البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

هل المعتزلة يقولون: الإيمان حقيقة مركبة من الاعتقاد والقول والعمل ؟

المحتوي الرئيسي


هل المعتزلة يقولون: الإيمان حقيقة مركبة من الاعتقاد والقول والعمل ؟
  • د. سلطان العميري
    02/04/2016 02:10

اعتراض أحد المعترضين على درس الواسطية فقال :" الدكتور قد ذكر بعد ذلك بأن الخوارج والمعتزلة قد شاركوا أهل السنة في هذا التعريف وخالفم المرجئة أو كثير من المرجئة ، يعني أن الخوارج والمعتزلة يقولون بأن الإيمان حقيقة وجودية مركبة من الظاهر والباطن ؟؟

وهذا الكلام غلط !!

فالخوارج والمعتزلة لا يقولون بأن الإيمان ""حقيقة مركبة " .

فالإيمان عندهم وعند المعتزلة والمرجئة والجهمية شيء واحد لا يتبعض ولا يتجزأ ولا يزيد ولا ينقص ، كإله النصارى مكون من (الآب والابن وروح القدس ) إله واحد ؛حقيقة كلية مشتركة لا مركبة ، وهو ما ذكره شيخ الاسلام الذي يشرح الدكتور كلامه والذي من المفروض أن يكون الدكتور ملما به إلماماً لا لمماً !!

قال ابن تيمية : "وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال جميعه .." 7-510

وأظن أن الدكتور قد التبس عليه أن الإيمان قول وعمل واعتقاد كما عند أهل السنة فظن أن هذا تركيب عندهم لأنها أجزاء متعددة ،وعلى فهمه فإن المرجئة يقولون بالتركيب أيضاً ،فمن قال منهم بأنه تصديق يدخل فيها عمل القلب معه كما ذكر شيخ الإسلام".

التعليق :

يبدو أن أخانا ليس متصورا لأصول الأقوال ومميزاتها بشكل جيد , فخلط بين الأصول ولم يدرك طبيعة كل أصل وما يقتضيه .

وقبل أن تدخل في إثبات حقيقة الإيمان عند المعتزلة لا بد أن نبين المراد بالتركيب هنا , فالمراد به الإيمان مكون من الاعتقاد والقول والعمل , وأن كلا من هذه الأمور الثلاثة داخلة في حقيقة الإيمان .

وبعبارة أخرى أن الإيمان يشمل الأمور الظاهرة والباطن , فحقيقته شاملة للأعمال القلبية وأعمال الجوارح , ومركبة منهما

حسنا : دعونا الآن ننظر هل المعتزلة يقولون بهذا القول أم لا ؟.

يقول القاضي عبدالجبار تعليقا على قوله تعالى :"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا"

قال : يدل على أشياء ... منها : "أن الإيمان ليس هو القول باللسان أو اعتقاد القلب , على ما ذهب المخالف إليه , ولكنه كل واجب وطاعة , لأنه تعالى ذكر في صفة المؤمن ما يختص بالقلب وما يختص الجوارح , لما اشترك الكل في أنه من الطاعات والفرائض"

ويقول الزمخشري :"إن قلت ما الإيمان الصحيح ؟ قلت : أن يعتقد الحق ويعرب لسانه , ويصدق بعمله , فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق , ومن اخل بالشهادة فهو كافر , ومن أخل بالعمل فهو فاسق"

ونقل ابن المرتضى في طبقات المعتزلة إجماع المتعزلة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد .

ونسبة هذا القول إلى المعتزلة مشهور جدا في كتب المقالات وغيرها , يقول أبو يعلى في حكاية قول المعتزلة :"وأن الإيمان الشرعي جميع الطاعات الباطنة والظاهرة الواجبة والمندوبة , وهذا قول أكثر المعتزلة , وقال أبو هشام والجبائي : إن ذلك مختص بالواجبات دون التطوع"

 

وقال ابن حزم :" ذهب سائر الفقهاء وأصحاب الحديث والمعتزلة والشيعة وجميع الخوارج إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب بالدين والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح وأن كل طاعة وعمل خير فرضا كان أو نافلة فهي إيمان:

وكرر هذه النسبة الرازي وسعد الدين التفتازاني وغيرهما كثير .

وخلاصة كل تلك التقريرات أن المعتزلة يرون الإيمان مكون من أعمال الباطن وأعمال الظاهر , على خلاف بينهم في تحديد أعمال الظاهر الداخلة في الإيمان , وهذا هو معنى التركيب في حقيقة الإيمان .

يبدو أن أخانا المعترض اختلط عليه الأمر فلم يفرق بين البحث في حقيقة الإيمان وبين البحث في حكم تلك الحقيقة وهل تقبل الزيادة والنقصان أم لا ؟

فلما وجد ابن تيمية يذكر أن المعتزلة حكموا على حقيقة الإيمان بأنها لا تقبل الزيادة ولا النقصان وأنها لا تتجزأ ولا تتبعض توهم أن ذلك حكما منه على حقيقة الإيمان من حيث مكوناتها .

