البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

مناقشة لكتاب (المنقذ من الضلال) لأبي حامد الغزالي

المحتوي الرئيسي


المنقذ من الضلال كتاب للإمام أبو حامد الغزالي المنقذ من الضلال كتاب للإمام أبو حامد الغزالي
  • عمر محمود أبو قتادة الفلسطيني
    15/12/2015 11:04

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين حبيبنا وإمامنا وسيدنا وقائدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغرّ الميامين وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإياكم منهم، آمين.
أيها الإخوة الأحبة، هذا لقاء جديد مع كتاب جديد في مشروع "ألف كتاب قبل الممات". وكتابنا اليوم هو كتاب الإمام الغزالي -رحمه الله- كتاب (المنقذ من الضلال).
 
وفي الحقيقة عندما يكون الرجل بوزن الإمام الغزالي، هذا الوزن الذي اكتسبه بسبب تشابك شخصيته، وزنٌ عظيم وسبب هذا الثقل أنّ الغزالي شخصية متشابكة لا يمكن رصدها في اتجاه واحد.
 
يمكن أن نرصد الرجل فقيهًا، أصوليًا، محدثًا، فيلسوفًا، متكلمًا، عالمًا في فن من الفنون أو في فنين أو ثلاثة إلى غير ذلك، ولكننا نرى أن الغزالي شخصية من شخصيات الجمهرة.
 
ويُقصد بشخصيات الجمهرة -وهذه رضيها الشيخ الأستاذ محمود شاكر بدلًا عن كلمة موسوعي- فكلمة جمهرة يُستعاض بها عن كلمة موسوعي. 
والغزالي شخصية جامعة لفنون العلوم الإسلامي">الإسلامية وغير الإسلامي">الإسلامية، وكتابه هذا الذي بين أيدينا وهو المنقذ من الضلال يبيّن هذا التشابك، ويبيّن هذه الجمهرة العظيمة في شخصية هذا الرجل. فإن طرقت الغزالي فقيهًا فهو مرجع من مراجع الفقه الشافعي، وكتبه من أوسع مصادر كتب الإمام الشافعي وما فيها من أقوال وما فيها من فتاوى.
 
وقد كتب في الفقه كتبًا ثلاثة: البسيط، والوسيط، والوجيز.
 
وإن جئته أصوليًا فهو كذلك، وكتابه في الأصول سواء كان المستصفى وهو الأشهر أو المنخول فهو كذلك ركن من أركان الأصول على طريقة المتكلمين كما يعدها ذلك ابن خلدون سواء وافقناه أو خالفناه، لكن لا شك أن كتاب المستصفى أثّر فيمن بعده تأثيرًا كثيرًا سواء في التصنيف أو في المباحث أو في المواضيع.
 
وكذلك إذا ذهبنا إليه عالمًا اجتماعيًا أو خبيرًا نفسيًا ذهبنا إلى (إحياء علوم الدين)؛ فهو منجم كبير لقضية التربية. وأخذت نظرياته في التربية إلى أوسع مدى من المخالف والموافق، حتى مع كراهة المدرسة الحنبلية السلفية لما يقوله الغزالي إلا أنها اضطرت أن تذهب إلى كتاب الإحياء فتختصره، كما اختصره ابن قدامة في منهاج القاصدين؛ وذلك لقوة هذا الكتاب وأسره.
 
وكما قلنا في دروس الموافقات لكن لا بأس أن نكررها هنا حتى يكون الكلام منتشرًا من عدة مصادر، أنّ ابن قدامة تأثر من مقدمة الغزالي في المستصفى ووضعها في كتابه الأصولي الحنبلي الشهير. والغزالي مبدع في كتبه، لا يمشي على منوال الآخرين، أمّا قول الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية -رحمه الله- أنّ كتاب الإحياء مأخوذ من قوت القلوب أو مأخوذ من الرعاية للمحاسبي فهذا من جهة استدلالاته ومن جهة نقولاته، وأما من جهة صياغة الكتب وما فيها من أبحاث فلا شك أن كتب الغزالي جديدة كل الجدة، وهي فن مما يمكن أن يطلق عليه أنها نسيج وحدها.
 
فلو ذهبت إلى الغزالي مربيًا عالمًا اجتماعيًا لوجدته في هذا سيد من السادات في هذا الباب. ولو ذهبت إليه مصنفًا مبدعًا في الكتب فيكفي أن كتاب المنقذ من الضلال قلّما نشأ كتاب إسلامي على منواله لأن البعض وقد صدقوا في جانب كبير مما قالوه وأصابوا بأن كتاب المنقذ من الضلال يُعد من السيرة الذاتية والعلماء لا يكتبون سيرهم الذاتية.
 
لا يوجد في تاريخنا كتابة السيرة الذاتية، وهو فن قليل جدًا في تاريخ الثقافة الإسلامي">الإسلامية وفي تاريخ المصنفات الإسلامي">الإسلامية. وإنما تُستقى السيرة الذاتية للعلماء لنُتَفٍ تُقال هنا وهناك، أمّا أن يكتب الرجل عن نفسه فهذا قليل، لكن يمكن أن تؤخذ سيرهم من خلال بعض النصوص في كتبهم. تُجمَّع حتى تجتمع بعض الصورة لهذا العالم أو ذاك، لكن المنقذ من الضلال على منوال السيرة الذاتية.
 
