البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

من اخلاق الوزير ابن هبيرة

المحتوي الرئيسي


من اخلاق الوزير ابن هبيرة
  • راضي شرارة
    09/10/2016 05:15

يبدو لنا أنَّ الوزيرَ ابنَ هُبَيرة كان عبدًا لله تقيًّا، يلتزم بأوامره، ويبتعد عن نواهيه، ويتمسَّك بسُنَّة رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويقتدي به، فكان على خُلُق عظيم، فقد كانتْ غايته إرضاءَ الله - سبحانه وتعالى - وتقديمَ صالِح الأعمال، والإسهامَ في العمل النافع، وكان متواضعًا لله، يحاسِب النفْس، ويصبر في الشدَّة، ويعفو عندَ المقدِرة، فلم يكن غريبًا أن يكونَ مستجابَ الدعوة، وأن يُحقِّق الله رجاءَه وينتهي أجلُه شهيدًا.

فمِن مَظاهر إيمانِه وثِقته بالله وورعه:

أنَّه قد ضاقتْ يدُه في مطالِع حياتِه حتى فقدَ القوت أيَّامًا، فخرَج مِن بلدته قاصدًا بغداد للعمل، وفي الطريقِ رأى مسجدًا مهجورًا، فدخَل وصلَّى فيه ركعتَيْن، وإذ بمريض ملقًى على حصيرة قديمة متهالكة، فقعد عندَ رأسه، وسأله عمَّا يشتهي؟ فقال: سفرجلة، فخرَج إلى بقَّال، ورهَن مِئزره على سفرجلتين وتفاحة وأتَى بهما، فأكَل المريض من السفرجلة ثم أمرَه بغَلْق باب المسجد، فأغْلَقه، فأعْطاه وعاءً صفيحيًّا، وقال: خذْ فأنتَ أحقُّ به، فسأله ابنُ هبيرة عمَّا إذا كان له وارثٌ، فقال: لا، وإنَّما لي أخٌ وعهْدي به بعيد، وبلغَني أنه مات، ونحن مِن الرصافة، ثم مات أثناءَ حديثِه، فغسَّله ابنُ هُبيرة وكفَّنه ودفَنه، ثم أخَذ (الكوز)، وفيه مقدارُ خمسمائة دِينار، ومضَى إلى دجلةَ ليعبرها، فإذ بملاَّح في سفينة عتيقة، وعليه ثيابٌ رثَّة، فقال: معي معي، فنزَل معه، وإذا به مِن أكثرِ الناس شبهًا بذلك الرَّجل، فسأله: مِن أين أنت؟ فقال: من الرصافة، ولِي بنات، وأنا صُعلوك، فسأله: ما لك أحدٌ؟ قال: لا، كان لي أخٌ، ولي عنه زمان ما أدري ما فَعَل الله به.

فقال ابنُ هبيرة له: ابسطْ حِجرَك، فبسَطَه، فصبَّ المال فيه، فبُهِت: فحدَّثه الحديث، فطلَب منه أن يأخذَ نِصفَه، فقال: لا.

والشاهد مِن هذه الواقعة أنَّه على الرغم مِن شِدَّة حاجة ابنِ هُبَيرة إلى المال، وقد جاءَه هِبة مِن صاحبه، بَيْدَ أنه لورعه وتقواه رأى أنَّ النِّية الحقيقية لصاحِب المال أن يصِلَ إلى ورثته، فإن عُدِم ذلك فله، وأنَّ الوارث أحقُّ بأموال المورّث وإنْ وهب المورّث المال لغيرِ الوارث.

لذلك لم يكن غريبًا أن يسأل اللهَ تحقيقَ حاجته في أن يجد عملاً يسدُّ به جوعته، وأن يمضيَ إلى دار الخليفة بالطلَب، فإذ إسناد العمل بالمخازن.

ومِن صُور محاسبته لنفْسه، أنَّهم أضافوا إلى ألْقابه في الوزارة (سيِّد الوزراء) فيأبى، ويقول: إنَّ الله - تعالى - سمَّى هارون وزيرًا، وجاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ وزيريه مِن أهل السماء: جبريل وميكائيل، ومِن أهل الأرض: أبو بكر وعمر))، وجاء عنه أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ اختارني، واختار لي أصحابًا فجعَلهم وزراءَ وأنصارًا)) فلا يصلُح أن يُقال عنِّي: أني سيِّدُ هؤلاءِ السادَةِ.

