريف إلا وله زلات ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله، كما أنه من غلب عليه نقصانه ذهب فضله كما قال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: "ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله، كما أنه من غلب عليه نقصانه ذهب فضله".14
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي -ﷺ -قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود). 15
وقال ابن القيم أيضا -رحمه الله-: "ومن له علم بالشرع والواقع، يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين". 16
ومن حسن الظن بالمؤمن ألا تنسى فضله وخيره إن زلّ أو أخطأ فقد قال الله تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)
وقال محمد بن سيرين: "ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوء ما تعلم وتكتم خيره". 17
ومن حسن الظن بالمؤمنين التماس الأعذار لهم فيما ينسب إليهم قال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز –رحمه الله-: قال لي أبي: «يا بني إذا سمعت كلمة، من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير». 18
وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب، قال: كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ: " أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد له في الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه، ومن كتم سره كانت الخيرة في يديه، وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق، فكثر في اكتسابهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة عند عظيم البلاء، ولا تهاون بالحلف فيهينك الله، ولا تسألن عما لم يكن حتى يكون، ولا تضع حديثك إلا عند من يشتهيه، وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله عز وجل، وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب ". 19
ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: (لا تظنن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا). 20
وقال السبكي -رحمه الله-: (فإذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يحمل كلامه وألفاظ كتابته على غير ما تُعود منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن به وبأمثاله). 21
ومن حسن الظن بالمؤمن أن تحمل كلامه على ما يعرف من عادته وسيرته قال شيخ الإسلام رحمه الله:
(وليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عُرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد).22
وقال ابن القيم رحمه الله: (والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عنه). 23
 
وما آفة الأخبار إلا رواتها
 
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)
 
يتبين لنا مما سبق أنه يجب على المسلم أن يتقي الله ويراقبه في كلامه وأحكامه على الآخرين وأن يتثبت ويتحرى من ثبوت الخبر وصحة فهم الناقل له وخاصة تلك الأخبار التي تحمل الطعن والإسقاط للعلماء والدعاة والمجاهدين والمصلحين فكثير من تلك الأخبار تنقل عل غير وجهها الصحيح بسبب قصر فهم الناقل للحادثة والواقعة أو لخصومة وشحناء أو لعدم تثبت في النقل أو لعدم النقل التام للحادثة ....
ففي مثل هذه الحالات نقول: ما قاله أئمتنا: 
(وما آفة الأخبار إلا رواتها)
وما قاله الشاعر:
 
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا
وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
 
وفي قصة الإفك وما دار فيها من أحداث درس وعظة لكل مؤمن ومؤمنة في التثبت من الأخبار والأحداث فكثير من الوقائع تنقل وفق ما يريد أن ينشره الراوي والناقل ويفهمه لا كما هو الخبر في أرض الواقع حيث أنزل الله فيها آيات تتلى إلى يوم القيامة واشتملت تلك الآيات على وجوب التثبت وعدم إشاعة الأخبار قبل التثبت والنظر في حال الناقلين للأحداث وما ينقلون وخاصة إذا كان ما ينقلونه يتعلق بأهل الإيمان والعمل الصالح قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ  لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ  لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ  وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ  وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)
فعليك أخي الحبيب أن تتثبت مما تسمع من أخبار وأقوال قبل الحكم عليها وخاصة تلك الأخبار التي تضمن إسقاط أهل العلم والصلاح والتقوى فكثير من تلك الأخبار إما مكذوبة أو منقولة على غير وجهها وصورتها التي حدثت به 
 