ولو جئت للغزالي كذلك فيلسوفًا فهو فيلسوف، وكتابه تهافت الفلاسفة يدل على أنه دخل في أجوافهم كما وصفه تلميذه ابن العربي المالكي. وكتابه تهافت الفلاسفة صار مرجعًا عند الفقهاء في الحكم على الفلاسفة وأقوالهم، وما هي مرتبتهم في دين الله -عزَّ وجلَّ-.
 
وإذا جئنا إليه متكلمًا فهو على مذهب الأشاعرة في اختياراته الكلامية، وكتبه فيها الكثير من هذا. ولو جئنا إليه شخصية متناقضة فأنت تعجب من هذا الرجل الفقيه كيف يقول كلامًا في الإحياء على غير منوال الفقه؛ ولذلك عُدّ كتابه الإحياء مزجًا غريبًا وجديدًا لم يُعهد من قبل بين الفقه والتصوف. يعني أول من مزج الفقه بالتصوّف هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة 505هـ.
 
فهذا الإمام الغزالي شخصية جامعة وعاشت حياتها كما عاشت هذه الأفكار المتعددة والدليل هذا الكتاب المنقذ من الضلال يكشف فيها الغزالي أنه عاش هذه الكتب في حياته، وتقلّب فيها وأراد أن يستبصر الحق من خلال هذه المسيرة، سواء كانت العقدية أو السلوكية.
 
وإذا جئته عالمًا بالباطنية فإنه يقول أنّه مر على هذا الطريق وكان مقتنعًا به أو أنه عاشه لمدة شهرين تقريبًا من الزمن، وألّف بعد ذلك كتابه الشهير (فضائح الباطنية). وكتابه فضائح الباطنية كذلك مرجع عند الفقهاء والعلماء في معرفة أصول الباطنية.
 
فهذه الشخصية إذًا جامعة، وهو ككل علمائنا ابن بيئته في الردود، ويعني أنّه لم يستجلب حروبًا خارجية، وهذه نقطة مهمة جدًا، فهو لم يستجلب حروبًا ومعارك من خارج زمنه، بل كل ما تكلمنا عنه كان موجودًا في زمانه؛ كان هناك الباطنية الحاكمة، الإسماعيلية المتمثلة في العبيدين، وكان هناك مدرسة الفقهاء، والمدارس النظّامية   المتعددة في بلاد المسلمين التي أنشأها نظام الملك من أجل إيقاف المد الباطني والقضاء على القرامطة وهذه منقبة لهذا الرجل.
 
وكانت كذلك تتبنى عقيدة الأشاعرة للرد على الباطنية لأن هذا هو الموجود للرد على الباطنية والزنادقة. وكان الغزالي مدرسًا في نيسابور في المدارس النظامية في أول حياته وقبل رحلته المتقلبة فيما ذكر عن نفسه، وبعد أن استقر به المقام متصوفًا سائرًا على طريقة الصوفية، فمن دمشق إلى بيت المقدس إلى مكة والمدينة ثم عاد مدرسًا إلى نيسابور مرة أخرى. وخلال هذه المدة ألّف كتابه المنقذ من الضلال.
 
فلذلك الحديث عن الغزالي ليس سهلًا ويعجبني العقاد حينما قال إن العقل المسلم هو عقل الغزالي. العقاد هذا القارئ الشهير سواء خالفناه -ونخالفه كثيرًا- أو وافقناه ولكننا نقر بأنه مطلع وأنه من القارئين النهمين في الوقت المعاصر، وأحكامه في قراءاته تقترب من الصواب ما لم تكن حديثًا عن الإسلام ومنهج المسلمين، لكنه قال بأن العقل المسلم هو عقل الغزالي، وكأن الغزالي جمع كل ما ينتسب إلى الإسلام من عقول متفرقة.
 
وأما الزعم بأنّ عقل الغزالي هو عقل بياني كما يقول علي الجابري فهذه طريقة غير جيدة في الحكم على الأشخاص، بل نجد أن الشخص يمكن أن يجتمع فيه البيان والعقل ونجد فيه كذلك الغنوص كما في الغزالي.
 
فالحديث عن الغزالي ليس سهلًا، هذه يجب أن نقررها. فمن هو الغزالي ينبغي أن نبتعد عنها. يعني سيكون من الصعب الإجابة من هو الغزالي، ولكن يمكن أن نسهل الأمر بأن نقول ما هو الإحياء؟ ما هو تهافت الفلاسفة؟ ما هو الوجيز أو البسيط أو الوسيط؟ ما هو فضائح الباطنية؟ ما هو المنقذ من الضلال؟
 
يمكن أن نرصد حكمًا قريبًا من الحق حينما نقرأ الكتب فنحكم على الكتاب وأما الحكم على الغزالي من هو فهذا صعب، حتى لو جئنا إلى خاتمة كتبه، فآخر الكتب التي ألّفها هو المنقذ من الضلال، لأنه اعترف في بداية الكلام أنه ألّفه بعد الخمسين. يعني قبل أن يموت بخمس سنين فقط، لأنه يقول وقد تجاوزت أو نفت على الخمسين ومعروف أن الغزالي عاش خمسة وخمسين سنة. انظر إلى هذا الإنتاج في هذا العمر القصير!
 
