البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

من نحن وماذا نريد: منطلقات الحركات الإسلامية تحت المجهر

المحتوي الرئيسي


من نحن وماذا نريد: منطلقات الحركات الإسلامية تحت المجهر
  • هاني الديب
    18/05/2017 04:17

الأهداف

تشهد المرحلة الحالية حدة غير مسبوقة في المنعطفات التي تمرّ بها الأمة المسلمة على اتساع رقعتها، وذلك نظرا لما تواجهه من مصاعب وأزمات غير مسبوقة في وتيرتها وعمقها.

 ولقد كان الشرق دوما واحدا من تلك المناطق الأسخن في تلك التطورات وأبرزها، لما له من أهمية لا تخفى.

 وربما تشكل حرب الخليج الأولى نقطة مهمة في هذا المسار عبر العقود الثلاثة الأخيرة، مرورا بأحداث سبتمبر وما تلاها من سقوط دول وإعادة احتلال أخرى، ثم موجة الانتفاضات فيما عرف بالربيع العربي بداية العقد الحالي، وصولا إلى انحسار تلك الموجة، وما صاحبها من متغيرات ولا يزال.

 لكن الملاحظ أن انحسار موجة الحرية التي صاحبت الربيع العربي، لم تترك الحركات الإسلامية كما كانت قبلها.

ربما لم تتح هذه التجارب المنقوصة فرصة التغيير الحقيقي، لكنها وضعت كثيرا من نظريات الحركات الإسلامية وأدبياتها ومفاهيمها على محك عملي شديد القسوة، في المجال السياسي على الأقل، ونقلتها من داخل الإطار الخاص إلى الفضاء العام، وأحسب أن تلك المرحلة شكلت نقطة تحول أخرى في مسار تلك الحركات والنظر في طبيعة علاقتها بالمجتمعات التي قامت لإصلاحها.

على المستوى الفكري أحدثت تلك الأزمات وما رشح عنها من نتائج نوعا من إعادة النظر في المنطلقات والأسئلة التأسيسية والمشاريع الكبرى التي تبنتها الحركات الإسلامية على اختلافها. وهذا المقال محاولة لتسليط الضوء على جانب منها، أو مشاركة بعض تلك الأفكار التي تنهك عقول البعض إذ تشكل في نظره ثوابت أو محظورات لا يصح مقاربتها.

على مستوى الأهداف:

من أبجديات التخطيط أو التفكير الاستراتيجي الأولية، الإجابة عن الأسئلة الواردة في العنوان: من نحن وماذا نريد وكيف نحققه؟ فهل هناك مشكلة ما في ذلك؟  لنر.

نعم، يجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم أن غايتهم العظمى رضا الله والفوز بالجنة والنجاة من النار. كما تتفق الحركات الإسلامية إجمالا - وهي جزء من الأمة - على أنها تسعي لنصرة الإسلام وإصلاح واقع الناس، لكن اختلافها الرئيسي يكمن في الأهداف التفصيلية والوسائل، وهنا تبرز أولى الإشكاليات: وضوح الأهداف وتوصيفها بشكل دقيق إضافة إلى كيفية تحقيقها عمليا.

فالحركة الإسلامية في فلسطين أعلنت أن هدفها تحرير الوطن، وهو هدف واضح يتفق معها فيه جلّ الشعب الفلسطيني ومختلف حركاته التحررية التي نشأت للغاية ذاتها، فاختار بعضها طريق المقاومة وانتهج البعض العمل السياسي وسيلة لذلك.

حتى بعض التنظيمات التي تعادي عموم الأمة وتكفّرها مثل داعش، قد وضعت لنفسها هدفا واضحا، هو إقامة دولتها، وجعلت وسيلتها لذلك التخلص من كل من يعارضها مسلما كان أو غير مسلم، وقد نعجب ممن يتعاطفون مع أمثال هؤلاء! لكن وضوح الهدف والوسيلة قد يشكلان معا عاملا مهما في هذا التأثير لدى شرائح تتسم بسطحية الثقافة والفكر.

