البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

من آخر ما سطره قلم العلامة محمد عمارة رحمه الله.. "تجربتي مع إسلامية المعرفة"

المحتوي الرئيسي


من آخر ما سطره قلم العلامة محمد عمارة رحمه الله..
  • د. محمد عمارة
    01/03/2020 05:04

أولا: التكوين الأسري:

نشأتُ في أسرة ريفية ليس فيها من يقرأ ولا يكتب. وأنا مازلت جنينًا في رحم أمي، نذر والدي لله تعالى لو كان المولود ذكرًا أن يسميه محمدًا ويهبه للعلم . وفي ترتيب الأسرة أنا أصغر إخوتي الذكور, وهم ثلاثة يشتغلون بالفلاحة، وأخت.

أبي كان يُحضر لي معلم يعلمني القرآن, وكان القرآن هو ديوان التعليم والقراءة والكتابة, ثم ذهبت للكُتاب بعدها. وانطبع في ذهني وجوه من الأسرة تلازمني حتى الآن, فالتدين الفطري الشديد لوالدي عليه رحمة الله, وكان رجلاً فلاحًا, وكان منزلنا في القرية خارج مباني القرية والزراعة تحيط به من ثلاث جهات, وكان يمشي في الطريق بين الأراضي الزراعية فلا يعرف ماذا زُرعت فهو لا يتطلع إلى ما زرعه الناس, وكان يصلي الصلوات الخمس في المسجد, وكان يصوم كثيرًا, وكان يحرص على الزكاة, ولقد رأيت ووعيت معنى البركة في تصرفات أبي في ماله وزكاته، وبعض الناس يتصور أن البركة مجرد أوهام، فكان من عاداته أن يخرج زكاة القمح قبل أن يدخل البيت حسب نصوص القرآن الكريموَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏ (سورة الأنعام:141) . وفي أحد المرات بعد أن استوفى أخي مكيال وحق الزكاة في القمح، أمره أبي بالزيادة، فذكرته أمي أننا أخرجنا حق الحصاد، ولم يلتفت لقولها وزاد، والغريب أننا عندما كنا ندرس (فَصَل حُبوبَهما عن السُّنْبلة أو عن القشِّ) القمح نجد مقدار القمح بعد الدرس يساوي مقدار القمح بأكمله قبل الزكاة، تحقيقًا لقول النبي "ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها، إلا زاده الله بها عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر"؟ (أخرجه الترمذي),

ولقد شاهدت هذا بعيني, فلازمني هذا... وبعد أن قرأت في الفكر الغربي والماركسية والعلمانية والعقلانية, تأكدت تمامًا وأن وراء كل هذه الأشياء, أمور غيبية إلهية لا تفسر. وكذلك حاول البعض من أهل الشر أن يحرقوا بيتنا, وكان البيت ملئ كعادة بيوت الفلاحين بقش الأرز وقش الذرة والحطب، وكان بيتنا في خلاء, وأثناء مساعدة الجيران لنا في إطفاء النيران كان أبي يتمتم بآيات من القرآن الكريم, وطلبوا منه إخراج ما لدينا من مخزون من الذرة فكان يرد عليهم بالرفض ويقول لهم لا هذه أُخرجت زكاتها, ورأينا جميعًا أن ذلك المخزون لم يمسه النيران المحيطة به. هذا ما عشته أنا في طفولتي، هذا النوع من التدين الفطري الذي فيه أشياء لا تكتب ولا تحسب بالمنطق ولا بالعقل ولا بالأمور المادية.

بعد ذلك ذهبت إلى الكُتاب, وكان التعليم في الكتاتيب في ذلك الوقت يغلب عليه العنف والقسوة, وكان يعتقد الفلاحين أن "الفقي" أي معلم الكتاب القاسي الذي يضرب, هذا هو الذي يُعلم بكفاءة, فلهذا نفرت من التعليم, وحاولت أن أشتغل مع أخواتي بالزراعة وأبعد عن قسوة الكُتاب, ولكن أبي أبى ذلك برًا بنذره, فقسى عليّ في الفلاحة حتى رأيتُ أن قسوته أشد من تلك التي كنت ألقاها في الكُتاب, فرجعت للكتاب رغم أنفي-وعندما قرأت عن الإمام محمد عبده بعد ذلك وجدته مر بهذه التجربة.

