البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

هل حرَّم الشرع الاختلاط مطلقا؟

المحتوي الرئيسي


هل حرَّم الشرع الاختلاط مطلقا؟
  • أحمد عبدالسلام
    18/02/2017 09:54

البعض ينطلق من هذا السؤال ليبدأ في بيان أن الأدلة الشرعية لم تحرم الاختلاط، وإنما حرمت نحو الخلوة والنظر واللمس، ثم يشرع في بيان أن الاختلاط لا يستلزم هذه المحرمات، فقد يقع الاختلاط دون أن يقع شيئ منها، ليخرج بنتيجة وهي: أن الاختلاط في نفسه ليس محرما، وإنما يحرم منه ما اشتمل على محرم كإطلاق نظر، أو وقوع تلامس، أو حصول خلوة محرمة.

وهذا التأصيل وإن كان مستقيما من جهة النظر، إلا أن إطلاقه بدون اعتبار واقع الناس وما تنصرف إليه الأذهان من صور الاختلاط اليوم؛ خطأ فادح يؤول بقائله إلى إباحة ما يعلم تحريمه قطعا.

ولو نظرنا إلى الاختلاط في واقع الناس لوجدنا الاختلاط نوعين:

النوع الأول:

اختلاط يشق الاحتراز عنه، ولا يمكن تجنبه إلا بمشقة شديدة تفضي إلى تعطل مصالح الناس، وتعثر قضاء حوائجهم.

مثل اختلاط النساء بالرجال في الطرقات والأسواق ووسائل النقل العامة، والجامعات والمدارس في البلدان التي لا تعتمد نظام الفصل بين الجنسين.

ففي هذه الصور ونحوها تعمل قاعدة «المشقة تجلب التيسير» للعسر وعموم البلوى.

فلا يُكلف الإنسان بالمشي مثلا اجتنابا للمواصلات المختلطة، ولا يحرم التعليم والتعلم اجتنابا للمدارس والجامعات المختلطة.

ويجب التنبه هنا إلى أن إباحة هذه الصور ليس لعدم ضرر الاختلاط فيها، ولا لأمن الفتنة فيه، ولكن للضرر الكبير المترتب على تحريمه، فمعنى ذلك أن مظنة الفتنة فيه موجودة.

لذلك يجب تقليل آثار هذا الاختلاط قدر الطاقة، والتحرز من الفتنة قدر المستطاع.

فيجب غض الأبصار، والاحتراز من التلامس، ويجب على النساء التزام الحجاب الكامل، واجتناب الزينة، ويجب الابتعاد قدر الطاقة عن الرجال، فليس معنى إباحة المواصلات المختلطة لمشقة الاحتراز؛ أن تجلس المرأة بجوار الرجل في مقعد واحد مع وجود مقاعد أخرى شاغرة !

وليس معنى إباحة الدراسة في الجامعات المختلطة لمشقة الاحتراز؛ أن تصاحب الفتاة الفتيان وتخالطهم في مجالسهم.

بل يجب الفصل قدر الطاقة في المجالس، والاحتراز عن مزاحمة الرجال قدر المستطاع.

والأصل في ذلك قبل النظر حديثان:

الأول: ما رواه البخاري اﺑﻦ ﺟﺮﻳﺞ ﻗﺎﻝ: (ﺃﺧﺒﺮﻧﻲ ﻋﻄﺎء: ﺇﺫ ﻣﻨﻊ اﺑﻦ ﻫﺸﺎﻡ اﻟﻨﺴﺎء اﻟﻄﻮاﻑ ﻣﻊ اﻟﺮﺟﺎﻝ، ﻗﺎﻝ: ﻛﻴﻒ ﻳﻤﻨﻌﻬﻦ؟ ﻭﻗﺪ ﻃﺎﻑ ﻧﺴﺎء اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻣﻊ اﻟﺮﺟﺎﻝ؟

