البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

مواقف سلفية مبكرة تجاه الانتخابات النيابية

المحتوي الرئيسي


مواقف سلفية مبكرة تجاه الانتخابات النيابية
  • أسامة شحادة *
    31/12/1969 09:00

لا يعلم كثير من الناس أن أمتنا الإسلامية والعربية عرفت الانتخابات النيابية منذ أكثر من مائة عام. فمجلس النواب الأول في التجربة الإسلامية والعربية، كان في بداية عهد السلطان عبدالحميد الثاني العام 1877، وكان يتكون من مجلس الأعيان الذين يختارهم السلطان، ومجلس المبعوثان العثماني الذي يضم النواب أو مبعوثي مناطق الدولة. وكان الانتخاب له مقصورا على الرجال، أما المرشحون فهم من أعضاء المجالس الإدارية في الولايات والألوية والأقضية، ويشترط في المتقدم أن يكون مواطناً عثمانياً لا يحمل جنسية أخرى، وأكمل ثلاثين سنة، وغير محجور عليه أو فقد حقوقه المدنية، ويعرف التحدث بالتركية ويمكنه الكتابة بها. وكانت مدة المجلس أربع سنوات، ويجوز إعادة الترشح للنواب. وكان في مجلس المبعوثان نائبان عن الأردن: من الكرك توفيق باشا المجالي، ومن الطفيلة محمد عطا الأيوبي. لم تطل حياة المجلس الأول، فبعد 11 شهراً، حلّ السلطان عبدالحميد الثاني المجلس بسبب دسائس أبناء جمعية الاتحاد والترقي الساعية إلى علمنة وتفتيت الخلافة العثمانية، وهي الأزمة المستمرة إلى اليوم لتغييب حكم الشريعة الإسلامية عن قيادة الأمة والدولة بين جمهور المواطنين المسلمين وبين القلة العلمانية المدعومة بالخارج. ومن يراقب المعركة الدائرة اليوم في مصر بين التيار الإسلامي والشعبي العام، والقلة العلمانية بكل أطيافها، يرى نفس المشهد زمن السلطان عبدالحميد، وكأن الزمان توقف، وعقارب الساعة لم تعد تجري! بعد 30 عاماً، أعاد السلطان عبدالحميد الثاني مجلس النواب تحت ضغوط الاتحاديين ودول أوروبا، فتمت انتخابات جديدة لمجلس المبعوثان العام 1908. ولكن سرعان ما تحولت حالة الفرح بعودة الانتخابات وانحسار الحكم الحميدي. فلما حكم الاتحاديون بلاد العرب، أظهروا الإلحاد، ونشروا الظلم بأبشع صوره؛ فعمّ الفزع والخوف من التأرجح على أعواد مشانق جمال باشا السفاح الذي عينه الاتحاديون حاكماً على الشام، وأصبح الناس يترحمون على الحكم الحميدي الذي ملأ الاتحاديون الدنيا بأكاذيبهم حول دمويته ودكتاتوريته، حتى لقبوه –زوراً– بالسلطان الأحمر. لكن الناس رأت مشانق الاتحاديين، ولم يشاهد أحد مشانق أقامها السلطان عبدالحميد لخصومه. وممن شهد للسلطان عبدالحميد الملك عبدالله بن الحسين في مذكراته (ص 27) إذ يقول: "ولقد زعم الناس أن عبدالحميد كان ظالماً. لقد كذب الناس. والله لم يكن بالظالم، ولكنه الحذر المتحوط. ولقد عُرف بعد أن ذهب أنه لم يقتل أحداً، ولم ينفذ حكم إعدام في محكوم أبداً، إلا مرة واحدة... ولئن أحصى الناس ما وقع بعده من صلب وتشريد وإدارات عرفية، وصولات في شام ويمن من الحكومات الاتحادية، لعلم أن ظلم عبدالحميد بالنسبة إلى أفعالهم كان عدلاً محضاً". ولعلنا اليوم نعيش حدثاً مشابهاً لهذا، وهو كثرة الكذب والاتهامات بالدكتاتورية والدموية للرئيس المصري المنتخب د. محمد مرسي من قبل خصومه العلمانيين، بسبب إسلاميته فحسب! وقد تفاعل السلفيون مع مجلس المبعوثان، ويمكن أن نعدد من أمثلة هذه المواقف ما يلي: 1 - مشاركة وزعامة العلامة محب الدين الخطيب، صاحب المطبعة والمكتبة السلفية، لعدد من الجمعيات السياسية العربية المطالبة بعودة الحياة النيابية والحكم النيابي في الدولة العثمانية. 2 - حين تقرر عودة مجلس المبعوثان العام 1908، اعتبر العلامة رشيد رضا، صاحب مجلة المنار، يوم افتتاح البرلمان يوم عيد. ولكن حين زار إسطنبول في العام 1909، اكتشف حقيقة جمعية الاتحاد والترقي وعداءها للدين، وأصبح يحذر منها ومن تلاعبها بمجلس المبعوثان لأجندتها المعادية للدين. 