البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

منهجية البحث عند سيد قطب

المحتوي الرئيسي


منهجية البحث عند سيد قطب
  • أحمد طه
    01/03/2016 04:35

ـ لماذا ادعى البعض أن سيد قطب أديب وليس بعالم إسلامي؟!
ـ لماذا قال البعض إن سيد قطب لا يجوز أخذ العلم الشرعي عنه؟!
ـ لماذا قال البعض إن منهج سيد قطب مخالف لمنهج السلف؟!
ـ لماذا اتهم البعض سيد قطب بالتكفير... إلخ؟!
ـ لماذا فشلت الأمة عموماً- والحركة الإسلامية خصوصاً - من الاستفادة من فكر سيد قطب إلا قليلا؟

هذه الإشكالات وغيرها مازالت قائمة حتى الآن، ومازالت حائلاً دون فهم الإنتاج العظيم الذي قدّمه الأستاذ سيد قطب ـ رحمه الله ـ والذي يُعد إنتاجاً فكرياً وعلمياً فريداً في تاريخ القرن العشرين.. فتُرى ما السبب الحقيقي الذي منع الاستفادة من مفكر عملاق مثله؟!

لنستثني أولاً عملاء المخابرات من أصحاب اللحى المزيفة، والذين يمثلون طابوراً خامساً في العمل الإسلامي، ونتحدث عن الإشكالية في العقل المسلم الذي صدقاً يبحث عن الحق، وليس خادماً للطاغوت.

ولنقول ثانياً: إن سيد قطب (1) - في هذا المقال - مجرد مثال لتوضح الفرق بين منهجين:

الأول: منهج الإدانة والحكم.

الثاني: منهج التحليل والتشخيص والعلاج.

لمحة تاريخية

أقول في - اختصار - اللمحات المصاحبة لانهيار الخلافة العباسية وهي:
ملكاً عضوضاً (أي الشريعة تحكم، والإسلام يعلوا.. ولكن مع اغتصاب شورى الأمة، وقتل فاعليتها ).
صراع بين المذهب الأشعري الشافعي، والحنبلي وصل لحد الاقتتال بين المذهبين، والوشاية ببعضهم عند الظالمين !!
تضخم فقه العبادات على حساب فقه المعاملات.. حيث فقه العبادات مجال لا يؤذي الكلام فيه.

أغلب الإنتاج العلمي متجه نحو منصب "القضاء والإفتاء" فكان أشبه بكليات الحقوق.. من حيث التشريعات والنظم والقوانين.. وكان بعض أتباع المذاهب يدخلون فقط من أجل نيل منصب أو جاه، ويتزلفون للحكام ويطعنون في غيرهم للحصول على المكانة والمناصب !
وفي نفس الوقت تم صد الهجمة الشرسة من الفرق المبتدعة والباطنية والفلسفية والإلحادية.
أدت هذه العوامل وغيرها إلى انهيار الخلافة العباسية في هزيمة مروعة من المغول خلّفت ورائها ما يقرب من مليون قتيل في بغداد وحدها، وسبق ذلك سقوط الجزء الشرقي من الخلافة تباعاً، وسقوط بيت المقدس في يد الصليبيين !!

في هذه الأثناء أدرك العلماء الربانيون خطورة المستوى الفكري الذي وصل إليه المسلمين.. وتحول الدين إلى مجرد صراع مذهبي وأقوال رجال، فعكفوا على تربية جيل يحمل الرسالة لا المذهب، ويزكي نفسه، ولا يركن إلى الظالمين.. فبدأ الغزالي منهجه بإحياء علوم الدين.. ثم أنشأ تلاميذه من بعده المدارس التي تعالج الحالة النفسية التي وصل إليها المسلمون وتربية المجتمع تربية جهادية تليق بحمل الرسالة، حتى تربى "الجيل" الذي جاهد مع صلاح الدين لتحرير القدس.

انهارت الدولة الأيوبية سريعاً، وتحولت المدراس التي أسسها تلاميذ الغزالي إلى ميراث وطقوس واحتفالات انحرفت كلياً عن الهدف الأصلي التي قامت من أجله، ثم وصلت إلى الحالة التي عليها اليوم.