ﻗﻠﺖ: ﺃﺑﻌﺪ اﻟﺤﺠﺎﺏ ﺃﻭ ﻗﺒﻞ؟ ﻗﺎﻝ: ﺇﻱ ﻟﻌﻤﺮﻱ، ﻟﻘﺪ ﺃﺩﺭﻛﺘﻪ ﺑﻌﺪ اﻟﺤﺠﺎﺏ، ﻗﻠﺖ: ﻛﻴﻒ ﻳﺨﺎﻟﻄﻦ اﻟﺮﺟﺎﻝ؟ ﻗﺎﻝ: ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﺨﺎﻟﻄﻦ، ﻛﺎﻧﺖ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﺎ ﺗﻄﻮﻑ ﺣﺠﺮﺓ ﻣﻦ اﻟﺮﺟﺎﻝ، ﻻ ﺗﺨﺎﻟﻄﻬﻢ، ﻓﻘﺎﻟﺖ اﻣﺮﺃﺓ: اﻧﻄﻠﻘﻲ ﻧﺴﺘﻠﻢ ﻳﺎ ﺃﻡ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ، ﻗﺎﻟﺖ: «اﻧﻄﻠﻘﻲ ﻋﻨﻚ» ﻭﺃﺑﺖ.

ﻳﺨﺮﺟﻦ ﻣﺘﻨﻜﺮاﺕ ﺑﺎﻟﻠﻴﻞ، ﻓﻴﻄﻔﻦ ﻣﻊ اﻟﺮﺟﺎﻝ، ﻭﻟﻜﻨﻬﻦ ﻛﻦ ﺇﺫا ﺩﺧﻠﻦ اﻟﺒﻴﺖ، ﻗﻤﻦ ﺣﺘﻰ ﻳﺪﺧﻠﻦ، ﻭﺃُﺧﺮﺝ اﻟﺮﺟﺎﻝ).

فانظر كيف كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة وفي رواية «حجزة» من الرجال، أي تجعل بين طوافها وطواف الرجال حاجزا من المسافة، وكيف كن يتحرين الليل للطواف ليكون الظلام أستر لهن، وكيف رفضت محاولة استلام الحجر الأسود لما في ذلك من مزاحمة الرجال، وكيف كن إذا أردن دخول البيت ينتظرن خروج الرجال منه، لأن ذلك اختلاط في مكان ضيق لا يمكنهن الاحتراز فيه، فالاحتراز بالنسبة له عدم الدخول حتى يخرج الرجال.

قد يعجب بعض النساء من ذلك ويظنن أن فيه تشديدا زائدا، لكن هكذا يصنع الحياء بأهله !

الثاني: ما رواه أبوداود ﻋﻦ ﺣﻤﺰﺓ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺃﺳﻴﺪ اﻷﻧﺼﺎﺭﻱ، ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ، ﺃﻧﻪ ﺳﻤﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻳﻘﻮﻝ: (ﻭﻫﻮ ﺧﺎﺭﺝ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻓﺎﺧﺘﻠﻂ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻣﻊ اﻟﻨﺴﺎء ﻓﻲ اﻟﻄﺮﻳﻖ، ﻓﻘﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻟﻠﻨﺴﺎء: «اﺳﺘﺄﺧﺮﻥ، ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﺤﻘﻘﻦ اﻟﻄﺮﻳﻖ ﻋﻠﻴﻜﻦ ﺑﺤﺎﻓﺎﺕ اﻟﻄﺮﻳﻖ» ﻓﻜﺎﻧﺖ اﻟﻤﺮﺃﺓ ﺗﻠﺘﺼﻖ ﺑﺎﻟﺠﺪاﺭ ﺣﺘﻰ ﺇﻥ ﺛﻮﺑﻬﺎ ﻟﻴﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺠﺪاﺭ ﻣﻦ ﻟﺼﻮﻗﻬﺎ ﺑﻪ)

فتأمل كيف لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء في مزاحمة الرجال في «الطريق» مع كون أصل المشاركة في الطريق مرخص فيها.

فنخرج من ذلك بضابط وهو:

أن ما جاز الاختلاط فيه ترخيصا وجب الاحتراز فيه قدر الطاقة.

..................................

النوع الثاني:

اختلاط لا تدعوا إليه الحاجة، ولا مشقة في اجتنابه.

مثل اختلاط النساء بالرجال في حفلات الزفاف ونحوها، واختلاطهم في المساجد مع إمكان الفصل، واختلاطهم في بعض الفاعليات الدعوية والأعمال الخيرية.

فهذا نوع آخر لا يترتب على اجتنابه ضرر، بل الضرر في وقوعه متمحض من كونه مظنة الفتنة، ووسيلة لوقوع الحرام من إطلاق بصر وتلامس وكلام محرم.

بل وقوع مثل ذلك في هذا النوع من الاختلاط هو ما يغلب على الظن ويبعد خلافه جدا، لا سيما في زماننا.