في المقابل، فشلت كثير من الحركات الإسلامية في رسم صورة واضحة لأهدافها وطريقة تحقيقها، وكان الكثير منها أقرب للشعارات منها لأهداف قابلة للقياس، ومن هذا القبيل "أسلمة المجتمع" كهدف؛ ماذا يعني على وجه الدقة؟ وما طبيعة هذه الأسلمة؟ وكيفية قياسها؟ هل المجتمع غير مسلم ابتداء - كحال المجتمعات الغربية على سبيل المثال – فيكون هذا الهدف هو أن يتحول بكليته للإسلام؟ أين هذا من خطاب الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله (وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) وقوله (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) وقوله (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).

وإذا كان المقصود تحويل المجتمع المسلم إلى مجتمع "ملتزم بدينه"، فأي نمط من الالتزام يراد؟ وما المعيار العملي لهذا الالتزام؟ وبحسب هذا التوصيف هل الصوفي ملتزم وهل السلفي ملتزم وهل غير المؤدلج ملتزم إلى آخر القائمة التي تطول؟ فإن قيل: نعم، فإنك ستجد من هؤلاء من أعان المخالفين لمشروع الحركات الإسلامية وساند بكل قوة وأد تجربتها؟!! وإن قيل: لا، فهل يعقل أن يكون الهدف جعل أغلبية شعب ما يعتنق هذا الفكر أو التوجّه؟ لقد كان المنافقون – فضلا عن غير المسلمين - يمثلون قطاعا لا يستهان به في مجتمع المدينة، وبينهم رسول الله الذي يأتيه الوحي من السماء، فكم النسبة التي يراد لها من الشعب أن ترى الإسلام بنفس رؤية حركة إسلامية ما، كي يتحقق لها هذا الهدف؟

كانت هذه جولة في إطار بعض التساؤلات التي أعدّها جوهرية، إلا أن منطلقي في التعاطي معها لم يكن طرح إجابات محددة أو مسبقة لها، وإنما بسطها على طاولة النقاش الموضوعي الهادئ، وصولا إلى قناعات واضحة، فلا يليق بمن يحمل أي مشروع في أي مجتمع ألا يكون لديه من وضوح الروية ما يكفي لإقناع غيره.

الآليات والوسائل

إن معرفة الآلية ووضوح كيفية الوصول إلى الهدف؛ تحوز على نفس أهمية وضوح الهدف. لقد بات من المعلوم من السياسة بالضرورة - حتى الآن - أن الوصول إلى السلطة دول العالم الثالث والمحافظة عليها لا تتم إلا من خلال الجيوش أو القوى المسلحة، ولا فرق في هذا بين دولة ذات غالبية مسلمة أو غير مسلمة، فطبيعة التخلف واحد. فلم نجد فرقا جوهريا بين محاولات تغيير السلطة في غالب جمهوريات الموز ودول أفريقيا، لا فرق بين شمالها أو وسطها، وبالتالي لو كان الوصول إلى الحكم ليس غاية وإنما وسيلة رئيسية لتحقيق أهداف أي حركة، فإن عدم حيازة أدواتها في هكذا بيئة متخلفة يصبح ضربا من العبث.

وهنا تأتي جملة من الأسئلة من قبيل: هل يعتبر الوصول إلى الحكم كطريق لتحقيق الأهداف أو لنصرة الإسلام واجبا شرعيا بغض النظر عما يترتب عل هذا الوصول أو السعي إليه؟

وهل يصبح العنف بمقتضى ذلك الوضع المتخلف أعلاه طريقا لفرض رؤية أو فكر أو توجه أو انتزاع شرعية الوجود؟ إلى أي مدى يصلح ذلك في أجواء التخلف والجهل التي انقلبت فيها الحقائق وغابت الكثير من البديهيات؟ وماذا لو قام مخالف يرفع نفس الشعار أو الهدف لكنه يعارض من وصل إلى السلطة بنفس الوسيلة؟

في جل مراحل التاريخ السياسي للأمة، بل في أكثر عصورها ازدهارا، كان تداول السلطة جبريا أو حكما وراثيا أو انقلابا عسكريا، فهل هذا ما تنشده الحركات الإسلامية اليوم؟

