البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

من بوشكين إلى بوتين: النبــيل والوضـيع في حروب القوقاز

المحتوي الرئيسي


من بوشكين إلى بوتين: النبــيل والوضـيع في حروب القوقاز
  • محمد عدس
    27/08/2015 02:11

الزمن هو مستهل القرن التاسع عشر، والمكان هو روسيا القيصرية ؛ أو "رُسِّيسكَيَا إمپِرِيَا" كما تُنطق بلغتها . كانت الإمبراطورية الروسية ، قد بلغت أوج قوتها، وأوسع امتدادها على الكرة الأرضية ، لتشمل أوربا الشرقية ، والأراضى الشاسعة التى ورثتها بقوة السلاح من إمبراطورية المغول الإسلامية الممزقة فى تركستان (آسيا الوسطى) لتضم أضخم تجمّع سكاني على وجه الأرض ؛ تقطنه شعوب مختلفة الأعراق والأديان واللغات .. وكان هذا التنوّع البشري [شديد المِراس شديد المقاومة] من أكبر هواجس الإمبراطورية الروسية ، التى كانت تبحث عن التجانس والاستقرار .. وتحاول فرضه بقوة القوانين وقوة الجيش الإمبراطوري ..
 
ولكن تمثّل أكبر تحديات هذه الإمبراطورية فى احتكاكها بالثقافة الأوربية الذى ولّد عند النخبة الروسية المثقفة الرغبة في البحث عن الصورة الذاتية أو الهوية القومية لروسيا.
ولأن إدراك الذات لا يتم في فراغ وإنما في مواجهة الآخر الذي يشَّكل للذات تحديًا وإطارًا ، فقد وَجَدَتْ النخبة نفسها أمام مجهوليْن لا مجهول واحد، أولهما:
الريف الروسي باعتباره مستودع القيم والفضائل القومية التي لم تفسدها العوامل الخارجية..
 
وثانيهما: الشعوب الآسيوية التي تربض على حدود روسيا الجنوبية والتي وجدوا دولتهم في تصادم مستمر معها عبر أربعة قرون من الزمن ..
 
تعيش هذه الشعوب في شمال القوقاز [ فى الحقيقة هى أجناس أوربية فى غالبيتها .. ولكنها أُعتُبرت فى نظر الروس شعوبا آسيوية ] . القوقاز منطقة جبلية شديدة الوعورة تمتد على حدود روسيا الجنوبية حوالي ١٤٤٤ كيلو مترًا من البحر الأسود إلى بحر قزوين .. وكانت تشكل على -مر العصور- عائقًا طبيعيًّا أمام الزحف الإمبريالي لروسيا نحو آسيا ...
 
كانت النخبة الروسية – بطبيعة الحال – أكثر أُلفةً بمواطنيهم في الريف ، ومع ذلك نجد ( ألكسندر جريبودوف ) يجسّم فكرة النخبة المغتربة عن الريف الروسي في ذلك الوقت (سنة 1826م) بقوله : " إنه موطن قبيلة أخرى .. قبيلة برية غريبة غير مفهومة في نظر طبقة مجروحة من أنصاف الأوربيين " .. ويحدد جريبودوف هذا الجرح بأنه الاغتراب بعينه حيث يقول: "بشئ من السحر الأسود الذي يعصب أعيننا عن رؤية الحقيقة تحوّلنا إلى غرباء بين شعبنا ، ولكي نُبطل مفعول هذا السحر الخبيث ، علينا أن نعرف الكثير عن الريف الروسي الذي نجهل حقيقته " .
 
تزامن هذا مع محاولات أدبية جريئة لاستكشاف الصورة الحقيقية (لمن كان يطلق عليهم الروس إسم الآسيويين ) من سكان المناطق الجبلية في القوقاز (الشيشان وداغستان وشركاسيا وإنجووشيا، وكلها شعوب مسلمة) ، وكانت محاولة التعرف على حياة هذه الشعوب حافزًا على إنتاج أدبي.. هو الأكثر ثراء في تاريخ الأدب الروسي الكلاسيكي كله ، ابتداء من رائعة بوشكين "سجين القوقاز" التي نشرت سنة 1822م ..
 