بعد سقوط الدولة الأيوبية وتجدد الحملات الصليبية؛ ودخول العلمانية لأول مرة في بلاد الإسلام على يد محمد علي وكمال أتاتورك.. ثم انهيار الخلافة العثمانية، وعلو العلمانية ونبذ الشريعة؛ دخلت الأمة أسوأ مراحل تاريخها كله وهي "الملك الجبري والطواغيت" بعد عوامل انهيار كثيرة تسببت فيها أمراض الأمة الداخلية - وهي الأخطر - وهجمة الصليبيين الخارجية مع مكر اليهود.

وبدأت محاولات الإحياء..

بدأت "السلفية" بمحاولة بعث المذهب الحنبلي من جديد، واستحضار كل واقع "الملك العضوض" بفقهه ومشكلاته إلى واقع "الملك الجبري والطواغيت".. وإسقاط واقع "الملك العضوض" حيث الشريعة قائمة، على واقع "الملك الجبري".

كان ابتعاث المذهبية من جديد في واقع "الملك الجبري والطواغيت" أشبه بالعيش "خارج الزمان والمكان" لأن تحديات هذا الواقع مختلفة كل الاختلاف عن واقع وظروف "الملك العضوض".. فالتحدي الآن أشد وأقوى وأعنف من أي مرحلة تاريخية مرت بها الأمة منذ أن أخرجها الله للناس !

إن الأمة بحاجة إلى الإحياء، وإلى معالجة أمراضها، وإلى تصحيح مفاهيمها، وإلى إخلاص عقيدتها، وإلى إعادة خلافتها، وإلى الاستعداد لجهاد الصليبين واليهود.. وكل أدواتهم التي نصبوها حُكاماً على الأمة.. هذا هو الطريق بكل سهولة ويسر واختصار.

لكن الذي حدث شيء مغاير تماماً لهذا الطريق، فاستدعاء "الصراع المذهبي" إلى واقع الأمة في "الملك الجبري والطواغيت"، عزلها عن الواقع تماماً.. والأخطر والأنكى أنه عزل الدين - نفسه - على الواقع.. وأصبح مجرد صراع مذهبي!!

ولكن ليست هذه هي الكارثة وحدها ! الكارثة الحقيقية.. أن منهج البحث العلمي في هذه المذاهب هو منهج "الإدانة والحكم" بمعنى: ( الحلال - الحرام - البدعة - السنة - الواجب - الكفر - الردة... إلخ ) وهذه الأحكام - في واقع الأمة السياسي والاقتصادي والاجتماعي...إلخ - ليس لها وجود حقيقي لأن الشريعة ليست حاكمة أصلاً، بل العلمانية هي التي تعلو وتحكم وتتحكم الآن.

وهذا المنهج - أي الإدانة والحكم - كان منهجاً طبيعياً لمن يريد أن يتقلد منصب القضاء والفتوى، أما الآن فهذا المنهج لا يصلح لمواجهة "الملك الجبري والطواغيت" بمعنى آخر: إن هذا المنهج لا يتحرك إلا عندما يُدين ويحكم؛ وعليه فستخرج هذا الأسئلة لواقع المسلمين:
هل ديار المسلمين ديار كفر أم إسلام؟
هل الحاكم مسلم أم كافر؟
هل يجوز الخروج على الحاكم؟
هل الأمة مازلت مسلمة أم ارتددت؟
ما حكم من يدخل البرلمان؟
... إلخ وغيرها من آلاف القضايا المرفوعة على الأمة وعلى المسلمين.. وليس ثمة شريعة حاكمة، ولا قضاء قائم، ولا دفاع موجود.. ولا واقع شرعي موجود ابتداء !!

وبدأت الرحلة التي استمرت ما يقرب من 85 سنة، ومازالت هذه القضايا قائمة، ومازال الجدل حولها قائم، ولم تحسم أي قضية فيها بعد !! ولن تحسم أي قضية فيها لأن منهج البحث فيها من البداية خاطئاً !!