وكتابه الإحياء ألّفه كذلك بعد رحلته (رحلة التصوف)، فلو حكمنا على الغزالي بنهاية إنتاجه لرأيناه صوفيًا، والإحياء مع ما فيه من خيرات ومع ما فيه من علوم ومع ما فيه من شطحات، فقهاء كثر كالمازري وغيره انتقدوه وكذلك الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية رحم الله الجميع. وأُحرق الإحياء لما دخل المغرب">المغرب لحكم الفقهاء فيه وليس حكم المبتدعة فيه، أحرقوه لما فيه من بدع في نظرهم ورأوه انحرافًا فقهيًا. وكان هناك التشدد عند فقهاء المالكية في قضية رصد ظاهرة الزندقة في الأندلس والمغرب">المغرب، وقد كان عندهم حساسية شديدة، مع وجود دولة الموحدين التي تنتسب إلى الكلام والفلسفة.
 
ولذلك المهدي ابن تومرت الذي أنشأ دولة الموحدين يعد نفسه تلميذًا للغزالي. ومما يُذكر في ترجمة الغزالي أنه أراد أن يرحل إلى المهدي ابن تومرت ولكن وصله خبر وفاته، فيُعد المهدي ابن تومرت تلميذًا للغزالي. والغريب أن كثيرًا من علم الكلام وعقائد الأشعرية انتشرت في المغرب">المغرب من خلال تلمذتهم للغزالي. وهذا دليل على أن الإمام الغزالي شخصية آسرة، يمكن أن تُنتقد بعد الخروج عن دائرتها، ولكن في الابتداء تذوب الشخصية الناظرة إليه في داخل هذه الدائرة، فشخصيته قوية.
 
لكن لماذا سُمي بحجة الإسلام؟ يُذكر أشياء كثيرة أبعدها ما يُذكر في كتب الصوفية، وكتب الصوفية تكذب، يضعون القصص الخيالية في الكرامات وفي غيرها، يقولون بأن الغزالي رأى موسى عليه السلام في المنام فقال له موسى ما اسمك؟ قال محمد بن محمد بن محمد الغزالي، فقال له أما يكفي أن تقول محمد الغزالي وينتهي الأمر؟ قال وأنت ألم تقل: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} أما كفاك أن تقول عصا وتسكت؟ قالوا فحجّه فسُمي حجة الإسلام.
 
لكن الأشهر في تسمية الغزالي بهذه التسمية أنه طُلب للمناظرة في وقت الحج من قبل بعضهم من المخالفين فقال {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} فغلبهم فسُمي بهذه التسمية حجة الإسلام. والأسماء لها أسبابها الحادثة ولكن بعد ذلك تشيع فتصبح علمًا على الرجل. وكلمة حجة الإسلام عادة لا تُطلق في البيئة السنية إلا على هذه الشخصية.
 
لو جئنا للغزالي في خاتمة أمره باعتبار انتهاء رحلته فيما تمثل من كتاب المنقذ من الضلال الذي اخترناه للنقاش، أو من خلال كتابه الإحياء فإن الحكم عليه سيكون شديدًا. وخاصة ما قاله في الإحياء في مبحث التوحيد فله كلام خطير لا يُمكن أن يُفسر إلا على وجه واحد وهو أن الغزالي يقول بوحدة الوجود. ولذلك لما انتُقد الكتاب والكتاب صار بين أيدي الناس وتحدث الناس عنه حديثًا شديدًا فردّ على حديثهم وانتقاداتهم بكتاب الإملاء، الذي ردّ فيه على الاعتراضات الناشئة على كتاب الإحياء.
 
وصرّح تصريحًا شديدًا أن التعدد في الكون هو مظهر لوحدة واحدة وهو الله. هذا كلام خطير، ولكن الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية -رحمه الله- يعتذر عنه أنه في آخر عمره انكبّ على صحيح البخاري ومات وصحيح البخاري على صدره. ويعزو الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية الانحراف والرحلة غير المهتدية للغزالي إلى غياب السنة والقرآن عن هذه الشخصية. وبلا شك أنا أقر بهذه النتيجة وخاصة أن البيئة التي يعيش فيها مختلطة وغريبة، وقد بيّنها في كتاب المنقذ من الضلال، فنرى أن السنة ليست بهذا الانتشار بين الفقهاء وبين المتكلمين وبين الأصوليين، السنة قليلة، هناك انتشار للقياس، انتشار للتخريجات الفقهية على كلام الأئمة، ولكن السنة ضعيفة.
 
ودليل ذلك أن والد شيخ حجة الإسلام الغزالي وهو أبو محمد الجويني والد أبي المعالي الجويني صاحب الغياث الشهير أراد أن يؤلف كتابًا في الفقه وأن يؤلفه على طريقة المحدثين، بمعنى أن يحضر النص مع الحديث ليس على طريقة الفقهاء والمتون- فأنت لو رجعت إلى كتب الغزالي، وأنا لم أرى إلا الوسيط والوجيز أما البسيط فلم أره، لا ترى حديثًا. يعني ترى أقوال المذهب فقط، بخلاف المجموع؛ ففيه يناظر ويناقش ويرجّح من خلال النصوص. ولكن كتبه الفقهية لا تذكر الأحاديث.
 