هذا الانغماس الفكري الرومانسي في حياة الآسيويين كان من أهم العوامل في تطور القومية الروسية والوعي الإمبريالي في روسيا ..
ولكننا إذا أنصتنا إلى جميع الأصوات الروسية في عصر بوشكين ، فإننا بالضرورة سنسمع صوتًا آخر يتردد بإصرار ، وهو يمثل رأيًا مخالفًا عن القوقازيين أو "الجبليين" كما كانوا يُعرفون في روسيا في ذلك الوقت ، وهو صوت يستخدم نفس المفردات : "البدائي" و"الجبلي" لوصف هؤلاء الغرباء.
 
ولكن تتشعب الأحكام القِيميّة بعد ذلك عن هؤلاء الغرباء الرابضين على الحدود؛ فرجال السلطة القيصرية والقادة العسكريون كانوا يتحدثون عن القوقازيين باعتبارهم حيوانات متوحشة ، وُضعاء ، وأعداء لا يكفّون عن الجهاد ( أوالحرب المقدسة) ضد روسيا المتحضرة حامية حمى المسيحية ..!!
 
لكن هذه الصورة البشعة وُوجهت بعناد أشد وإصرار أكبر بصورة مضادة ؛ أبدعها "ألكسندر بوشكين" -أمير شعراء روسيا- للقوقازيين النبلاء في رواية له بعنوان "سجين القوقاز"، شاعت هذه الصورة وثبتت في الوجدان الروسي خلال القرن التاسع عشر كله، لدرجة أن صورة القوقازي المتوحش الوضيع التي فرضتها السلطة الإمبريالية كانت تخوض معركة خاسرة في محاولتها تبديد الصورة الرومانسية الإيجابية لبطولة القبائل القوقازية في عقول القراء الروس.
 
ولذلك يمكن القول بأن تعايش الصورتين المتعارضتين للقوقازي البدائي في المثولوجيا الروسية كان من شأنه أن يخلق توتُّرًا ثقافيًّا ذا قطبين، ينجذب أحدهما نحو صورة القوقازي النبيل التي تبناها الأدب الرومانسي ، ويتجه الآخر نحو صورة القوقازي الوضيع التي روّج لها مركز الأيديولوجية الإمبريالية في السلطة الروسية.
 
هذه الحقيقة لا تلقى اليوم اهتمامًا يذكر من الباحثين المحدثين في تاريخ الأدب الروسي ، فهم يرون أن النبالة البدائية لم تكن أكثر من رؤية مبهجة أو مسلّية لإخفاء وحشية الحروب الإمبريالية في القوقاز.
 
عجيب أمر هذا الأديب العملاق الذى أسر بروعة شعره ، وكلماته المضيئة روح الشعب الروسي الأصيل ، وجعل شباب الأمة ينجذب إلى صورة النبل والشهامة التى يمثلها القوقازي المسلم ، ضد الصورة الرسمية التى تحاول السلطات الإمبراطورية العاتية الطاغية فرضها على الجماهير ، وعلى الشباب الروسي بصفة خاصة .. !! ما سرّ قوة هذا الشاعر العظيم ، ومصدر جسارته ومرونته التى حيرت جبروت السلطة الإمبراطورية..؟!
 
موعدنا معكم فى حلقة قادمة من هذا المسلسل الذى شرعت فى بحثة و كتابة أجزاء منه فى سنة ١٩٩٤م ، عندما تفجّرت الحرب الشيشانية .. وأنا لم أكد أفرغ بعد من متابعة الحرب البوسنوية .. وبالله التوفيق.

أخبار ذات صلة

قال تعالى في سورة الأنفال :

 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَاب ... المزيد

شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أن عملية "نبع السلام" تنتهي بشكل تلقائي عندما "يغادر المزيد