البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

هل ترك الجهاد ونبذ الاستشهاد هو سبب هزائم المسلمين بالـ 200 سنة الأخيرة؟ (1 من 2)

المحتوي الرئيسي


هل ترك الجهاد ونبذ الاستشهاد هو سبب هزائم المسلمين بالـ 200 سنة الأخيرة؟ (1 من 2)
  • عبدالمنعم منيب
    07/01/2018 06:36

يكثر الكلام عن أن سبب هزائم المسلمين وهوانهم هو تركهم الجهاد فى سبيل الله وعدم اقبالهم على بذل دمائهم وأموالهم فى سبيل الله، ويستدل كثير من هؤلاء على دعواهم هذه بالغزو الفرنسى ثم البريطانى لمصر ويوردون فى سبيل ذلك روايات تاريخية من مثل ما ذكره الجبرتى فى تاريخه من خروج أهالى القاهرة بالطبل والمزمار بصحبة القوات المملوكية والعثمانية التى واجهت نابليون فى معركة امبابة وانهم ظلوا يطبلون ويزمرون ويصرخون ويهتفون وكأن صراخهم وعويلهم هو الذى سيحسم المعركة ويهزم الفرنسيين ثم ولوا مدبرين بعد انتصار الفرنسيين على العسكر المصرى، وفى واقع الأمر أن هذه الرواية صحيحة ولكنها رواية مجتزأة من سياق متكامل يشمل العديد من الروايات الأخرى، فالسياق المتكامل الذى ترسمه الرويات فى تاريخ الجبرتى يوضح أن من فعل هذا هم الدهماء الذين هم نسبة "ما" من أى مجتمع فى العالم ممكن نعتبرهم سفهاء أو جهلاء أو حمقى وهم نسبة موجودة حتما بأى مجتمع بينما يوضح السياق بقية الصورة كما فى الرويات التالية التى ترسم الشكل الحقيقى للصورة المصرية فى مواجهة الغزو الفرنسى وإليكم جانب من روايات الجبرتى الأخرى التى ترسم الصورة بشكل متكامل أنقلها بطولها كى تتضح الصورة على النحو التالى:

عن معركة افتتاحية كانت بمثابة اشتباك لطلائع القوات المصرية مع الفرنسيين قبل أن يصلوا امبابة وكان جزء منها بالنيل يذكر مشهدا بطوليا لأحد قادة المدفعية المصرية فيقول: "واحترق بها رئيس الطبجية خليل الكردل وكان قد قاتل في البحر قتالا عجيبا فقدر الله ان علقت نار بالقلع وسقط منها نار الى البارود فاشتعلت جميعها بالنار واحترقت المركب بما فيه من المحاربين وكبيرهم وتطايروا في الهواء."أ.هـ تاريخ الجبرتى ج2 ص 185.

" وفي يوم الاثنين حضر مراد بك الى بر انبابة (يقصد ساحل النيل من ناحية امبابة) وشرع في عمل متاريس هناك ممتدة الى بشتيل وتولى ذلك هو وصناجقته وامراؤه وجماعة من خشداشينه واحتفل في ترتيب ذلك وتنظيمه بنفسه هو وعلي باشا الطرابلسي ونصوح باشا واحضروا المراكب الكبار والغلايين التي أنشأها بالجيزة واوقفها على ساحل انبابة وشحنها بالعساكر والمدافع فصار البر الغربي والشرقي مملوئين بالمدافع والعساكر والمتاريس والخيالة والمشاة"أ.هـ تاريخ الجبرتى نفس الجزء ونفس الصفحة.

" وفي يوم الثلاثاء نادوا بالنفير العام وخروج الناس للمتاريس وكرروا المناداة بذلك كل يوم فاغلق الناس الدكاكين والاسواق وخرج الجميع لبر بولاق قكانت كل طائفة من طوائف أهل الصناعات يجمعون الدراهم من بعضهم وينصبون لهم خياما ... ويرتبون لهم فيما يصرف عليهم ما يحتاجون له من الدراهم التي جمعوها من بعضهم، وبعض الناس يتطوع بالانفاق على البعض الآخر ومنهم من يجهز جماعة من المغاربة والشوام بالسلاح والاكل وغير ذلك بحيث ان جميع الناس بذلوا وسعهم وفعلوا ما في قوتهم وطاقتهم وسمحت نفوسهم بانفاق أموالهم فلم يشح في ذلك الوقت احد بشيء يملكه."أ.هـ تاريخ الحبرتى ج 2 ص 186.