ومعرفة الغزالي بالحديث كما هو بيّن في كتاب الإحياء معرفة ضعيفة؛ فهو يأتي إلى الأحاديث التي لا أصل لها وينسبها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يعرّج على الحكم عليها، ولذلك اضطّر الإمام العراقي أن يخرّج أحاديثه فيما هو مشهور. واختصره بعد ذلك وألّف كتابًا كبيرًا في تخريج الإحياء.
وللذكر هنا فائدة -وإن كانت خارج السياق لكن الناس يحبون الخروج مرات عن السياق- كان الإمام العراقي يخرّج أحاديث كتاب الإحياء وكان الإمام الزيلعي الحنفي يخرّج أحاديث كتاب الهداية الكتاب الذي انتشر بعد ذلك بنصب الراية، وفي نفس الوقت مع صداقتهما هذا شافعي وهذا حنفي وكلاهما إمام في الحديث وكان كل واحد يحضر للآخر نتيجة ما يصل إليه فيتعاونان بينهما، هذا يفيد هذا وهذا يفيد هذا.
 
وكتاب نصب الراية للزيلعي قلّما يوجد كتاب مثله في تخريج أحاديث الكتب الفقهية، وهو مرجع عظيم ومهم جدًا. والزيلعي أظهر إمامة عظيمة وبراعة في هذا الأمر. اختُصر هذا التخريج فيما هو معلق في المطبوع عليه، وهذا المطبوع على تخريج الأحاديث في كتاب الإحياء هو المختصر وليس هو الكتاب الأصلي.
 
القصد أن الغزالي في الحديث ضعيف. وأنا قلت ذات مرة إذا كنتم تذكرون في مقدمة كسر الصنم للشيخ البرقعي الذي خرج من التشيع إلى القرآنية تقريبًا، وإن لم يكن منكرًا للحديث، ولكن القرآنية بمعنى أنه لم يصبح سنيًا بمفهوم التصنيف الناشئ بين سني وشيعي، وقلت بأن مناظرة البرقعي لكتاب الكافي في الأصول -من كتب الرافضة الشيعية المشهورة وهو من عمدة كتبهم الأربعة- أنه كان فاقدًا للسنة. في المناظرة كان مدركًا للقرآن بطريقة لغوية، ومدركًا للعقل الذي تمكن منه خلال مسيره، ولكنه كان فاقدًا للسنة في المناظرة.
 
وإذا كان المرء فاقدًا لأسلحة مهمة في المناظرة فربما بل على الأغلب تكثر سقطاته. كذلك كتاب الإحياء لأنه فاقد للسنة بل بضاعته في الحديث مزجاة، فبضاعة الغزالي مع كثرة ما استشهد به من أحاديث مزجاة؛ فإنه كثيرًا ما يأتي بالأحاديث التي حكم عليها العراقي بقوله لا أصل لها.
 
هناك باحث شهير اسمه الأستاذ محمود أبو القاسم له نظرية لا بد أن نعرج عليها، وهي عند علماء الحديث مرفوضة، ولا تصلح لإنشاء قاعدة علمية للارتكاز عليها. يقول بأن هذه الأحاديث التي لا أصل لها وكثيرة في الإحياء منشأها الكشف.
 
ومقصود كلمة الكشف كما سنتبين في قراءتنا للمنقذ أن يحضر النبي، فالكشف هو الغنوص وهو البحث عن المعرفة عن طريق الذوق. وهو أحد وسائل العلوم المخالفة للكتاب والسنة، وهذا سنبيّنه إن شاء الله لأنه مهم. يقول والكشف بالمفهوم الإسلامي">الإسلامي هو أن يرى المرء الحقائق عيانًا، فيُكشف له الحجاب">الحجاب، فيسأل من يريد ويستحضر من يريد، ويحضر إليه من عالم الغيب ورجال الغيب من يريد فيتعلم منهم مباشرة ويأخذ منهم العلوم مباشرة.
 
ومن هنا نشأت لفظة "حدثني قلبي عن ربي". ومن هنا أنتم تأخذون علومكم ميت عن ميت وأنا آخذ علمي حدثني قلبي عن ربي. فيقول الأستاذ محمود أبو القاسم بأنّ هذه الأحاديث جاءته عن طريق الكشف، الذي لا أصل له، بمعنى أنه أخذها من النبي مباشرة على الوهم الصوفي المشهور في الكشف. هذه نظريته، وهو يتوسع فيها توسعًا غير مقبول بلا شك.
 
لكن مما يرد على هذه النظرية أن كل الأحاديث التي ذكرها الغزالي موجودة، فكونها لا أصل لها لا يعني أنه أنشأها. هي موجودة في البيئة التي يعيش فيها، ولم ينشئها الغزالي، وإنما ضُعف علمه في علم الحديث هو الذي جعله يستشهد بها.
 
أرجع إلى قصتي التي شرعت فيها لتعرفوا البيئة التي كان يعيشها الفقهاء ويعيشها الأصوليون ويعيشها الناس في ذلك الوقت، لما أراد أن يؤلّف أبو محمد الجويني والد شيخِ الغزالي كتابًا في الفقه الشافعي شرع بكتاب المياه؛ لأن باب الصلاة لا يتم إلا بالوضوء، فلا بد من معرفة أحكام المياه على طريقة أغلب الفقهاء سوى المالكية، لأنّهم يبدؤون بكتاب الأذان كونه المعلم لدخول الوقت وشرط دخول الوقت هو الذي ينشئ وجوب الصلاة.
 