فانظر رحمك الله إلى ما نسبه مخالفو ابن تيمية –رحمه الله-له من أقوال وأفعال هو منها بريء حتى نسبوه إلى التشبيه والتجسيم.
وانظر إلى ما نسبه خصوم الشيخ عبد الله عزام –تقبله الله-له من أقوال وأحداث حتى وصل الأمر ببعضهم بالحكم عليه بالتكفير نسأل الله السلامة.
 وانظر إلى ما نسبه خصوم الشيخ المجدد أسامة بن لادن –تقبله الله- من أقوال وأحداث هو منها بريء .
 وانظر رحمك الله إلى ما نسبه خصوم الملا محمد عمر –تقبله الله- من أقوال وأفعال هو منها براء.
وانظر .....
وما كان معظم هذا البلاء إلا من النقلة والرواة للوقائع والأقوال ورحم الله أئمتنا الذين وصفوا لنا هذا الداء ووصفوا لنا الدواء.
ولم يقف الأمر على ما ذكرنا فإننا ابتلينا في زماننا هذا بطائفة يذمون الناس بما هو مدح ويكفرون الناس بالمباحات والطاعات حتى أصبح الحال كما قال ابن قتيبة -رحمه الله-: "وقد كنا نعتذر من الجهل؛ فقد صرنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العلم، وكنا نؤمل شكر الناس بالتنبيه والدلالة؛ فصرنا نرضى بالسلامة، وليس بعجيب مع انقلاب الأحوال، ولا ينكر مع تغير الزمان، وفي الله خلف والله المستعان"
وهؤلاء في صنيعهم هذا يشابهون الخوارج الذين قالوا لصحابة رسول الله أتحكمون في دينكم الرجال فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار وهم ستة آلاف أتيت عليا رضى الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالظهر لعلى آتى هؤلاء القوم فأكلمهم.
قال: إني أخاف عليك.
قال قلت: كلا.
قال: فخرجت آتيهم ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن فأتيتهم وهم مجتمعون في دار وهم قائلون فسلمت عليهم فقالوا: مرحبا بك يا أبا عباس فما هذه الحلة؟ قال قلت: ما تعيبون على لقد رأيت على رسول الله -ﷺ- أحسن ما يكون من الحلل ونزلت (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).
قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي -ﷺ- من المهاجرين والأنصار لأبلغكم ما يقولون وتخبروني بما تقولون فعليهم نزل القرآن وهم أعلم بالوحى منكم وفيهم أنزل وليس فيكم منهم أحد.
فقال بعضهم لا تخاصموا قريشا فإن الله يقول (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).
قال ابن عباس: وأتيت قوما لم أر قوما قط أشد اجتهادا منهم مسهمة وجوههم من السهر كأن أيديهم وركبهم ثفن عليهم قمص مرحضة قال بعضهم لنكلمنه ولننظرن ما يقول.
قلت: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عم رسول الله -ﷺ-وصهره والمهاجرين والأنصار
قالوا: ثلاثا.
قلت: ما هن؟
قالوا: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله قال الله عز وجل (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) وما للرجال وما للحكم.
فقلت: هذه واحدة.
قالوا: وأما الأخرى فإنه قاتل ولم يسب ولم يغنم فلئن كان الذين قاتل كفارا لقد حل سبيهم وغنيمتهم وإن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم.
قلت: هذه ثنتان فما الثالثة؟
قالوا: إنه محا اسمه من أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قلت: أعندكم سوى هذا؟
قالوا: حسبنا هذا.
فقلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه -ﷺ- ما يرد به قولكم أترضون؟
قالوا: نعم
فقلت لهم: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فأنا أقرأ عليكم ما قد رد حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب ونحوها من الصيد فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ) إلى قوله: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) فنشدتكم بالله أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل أم حكمهم في دمائهم وإصلاح ذات بينهم وأن تعلموا أن الله لو شاء لحكم ولم يصير ذلك إلى الرجال وفى المرأة وزوجها قال الله عز وجل: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) فجعل الله حكم الرجال سنة ماضية أخرجت من هذه؟
قالوا: نعم.
قال: وأما قولكم قاتل فلم يسب ولم يغنم أتسبون أمكم عائشة ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها فلئن فعلتم لقد كفرتم وهى أمكم ولئن قلتم ليست بأمنا لقد كفرتم فإن الله تعالى يقول (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فأنتم تدورون بين ضلالتين أيهما صرتم إليها صرتم إلى ضلالة فنظر بعضهم إلى بعض قلت: أخرجت من هذه؟
قالوا: نعم.
وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون أريكم قد سمعتم أن النبي -ﷺ-يوم الحديبية كاتب المشركين سهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب فقال رسول الله -ﷺ-لأمير المؤمنين: «اكتب يا على هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله». فقال المشركون لا والله ما نعلم أنك رسول الله لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله -ﷺ-: «اللهم إنك تعلم أنى رسولك اكتب يا على هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله». فوالله لرسول الله -ﷺ- خير من على وما أخرجه من النبوة حين محا نفسه. قال عبد الله بن عباس: فرجع من القوم ألفان وقتل سائرهم على ضلالة). 24
نخلص مما سبق أن التثبت والتحري من الأخبار والوقائع مأمور به شرعا فإذا تبين لنا كذب الناقل أو خطأه في النقل أو سوء فهمه اجتنبناه وأبطلناه قال شيخ الإسلام –رحمه الله-: "فليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عُرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد". 25
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -: "وكثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم، وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس، ويتعذر على بعضهم". 26
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة" 27
وقال السبكي رحمه الله: "فكثيراً ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها؛ فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره واستن بسنته؛ مع أن المؤلف لم يرد ذلك الوجه الذي وصل إليه الرجل". 28
وأما إذا ثبت صحة الخبر وقوعه على الوجه الذي فهمه وحكاه الناقل تعاملنا مع ضمن منهج السلف في التعامل مع الأخطاء حيث يبين الخطأ بالطرق الشرعية ويحفظ لأهل الفضل مكانتهم قال السعدي –رحمه الله-: في الرياض الناضرة: (ومن أعظم المحرمات وأشنع المفاسد، إشاعـة عثراتهم، والقدح فيهم وفي غلطاتهم وأقبح من هذا: إهدار محاسنهم عند وجود شيء من ذلك.
وربما يكون وهو الواقع كثيرًا أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويل سائغ، ولهم اجتهادهم فيه معذورون والقادح فيهم غير معذور.
وبهذا وأشباهه يظهر لك الفرق بين أهل العلم النَّاصحين، والمنتسبين للعلم من أهل البغي والحسد والمعتدين.
فإن أهل العلم الحقيقي قصدهم التّعاون على البر والتّقوى؛ والسّعي في إعانة بعضهم بعضًا في كل ما عاد إلى هذا الأمر، وستر عورات المسلمين وعدم إشاعة غلطاتهم، والحرص على تنبيههم، بكل ما يمكن من الوسائل النَّافعة، والذّب عن أعراض أهل العلم والدِّين.
ولا ريب أن هذا من أفضل القربات.
ثم لو فرض أن ما أخطأوا فيه أو عثروا ليس لهم فيه تأويل ولا عذر لم يكن من الحق والإنصاف أن تهدر المحاسن، وتمحي حقوقهم الواجبة بهذا الشيء اليسير، كما هو دأب أهل البغي والعدوان، فإن هذا ضرره كبير وفساده مستطير.
 أي عالم لم يخطئ؟ وأي حكيم لم يعثر؟؟؟) أ.هـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الرجل العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه فتزيد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه من الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد، والخوارج والروافض دخل عليهم الداخل من هذا". 29
 