" وأما مصر فانها باقية خالية الطرق لا تجد بها احدا سوى النساء في البيوت والصغار وضعفاء الرجال الذين لا يقدرون على الحركة فانهم مستترون مع النساء في بيوتهم والاسواق مصفرة والطرق مجفرة من عدم الكنس والرش وغلا سعر البارود والرصاص بحيث بيع الرطل البارود بستين نصفا والرصاص بتسعين وغلا جنس انواع السلاح وقل وجوده وخرج معظم الرعايا بالنبابيت والعصي والمساوق وجلس مشايخ العلماء بزاوية علي بك ببولاق يدعون ويبتهلون الى الله بالنصر واقام غيرهم من الرعايا البعض بالبيوت والبعض بالزوايا والبعض بالخيام.

ومحصل الأمر أن جميع من بمصر من الرجال تحول الى بولاق وأقام بها من حين نصب ابراهيم بك العرضي هناك الى وقت الهزيمة سوى القليل من الناس الذي لا يجدون لهم مكانا ولا ماوى فيرجعون الى بيوتهم يبيتون بها ثم يصبحون الى بولاق وأرسل ابراهيم بك الى العربان المجاورة لمصر ورسم لهم أن يكونوا في المقدمة بنواحي شبرا وما والاها وكذلك اجتمع عند مراد بك الكثير من عرب البحيرة والجيزة والصعيد والخبيرية والقيعان وأولاد علي والهنادي وغيرهم وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول."أ.هـ. تاريخ الجبرتى ج 2 ص 186-187.. ولاحظ أن العربان مقصود بها قبائل البدو وكلهم مسلحون وذوى بأس بالقتال.

 

وبهذه الروايات وغيرها مما امتلأ بها كتاب الجبرتى وسائر مصادر التاريخ يتبين أن المسلمين لم يقصروا فى التسلح وبذل المال والدم وممارسة القتال بشراسة وشجاعة من أجل صد الغزو الفرنسى ورغم هذا حاقت بهم الهزيمة واحتل الفرنسون مصر، وتكرر الجهاد والفداء والبذل فى ثورتى القاهرة الأولى والثانية ومع هذا هزم الفرنسيون المصريين بنهاية الثورتين رغم ما تكبده الفرنسيون من خسائر فادحة، إذن فالادعاء المنتشر بأن سبب الهزيمة والاحتلال هو القعود عن الجهاد والاستشهاد وترك السلاح هو ادعاء باطل ولا أساس علمى له، نعم سيبقى السؤال معلقا، سؤال لماذا انهزمنا؟ لنفهم من اجابته لماذا ننهزم حتى الآن، وهذان السؤالان نبحث عن اجاباتهما الصحيحة فى هذا التحليل.

والمثال الآخر الذى يضربه البعض عن أن تخاذل المسلمين عن الجهاد المسلح وتأخرهم عن البذل والفداء وخوفهم من الشهادة هو سبب هزائمنا هو واقعة احتلال الإنجليز لمصر وسنجد أيضا أنه ادعاء غير علمى وغير موضوعى وسنسوق فيما يلى مقتطفات من كلام شهود عيان يرسم صورة واضحة لما فعله المصريون إزاء الغزو البريطانى لمصر 1882 وكلها ماخوذة من كتاب " يوم 11 يوليه سنة 1882" تأليف الأمير عمر طوسون طبع مؤسسة هنداوى ص 74 -96:

الأميرال سيمور قائد الأسطول الانجليزى الذى غزا الإسكندرية واحتلها يقول في تقريره للأميرالية البريطانية والمؤرخ فى 14 يوليه 1882: "لقد قاتل المصريون قتال الأبطال وثبتوا في مواقفهم ثبات الشجعان وكانوا يجاوبون النيران الشديدة التي كانت تصبها عليهم مدافعنا الضخمة إلى أن فني بلا شك أكثرهم. ا.هـ

وقال القومندان هنت جرب قائد المدرعة سلطان (وهى إحدى السفن المدرعة التى تكون منها أسطول الغزو) وقائد الأسطول الخارجي في تقريره للأميرال سيمور: "ولما وجدت أن الحصون أقوى مما كان يظن قبلًا وأن جنود المدفعية المصرية لا يستهان بهم وأنهم في الواقع يحكمون الضرب، رأيت من الصواب أن ألقي المراسي لكي أحصل على المسافة اللازمة بالدقة".ا.هـ.