إذ كيف يُتوهم اجتماع رجال ونساء في زماننا في مكان واحد، وفساد ضمائر أهل الزمان معروف، وتبرج النساء وتكسرهن في الكلام معهود، وتساهل كثير من الذكور مع تصرفات نسائهم معلوم، كيف يُتوهم أن اجتماع هذا حاله لا يقع فيه شيئ محرم؟!

بل لو كان ذلك ممكنا لأمكن في زمان خير البرية صلى الله عليه وسلم، لكننا رأينا كيف أنكر على خير النساء وأسترهن ثيابا، اختلاطهن بخير الرجال وأسلمهم قلوبا، في طريق الخروج من المسجد!

وما قد يتوهمه البعض من مصلحة في بعض هذه الصور لا قيمة له في الحقيقة إذا ما قارناه بمفاسده.

والقاعدة المقررة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».

وهذا تراه في صنيع العلماء الذين أطلقوا حرمة الاختلاط في مثل هذه الاجتماعات دون اعتبار ما قد يتوهم من مصالح فيها، ودون تقييد بوقوع نظر محرم مثلا، بل أنزلوا الظن منزلة اليقين، وقرروا للوسيلة حكم المقصد، وجعلوا نفس الاختلاط محرما.

فمن ذلك جعل الشافعية وجود اختلاط بل مجرد إشراف النساء على الرجال عذر في ترك إجابة الدعوة في الوليمة، مع كون إجابة الدعوة هنا واجبة، ومعلوم أن الواحب لا يترك إلا لما هو أوجب منه.

قال في نهاية المحتاج:

«(ﻭ) ﺃﻥ (ﻻ) ﻳﻜﻮﻥ ﺑﻤﺤﻞ ﺣﻀﻮﺭﻩ (ﻣﻨﻜﺮ)

ﺃﻱ ﻣﺤﺮﻡ ﻭﻟﻮ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﻛﺂﻧﻴﺔ ﻧﻘﺪ ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﺷﺮﺡ ﻣﺴﻠﻢ: ﺃﻱ ﻳﺒﺎﺷﺮ اﻷﻛﻞ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻼ ﺣﻴﻠﺔ ﺗﺠﻮﺯﻩ ﺑﺨﻼﻑ ﻣﺠﺮﺩ ﺣﻀﻮﺭﻫﺎ ﺑﻨﺎء ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻳﺄﺗﻲ ﻓﻲ ﺻﻮﺭ ﻏﻴﺮ ﻣﻤﺘﻬﻨﺔ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﺤﺮﻡ ﺩﺧﻮﻝ ﻣﺤﻠﻬﺎ، ﻭﻛﻨﻈﺮ ﺭﺟﻞ ﻻﻣﺮﺃﺓ ﺃﻭ ﻋﻜﺴﻪ ﻭﺑﻪ ﻳﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﺇﺷﺮاﻑ اﻟﻨﺴﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻋﺬﺭ».

ومثل ذلك ما جاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير في الفقه المالكي:

«(ﺗﻨﺒﻴﻪ) ﻭﻣﻦ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﺎ ﻳﺴﻘﻂ اﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻠﻤﻪ ﺑﻔﻮاﺕ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﺇﺫا ﺫﻫﺐ، ﻭﻛﻮﻥ اﻟﻄﺮﻳﻖ ﺃﻭ اﻟﺒﻴﺖ ﻓﻴﻪ ﻧﺴﺎء ﻭاﻗﻔﺎﺕ ﻳﺘﻔﺮﺟﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺪاﺧﻞ، ﻭﻛﻮﻥ اﻟﺪاﻋﻲ ﺟﻤﻴﻼ ﺃﻭ ﻋﻨﺪﻩ ﺟﻤﻴﻞ ﻭﻳﻌﻠﻢ اﻟﻤﺪﻋﻮ ﺃﻧﻪ ﺇﺫا ﺣﻀﺮ ﻳﺤﺼﻞ ﻟﻪ ﻣﻨﻪ ﻟﺬﺓ، ﻭﻛﻮﻥ اﻟﺪاﻋﻲ اﻣﺮﺃﺓ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﺮﻡ ﺃﻭ ﺧﻨﺜﻰ، ﻭﻛﻮﻥ اﻟﻤﺪﻋﻮ ﺟﻤﻴﻼ ﻳﻌﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﺇﺫا ﺫﻫﺐ ﻳﺨﺸﻰ ﻣﻨﻪ اﻻﻓﺘﺘﺎﻥ؛ ﻓﻼ ﺗﺠﺐ ﻋﻠﻴﻪ اﻹﺟﺎﺑﺔ».