واقعة أخرى: ذُكِر مرَّة في مجلسه مفردةٌ للإمام أحمد تفرَّد بها عن الثلاثة (أبي حنيفة، مالك، الشافعي)، فادَّعى أبو محمد الأشتري المالكي أنها روايةٌ عن مالك، ولم يُوافقْه على ذلك أحدٌ، وأحضر الوزير كتبَ مفردات أحمد، وهي منها، والمالكي مقيمٌ على دَعواه، فقال له الوزير: بهيمةٌ أنت؟ أمَا تسمع هؤلاء الأئمَّة يشهَدُون بانفِرادِ أحمد بها، والكتب المصنَّفة، وأنت تُنازِع؟ وتفرَّق المجلس.

فلمَّا كان المجلس الثاني، واجتَمَع الخلق للسَّماع، أخَذ ابن شافِع في القراءة، فمَنَعه ابن هُبَيرة، وقال: قدْ كان الفقيه أبو محمَّد جريئًا في مسألة أمس على ما لا يَلِيق به عن العدولِ عن الأدب، والانحراف عن نهجِ النظَر، حتى قلت تلك الكلمة، وها أنا، فليقل لي كما قُلْت، فلستُ بخيركم، ولا أنا إلاَّ كأحدِكم، القصاصَ القصاصَ، ولكنْ أبو محمد الأشتري صفَح عنه.

ومِن صُور تواضُعه ما يحكيه صاحب سِيرَتِه (أبو بكر التيمي) ممَّا شاهَدَه بعينه في مجالسِ ابن هُبَيرة: أنَّ الحاجب (أبا الفضائل بن تركان) أسَرَّ للوزير بشيء لم يسمعه أحدٌ، فقال له الوزير: أدخَل الرجل؟ فأبطأ، فسألَه: فقال الحاجبُ: إنَّ معه شملةَ صوف مكورة، وقد قلت له: اتركْها مع أحد الغلمان خارجًا عن الستر وادْخُل، قال: لا أدخُل إلا وهي معي، فقال له الوزير: دعْه يدخل وهي معه، فخرَج وعاد، وإذا معه شيخ طُوَالٌ مِن أهل السواد، عليه فوطة قُطن وثَوْبٌ خام، وقال للوزير: يا سيِّدي، إنَّ أم فلان - يعني: أم ولده - لَمَّا علمتْ أني متوجِّه إليك قالت لي: بالله سلِّم على الشيخ يحيى عنِّي، وادفَع إليه هذه الشَّملة، قد خبزتُها على اسمِه، فتبسَّم الوزير إليه وأقْبل عليه، وقال: الهدية لِمَن حضَر، وأمَر بحلِّها فحُلِّت الشملة بين يدَيْه، فإذا فيها خبزُ شعير، فأخذ الوزير منه رغيفين، وقال: هذا نصيبي، وفرَّق الباقي على مَن حضَر من صدور الدولة، والسادة الأجِلَّة، وسأله عن حوائجه جميعِها، وتقدَّم بقضائها في الحال، ثم التفَتَ إلى الجماعة، وقال: هذا شيخٌ قد تقدَّمت صُحبتي له قديمًا، واختبرتُه في زَرْعِ بيتنا فوجدتُه أمينًا، ويُعقِّب صاحب سيرته، فيقول: "ولم يظهر منه تأفُّف بمقال الشيخ، ولا تكبّر عليه، ولا أعرض عنه، بل أحسن لقاءه، وقضى حوائجه، وأجزل عطاءه".

أخبار ذات صلة

هي أحدي قواعد التيسير العبقرية التي تميزت بها شريعتنا الغراء.. ولقد اجتهدت أن أجد كتابا عند علمائنا السابقين تخصص في الحديث حول هذا الموضوع فلم أجد و ... المزيد

ولمن لا يعرف جاستا، هو قانون أقرته أمريكا بأغلبية ساحقة في مجلسي النواب والشيوخ، يتيح لأقارب قتلى هجمات سبتمبر عام 2001 مقاضاة الحكومة السعودية للمطا ... المزيد

لأنها عدو صريح للجهاد والمجاهدين، لأنها فرع عصابة داعش وسفارتها في الشمال المحرر، لأنها بوّابة نقل الخَوَنة والقَتَلة والغلاة من تلك المناطق إلى ا ... المزيد

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد،

الربا في اللغة والاصطلاح:

الربا ف ... المزيد

عندما ينعدم الضمير وتنطمس البصيرة ، وعندما تسود شريعة الغاب ، وعندما يتسلط الفجار على الأبرار ويقود القبيلة منافقوها ،

... المزيد

صدّر كثيرٌ من الكتاب فى عددٍ لا بأس به من الموضوعات مقتبسين فى عنونة مقالاتهم هذا المثل الشهير الجنازة حارة والميت كلب! حينما يريدون التقليل من حجم قضية ما ق ... المزيد

تعليقات