أما القومندان جودريتش من رجال البحرية الأمريكية الحربية الذي كان على متن السفينة الحربية الأمريكية لانكاستر Lancaster ورأى ما حدث بعيني رأسه فإنه يقول في تقريره ص 36: "وجاوب المصريون رغم التفاوت الذي كان بينهما من ناحية العدد ومن ناحية عيار المدافع على النيران المتدفقة من أفواه مدافع الأسطول الإنكليزي إجابة مدهشة لم تكن متوقعة بتاتًا بشجاعة تستوجب الإعجاب وعندما كانت المدرعة أنفلكسيبل ترسل مقذوفات زنة كل منها 1700 رطل على حصن الفنار وتصيب ساتره فتثير الأنقاض والأتربة إلى علو الفنار نفسه ويتخيل المرء عندما يرى ذلك أنه ليس في الامكان أن يعيش أي انسان تحت نيران كهذه النيران، لا يلبث بعد بضع دقائق عندما ينقشع الغبار أن يرى جنود المدفعية المصرية ملازمين مواقفهم يطلقون قذائفهم على خصمهم الرهيب". اهـ.

أما الماجور "تلك" من رجال قلم المخابرات البريطانى (وترقى فيما بعد إلى جنرال) وكان على ظهر المدرعة البريطانية أنفنسيبل (وهى إحدى السفن المدرعة بأسطول الغزو) فيقول في كتابه (ذكريات أربعين عامًا في الخدمة) ص 286: "وبعد أن نزلت إلى البر بزمن يسير طفت حول البطاريات التي بقرب رأس التين فوجدت منظر البعض منها ينفطر منه الفؤاد وسمعت فيما بعد من مصدر وثيق أن الخسائر في الأرواح من جنود المدفعية ومن جنود البيادة الذين كانوا خلف الحصون بلغت أكثر من ثلاثمائة وقد نقل القتلى بالعربات في أثناء القتال. ولكن لما كان عدد القتلى في نهاية الحرب كبيرًا جدًا فتحت لهم حفرة واسعة في رأس التين وألقيت أجسادهم فيها ثم ووريت في التراب. ومع هذه المواراة يستطيع الإنسان في عدة مواضع من هذه المقبرة أن يرى الطبقة العليا من هذه الأجساد ظاهرة على وجه الأرض. وقد سقط ساتر الحصن على بعض الجنود فأزهق أرواحهم وبقيت أجسادهم تحت الأنقاض دون أن يستطيع أحد إخراجها. ووجدت جثة ضابط مصري وجثث ستة من الجنود المصرية البواسل تحت مدفع انقلب بقذيفة، وعندي أنه لا يستطيع إلا القليل من الناس أن يؤدوا واجباتهم مثل ما أداها أولئك الجنود الذين كانوا في الحصون في ذلك اليوم. وليس في مقدور الإنسان أن يخفي دهشته وإعجابه من أن هؤلاء الجنود في الحالة التي كانت فيها النيران تتحيفهم من كل جهة أرادوا أن يرفعوا أحد المدافع من سقطته التي سقطها. وفي حالة أخرى وهم في معمعة القتال حاولوا أن يرجعوا مدفعًا إلى موضعه وهم تحت وابل من النيران.

وفي المكس كان يوجد ساتر من الرمال سميك تتوارى خلفه جنود المدفعية ولكن على طول امتداد البطاريات الشرقية لم يكن يوجد إلا ستائر عتيقة من الأحجار في قليل من المواضع، والأنقاض التي تقوضت منها لا بد أن تكون قد أحدثت خسائر جسيمة في الأرواح".ا.هـ.

ونجد البارون دكيوزل بى Le Baron De Kusel Bey وكيل مصلحة الجمارك المصرية الذي كان على ظهر السفينة "تنجور" أمام الإسكندرية يقول في كتابه (ذكريات رجل إنكليزي عن مصر) ص 200: "لقد ثبت جنود المدفعية المصرية في مواقفهم أمام نيران المدرعات الإنكليزية الهائلة الفتاكة ثباتًا دل على بسالتهم وبطولتهم. وظلوا يلقون القنابل باستمرار فتصيب أهدافها من هذه البوارج "أ.هـ ، إلى أن قال في هذه الصفحة أيضًا: "وليست المسألة مسألة ريبة في بطولة الجنود المصرية فلقد قاتلوا مستبسلين، ولكن لم يكن لهم الالمام التام بسلاحهم ليجنوا من دفاعهم ولو بعض النجاح. ولم ينقض الضرب إلا في منتصف الساعة الثانية عشرة صباحًا (أي من يوم 12 يوليه) لأن المصريين إذا كان لديهم مدفع في أي موضع لم يكن قد سقط، استعملوه إلى أن يكره هذا المدفع على السكوت إكراهًا". ا.هـ.