فتأمل كيف جعلوا مجرد إشراف النساء على الرجال، ووقوف النساء يتفرجن على الداخل عذر في ترك إجابة الدعوة الواجبة.

ومن ذلك كذلك جعل الحنفية اختلاط النساء بالرجال من المنكرات التي ترد بها الشهادة؟!

جاء في حاشية بن عابدين:

«ﻣﻤﺎ ﺗﺮﺩ ﺑﻪ اﻟﺸﻬﺎﺩﺓ اﻟﺨﺮﻭﺝ ﻟﻔﺮﺟﺔ ﻗﺪﻭﻡ ﺃﻣﻴﺮ ﺃﻱ ﻟﻤﺎ ﺗﺸﺘﻤﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮاﺕ ﻭﻣﻦ اﺧﺘﻼﻁ اﻟﻨﺴﺎء ﺑﺎﻟﺮﺟﺎﻝ».

ومن ذلك أيضا ما جاء في الفقه المالكي من جعل الاختلاط من المنكرات التي تبطل الوصية.

قال حاشية الدسوقي في بيان ما تبطل به الوصية:

«ﺃﻭ ﻳﻮﺻﻲ ﺑﺈﻗﺎﻣﺔ ﻣﻮﻟﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﻮﺟﻪ اﻟﺬﻱ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻷﺯﻣﻨﺔ ﻣﻦ اﺧﺘﻼﻁ اﻟﻨﺴﺎء ﺑﺎﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﻈﺮ ﻟﻠﻤﺤﺮﻡ ﻭﻧﺤﻮ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ اﻟﻤﻨﻜﺮ».

ومن ذلك ما جاء في «نهاية المحتاج» الشافعي عن التعريف في غير عرفة:

«ﻭﺫﻫﺐ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﺴﻠﻒ ﻛﺎﻟﺤﺴﻦ اﻟﺒﺼﺮﻱ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻭﻗﺎﻝ ﺃﺣﻤﺪ: ﻻ ﺑﺄﺱ ﺑﻪ ﺇﻻ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻛﺮاﻫﺔ ﻓﻲ اﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺑﻐﻴﺮ ﻋﺮﻓﺔ، ﻭﻛﺮﻫﻪ ﺁﺧﺮﻭﻥ ﻛﻤﺎﻟﻚ ﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻠﺤﻘﻮﻩ ﺑﻔﺎﺣﺸﺎﺕ اﻟﺒﺪﻉ ﺑﻞ ﻳﺨﻔﻒ ﺃﻣﺮﻩ ﺇﺫا ﺧﻼ ﻋﻦ اﺧﺘﻼﻁ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﺑﺎﻟﻨﺴﺎء ﻭﺇﻻ ﻓﻬﻮ ﻣﻦ ﺃﻓﺤﺸﻬﺎ»

فانظر كيف جعل الاختلاط سببا في جعل هذا الاجتماع من أفحش البدع.

ومن ذلك تحريم الحنابلة الاختلاط في المساجد، مع كون المساجد مكان العبادة ومظنة استتار النساء فيها، والتزام الرجال والنساء بغض البصر، لكن لم يكن كل ذلك شافعا لجواز الاختلاط فيها فكيف بغيرها مما لا يكون فيه ما فيها من التحفظ؟!

قال في كشاف القناع:

«(ﻭﻳﻤﻨﻊ ﻓﻴﻪ -أي المسجد- اﺧﺘﻼﻁ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﺴﺎء) ﻟﻤﺎ ﻳﻠﺰﻡ ﻋﻠﻴﻪ من المفاسد».

هذه بعض الصور التي حرم فيها الفقهاء الاختلاط مطلقا، وجعلوه مظنة فساد محقق، فمن تأملها يمكنه أن يتوقع حكم هؤلاء الفقهاء على صور الاختلاط في زماننا.

.................................

وأختم النقول بهذين النقلين الرائعين.

الأول عن ابن القيم رحمه الله في الطرق الحكمية، والثاني عن ابن حجر الهيتمي في فتاويه.

قال ابن القيم رحمه الله:

«ﻭﻣﻦ ﺫﻟﻚ: ﺃﻥ ﻭﻟﻲ اﻷﻣﺮ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﻳﻤﻨﻊ اﺧﺘﻼﻁ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﺑﺎﻟﻨﺴﺎء ﻓﻲ الأﺳﻮاﻕ، ﻭاﻟﻔﺮﺝ، ﻭﻣﺠﺎﻣﻊ اﻟﺮﺟﺎﻝ.