استهلكت هذه الرحلة طاقات الغالبية العظمى من المسلمين، وأصبح "شرط" الجهاد وشرط العمل هو: "إجراء الأحكام" وتوقيع الإدانة على الجميع !! رغم أن الأمة يحكمها منذ سقوط الخلافة حتى هذه اللحظة "عصابات مافيا إجرامية" يحميها الصليب، ويتحكم بها في كل المجالات من: دين، وفكر، وتعليم، وسياسة، واقتصاد، وثروة...إلخ والأمة في "التيه" البعيد!

ثم يأتي من يُسقط هذا الواقع حيث: العلمانية حاكمة، والشريعة منبوذة، والدين مستهزأ به ليل نهار، والولاية للكافرين ومظاهرتهم على المسلمين مصدر فخر واعتزاز !! يسقط كل هذا على واقع "الملك العضوض"؟!

وأصبح شرط إحياء الأمة، وتصحيح مفاهيمها، وتجديد دينها.. هو إدانتها والحكم عليها أولاً!

هذه الإشكالية سببت عملية إرباك شديدة، وتعطيل طاقات مهولة في الأمة، بل إنها كانت ثغرة يدخل منها العدو.. ليزكي بها الخلافات والشقاق.. ويستغل حالة "الميوعة" من جانب و"التطرف" من جانب آخر، إما: لترك مجاهدة العلمانية والصليب والادعاء أن كل شيء بخير وعلى ما يرام، وإما: لتكفير عموم الأمة، والانعزال عنها.. وفي كلا الحالتين: ترسيخ للعلمانية وعلو للصليب !

وجد عملاء الصليب وأهل العلمانية وسادة أمان يركنون إليها.. ولم يجدوا أفضل منها وهي: "عدم الخروج على الحاكم" فهذا منهج السلف - هكذا يقولون - وبهذا تم قطع الطريق على كل محاولات الخروج من "الملك والجبري والطواغيت" إلى "الخلافة الراشدة"، وتم قطع الطريق على كل محاولات "إحياء الأمة"، لأنها بخير وليس ثمة مشكلة قائمة ابتداء !!

محاولة سيد قطب

ساهمت النشأة الفكرية لسيد قطب في الاطلاع على مختلف إنتاج "الفكر البشري"، ثم رجع إلى الإسلام فاكتشف حقاً ثروة عظيمة، وبدأ رحلته في اكتشاف "كنوز الإسلام".. ومضى بقلمه يحطم زيف "الفكر الغربي" بكل جاهليته وزينته وبهرجته، وأصبح حائط صد منيع أمام من يريد النيل من الإسلام، فقد اكتشف روح الإسلام؛ فراح يُؤسس لمرحلة جديدة تختلف كلياً عن منهج "الإدانة والحكم" وتتجه نحو "التحليل والتشخيص والعلاج"..

لم يكن قطب يداهن في دينه أو يُخدر أمته.. بل قال لها حالها بكل وضوح، كما يعرّف الطبيب المريض بخطورة المرض الذي فيه، والذي يتطلب علاجاً ناجعاً، فجاءت مفرداته: ( الجاهلية - المفاصلة - الحاكمية - الطاغوت - الشريعة - الإسلام... إلخ ) مفردات مختلفة كلياً عن مفردات مرحلة "الملك العضوض".. مفردات تناسب مرحلة "الملك الجبري والطواغيت" وقدّم للأمة العلاج في كلمات معدودة وهي: العودة لمدلول "لا إله إلا الله".. والمضي في سنة "دعوة الرسل".

كل إنتاج سيد قطب الفكري ينصب في هذا الجانب.. وهو الطريق الواضح القصير لعودة الأمة لعزها وخلافتها ورسالتها: [ إحياء الأمة - تصحيح مفاهيمها - إخلاص عقيدتها - إعدادها للجهاد - تحريرها من المحتل الصليبي - إسقاط العلمانية وعلو الإسلام وتحكيم الشرع ].