لما ألّف كتابه وبدأ بكتاب المياه استشهد بحديث ونسبه للصحيحين وهو حديث الماء المشمس. وهذا الحديث لا أصل له، فيه كراهة الماء المشمس والنهي عنه وأنه يورث البرص إلى آخره. فهذا حديث لا أصل له، لا وجود له في كتب السنة، ونسبه أبو محمد الجويني للصحيحين. من أين علمنا هذه القصة؟ 
علمنا هذه القصة من رسالة للبيهقي إلى أبي محمد الجويني.
 
أبو بكر البيهقي إمام الحديث في عصره، وهو الذي قيل فيه للشافعي يد على كل عالم حمل المحبرة إلا البيهقي فإن له يدا على الشافعي. علمنا هذه القصة من رسالة منشورة، وهناك كتب اهتمت برسائل العلماء كرسالة مالك إلى الليث رحمهما الله، ورسالة الليث إلى مالك. ومن الرسائل التي اهتم لها أهل الإسلام هي رسالة أبي بكر البيهقي إلى أبي محمد الجويني.
 
أبو محمد الجويني إمام شافعي عظيم سواء كان في علمه أو في تقواه، ومرجع زمانه في مذهب الشافعي، ومع ذلك يجعل هذا الحديث في البخاري ومسلم، يعني أن هذا الإمام لا يعرف البخاري ومسلم. ولذلك لا تتعجبوا أنّ الغزالي لا يعرف البخاري، أو أنه في آخر عمره يبحث عن البخاري من أجل أن يقرأه. هذا ليس عجيبًا والدليل أن هذا الإمام الفقيه الذي هو مرجع للمذهب الشافعي عليه رحمة الله أبو محمد الجويني يؤلّف كتابًا في الفقه وينسب فيه حديثًا للبخاري ومسلم وهو حديث لا أصل له.
 
والإمام البيهقي كما قلنا لا يوجد إمام من الأئمة بعد الأئمة الأربعة بهذا الاتساع الذي هو عليه في الحديث. يمكن أن نجعل معه مثلًا الدارقطني، وإن كان الدارقطني أكثر في العلل، ويمكن أن نجعل معه الإمام أبو جعفر الطحّاوي. ولكن لا شك أن البيهقي كما قال العلماء ما من أحد حمل القلم والمحبرة إلا وللشافعي عليه يد إلا أبو بكر البيهقي فإن له يدًا على الشافعي؛ لأن كتبه هي التي أثبت فيها أن الشافعي كما قيل عنه قلّما حديث فاته في الفقه.
 
هذه كلمة بعض الناس يجهلها، يظن أنها مبالغة، والحقيقة أنها ليست مبالغة. الشافعي لا يجهل الأحاديث التي بها يستند الفقيه. والدليل أنه لا يوجد فقيه في الدنيا يمكن في هذا اليوم أن يكون فقيهًا غير مقلد ويجهل كتاب السنن الكبرى للبيهقي. هذا كتاب السنن الكبرى للبيهقي لا يجوز للمرء أن يجتهد ولا أن يتكلم في الفقه حتى يكون بصيرًا بهذا الكتاب عالمًا بما فيه باحثًا بما يقول فيه الإمام. وليس فقط السنن الكبرى، عند الإمام السنن والآثار، وهذه كلها من أجل تدعيم مذهب الإمام الشافعي في الفقه.
 
القصد أن البيئة التي عاشها الغزالي، كان الصليبيون قد جاؤوا إلى بلاد الشام وغلبوا على بلاد الشام، وكان العبيديون الباطنية -العبيديون هم الباطينة، هم السبعية، العبيديون هم الإسماعيلية، وإذا قيل القرامطة أو السبعية أو الباطنية أو الإسماعيلية فهي كلها أسماء لشيء واحد. الإسماعيلية هم الأصل على أساس افتراق الجعفرية إلى قسمين، جعفر مات فكان له ابن اسمه إسماعيل الكبير، وأصل الولاية أن تكون في الابن الأكبر على طريقة التوراة. ولكن إسماعيل الكبير مات فسقطت النظرية الرافضية مرتين في قضية انتقال الإمامة إلى الأكبر منها هذه لما مات جعفر كان له ابن مات صغيرًا وهو إسماعيل.
 
فجعولها موسوية وهم الرافضة الموسوية الاثنا عشرية، فأول شيء جعفرية رافضة لكون الجعفرية خرجت عن الزيدية حين رفضوه، وموسوية واثنا عشرية على أساس الأئمة عندهم اثنا عشر؛ جعفرية، إسماعيلية، سبعية. فإذا قلنا إسماعيلية، أو سبعية، أو باطنية، أو قرامطة، أو زنادقة عندما يتكلم الفقهاء فهم يقصدون هذه الطائفة. هذه الطائفة مع غلوّها غلبت على أهل الإسلام، وكانت تحكم المغرب">المغرب العربي كله، ومصر، واليمن، والحجاز، وبلاد الشام.
 
العقيدة الباطنية كانت منتشرة، والمتكلمون يملؤون كل واد ومكان. وفي زمن الغزالي كانت النزارية موجودة لأن الإسماعيلية انقسمت إلى قسمين؛ نزارية ومستعلية. النزارية هم العبيديون، والمستعلية هم الذين أنشؤوا دولة آل موت في خراسان. آل موت يعني عش العقاب، لأن الناس دائمًا يقرؤونها خطئًا قلعة الموت، هي قلعة آل موت، وسُميت عش العقاب لكبرها.
 
الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية - لتروا هذه الشخصية الخطيرة وهي شخصية الغزالي رحمه الله- اعتبر أن ابن عربي الطائي المكي الدمشقي صاحب فصوص الحكم والفتوحات المكية إنتاجًا للغزالي كما في بغية المرتاد. الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية كان يعيش في هذا الباب في عصره.
 
وكان هناك بلا شك القائلين بكثرة بوحدة الوجود، ومنهم بيبرس الجنكشيري الذي سجن الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية بعد أن خرج محمد بن ناصر قلوون إلى الحج وزعم أنه ذاهب للحج فنزل في قلعة الكرك واستقر بها فغلب بيبرس الجنكشيري وكان يعاقب الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية لتجريحه القائلين بوحدة الوجود. فقد كانت وحدة الوجود يُصرّح بها.
 
القصد بأن الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية يعتبر ابن عربي المشهور بالفتوحات المكية -وسُميت بالفتوحات المكية لأنه ألّفها في مكة- يعتبره إنتاجا للغزالي. وهذا مما يدلكم على من هو الغزالي في قوته وسطوته. وابن عربي هو بعد ذلك شيخ الجميع، هو شيخ ابن سبعين ومن ورائه، فابن سبعين تلميذ لابن عربي.
 
فإذًا أيها الإخوة الأحبة من هو الغزالي هذا شيء صعب. أنا بالنسبة لي لا أحب حين وفاة الرجل أن أتكلم عنه، قد أفضى إلى ربه. وأسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يكون مات على ما عليه الكتاب والسنة وعلى ما قاله شيخ الإسلام الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية أنه مات وعلى صدره صحيح البخاري.
 
كل من ينسب هذه القصة أن الغزالي مات وعلى صدره صحيح البخاري لا يجدون مصدرًا إلا كلام الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية وأنا حاولت أن أتقفّر هذه الكلمة أين توجد فيمن تكلم عن الغزالي غير الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية فلم أجدها. ولعله تلقّاها لأن العهد وإن كان بعيدًا قليلًا لكن يمكن أن تصله عن طريق المشافهة، خاصة أن الغزالي توفي سنة 505هـ والإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية توفي سنة 728هـ كما هو معروف.
 
كثير من الإخوة يحبون أن أتحدث عن الغزالي أكثر مما أتحدث عن المنقذ من الضلال. لكنني اخترت المنقذ من الضلال لأنه يعبر عن شخصية الغزالي، فهو رحلة. المنقذ من الضلال رحلة من ثمانين صفحة تقريبًا يتحدث بها عن رحلته في التفكر والسلوك ومعاناة الأفكار.
 
وما تحدث به يكشف لنا عن واقع الإسلامي">الإسلامية">الأمة الإسلامي">الإسلامية أين كان الناس، وما هي مذاهبهم، وما هي طرقهم. وأعود وأكرر كان الغزالي فاقدًا للسلاح. يعني من غرائب الأمور أنه لم يأت الغزالي على طريقة أهل الحديث، يعني في المنقذ من الضلال أول ما يجابه الباحث أنه لا يجد كلامًا للغزالي أن هناك طائفة اسمها المحدثون أو في العقائد على طريقة كذا وكذا فيتحدث عنهم، وإنما يتحدث عن كل شيء إلا هؤلاء.
 
والحالة الوحيدة التي لا يمكنه إخضاعها إلى المعالجات الفكرية كما عالج غيرها؛ لأن الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال -كما يزعم بعض الدارسين أنه هو أساس مذهب الغنوص والشك- فإذًا هو الحديث عن عقائد، هو يتحدث عن الباطنية، عن الفلاسفة، عن المتكلمين، عن الصوفية. وحين يأتي إلى الفقهاء يتحدث حديثًا ليس حديث العقل ما هي أسسهم الفقهية، بل يتحدث حديث السالك. وهذا بسطه في كتاب إحياء علوم الدين.
 
هناك رابط قوي وأنا أجزم أنه كتب المنقذ مع كتاب الإحياء. يعني كان في وقت سواء. وهو كشف هنا أنه كتبه بعد الرحلة المشهورة حتى عاد إلى نيسابور في آخر عمره، يعني بعد أن طوّفه في الخمسين وعاد إلى نيسابور واستقرّ في مدرستها هناك للتدريس. وكذلك الإحياء كتبه بعد رحلته الصوفية وبعد رحلته إلى دمشق ثم بيت المقدس ومن مكة إلى المدينة ثم رجع إلى هناك.
 
لماذا ألّف كتابه؟ تجدون النقد الذي يوجهه الغزالي في كتاب الإحياء هو النقد الذي يوجهه الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال للعلماء. فقد شرع في أول كتابه بنقد العلماء نقدًا سلوكيًا لا علاقة له بالمنهج. فلما نقد طريقة الفقهاء لم يأت إليها من جهة علمية، وإنما نقدها من جهة سلوكية. بخلاف نقده للطرق الأخرى؛ فإنه جاء إليها من جهة العقائد وجاء إليها من جهة السلوك.
 