أما وكيل قنصل اليونان في الإسكندرية مسيو سكوتيدس Scotidis فيقول في كتابه (مصرالمعاصرة وعرابي باشا) ص 168 -169: "وعند الطلقة الخامسة جاوبت بطاريات البر بنشاط وإحكام أدهشا الإنكليز، وتقدمت البوارج الإنكليزية، تلك المدرعات الضخمة، تسير ببطء واتخذت لها موقفًا أمام الحصون وصوبت إليها نيران مدافعها في مركز واحد، وقد كانت قذائفها الهائلة تدعو إلى الظن بأنها ستدمرها تدميرًا. ولقد كانت هذه القذائف تحطم المدافع الضخمة وتقلب قواعدها وتنسف مستودعات البارود وتحفر حفرًا يقع فيها المصريون التعساء. وعندئذ تقترب شيئًا فشيئًا لتضعف قوة هؤلاء المصريين بتقويض حصونهم بطوفان من قذائف مدافع السربند المقامة على ساريات السفن، وكانت قذائف المدافع المصرية تسقط في البحر وهي في منتصف الطريق فتثير عجاج الماء، والبعض الآخر يصطدم بمدرعات الإنكليز الضخمة فيرتد عنها كأنها جسم من المطاط ويغوص في البحر. ومع هذا فلا ينبغي إلا الإعجاب بما أبداه جنود المدفعية المصرية من البطولة والبسالة والثبات في مواقفهم ورثاء أولئك الضحايا الذين راحوا طعمة للنار بطيش عرابي ورعونته وبجرأته التي أظهرها عبثًا، وكان معظم الحصون بلا ساتر فقلبت القنابل من مدافعها ما كان أكثر قوة وأعظم خطرًا وأحاطتها بالمئات من جثث القتلى. وفي خلال انتشار الدخان الكثيف الذي يسوقه النسيم في بعض الأوقات كان هؤلاء الجنود الشجعان يمثلون بحق الأبطال الذين يدفعون غارات الجبابرة". ا.هـ.

وهذه الروايات كفيلة برسم صورة واضحة عن أن المصريين لم يقعدوا عن التصدى بالجهاد للغزو البريطانى بالدم والسلاح إلى أن فنى كثير منهم وتحطمت كافة أسلحتهم، ولا نحتاج للتوسع فى روايات أكثر من هذا كى لا يطول المقال.

ومن هنا تسقط دعوى أن ترك الجهاد بالسلاح وعدم الاقدام على الاستشهاد وبذل الدم هو سبب إحتلال مصر من قبل الانجليز، ومع ما قدمناه من سقوط هذه الدعوى بشأن احتلال الفرنسيين لمصر نخلص لبطلان ادعاء أن هذا هو سبب فشل المسلمين سياسيا وسقوط بلادنا تحت وطأة "الهيمنة الأوروبوأمريكية" منذ عصر الامبريالية الأولى وحتى اليوم، لأن المثالين الذين ذكرناهما وإن كانا من مصر فقط إلا أننا نعتبرهما نموذجا تكرر بكل أقطار الأمة الإسلامية، وبعد هذا كله نصبح فى مواجهة السؤال المصيرى وهو سؤال: "لماذا انهزمنا؟" لنفهم من اجابته تعميما تجريديا أو فلسفيا عاما وهو ما يمثل إجابة سؤال أكبر هو "لماذا ننهزم حتى الآن؟"، وهذان السؤالان نبحث اجاباتهما الصحيحة فى الحلقة التالية من هذا التحليل إن شاء الله.

 

أخبار ذات صلة

أقرت دار الإفتاء المصرية، بحرمة وعدم جواز تداول عملة "بيتكوين" الافتراضية، والتعامل من خلالها بالبيع والشراء والإجارة وغيرها.

المزيد

اعتبر مجلس العلاقات الأمريكية - الإسلامية (كير) مستوى ظاهرة "الإسلاموفوبيا" بالولايات المتحدة الأمريكية هو الأسوأ في عهد الرئيس دونالد ترامب، ... المزيد

تعليقات