ولكن هذا الفكر.. وذاك الطريق لم يعجب "فقهاء المنطقة الخضراء" - ولم يفهموه أصلاً - فهم يعيشون في "رغد العيش"، وفي "نعيم الثروة" ويقبضون الملايين المغموسة بدماء وعرق المسلمين.. فكل شيء حولهم جميل، وشعائر الدين قائمة، وكل شيء على ما يرام.. وخادم الصليب - أمير المؤمنين - لا يجوز الخروج عليه، ولا حتى نصحه علناً !!

كان سيد قطب يمثل علامة فارقة في تاريخ "الفكر الإسلامي" كله في القرن العشرين، وكل من أتى بعده نهل من هذه المدرسة التي استطاعت أن تقف للعلمانية وقفة "علمية" و"فكرية".. فتأثرت به الأجيال التالية؛ واعتزت بدينها بعد أن كادت العلمانية تقضي على كل مصدر فخر واستعلاء واعتزاز بهذا الدين.

جن جنون الطاغوت من هذا السيد قطب الذي يهدم بقلمه "عروش الطواغيت".. كلا، فلنعلن عليه الحرب !
وأصبح سيد قطب هو الشخص الميت الذي يحارب الطاغوت فكره.. كأنه يعيش بينهم ويهدد عروشهم.. فلم يتلق مفكر إسلامي هجوماً واتهاماً مثل سيد قطب!!

الخطورة ليست في الهجوم عليه فهذه سنة الدعوات.. لكن الهجوم جاء من مسألة في منتهى الخطورة، لقد وضعوا إنتاج سيد قطب الفكري على ميزان "الإدانة والحكم" وهو المنهج الذي لم ينتهجه قطب يوماً منذ أن بدأ الكتابة حتى توفاه الله !

وبدأ الطعن من جانبين:
الأول: من الطاغوت وكهنته.. الذين ما تركوا تهمة إلا اتهموا بها سيد ؒ.
الثاني: من الطيبين.. الذين لا يفهمون الفرق بين منهج "الإدانة والحكم"، وبين منهج "التحليل والتشخيص والعلاج".
ولكن ثمة عامل مشترك بين الجانبين أن كلاهما أخضع فكر سيد قطب لمنهج "الإدانة والحكم".. وعليه خرجت الاستنتاجات المنطقية التالية:
إننا لا نجد في سيد قطب أسلوب ومنهج السلف.
إن سيد قطب مجرد أديب لا يمكن أن يأخذ المرء عنه دينه.
إن سيد قطب يكفر المجتمعات المسلمة... إلخ.

حقاً إن سيد قطب لم ينتهج أسلوب السلف - في فترة "الملك العضوض" - لأنه كان يكتب لفترة "الملك الجبري والطواغيت"، ويريد تحرير الأمة وعودة خلافتها الراشدة، وإحياء فريضة الجهاد فيها.

حقاً إن سيد قطب لم يدخل في جدليات العقيدة في الأسماء والصفات، وانتهج أسلوباً روحانياً ينساب في القلوب والأرواح.. أسلوب لا يستطيع أحد مقاومة تأثيره - حتى من أعدائه! - وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
أما الإشكالية الخطيرة والتي ترتبت عليها كوارث جمة، هي دعوى أن سيد قطب يكفر المجتمعات المسلمة.. وهذا ما نفاه سيد قطب نفسه جملة وتفصيلاً، ولكن سيصعب - بل ربما يستحيل - على من ينتهج منهج "الإدانة والحكم" ألا يتهم سيد قطب بهذه الفرية الشنيعة..

إن المسألة ببساطة شديدة أن سيد قطب كان يحلل ويشخص ويعالج لأمته، وانطلق من كل طريق يشرح ويبين ويقول العلاج الذي وجده في القرآن، ولم يكن يشغل باله قط بمسألة "إجراء الأحكام" على الأمة أو "المجتمعات المسلمة" وكيف ينصب المرء نفسه قاضياً على دين الناس فضلاً عن المجتمعات ؟!!