مثلًا -وهذا الاستعجال في البحث ولكن لا بأس به- لما جاء إلى طريقة الفلاسفة فإنه انتقد مقالاتهم وما آلو إليه من أراء متبناة. ولكنه كذلك انتقد أن ابن سينا كان تاركًا للصلاة، وهذا مشهور عنه. فالفلاسفة يُعرف عنهم هذا الأمر وهو تهاونهم بالعبادات. ذُكر عن الآمدي في ترجمته والآمدي هو فيلسوف أصولي وهو معروف عند الفلاسفة أكثر، لكن عندنا نحن طلاب الشريعة ومسائل الفقه لا نعرف إلا كتاب الإحكام في أصول الأحكام، وبلا شك أنه كتاب عظيم في الأصول. ولكن يذكرون عن الآمدي أن تلاميذه شكوا أنه لا يصلي، فوضعوا حبرًا في أسفل رجله ليروا ثاني يوم هل غُسلت هذه بالوضوء أم لا، فوجدوا نقطة الحبر ما زالت على رجله.

القصد بأن الغزالي في نقده لطريقة الفقهاء لم يرها مقنعة لقلبه؛ فانتقد سلوكهم. وهذا بيّن في أول كتاب الإحياء فالكلام فيه عن العلم والعلماء، والذي جعله ينشئ هذا الكلام هو بيان فساد العلماء في عصره، وهذا حكمه عليهم في كتاب الإحياء وفي كتاب المنقذ من الضلال.
 
في كتاب المنقذ أنا لا أستطيع عندما يكون الأمر بهذا الاتساع في موضوع رجل بهذا التشابك لا يمكن إلا أن يكون الكلام قليلًا مهما توسعنا فيه.
لو أراد الناس انتقاد الغزالي فلينتقدوه في أصوله يدون انتقادات شديدة، حيث جعل المنطق أساس أصولي، كما أن النحو يعصم لسان المتكلم فكذلك المنطق يعصم عقل الأصولي. هذه قالها وصارت بعد ذلك وسرت بين الناس. يمكن أن يُنتقد بأنه في الأصول شكاك. يُمكن أن يُنتقد أنه ضعيف في الحديث. يُمكن أن يُنتقد بأنه صوفي قال بوحدة الوجود.
 
أنا أحاول - فلست في شرخ الشباب حتى أهاجم- وأتمنى أن يأتي أحد فيثبت أن ما قاله في الإحياء لا يؤدي إلى وحدة الوجود. مع أنه كتاب عظيم لكن في كلامه عن التوحيد للأسف يرى أن التوحيد هو الوحدة على طريقة الصوفية، بل رده في كتاب الإملاء يقول بهذا.
 
أرجو أن أكون مخطئًا وإذا ثبت خطئي فهذا أحب إليّ من الكثير.
 
هنا نقطة من الأمانة أن نذكرها: في بغية المرتاد الذي أنشأه الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية في الرد على الفلاسفة وخاصة الفلسفة الأفلاطونية، هو لا يذكر هذا، ولكنها الفلسفة الأفلاطونية لمن يعرف الفلسفة، والتي غزت العقل المسلم بأن العقل هو الله، يقول الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية إن مصيبة الغزالي أنه يأتي إلى العقائد الفلسفية فيطلقها بألفاظ إسلامية لتكون مقبولة، وهذا من اتهامات الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية له.
 
وإذا جئنا لما يقوله الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية ومراجع ما يقوله وجدنا هذه الكتب يُشكك في نسبتها. والإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية في مواطن يقول منسوبة إليه، وأنا دقّقت في هذا. ولكنه يرى أن الغزالي مرّ في هذه المحنة، وفي المنقذ ربما مرّ في هذه المحن، فكتاب "المضنون به على غير أهله"، هذا كتاب نُسب للغزالي، وهذا الكتاب لشدة ما فيه من مصائب، الصوفية أنفسهم قالوا هذا مكذوب عليه.
 
ولما جاء الشعراني في مبحث كبير له في الطبقات الكبرى في الأقوال والكتب المنسوبة إلى الصوفية أو الأقوال التي تُسند في كتبهم، جعل هذه الكتب منسوبة للغزالي وليست له؛ لما فيها من ضلال، وهي تتحدث عن أثر النجوم على الكون والحياة.
 
من أين جئنا بالأفلاطونية؟ الأفلاطونية يرون أن كل شيء صدر من العقل الكلي، وهذا أساس الوحدة. وهي التي صيغت عليها أصل العقيدة النصرانية، وبعد ذلك الصوفية أخذوها وتنشقّوها. فهذا هو الأساس.
 
وأنا أرجو ألا يكون هذا اللقاء في مناقشة المنقذ هو بين الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية وبين الغزالي، ولكن لا شك أن أشد من تكلم عن الغزالي هو الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية، مع أن الذين تكلموا عليه من الفقهاء كثر، فقد أُحرقت نسخ الإحياء في المغرب">المغرب من قبل علماء، والإمام الفقيه المازري المالكي الشهير له رد على الغزالي، ولكنها ردود الفقهاء. مثل قوله عن كيفية قص الأظافر بطريقة ما، يفسرها تفسيرًا فلسفيًا وقلبيًا عجيبا، مع أني لا زلت أفعلها، أخذتها من الغزالي من أكثر من ثلاثين سنة وما زلت أطبقها لأن العادة جرت بها وقد أخذتها منه قديمًا.
 