ﻗﺎﻝ ﻣﺎﻟﻚ - ﺭﺣﻤﻪ اﻟﻠﻪ - ﻭﺭﺿﻲ ﻋﻨﻪ: ﺃﺭﻯ ﻟﻹﻣﺎﻡ ﺃﻥ ﻳﺘﻘﺪﻡ ﺇﻟﻰ اﻟﺼﻴﺎﻍ ﻓﻲ ﻗﻌﻮﺩ اﻟﻨﺴﺎء ﺇﻟﻴﻬﻢ، ﻭﺃﺭﻯ ﺃﻻ ﻳﺘﺮﻙ اﻟﻤﺮﺃﺓ اﻟﺸﺎﺑﺔ ﺗﺠﻠﺲ ﺇﻟﻰ اﻟﺼﻴﺎﻍ ﻓﺄﻣﺎ اﻟﻤﺮﺃﺓ اﻟﻤﺘﺠﺎﻟﺔ ﻭاﻟﺨﺎﺩﻡ اﻟﺪﻭﻥ، اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺘﻬﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻌﻮﺩ، ﻭﻻ ﻳﺘﻬﻢ ﻣﻦ ﺗﻘﻌﺪ ﻋﻨﺪﻩ: ﻓﺈﻧﻲ ﻻ ﺃﺭﻯ ﺑﺬﻟﻚ ﺑﺄﺳﺎ، اﻧﺘﻬﻰ.

ﻓﺎﻹﻣﺎﻡ ﻣﺴﺌﻮﻝ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ، ﻭاﻟﻔﺘﻨﺔ ﺑﻪ ﻋﻈﻴﻤﺔ، ﻗﺎﻝ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ -: «ﻣﺎ ﺗﺮﻛﺖ ﺑﻌﺪﻱ ﻓﺘﻨﺔ ﺃﺿﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻣﻦ اﻟﻨﺴﺎء» .

ﻭﻓﻲ ﺣﺪﻳﺚ ﺁﺧﺮ «ﺑﺎﻋﺪﻭا ﺑﻴﻦ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﺴﺎء» ﻭﻓﻲ ﺣﺪﻳﺚ ﺁﺧﺮ: ﺃﻧﻪ ﻗﺎﻝ ﻟﻠﻨﺴﺎء: «ﻟﻜﻦ ﺣﺎﻓﺎﺕ اﻟﻄﺮﻳﻖ» .

ﻭﻳﺠﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻨﻊ اﻟﻨﺴﺎء ﻣﻦ اﻟﺨﺮﻭﺝ ﻣﺘﺰﻳﻨﺎﺕ ﻣﺘﺠﻤﻼﺕ، ﻭﻣﻨﻌﻬﻦ ﻣﻦ اﻟﺜﻴﺎﺏ اﻟﺘﻲ ﻳﻜﻦ ﺑﻬﺎ ﻛﺎﺳﻴﺎﺕ ﻋﺎﺭﻳﺎﺕ، ﻛﺎﻟﺜﻴﺎﺏ اﻟﻮاﺳﻌﺔ ﻭاﻟﺮﻗﺎﻕ، ﻭﻣﻨﻌﻬﻦ ﻣﻦ ﺣﺪﻳﺚ اﻟﺮﺟﺎﻝ، ﻓﻲ اﻟﻄﺮﻗﺎﺕ، ﻭﻣﻨﻊ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ. ﻭﺇﻥ ﺭﺃﻯ ﻭﻟﻲ اﻷﻣﺮ ﺃﻥ ﻳﻔﺴﺪ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺮﺃﺓ - ﺇﺫا ﺗﺠﻤﻠﺖ ﻭﺗﺰﻳﻨﺖ ﻭﺧﺮﺟﺖ - ﺛﻴﺎﺑﻬﺎ ﺑﺤﺒﺮ ﻭﻧﺤﻮﻩ، ﻓﻘﺪ ﺭﺧﺺ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺑﻌﺾ اﻟﻔﻘﻬﺎء ﻭﺃﺻﺎﺏ، ﻭﻫﺬا ﻣﻦ ﺃﺩﻧﻰ ﻋﻘﻮﺑﺘﻬﻦ اﻟﻤﺎﻟﻴﺔ.

ﻭﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﺤﺒﺲ اﻟﻤﺮﺃﺓ ﺇﺫا ﺃﻛﺜﺮﺕ اﻟﺨﺮﻭﺝ ﻣﻦ ﻣﻨﺰﻟﻬﺎ، ﻭﻻ ﺳﻴﻤﺎ ﺇﺫا ﺧﺮﺟﺖ ﻣﺘﺠﻤﻠﺔ، ﺑﻞ ﺇﻗﺮاﺭ اﻟﻨﺴﺎء ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺇﻋﺎﻧﺔ ﻟﻬﻦ ﻋﻠﻰ اﻹﺛﻢ ﻭاﻟﻤﻌﺼﻴﺔ، ﻭاﻟﻠﻪ ﺳﺎﺋﻞ ﻭﻟﻲ اﻷﻣﺮ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ.

ﻭﻗﺪ ﻣﻨﻊ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ اﻟﺨﻄﺎﺏ - ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ - اﻟﻨﺴﺎء ﻣﻦ اﻟﻤﺸﻲ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﺮﺟﺎﻝ، ﻭاﻻﺧﺘﻼﻁ ﺑﻬﻢ ﻓﻲ اﻟﻄﺮﻳﻖ. ﻓﻌﻠﻰ ﻭﻟﻲ اﻷﻣﺮ ﺃﻥ ﻳﻘﺘﺪﻱ ﺑﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ».

وﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﺣﺠﺮ ﻓﻲ ﻓﺘﺎﻭﻳﻪ نقلا عن بعض العلماء:

«ﻭﻣﻦ اﻟﻤﺤﺮﻣﺎﺕ ﻣﺰاﺣﻤﺘﻬﻦ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺠﺪ ﻭاﻟﻄﺮﻳﻖ ﻋﻨﺪ ﺧﻮﻑ اﻟﻔﺘﻨﺔ ﻗﺎﻝ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - «ﻷﻥ ﻳﺰﺣﻢ ﺭﺟﻼ ﺧﻨﺰﻳﺮ ﻣﺘﻠﻄﺦ ﺑﻄﻴﻦ ﺧﻴﺮ ﻟﻪ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﺰﺣﻢ ﻣﻨﻜﺒﻴﻪ اﻣﺮﺃﺓ ﻻ ﺗﺤﻞ ﻟﻪ» ﺭﻭاﻩ اﻟﻄﺒﺮاﻧﻲ ﺛﻢ ﻧﻘﻞ ﻋﻦ اﻟﻄﺮﻃﻮﺷﻲ ﻣﻦ اﻟﻤﺎﻟﻜﻴﺔ ﻭﺃﺑﻲ ﺷﺎﻣﺔ ﻣﻨﺎ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﺃﻧﻜﺮا ﺫﻟﻚ ﻭﺑﺎﻟﻐﺎ ﻓﻴﻪ ﻭﺃﻧﻪ ﻣﻦ اﻟﻔﺴﻮﻕ ﻭﺃﻥ ﻣﻦ ﺗﺴﺒﺐ ﻓﻴﻪ ﻳﻔﺴﻖ ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ﻓﺈﻥ ﻗﻠﺖ ﺃﺗﻘﻮﻝ ﺑﻤﻨﻊ ﺧﺮﻭﺝ اﻟﻨﺴﺎء ﺇﻟﻰ اﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ﻭاﻟﻤﻮاﻋﻴﺪ ﻭﺯﻳﺎﺭﺓ اﻟﻘﺒﻮﺭ ﻏﻴﺮ ﻗﺒﺮ اﻟﻨﺒﻲ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﻗﻠﺖ: ﻛﻴﻒ ﻻ ﺃﻗﻮﻝ ﺑﻪ ﻭﻗﺪ ﺻﺎﺭ ﻣﺘﻔﻘﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﻌﺪﻡ ﺷﺮﻁ ﺟﻮاﺯ اﻟﺨﺮﻭﺝ ﻓﻲ ﺯﻣﻨﻪ - ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ - ﻭﻫﻮ اﻟﺘﻘﻰ ﻭاﻟﻌﻔﺎﻑ.