فهي مسألة بعيدة كل البعد عن من يريد إحياء أمته، ويرى أنها هي المقصودة بالعلاج لا الإدانة ولا إجراء الأحكام.. كان يُبين "مظاهر الشرك" الواقعة في الأمة لا سيما في مسألة "الحكم، والتصورات العلمانية" وينادي الأمة: أن عودي إلى دينك، هذا هو مدلول توحيدك.. هذا مقتضى إسلامك! ولم يكن همه أن يجري الأحكام على الأفراد فضلاً عن المجتمعات.
الكارثة الأخطر أن محاولة الخروج بالأمة من خلال منهج "الإدانة والحكم"، لابد وأن تؤدي إلى أحد أمرين طبقاً لهذا المنهج:
(1) إما الأمة بخير وليست بحاجة إلى تغيير أصلاً ، وأن كل شيء على ما يرام. ولا يجوز الخروج على الحاكم.
(2) وإما الأمة مرتدة وكافرة، ويجب اعتزالها.. وتجري عليها أحكام الردة.
فوقعت الأمة بين مطرقتين:
الإرجاء (التفريط): حيث لا شريعة ولا جهاد ولا دولة ولا خلافة.
والتكفير بالعموم (الإفراط والتنطع والغلو): حيث لا سياسة ولا ألفة ولا اجتماع ولا فهم ولا أمة..
وكلاهما يؤدي إلى نفس النتيجة.. وكلاهما ثغرتين يدخل منها العدو فيعبث - من خلالهما - كما يشاء.
وفي كل أحوال تطبيق منهج "الإدانة والحكم" - على واقعنا المعاصر - لن تفضي إلى نتيجة إيجابية.. بل هي طريقة إما لتخدير الأمة، أو لعزلها عن بعضها والاقتتال فيما بينها !
وتقريبا جل جهود الحركة الإسلامية الفكرية تُستهلك في هذا الجانب.. بينما الواقع الشرعي للشريعة والحكم بها غير موجود ابتداء.. وأن الأولى هو العمل على عودة الواقع الشرعي ثم ننظر في الأحكام، هذه المسألة مازالت مجهولة لنا حتى الآن !!

انتبه سيد قطب إلى مسألة غاية في الخطورة.. يقول ؒ: "لقد استمر نمو الفقه الإسلامي وتطوره إلى نحو القرن الثامن الهجري، وكان نموه وتطوره متابعًا لنمو المجتمع الإسلامي وتطوره كذلك... ثم بدأ الانحراف عن الشريعة، ومهما تكن هذه الانحرافات جزئية في نشأتها، فقد أخذت تعظم شيئا فشيئًا، وأخذ ظل الشريعة السمحة يتقلص شيئًا فشيئًا كذلك عن نواح من نشاط المجتمعات الإسلامية، وشيئًا فشيئًا كان نمو الفقه الإسلامي يتقلص كذلك عن هذه النواحي،  ومن هنا نشأ ذلك التضخم في فقه العبادات في تلك العصور وذلك الانكماش في فقه النظم الاجتماعية، لأن مجال العبادات كان هو المجال المأمون الذي لا تؤذي فيه الثرثرة؛ بل ربما تفيد لأنها تشغل أذهان الرعية بالجدل الفقهي عن مناقشة الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة في تلك العصور !" [نحو مجتمع إسلامي].