وعندما انتقلت إلى كُتاب أخر وجدتُ الشيخ"محمد الجندي"-رحمة الله علي-, وقد أقعده الفقر عن أن يكمل تعليمه الأزهري, فخرج من التعليم في المرحلة الثانوية, وكان رجل بشوش وظريف, وكان هو سبب الفتح الإلهي علي, فأكملت القرآن الكريم تجويدًا وحفظًا, ثم دخلت المدرسة الإلزامي مع الكتاب, ودخلت الأزهر في معهد دسوق عام 1945م.

مررت بتجربة في موضوع المكتبة والقراءة, أتذكر أنه كان في قريتنا واحد من علماء الأزهر الشريف, اسمه الشيخ "عبد التواب الشناوي" -عليه رحمة الله- تخرج من كلية أصول الدين، تخصص الوعظ والإرشاد, وشاء الله أن يتوفى في العام الذي تخرج فيه, بسبب مرض "التيفويد" الذي أنتشر في الريف في الأربعينات, وكان عنده مكتبة غير عادية ولا يوجد أحد في أسرته يعرف قيمتها ولا يهتم بالقراءة والعلم من جنباتها.

عندما دخلت معهد دسوق, درس لنا في السنة الثانية الشيخ الأزهري "محمد كامل الفقي" -عليه رحمة الله- خريج من كلية العربية">اللغة العربية, وكان من المفترض أن يُدرس في الجامعة في كلية العربية">اللغة العربية, ولكن حكومة "النقراشي" أي حكومة السعديين كانت ضد "الوفد" وهو كان ينتمي للوفد وكان لديه ملكة الأدب والشعر, فنفوه في "دسوق", في المعهد الابتدائي بدلاً من أن يدرس في الجامعة. ثم جاءنا شيخ –على عكس عادة مشايخنا- أنيق, يسكن في الفندق, وكان يدرس لنا النحو, وكان يدخل الفصل يقرأ لنا المقال الافتتاحي في جريدة المصري, مقال"أحمد أبو الفتح" وكان وقتها الطالب الذي يقرأ الجرائد والمجلات, هو طالب فاسد, فلا بد أن يقرأ فقط الكتب المقررة.

وفي يوم من الأيام سألنا: هل يوجد أحد منكم يستطيع أن يشتري كتبًا غير الكتب المقررة؟ وكنت قد اشتريت من أحد المكتبات في مدينة دسوق- كتاب المناظرات: للمنفلوطي, فأخبرته بذلك، فطلب مني أن أحضره معي، فبدأتُ أُطالع في الكتاب وتعلمت الخطابة في حصة المطالعة في كتاب النظرات, فألتف ذهني إلى الكتب الحرة الخارجية. فألتفت إلى مكتبة الشيخ عبد الوهاب الشناوي, وكان ابن أخوه صديق, فاتفقنا على أن اشتري ما أستطيع أن اشتريه من تلك المكتبة, فاشتريت أربع آلاف كتاب من هذه المكتبة, والكتاب كان ثمنه قرش, وكانت مكتبة ضخمة جدًا تضم عيون الفكر الإسلامي, عيون الأدب العربي, وترجمات من اللغات الأوروبية, مجلة الرسالة كاملة, مجلة الأزهر كاملة, النسخة الأصلية للعروة الوثقى التي أصدرها الأفغاني مع محمد عبده في باريس. وكان ثمن الكتب التي اشتريتها أربعين جنيهًا, وكنت لا أستطيع دفعهم دفعة واحدة-لضخامة الرقم وقتها- فاشتريتها على دفعات. وكان من الطرائف وأنا اشتري الكتب, كان ابن أخوه يفر الكتب, ربما يجد عشرة جنيهات كان يضعها الشيخ ليتزوج بهم, ونقلنا الكتب إلى دارنا وصنعنا لها دولابًا في المندرة.

والأجازة الصيفية كانت أربعة أشهر, وكان نظريي قوي, فكنت أقرأ حتى تتوه السطور أمامي, فأستريح قليلاً ثم أعاود القراءة, وكنت أذهب على شط النيل أقرأ. فهذا كان جانبًا من التكوين في الأسرة.

 

أخبار ذات صلة

المستشار طارق البشري و د. محمد عمارة عَلَمان بارزان من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، ولهما إسهامات ذات عمق وتم ... المزيد