ﻭﻓﻲ اﻷﻧﻮاﺭ ﻓﻲ ﺁﺧﺮ ﻛﺘﺎﺏ اﻟﺠﻬﺎﺩ اﻟﻤﻨﻜﺮاﺕ اﻟﻤﺄﻟﻮﻓﺔ ﺃﻧﻮاﻉ؛ اﻷﻭﻝ ﻣﻨﻜﺮاﺕ اﻟﻤﺴﺎﺟﺪ، ﻗﺎﻝ ﻭﻟﻮ ﻛﺎﻥ اﻟﻮاﻋﻆ ﺷﺎﺑﺎ ﻣﺘﺰﻳﻨﺎ ﻛﺜﻴﺮ اﻷﺷﻌﺎﺭ ﻭاﻟﺤﺮﻛﺎﺕ ﻭاﻹﺷﺎﺭاﺕ ﻭﻗﺪ ﺣﻀﺮ ﻣﺠﻠﺴﻪ اﻟﻨﺴﺎء ﻭﺟﺐ اﻟﻤﻨﻊ ﻓﺈﻥ ﻓﺴﺎﺩﻩ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺻﻼﺣﻪ ﺑﻞ ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻻ ﻳﺴﻠﻢ اﻟﻮﻋﻆ ﺇﻻ ﻟﻤﻦ ﻇﺎﻫﺮﻩ اﻟﻮﺭﻉ ﻭﻫﻴﺌﺘﻪ اﻟﺴﻜﻴﻨﺔ ﻭاﻟﻮﻗﺎﺭ ﻭﺯﻳﻪ ﺯﻱ اﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ ﻭﺇﻻ ﻓﻼ ﻳﺰﺩاﺩ اﻟﻨﺎﺱ ﺑﻪ ﺇﻻ ﺗﻤﺎﺩﻳﺎ ﻓﻲ اﻟﻀﻼﻝ ﻓﻴﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﻀﺮﺏ ﺑﻴﻦ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﺴﺎء ﺣﺎﺋﻞ ﻳﻤﻨﻊ ﻣﻦ اﻟﻨﻈﺮ ﻓﺈﻧﻪ ﻣﻈﻨﺔ اﻟﻔﺴﺎﺩ.

ﻭﻳﺠﺐ ﻣﻨﻊ اﻟﻨﺴﺎء ﻣﻦ ﺣﻀﻮﺭ اﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ﻟﻠﺼﻼﺓ ﻭﻟﻤﺠﺎﻟﺲ اﻟﺬﻛﺮ ﺇﺫا ﺧﻴﻔﺖ اﻟﻔﺘﻨﺔ اﻩـ.

ﻓﺘﺄﻣﻠﻪ ﺗﺠﺪﻩ ﺻﺮﻳﺤﺎ ﺃﻳﻀﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﻗﺪﻣﺘﻪ ﻭﻓﻲ اﻟﻤﻬﺬﺏ ﻓﻲ ﺑﺎﺏ ﺻﻼﺓ اﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭﻷﻧﻬﺎ ﺃﻱ: اﻟﻤﺮﺃﺓ ﻻ ﺗﺨﺘﻠﻂ ﺑﺎﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭﺫﻟﻚ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﻓﺘﺄﻣﻠﻪ ﺗﺠﺪﻩ ﺻﺮﻳﺤﺎ ﻓﻲ ﺣﺮﻣﺔ الاﺧﺘﻼﻁ ﻭﻫﻮ ﻛﺬﻟﻚ».

.....................................

مسئلة:

ظاهر الكلام السابق حرمة دعوة النساء دون حائل يضرب بينهن وبين الواعظ أو المعلم، وقد يقال

اعتراضا على ذلك:

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ النساء بلا حائل بينه وبينهن.

ثم إن تحريم ذلك في زماننا يفوت على الدعاة إلى الله فرص كثيرة في دعوة شرائح من النساء لا يأتين المساجد ولا يلتزمون الحجاب، وفي تركهن بغير دعوة مفسدة عظيمة.

والجواب عن ذلك أن حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال الصحابيات لا يقاس عليه أبدا حال أهل الزمان، فمن يأمن على نفسه الفتنة كالنبي صلى الله عليه وسلم؟

ومهما كان السياق دعويا ووعظيا، والقلوب مستحضرة لمعاني الإيمان فإن الفتنة غير مأمونة، وانظر في هذا الموقف الذي رواه البخاري عن ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، وهو في الحج حيث يكون الخشوع والوجل في أعلى درجاته، وفي حضور النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.