ولما استحضر هذا الفقه إلى واقعنا.. كان عاجزاً عن مواجهة "التحديات المصيرية" التي تمر بها الأمة، ولم يكن يحمل العلوم المؤهلة لفهم الواقع أو المساعدة على انتهاج منهج "التحليل والتشخيص والعلاج"، لا سيما وبعد النقلة الهائلة في علوم النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وغياب فقه الخلافة الراشدة، وعلوم الربط بين النص والواقع، وفقه قوة الدولة، وفقه تحليل البيئة، وفقه نشأة الاستبداد وأمراضه، وفقه الشورى وآلياتها المعاصرة، وفقه السنن الربانية، وفقه الإدارة والعلوم المؤسسية، وفقه آلية قراءة المشكلات، وفقه التأثير والإعلام، وفقه التفكير الإسلامي... وغيرها من العلوم المساعدة لفهم الواقع، والوصول إلى حل ونتيجة.. خلاصتها هو: كيفية عودة هذه الأمة لحمل الرسالة، وإقامة الدين، وتحكيم الشريعة، وإعلاء كملة الله.. وتوحيد أمة حبيبه ☺.
والانتباه الأشد أهمية - والسابق ذكره - أن الواقع الشرعي للإسلام غير موجود أصلاً، وإن استدعاء الفقه على هذه الحالة يعتبر إهانة للإسلام، وقال كلمته المشهورة: "إنهم يريدون إسلاماً أمريكياً يُستفتى في نواقض الوضوء، ولا يُستفتى في أحوال المسلمين السياسية والاجتماعية...إلخ"
وهذا ما عمل عليه سيد قطب، وهذه هي المحاور التي يدور عليها كل إنتاجه الفكري:
المحور الأول: بيان معنى ومدلول "لا إله إلا الله"، وبيان "شرع الله" كقضية عقيدة.. وحاكميته في حياة البشرية.
المحور الثاني: إسقاط شرعية العلمانية كنمط حياة، وكشف زيفها.. وتقديم الإسلام في صورة النموذج المثالي الصالح لكل البشرية.
المحور الثالث: إسقاط شرعية الطاغوت، وأدوات المحتل الصليبي.. ودفع الأمة للخروج من "الملك الجبري والطواغيت" إلى "الخلافة الراشدة".
المحور الرابع: أن سيد قطب كان يخاطب الروح والعقل لا المحكمة الشرعية.. واستطاع ببراعة أن ينقل عبر قلمه في أسلوب - لم يسبقه إليه أحد - معانٍ تنفذ إلى القلوب، وترفرف بالأرواح! الأمر الذي لم يُعجب جمود السلفية على ألفاظ معينة يعتبرون من يحيد عنها فقد خرج عن السنة! ومن هنا جاءت الاتهامات تترى.
المحور الخامس: دفع الأمة للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، وتحكيم شرعه.. الأمر الحتمي طبقاً لسنن التدافع بين الحق والباطل.
لم تكن قضية سيد قطب قضية مذهبية أو خلافاً فقهياً.. أو مسألة جزئية مُختلفاً عليها، بل نأى بنفسه عن الخوض في أي من هذه الأمور، ولهذا عندما يأتي من ينتهج منهج "الإدانة والحكم" لإنتاج سيد قطب لا يجد فيه شيئاً يصلح لخدمة منهجه، ويقول: أهذا هو سيد الذي تتحدثون عنه؟ أين هي بضاعته؟ أين هو من إنتاج السلف؟
وأحب التأكيد مرة ثانية أن سيد قطب هنا مجرد مثال لتبيان الفرق بين منهج "الإدانة والحكم" وبين منهج "التحليل والتشخيص والعلاج".

ولنوضح بمثال آخر: الصوفية

تجد في منهج "الإدانة والحكم" القادم من فترة الملك العضوض.. الحديث عن الصوفية - في الغالب الأعم - فقط من ناحية الأحكام: ( سنة - مبتدعة - أنواع البدع - مرتدين - مشركين... إلخ ) وهي أحكام نرجع فيها إلى أصول "أهل السنة والجماعة" في الاعتقاد. ولكننا لم نجد منهجاً لـ "التحليل والتشخيص والعلاج"، لمن نجد مثلاً:

من يحلل لنا الشخصية الصوفية وكيف تفكر؟
ما هي الأمراض النفسية التي أصابتها؟
ما هي العيوب النفسية الملتبسة بها، وما هي مداخل الشيطان لها؟
ما هو التشخيص الدقيق لكل حالة؟
ما هو الواقع الاجتماعي الذي أدى إلى انتشار الصوفية؟
ما هي الظروف السياسية المستبدة والظالمة والجائرة التي جعلت المتصوفة يهربون من الواقع، وينتظرون المخلص والمهدي وتتعلق بالأولياء والمصلحين؟..
ثم ما هو العلاج الناجع، وما هي الوسائل التي نصحح بها معتقد هؤلاء، وكيف نطرق عقولهم بأدب، وكيف نلمس أرواحهم برفق؟
وجدنا صراعاً "سلفياً - صوفياً" مازال قائماً حتى هذه اللحظة، صراعاً لعبت فيه السياسة قديماً وحديثاً دوراً في تأجيجه لصالح "الطبقة الحاكمة" ؟!