3 - مع هذا، بقي السلفيون يسعون إلى أن يكون النائب عن بلاد العرب لمجلس المبعوثان شخصية كفؤة ومؤهلة؛ فنجد العلامة جمال الدين القاسمي (توفي العام 1914) يخصص لمواصفات النائب لمجلس المبعوثان العثماني عنوانا خاصا في كتابه "جوامع الآداب"، أدرج تحته مواصفات ما نزال إلى اليوم نسعى إلى أن تتوفر في مرشحينا ونوابنا للبرلمان، وتصلح أن تكون معايير موضوعية للناخبين لاختيار مرشحيهم. يفصل القاسمي في آداب النائب البرلماني لمجلس المبعوثان العثماني تحت عنوان "أدب النائب في مجلس المبعوثين عن الوطن"، فيقول: "يعرف الرجال من أقوالهم وأفعالهم وإحسانهم واستعدادهم وتفانيهم في عمل النافع وحب الإنسانية (...). فالنائب لا يطلب بين خزائن النقود حيث يكون محجوباً ولا من وراء سجوف النعمة ورغد العيش حيث يتوارى عن عينيك، فإن من ترفع عنك لا يهبط إليك ومن ابتعد عنك لا يتبعك إذا مشيت إلى خير ولا يمتزج بين أفرادك في ضيقك ولا يقودك في حاجتك إلى الهداية فهذا ليس هو، إنما نائب الوطن من كان له في سرائه وضرائه ومن يضحى نفعه لينفعه ومن يضع نفسه ليرفعه ومن يرصد معارفه وقوته وأوقاته له.  "النائب مشرع للقوانين، أول ما تجب عليه معرفته أن يحسن علم الحقوق ويعرف حركة المجالس النيابية عند الأمم الراقية ويحسن تاريخ أمته واجتماعها ويعرف ما يدليها ويرفعها ويدرك علائق حكومتنا بحكومات أوروبا وما تم بيننا وبينها من المعاهدات وما نالوه منا من الامتيازات ويكون قادراً على الاستخراج من كتب السياسة والإدارة والقضاء بإحدى اللغات الأجنبية. فإذا توسم الشعب جميع هذا في شخص جمع بين العلم وعلو الهمة، وحسن الإدارة والتنزه عن التحزب والأغراض فعليه أن يتلمس رئاسته".  وفي هذا النص ما يدل على عميق إدراك القاسمي للعملية الديمقراطية وآلياتها مبكراً. 4 - قام محب الدين الخطيب في العام 1911 بطباعة ونشر كتاب "الانتخابات النيابية وأحكامها" لأحمد رمزي.  5 - نجد أيضاً رشيد رضا يكتب مقالات عديدة في "المنار" وغيرها حول أخبار مجلس المبعوثان، ونقد أدائه في بعض المسائل.  6 - لما تم انشاء المؤتمر السوري (البرلمان السوري) العام 1919، كان رشيد رضا أحد أعضائه، ومن ثم انتخب لرئاسة المؤتمر السوري في 5 أيار (مايو) 1920. 7 - نجد العلامة السلفي محدث الديار المصرية أحمد شاكر (توفي العام 1958) يجعل الانتخابات البرلمانية هي السبيل لتحكيم الشريعة الإسلامية، والتي أقصيت عن الحكم بسبب الاحتلال الأجنبي. والعجيب أن موقف أحمد شاكر من تطبيق الشريعة هو من أصول جماعات العنف والتطرف -وهذا من أسباب نفيي الدائم عنهم السلفية - لكنهم يرفضون في نفس الوقت منهجه العملي لنصرة الشريعة ويكفرون من سار على منهجه! يقول أحمد شاكر في كتابه "الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر": "سيكون السبيل إلى ما نبغي من نصر الشريعة: السبيل الدستوري السلمي؛ أن نبث في الأمة دعوتنا ونجاهد فيها ونجاهر بها ثم نصاولكم عليها في الانتخاب، ونحتكم فيها إلى الأمة ولئن فشلنا مرة فسنفوز مراراً، بل سنجعل من إخفاقنا إن أخفقنا في أول أمرنا مقدمة لنجاحنا بما سيحفز من الهمم، ويوقظ من العزم، وبأنه سيكون مبصِّراً لنا مواقعَ خطونا، ومواضع خطئنا، وبأن عملنا سيكون خالصاً لله وفي سبيل الله. "فإذا وثقت الأمة بنا، ورضيت عن دعوتنا، واختارت أن تحكم بشريعتها، طاعةً لربها، وأرسلت منا نُوَّابها إلى البرلمان؛ فسيكون سبيلُنا وإياكم أن نرضى وأن ترضَوا بما يقضي به الدستور، فتلقوا إلينا مقاليد الحكم، كما تفعل الأحزاب، إذا فاز أحدُها في الانتخاب، ثم نفي لقومنا -إن شاء الله - بما وعدنا، من جعل القوانين كلها مستمدةً من الكتاب والسنَّة". هذه بعض المواقف السلفية المبكرة من الانتخابات النيابية يجهلها كثير من السلفيين والناس، وذلك أن السلفية تعاني عقوقاً من بعض أبنائها وعدواناً من كثير من خصومها. *كاتب أردني

أخبار ذات صلة

تعرف "السلفية" باختصار بأنها: (كتاب وسنة) بفهم سلف الأمة .

 

بمعنى أخذ الإسلام من أصول ... المزيد

الإخوان والصوفيين

 

يظن البعض أن هناك علاقة خاصة تربط بين مكوّنات الحركات الإسلامية المختلفة، سواء على مستوى التنظيمات أو الأعضاء، ع ... المزيد

1. امتن الله على بني آدم بنعمة البيوت.. "والله جعل لكم من بيوتكم سكنا".. وأوجب الاستئذان رعاية لحق صاحب البيت في هذا (السكن) الذي يهدم تماما بدون هذا الاستئ ... المزيد

قالت ما تعرف بـ"خلية الإعلام الأمني" العراقية الثلاثاء إن قوات أمنية اعتقلت قياديا بارزا في تنظيم الدولة يدعى باس ... المزيد