يقول ابن عباس رضي الله عنه: «ﺃﺭﺩﻑ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ اﻟﻔﻀﻞ ﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻳﻮﻡ اﻟﻨﺤﺮ ﺧﻠﻔﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﺠﺰ ﺭاﺣﻠﺘﻪ، ﻭﻛﺎﻥ اﻟﻔﻀﻞ ﺭﺟﻼ ﻭﺿﻴﺌﺎ، ﻓﻮﻗﻒ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻳﻔﺘﻴﻬﻢ، ﻭﺃﻗﺒﻠﺖ اﻣﺮﺃﺓ ﻣﻦ ﺧﺜﻌﻢ ﻭﺿﻴﺌﺔ ﺗﺴﺘﻔﺘﻲ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻓﻄﻔﻖ اﻟﻔﻀﻞ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻭﺃﻋﺠﺒﻪ ﺣﺴﻨﻬﺎ، ﻓﺎﻟﺘﻔﺖ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭاﻟﻔﻀﻞ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ، ﻓﺄﺧﻠﻒ ﺑﻴﺪﻩ ﻓﺄﺧﺬ ﺑﺬﻗﻦ اﻟﻔﻀﻞ، ﻓﻌﺪﻝ ﻭﺟﻬﻪ ﻋﻦ اﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ».

فهل يدعي أحد بعد ذلك أنه يأمن الفتنة على نفسه أو على مدعويه.

ثم إن المنقول في كلام ابن حجر هو في منع الواعظ «الشاب المتزين كثير الحركات والأشعار» فالمقصود هو الواعظ الملفت لأنظار النساء لا كل واعظ، فمتى كان الواعظ شيخا احتُمل في حقه ما لا يحتمل في حق غيره.

فإن كان هناك واقع يصعب الوصول إليه لتبليغه دين الله إلا بمباشرة النساء بلا حجاب بينهن وبين المبلغ جاز في حق واعظ شيخ لا يكون فتنة في نفسه وطريقته.

وكذلك الداعية الشاب الذي فتح الله له ما لم يفتحه لغيره، إن كان إحجامه يضيع هؤلاء المدعوات فلا يصل إليهن غيره، ولا يمكن أن يدعوهن إلا على حال يكن فيه مختلطات، يجوز له ذلك، بشرط أمن الفتنة على نفسه، وأن يتحفظ في كلامه وحركاته ومظهره فيبتعد عن ما يلفت الأنظار ويستميل القلوب منها لغير غرض الوعظ، وبشرط أن يأمرهن بالمعروف وينهاهن عن المنكر، ويبين حكم الشرع في ذلك.

كذلك عليه أن ينتبه إلى أن ذلك على سبيل الاستثناء لا الأصل، وأنه متى يمكنه أن يفصل بين النساء والرجال وجب عليه ذلك، ثم هو مع ذلك يجب عليه مراعاة سمته وزينته وحركاته بحيث لا يكون ملفتا للنساء في دعوته، وإن صنفا من النساء لا يأتين المساجد، ولا يخضعن للفصل بينهن وبين الرجال لأقرب إلى الفتنة من غيرهن، فوجب أن يكون الاحتراز في حقهن أشد.

وليحذر كل من يتصدى لدعوة النساء من التساهل في هذا الأمر، ومن الحديث معهن عبر وسائل التواصل وغيرها، والتمادي في ذلك باسم الدعوة وتأليف القلوب، حتى لربما يقع بينهم بعض المزاح في الحديث !

وهذا ليس من الدين في شيء، ولا هو من أسباب الدعوة ولا وسائلها، بل هو من تلبيس الشيطان، وهو عين الفتنة التي يحذر الداعية من الوقوع فيها.

نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأله سبحانه العفو والعافية في الدنيا والاخرة.

أخبار ذات صلة

قضت دائرة الأحزاب السياسية بالمحكمة الإدارية العليا، اليوم السبت، برئاسة المستشار محمد مسعود، بعدم قبول الطعن المطالَب بتجميد نشاط وحل حزب ... المزيد

للمرة الثانية، طارد وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية عبدالناصر نسيم الشيخ حاتم فريد الواعر؛ فبعد أن منعه العام ا ... المزيد

دعا الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، علماء لم يسمهم إلى “ألا يقحموا أنفسهم في القضايا الفقهية الشائكة، ويهتموا بالحديث عن الديمقراطية وحقو ... المزيد

" .. الذاكرة ملأى بتجارب مضت في عهود انقضت، وحادثات مماثلة في الماضي القريب، وأحدث منها ماثلة أمام المتابع الرقيب، يمثل "بطل" كل قصة فيها أداة ... المزيد

تعليقات