البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

مَن قتل سيبويه (إمامُ البصريّين في اللغة)

المحتوي الرئيسي


مَن قتل سيبويه (إمامُ البصريّين في اللغة)
  • د.جمال الباشا
    31/12/1969 09:00

لم يكن إمامُ البصريّين في اللغة يعلم بما دُبِّرَ له في الكوفة عندما انعقدت المناظرةُ الكبرى بينه وبين نظيره في حضرة الرشيد. 
 
ولم ينتبه سيبويه إلى أنَّ الجولة مع الكسائيّ في مدينته وبين جمهوره سيكون لها وقعٌ مختلف، فكيف إذا كان المُناظِرُ هو مؤدّب ابني الخليفة الأمين والمأمون! 
 
لقد اندفعَ للمناظرة بثقةٍ فيما هضمه من مسائل النحو دون أن يلتفت لتحذيرات بعض المحبيّن له والمقرَّبين منه.
 
لقد دبَّر يحيى البرمكيُّ ـ وكان وزيرًا للرشيد ـ مكيدةً بالضيف البصريّ لم تخطُر على بال، حيث حشَد أنصاره من الأعراب عند دار الرشيد، وأوعز لهم أن يكونوا على أهبة الاستعداد لدعم إمامهم الكسائيّ خارج قاعة المناظرة، علاوةً على توظيف بعض المقرَّبين من الوالي ليقوم بدوره في الحرب النفسية على الخصم المنفرد. 
 
بدأت المناظرةُ عندما بادرَ الكسائيُّ خصمَه سائلا: كيف تقول: قد كنتُ أظنُّ أنَّ العقربَ أشدُّ لسعةً من الزُّنبُور (الدبور)، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها؟
 
فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب. 
 
فقال الكسائي: لحنت؛ العربُ ترفع ذلك كلَّه وتنصبه، وخطأه الجميعُ، ودفع سيبويه قوله وأنكره، فقال الوزيرُ البرمكيُّ: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما وهذا موضعٌ مشكل؟
 
فقال الكسائيُّ: هذه العرب ببابك، قد وفدت عليك من كل صقع، وهم فصحاءُ الناس وقد قنع بهم أهل المِصرَين، وسمع أهل الكوفة والبصرة منهم، فيُحضَرون ويُسألون. 
 
فقال يحيى وجعفر: قد أنصفت، وأُمِر بإحضارهم.
 
دخل الأعرابُ وكان فيهم أبو فقعس، وأبو دثار، وأبو ثروان، فسئلوا عن المسائل التي جرت بينهما فأتت المؤامرةُ أُكُلها، وتابَعوا الكسائيَّ على قوله بإجازة الرفع والنصب، وقالوا في كلّ المسائل بلا تريث: "القول ما قال الكسائي". 
 
فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد تسمع أيها الرجل؟ 
 
فانصرف المجلس على سيبويه، وانقطع سيبويه واستكان، وانصرف الناس يتحدَّثون بهذه الهزيمة التي مُني بها إمامُ البصريين.
 
شعورُ الرجل بالظلم جعله يهيمُ على وجهه في الأرض ويعود أدراجَه إلى منبته في بلاد فارس دون التعريج على البصرة، ليموتَ هناك بعدها بأيام وهو في ريعان شبابه مما أصابه من همٍّ وحزن.
 
وعُرفت هذه المسألةُ عند النحويين بـ"المسألة الزُّنبورية". 
 
هل أدركت الآن من قتل سيبويه؟ 
 
إنَّه الكمَد الذي تولَّدَ من إدراكه للمكيدةِ وعدم قدرته على أن يوصِلَ صوته أو رأيه إلى الإمام الذي حكم عليه بالهزيمة أمام خصمه دون تروٍّ.
 
ما أقبحَ الظلم وما أشدَّ وطأتَه على نفس المظلوم، ﻻ سيما عندما يرى الحقيقة ماثلةً أمامَ عينه وﻻ يستطيع أن يُقنع أصحابَ الشأن ومن حوله بما يعتلج في نفسه من الحقيقة. 
 
كم هو عسيرٌ على نفسك الأبيَّة أن تُبصر الحقيقةَ بجلاءٍ وتريد أن تملأ الدنيا بصوتك ولا يسمعك أحدٌ لأنَّ الجمهور تبعوا جوقة الماكرين، فهم يتفرَّجون على خصمك المهرّج الذي ملأ وجهه بالأصباغ ويجذبهم إليه بحركاته البهلوانية.
 
وكم من سيبويه مقهور في أمتنا صوته خافت بين ضجيج وجعجعة خصوم ماكرين، يوظّفون الدين واللغة والاقتصاد والمواقف لأغراضهم السياسية، فيضجُّون عند كلِّ حدَثٍ بصياحهم:
 
القول ما قال الكبير
القول ما قال الكبير.

أخبار ذات صلة

لا يمر يوم الا ونسمع عن وفاة احد الاخوة من جيل السبعينات او الجيل الذى بعده ويحدث هذا على مستوى جميع الجماعات

واذا استمر الحال على ما ... المزيد

تمر الأمة الإسلامية في الواقع المعاصر بتتابع الأزمات في شتى جوانب الحياة تتنوع بين أزمة تتعلق بعلل موروثة تاريخيا ومنها نتيجة للواقع المعاصر ومنها تسبب فيه ... المزيد

كَم كُنتُ اُحُبُ الحَياة

 

حتى بدأتُ ارى صُورا لِلمَجوس . مُقززَة تَشمَئِزُ مِنها النُفوس . وتَقشَعِرُ مِنها الابدان كَقِصَتي عَن هذا ... المزيد

السؤال : ما حكم اصطحاب الصغار إلى المساجد ؟خاصة في بلاد الغرب ،حيث يقول البعض إنه يجب علينا في بلاد الغرب أن نتسامح في اصطحاب الأطفال إلى المساجد ، وان أحدثوا ... المزيد

فُجعنا اليوم (بعد صلاة الجمعة 22 جمادى الأولى سنة 1441هـ) بحادث وفاة شيخنا العلامة المفسر الفقيه محمد برهان الدين السنبهلي، وهو من أقرب الناس إلى شيخنا المزيد