والغريب أن كلام ابن تيمية الذي نقل جزءا منه فصل الأمر وبينه , حيث يقول :" وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال جميعه وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان } . ثم قالت " الخوارج والمعتزلة " الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان . وقالت " المرجئة والجهمية " : ليس الإيمان إلا شيئا واحدا لا يتبعض أما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة قالوا : لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءا منه فإذا ذهبت ذهب بعضه فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان وهو قول المعتزلة والخوارج"

ويقول في موطن آخر :" ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء. ثم قالت " الخوارج والمعتزلة ": هو مجموع ما أمر الله به ورسوله وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث؛ قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار"

 

فابن تيمية ذكر عن المعتزلة والخوارج شيئين : الأول : أن الإيمان لا يقبل الزيادة ولا النقصان , والثاني : أن الأعمال الظاهرة من الإيمان , فالتزموا لأجل ذلك أن ذهاب بعض الأعمال الظاهرة يوجب ذهاب الإيمان .

بل نص ابن تيمية على أن المعتزلة يقولون : إن الإيمان حقيقة مركبة من الأعمال الظاهرة والباطنة , ورتبوا على ذلك الحكم بكفر من فعل الكبيرة , حيث يقول :" وجماع شبهتهم – يعني الطوائف المنحرفة في الإيمان - في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة ؛ وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين إذا زال أحد جزأيه خرج عن كونه سكنجبينا . قالوا : فإذا كان الإيمان مركبا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة لزم زواله بزوال بعضها . وهذا قول الخوارج والمعتزلة , قالوا : ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنا بما فيه من الإيمان كافرا بما فيه من الكفر فيقوم به كفر وإيمان وادعوا أن هذا خلاف الإجماع"

وقال أيضا :" زعمت الخوارج والمعتزلة أن الذنوب الكبيرة ومنهم من قال: والصغيرة لا تجامع الإيمان أبدا بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام قالوا: لأن الإيمان هو فعل المأمور وترك المحظور فمتى بطل بعضه بطل كله كسائر المركبات"

ومعنى هذا الكلام – مع وضوحه جلائه – أن المعتزلة يعتقدون أن الإيمان حقيقة مركبة , ولكنهم توهموا أن ذهاب بعضها يقتضي ذهابها جميعها .

وأنت ترى أن ابن تيمية استعمل مصطلح " التركيب" في توضيح مذهب المعتزلة والخوارج , فلا أدري كيف جزم أخونا المعترض بنفي ذلك؟!!!

ومنشأة الغلط عند المعترض أنه قرأ قول ابن تيمية :" "وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال جميعه" قتوهم أن قوله "شيئا واحدا" يعني أنه أن حقيقة الإيمان لا تتركب من عدة مكونات , وإنما هي مكونة من شيء واحد فقط .

وهذا غلط في الفهم , فإن ابن تيمية يقصد بقوله :"شيئا واحد" يعني أن الإيمان حقيقة ثابتة لا تقبل الزيادة ولا النقصان , ولا يقصد أنه حقيقة ليست مكونة من عدة أشياء , ويدل على ذلك قوله :" ثم قالت " الخوارج والمعتزلة " الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره" فهو يتحدث عن معنى الزيادة والنقصان , وليس عن معنى التركب وغير التركب , بل قوله : الطاعات كلها من الإيمان , يدل على أنهم يرون الإيمان حقيقة مركبة , إذا ذهب بعضها ذهبت كلها .

بل قد شرح قوله بصورة مفصلة فقال :" فعلم أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة وأن قليله يخرج الله به من النار من دخلها ليس هو كما يقوله الخارجون عن مقالة أهل لسنة: إنه لا يقبل التبعيض والتجزئة؛ بل هو شيء واحد: إما أن يحصل كله أو لا يحصل منه شيء"

تنبيه :

قول المعترض :" كإله النصارى مكون من (الآب والابن وروح القدس ) إله واحد ؛حقيقة كلية مشتركة لا مركبة"

قول مبتدع لم يقله أحد من قبل , وفي الحقيقة لا أدري ما وجه ذكر هذا المثال هنا؟!

فظاهر كلام المعتزلة أنهم يفرقون بين مكونات الإيمان من حيث الحقيقة , فحقيقة الاعتقاد غير حقيقة العمل غير حقيقة القول , وهذا ما يدل عليه صراحة قول الزمخشري , وكثير من العلماء الذين نقلوا أقوالهم ينصون على أن العمل جزء من الإيمان عندهم , فهو يشترك مع غيره من الأجزاء في تكوين حقيقة الإيمان . فحقيقة الإيمان إذن تتركب من أجزاء مختلفة في حقائقها , وهذا التصوير يختلف عما عليه التثليث عن النصارى كما هو معلوم .

في الختام كنت أتمنى من أخي المعترض إلا يستعجل في الأحكام التي لم يحررها أو كانت جديدة عليه , ويتأنى ويستشير , حتى لا يقع في مثل هذه الأغلظ الظاهرة .

والغريب حقا أنه لا يفتأ يكرر بصور للقراء أنه حرر مسألة الإيمان وضبطها وأنه مؤهل للحكم على ما يقدمه الآخرون , ومع ذلك هو لا يدرك حقائق الأقوال في الإيمان ولا يفرق بين الأصول ومقتضياتها , وجمع مع ذلك أغلاطا في فهم أقوال الآخرين وقطعا عن سياقاتها وحذفا لجمل تبين المعنى وتوضحه , وجمع مع ذلك أيضا توسعا في السخرية والاستخفاف بالآخرين!!.

أخبار ذات صلة

جاء هذا الكتاب الذي نريد أن نقدمه للقارئ لأهميته وللظروف الصعبة والقاسية من تاريخ أمتنا التي أحاطت بها الفتن من كل جانب وهو بعنوا ... المزيد

تعليقات