هل ترضاه لنفسك
"من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه"
 
في ختام هذه الأسطر أحب أن أذكر نفسي وكل من يقرأ هذه الورقات أنه إذا سمعنا الخبر الذي فيه طعن أو إسقاط لأهل الخير أن يكون أول ما يتبادر للذهن قبل النشر وقبل الشروع بالتثبت أن نسأل أنرضاه لأنفسنا فقد قال ﷺ: " فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه" 30 رواه مسلم
وقال عبد الله بن مسعود: (من أحب أن ينصف الله من نفسه فليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه). 31
وقال عباد بن عباد الخواص -رحمه الله-: (فليكن أمركم فيما تنكرون على إخوانكم نظرا منكم لأنفسكم ونصيحة منكم لربكم وشفقة منكم على إخوانكم وأن تكونوا مع ذلك بعيوب أنفسكم أعنى منكم بعيوب غيركم وأن يستطعم بعضكم بعضا النصيحة وأن يحظى عندكم من بذلها لكم وقبلها منكم وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "رحم الله من أهدى إلي عيوبي" 
تحبون أن تقولوا فيحتمل لكم وإن قيل لكم مثل الذي قلتم غضبتم تجدون على الناس فيما تنكرون من أمورهم وتأتون مثل ذلك فلا تحبون أن يؤخذ عليكم اتهموا رأيكم ورأي أهل زمانكم وتثبتوا قبل أن تكلموا وتعلموا قبل أن تعملوا....). 32

أخبار ذات صلة

شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أن عملية "نبع السلام" تنتهي بشكل تلقائي عندما "يغادر المزيد

متى يدرك أبناء الأمة الإسلامية أن البغي الصهيوني عليهم بغي مرتبط بأصل وجود الشيطان في الكون يوسوس لإغواء العنصر البشري عامة وأهل الإسلام خاصة؟

المزيد

قليلاً ما كان يتردد اسمه على مسامع المصريين قبل 2001 حين بُلغ أنه لم يعد مرغوبًا به في مص ... المزيد

نشر موقع وزارة الخارجية الأمريكية محاضرة ألقاها وزير الخارجية مايك بومبيو أمس الجمعة بعنوان (أن تكون قائدا مسيحيا) أمام رابطة المستشارين المسيحيين في م ... المزيد

منذ أيام نشر الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى تدوينة خلاصتها أن سبب انتصارنا في معركة السادس من أكتوبر 1973 م أنه لم يكن في مصر ... المزيد