*  *  *
ومن هنا تتبين ملامح كل منهج :
منهج "الإدانة والحكم": يبحث في إدانة الشخص كأنه واقف أمام محكمة، وقاضٍ.. ويبحث في الأدلة، ومناطاتها، وملابستها، وعوارضها...إلخ.
منهج "التحليل والتشخيص والعلاج": منهج يبحث عن المشكلة وسببها، ولا يخجل من إعلانها.. ويبحث عن العلاج، ويستخدم أدوات الفكر والتصور الإسلامي.. ويقدم الرسالة على المذهب، ويقدم آليات إحياء الأمة، وإسقاط الطاغوت والعلمانية وطرد المحتل الصليبي.. وإعداد الأمة للجهاد.
وإننا بحاجة إلى كلا المنهجين: لكن أي المنهجين أولاً؟؟
بالطبع منهج "التحليل والتشخيص والعلاج": نحتاجه لإعادة الواقع الإسلامي الشرعي الذي فيه: تعلوا الشريعة حكماً وتطبيقاً، وهذا ما يتطلب اكتشاف أمراض الأمة، ومعالجتها.. وحشد الأمة نحو قضاياها المصيرية وعلى رأسها: إسقاط شرعية العلمانية، والطواغيت.. أدوات الصليب، وتهيئة الأمة للجهاد في سبيل الله، الأمر الذي لا ينشغل بإجراء الأحكام على "أفراد" الأمة وإنما ينشغل بتعبأة وحشد الأمة نحو الخروج من "الملك الجبري" إلى "الخلافة الراشدة".
وأما منهج "الإدانة والحكم": فنفهم أولاً أن الإدانة غير الحكم.. الإدانة معناها: الوقوع في حالة مضادة لمبادئ وأحكام الشريعة، وتتطلب هذه الحالة محاكمة يتم فيها: الفحص والسؤال والمناقشة والدفاع والدليل والمناط والاستتابة أولاً.. في حال ثبوت الإدانة، ثم يأتي الحكم كمحصلة نهائية لما انتهت إليه نتيجة الإدانة.. وليس كما يظن البعض ويستسهل إطلاق الأحكام. فالإدانة والوقوع في حالة مخالفة للشريعة تستلزم بعدها - حتى يتم إجراء الحكم - التأكيد والتمحيص والتوثيق وجمع الأدلة، وضبط مناطاتها... إلخ مما يتوافق مع "المحاكم الشريعة-الإسلامية">الشريعة الإسلامية" التي تتضمن كافة ضمانات الدفاع والحقوق... إلخ.. من مكونات المحكمة التي تليق بالحق والعدل الرباني..
ثم يأتي الحكم بعد ذلك في صورة جدية قابلة للتنفيذ.. وليست محكمة في الهواء، وعليه فستكون لدولة الإسلام السلطان المادي الذي يُنفذ مثل هذه الأحكام..
سنحتاج منهج الإدانة والحكم هذا، وسنحتاج معه إلى تجديد الفقه الإسلامي سيما في جانب المعاملات، واستحداث الأدوات الجديدة التي فرضها الواقع لفهم المشكلات الواقعية، وما سيستجد في رحلتنا نحو "الخلافة الراشدة" من مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية...إلخ.
أما استحضاره ونحن في واقع علماني لا يعلو فيه الإسلام، فهذه أولاً: إهانة للإسلام. وثانياً: ترسيخاً وإضفاءً لشرعية العلمانية.
إن أحد كبرى أخطر الإشكاليات التي يعاني منها "العقل المسلم" هي اعتماد منهج "الإدانة والحكم" بدلاً عن "التحليل والتشخيص والعلاج" وازدادت الكارثة بإشكالية "التعصب".
وإن أصول الاعتقاد لدى أهل السنة والجماعة "محررة" بدقة بالغة، وجهود علماء السلف ô حفظت الأمة على مدار القرون من "الانحراف" نحو "البدع والأهواء".. ولكن عندما يتوجه المسلم إلى تراث "الملك العضوض" ويعتمده منهجية وآلية وحيدة لفهم الدين والرسالة.. على ما في هذا "التراث" من علوم عظيمة وجليلة، وجهود علمية جبارة.. إلا أن الأغلب الأعم منها نجده تراثاً "لأهل القضاء والقضاه" وقد بُنيت على أساس هذه القاعدة.. علوم للتأهيل لمنصب "القضاء والفتوى" فكانت في صلبها تعتمد على طريقة: "الإدانة والحكم" لا "التحليل والتشخيص والعلاج" !
واستدعاء المسلم المعاصر لهذه الطريقة، جعلته يتساهل في إطلاق الأحكام، ويدين من يشاء، ويبرأ من يشاء، وقد زادت الكارثة بالتعصب وعبادة الذات.. فهو سيبرأ ساحته دوماً، وسيُوقع أشد الإدانة والحكم على الآخرين !!
هذه الطريقة استهلكت عقول وطاقات شباب المسلمين، وقد قال الشيخ عبدالمجيد الشاذلي ؒ: "إن الناس انشغلت بالرد على الشبهات عن فقه قيام الدولة"، وهذا منزلق خطير، يحذر منه رجل أفنى كل عمره في الحديث عن عقيدة الإسلام، وعن الدفاع عن منهج أهل السنة.
هذه الطريقة حزّبت الأمة، وعزلتها عن بعضها، ومارس كل فرد وظيفة "القاضي" على الآخرين !
وإن المسألة ليست في إجراء الأحكام على الأمة.. فمهما بلغت الأمة من السوء، فواجبنا نحوها هو: الدعوة، والإحياء، واسترداد ريادتها وعزها، وكل من لم يحمل السلاح فهو آمن، وله حق الدعوة والبلاغ والبيان..
وأما الاحتلال الصليبي وأدواته العلمانية.. فواجب الأمة نحوه: "الجهاد" والاستئصال من بلادنا، هذه هي معركة الإسلام، هذه هي معركة الأمة.. فــ ﴿ جَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ♂ [الحج : 78]