أم هل يقتصر دور الحركات الإسلامية على نشر الوعي وتربية المجتمع بعيدا عن العمل السياسي برمته؟ ليتحمل الشعب مسؤوليته التشاركية في كيفية تداول السلطة؟ أم أن كل الشعوب تحتاج إلىوصاية وعلى الحركات الإسلامية أن تكون دوما في صدارة المشهد بغض النظر عن ضريبة ذلك؟

يقابل ذلك سؤال آخر: ترى هل تتصادم هذه الأنظمة مع الحركات الإسلامية أو تعاديها لمجرد كونها إسلامية؟ أم لأنها تخشى من منافستها في السلطة، وتتخوف من تنبيه الناس لحقوقهم كبشر مقابل فساد المستبد؟ وهل ترك منازعتها جائز شرعا؟ وهل يشكل هذا السؤال في ذاته أي فارق في رؤية الحركات الإسلامية للأنظمة الحاكمة؟

وهل الوجود الديكوري في إطار أنظمة مستبدة، تتخذ من تلك الحركات الإسلامية مجرد كومبارس فتتحرك في حدود المسموح من قبل السلطة ممثلة في الرئيس أو الملك أو الأمير، فهل هذا يعتبر هدفا لتلك الحركات، أم نافذة تستخدم بحجة خدمة المجتمع، وتستعمل متي فتحت وبأي قدر كان، وفي أوقات التضييق حين تستبدل نوافذ السلطة بفتحات الزنازين فلا بأس، إذن أبناء هذا الطريق يعشقون المحن لأنها دأب الدعاة وضريبة المصلحين، وبالتالي تتحول المِحنة في ذاتها إلى هدف يتوارثه جيل بعد جيل؟

لكي تتسم الأهداف المرحلية بالواقعية كذلك، فلا بد أن تكون على ذات النسق العلمي أو المنهجي، لتأتي محددة واضحة ضمن إطار زمني معين وقابلة للقياس. فحين تحدد حركة إسلامية في الغرب- مثلا - أن هدفها إيصال صورة الإسلام الحقيقية للمجتمع، بعيدا عن تشويه الإعلام والدعاية السلبية المغرضة، فعليها أن تحدد كم النسبة التي تستهدفها من هذا المجتمع كي تصل إليه تلك الصورة عموما، وفي أي إطار زمني، وكيف تقيس هذه النسبة في متابعتها وتقييمها للسعي نحو تحقيق الهدف.

وحين تحدد حركة آلياتها ببناء الفرد والأسرة والمجتمع والحكومة والدولة والخلافة الإسلامية فهل هذه آليات متوالية أم متوازية؟ وما مدى التقاطع بينها؟ وماذا تعني الحكومة المسلمة؟ هل من يحمل أعضاؤها فكر الحركة؟ أم هم من يطبقون القيم الاسلامية من حرية وعدل وكرامة بغض النظر حتي عن دينهم؟ وهل مفهوم الخلافة المعروف تاريخيا هو ما تسعي إليه هذه الحركة من وجود خليفة في دولة ما يبايعه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ويعين الولاة في الأمصار؟ أم الهدف هو نوع من التعاون والتنسيق بين تلك الدول بما يحقق مصلحة شعوبها ؟ وإذا كان الأخيرهو المقصود فلماذا لا تتغير هذه الأدبيات لتتوافق مع الواقع المأمول؟

لعل جلّ إحباط أي حراك على اختلاف طبيعته أو هدفه يأتي من عدم وضوح الأهداف وآليات تحقيقها، فتعيش حينها أجيال ما شاء الله لها، ثم تغادر هذه الحياة دون أن تشعر أنها حققت نجاحا ملموسا على أي صعيد.

 

يتبع ...

أخبار ذات صلة

 

فى سجن ملحق مزرعة طرة عامى 1995 - 1998 كان د. سيد عبد الستار مبدعا ، كان يحضر عشرات الامتار من السلك الذى يوضع على النوافذ لمنع دخول البعوض ، من م ... المزيد

تعليقات