البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

مِنْ سَوءَاتِ هذَا الأزْرقِ: اسْتسمانُ ذَوي الأورَام .. (١ - ١)

المحتوي الرئيسي


مِنْ سَوءَاتِ هذَا الأزْرقِ: اسْتسمانُ ذَوي الأورَام .. (١ - ١)
  • محمد محمود
    24/03/2017 11:13

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.

دخلت هذا العالم الأزرق من أربع سنوات تقريبًا ناويًا بذلك الإفادة والاستفادة في مجال العلم الشرعي، وكذا الاطلاع على أهم الأحداث في بلادنا، وغير ذلك من النوايا.

ومما راعني خلال هذه الفترة في هذا العالم الأزرق "الافتراضي" هي تلك الظاهرة التي عَنونتُ لها: ب"استسمان ذوي الأورام"(١)

والتي تتجلى بوضوح في:

- متصدر في الكلام عن الشأن العام سياسة واقتصاد واجتماع. (ظاهرة أبو لَمعة)

- وآخر متصدر لدعوة الخلق. (ظاهرة الدعاة الكيوت)

- وآخر في افتاء الناس فيما يخص دينهم. (ظاهرة الفوضى الفقهية)

والقاسم المشترك بين ثلاثتهم هو: تصدرهم قبل تأهلهم، وخلطهم في الكلام بين ما يحسنون وما يجهلون.

ومن بين هذه النماذج الثلاثة اخترت هذه المرة نموذج المتصدر في الكلام عن الشأن العام سياسة واقتصاد واجتماع للكلام والتحدث عنه.

هذا النموذج شخصية تتكرر كثيرًا ومَلئت هذا العالم الأزرق ضجيجًا وصياحًا في الكلام عن الأحداث وعن الحكم عليها حلًا وحرمة.

وأغلب هؤلاء فيما يبدو ويظهر حسنُ النية وصاحب حمية دينية تُحمدُ له، ولكن كما قال ابن مسعود: "وكم من مريدٍ للخير لن يصيبه"(٢)، فحسن النية ليس هو المعيار الوحيد المعتبر، بل هو أحد معايير ينبغي توفرها مجتمعة في من تصدر لهذا الشأن.

فكونك مطلعًا على مبادئ بعض العلوم كعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الاقتصاد، وقرأت بعض المذكرات السياسية لمجموعة من الساسة المشهورين، ولديك بعض ثقافة إسلامية الْتَقَطَّها من هنا أو هناك، لا يعطيك الحق في الكلام عن أحكام الشريعة حلًا وحرمة، بل ولا يؤهلك للحديث عن ما قرأت فيه من اقتصاد وسياسة وغير ذلك من العلوم.

فللكلام عن أحكام الشريعة ولإفتاء الخلق شروطًا وقيودًا وضوابطَ وضعها أهل العلم، تجدها مبثوثةً بوضوح في مصنفات علم أصول الفقه في مبحث يعنون له ب"الاجتهاد والتقليد"(٣)

مشكلة كثير من هذه الشخصيات التي تصدرت في هذا العالم الأزرق (وأنا لا أقصد أحدًا بعينه) تكمن -في ظني- في:

- أنها تشبعت بما لم تُعطَ، فتصدرت للكلام عن الشأن العام قبل أن تتأهل لذلك، من تحصيل المقومات التي تعينها على إجادة ما تتكلم فيه من دراسة جادة لما تتكلم عنه.

فبين عشية وضحاها وجد صاحبنا لنفسه مئات المعجبين والمتابعين لما يُسطر ويكتب، ولن يقدر على التراجع عن الكتابة -كما صرّح لي بعضهم- وكما قال أحد المفسبكين: (فتنة اللايكات تُعمي وتصم)

فلابد له عند كل حادثة أو نازلة تلم بالمسلمين أو بالعالم كله من تأصيل وحديث ورأي يخصه، وهذا الذي دعاني بتلقيب صاحبنا بأبي لمعة(٤)

- وإما أنها قرأت واطلعت لكنها بعدُ لم تستكمل الأهلية، وظنت أنها تأهلت، وهذا كسابقه ليس من حقه أن يتكلم قبل أن يتعلم.

- وإما أنهم يحسنون ما يتكلمون عنه، لكن خلطوا بين ما يحسنون من هذه العلوم وبين ما يجهلون من علوم الشريعة.

فمن هذه حالُه ينبغي عليه أن يقوم بتوضيح صورة ما يتكلم عنه وكذا تحليله ومآلاته وعواقبه من المصالح والمفاسد، وتنتهي وظيفته عند هذا الحد.

فكما هو معلوم أن "المثقف والفقيه أصولهما ومرجعيتهما واحدة، بينما يختلفان في الوظائف، فالفقيه معنيٌ ببيان الأحكام ونسبة الأفعال إلى الحل أو الحرمة، وأما المثقف فهو معنيٌ بتحليل الظواهر ووصفها ليتمكن الفقيه من أداء وظيفته"(٥)

- وإما لأنهم تربوا ونشئوا على مورثات فقهية وعقدية سائدة باتت لديهم من قبيل المسلمات التي لا تقبل الجدل والنقاش، لكنها عند المحاققة تمسكٌ بعموماتٍ لها ما يُخصصها أو إطلاقاتٍ لها ما يُقيدها، أو إجمالات لها ما يُفصلها، ولعلنا نفصل في ذلك عند الكلام عن الفوضى الفقهية.

والحمد لله رب العالمين.

--------------

(١) وهذا العنوان مقتبس من المثل العربي: (لقد استسمنت ذا ورم) وهو مثل أرسلته العرب فيمن يُمدح ويُعظّم وهو لا يستحق، وفي مقامات الحريري: (لقدِ استَسْمَنْتَ يا هَذا ذا ورَمٍ. ونَفَخْتَ في غيرِ ضرَمٍ!)

(٢) سنن الدارمي

(٣) راجع على سبيل المثال الجزء الرابع من شرح الكوكب المنير من ٤٥٩ إلى ٤٧٢

(٤) شخصية "أبو لمعة" شخصية كوميدية ظهرت في السبعينات من القرن الماضي في التلفيزيون المصري، تهدف للسخرية من الشخص الذي يتكلم في كل شيء وهو لا يُحسن شيء.

(٥) بتصرف يسير من كتاب "نحو إعادة بناء علوم الأمة الاجتماعية والشرعية، الجزء الخاص بالدكتورة منى أبو الفضل"

أخبار ذات صلة

مهما كانت نتائج الأحداث العسكرية الجارية في دمشق وماحولها؛ ومهما تطورت المؤامرات حول القدس ضمن ما يُحاك لها؛ فإن هاتين المدينتين ستحددان الكثير من ... المزيد

ست سنوات مرت على الإفراج عني بعد سجن طويل قرر فيه السجان أن أبقى فيه مدى الحياة ولا أخرج إلا جثة هامدة محمولاً إلى المقابر، ولكن إرادة الله كانت هي ال ... المزيد

أو: لماذا كرهها كثيرون؟ هذه حقيقة، لا هي خيالات ولا فَرْضيات، مَن لم يرَها كان بلا بصر ومن لم يدركها فهو بلا بصيرة، ومَن أنكرها مكابَرةً وهو موقن بها ... المزيد

الأحداث الكبرى التي يشهدها العالم اليوم وسيشهدها غدًا وبعد غد؛ ستزداد تداعياتها مع الزمن شدة وحدة ، وكثير منها قد يستعصى على الفهم، ويعسُر التعامل ... المزيد

تعليقات