*  *  *
الخلاصة:
منهج "الإدانة والحكم" على الأمة وواقعها ومشكلاتها: يكون بعد علو الشريعة حكماً وتطبيقاً، وسنحتاج فيه إلى الأدوات والعلوم التي استجدت وتطورت في فهم الواقع، والسابق ذكر بعضها.
منهج "التحليل والتشخيص والعلاج": هو المنهج الذي نحتاجه لتحرير الأمة وإحيائها، واستئصال العلمانية من الفكر والتصور.. ومن الحكم ونظم الحياة؛ واستبدالها بالإسلام، وطرد المحتل الصليبي بأدواته وعملائه، والخروج بالأمة من "الملك الجبري والطواغيت" إلى "الخلافة الراشدة".
فاحشدوا طاقاتهم وفكركم وعملكم من أجل.. عودة الخلافة الراشدة.

أخبار ذات صلة

خلال السنوات الأخيرة شهدت مصر تحولات لذوي توجهات عديدة نحو تنظيمات إرهابية، ما تسبب في خسائر بشرية وأضرار مادية، ... المزيد

انسحب تنظيم "القاعدة" مساء الجمعة، من الأطراف الشرقية لمديرية "حجر" بمحافظة حضرموت شرقي المزيد

حذرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، اليوم الجمعة، من أن خطوة نقل السفارة الأمريكية في المزيد

مشروع الدولة الدينية اليهودية على أرض بيت المقدس بُني بأموال اليهود، وهو يقفز اليوم قفزات نوعية على طريق مشروعهم الأكبر والأخطر ( إسرائيل الكبرى) ال ... المزيد

1- لست منحازا لفصيل معين بل أنا منحاز إلى الثورة،

أما وقوفي ضد فصيل يحمل فكرا مدمرا غير قابل للحياة ويتبع سياسة التغلب لي ... المزيد

تعليقات