فلما يأتي الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية لكتاب المضنون ويرى قوله أن النجوم لها أثر والذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه (مطرنا بنوء كذا)، فتجد الاضطراب، فهل هو صاحب أسرار الكلمات التي يقولها صاحب الفتوحات المكية؟
 
وللأسف تجدون هذا في النصف الأول من روح المعاني للألوسي.
 
للذكر هنا وأنا أنبه طلبة العلم لهذا أن كتاب روح المعاني للألوسي تستطيع أن تقول أنه كتبه عقلان لا عقل واحد. لماذا؟ لأن النصف الأول كان فيه صوفيًا بحتًا، ويتكلم عن أسرار الكلمات. وهذه طريقة معروفة عند أهل السحر، أن كل كلمة لها مفهوم ولها أثر ولا بد من هذه الكلمة إذا أخذناها على معنى معين أن تكون لها سلطة ما ولها رقم والرقم له سحر إلى غير ذلك من التأثيرات، والكلمات لها تأثير علوي كما يسمونه. ولكنّه في النصف الثاني تحول الألوسي إلى فقيه أكثر منه صوفيًا.
 
ولو رجعتم إلى كتاب الفتوحات المكية ونحن نقول الفتوحات المكية على قاعدة الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية أنّ ابن عربي هو نتاج كتب الغزالي المذكورة، يعني ليس نتاج الإحياء، وإنما نتاج هذه الكتب التي تتحدث عن السحر بطريقة فلسفية.
 
والمعروف بأن الغنوص يلتقي مع الفلسفة، وواضح أن الغزالي لم يمكث في قضية من القضايا إلا وألّف فيها كتبًا وكانت هذه الكتب مرجعًا لمن بعده في هذه المسائل؛ كان فقهيًا فألّف في الفقه وصارت كتبه مرجعًا، تكلم في الصوفية فصارت كتبه مرجعًا للصوفية، تكلم في الأصول فصارت كتبه مرجعًا للأصول، تكلم في أسرار الحروف على طريقة الفلاسفة فصار مرجعًا، وهذا يكشف أي شخصية كان عليها نسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يغفر لنا وله وأن يكون كما يرجو أهل الإسلام من أنفسهم بأنه مات على التوحيد والسنة وعلى اتباع القرآن الكريم والسنة.
 
نأتي إلى المنقذ من الضلال باختصار وقد طوّفنا الكثير مع الشخصية التي من خلالها يصبح الحديث عن الكتاب سهلًا. ما الذي يريده الغزالي من المنقذ من الضلال؟
 
هناك مناهج لمعرفة الحق في الوجود، هناك أسئلة وجودية شغلت البشرية. وهناك طرق مختلفة للوصول إلى هذه الأجوبة؛ هناك الطريق الحق أن الله خلقنا وجهلنا من نحن. ويبدأ جهلنا في تفسيرنا لحركاتنا. يعني أنا أقول دائمًا لولا وجود النص القرآني هل نحن مسيرون أو مخيرون لكان كل قول مائة بالمائة صحيح وبالتالي مائة بالمائة خطأ؛ لأنه إذا تعارض شيء بهذه القوة كلها صحيح وكلها خطأ. يعني الآن أنا أتكلم لو جاء رجل قال أنت لا تتكلم من جهة نفسك، هناك قوة أنت لا تشعر بها هي التي تتكلم عنك، وما أنت إلا مجرد آلة تسجيل. لماذا لا يُفسر هذا التفسير؟
 
لو جاء جبري مثلًا من الفلاسفة -لا أتكلم عن الجبرية الإسلامي">الإسلامية- وقال بأن كل حركاتنا هي مجبرة من قوة أخرى هي تسيرنا لكن نحن لا نشعر بها ونتوهم أننا نفعلها من جهة أنفسنا. هل يمكن لهذا أن يُقال أم لا يُقال؟ ممكن. ولو جاء واحد آخر وقابله في المقال وعارضه مائة بالمائة وقال بأن الإنسان لا يتحرك إلا من جهة نفسه، لا يوجد أي تأثير عليه لا بعلم سابق ولا بقوة سائقة، لكان قوله يحتمل الصواب مائة بالمائة.
 
إذًا ما الذي يجيبنا على من نحن؟ لا بد أن يجيبنا من خلقنا.
 
فلما نأتي لقول أفلاطون ومنه أخذ أصحاب النظرية التي قلنا عنها التي أخذها الفلاسفة المشّاؤون بأن العلم تذكر والجهل نسيان. ما معنى هذه الكلمة؟ أن هناك عقل كلي، هذا العقل الكلي موجود في داخلنا قبل أن نُولد، فلما ولدنا بصدمة الحياة نسينا. وإلا فمعنى المعرفة في داخلنا موجود لكن لما صدمنا بالحياة عدنا إلى الجهل، فالجهل نسيان والعلم تذكر.
 
ونظرية الفيض الإلهي كما يسميها الصوفية هي هذه النظرية، يفيض عليه من العقل ويفيض عليه من المعرفة، لكن كما ذكر الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية يصبغون المعاني الفلسفية بألفاظ شرعية (فيض إلهي). فهم يقولون إنما العلم تذكر، أنت تذكرت ما كنت ناسيًا إياه. جاء القرآن ليقول لنا {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}. لا يوجد عندنا معنى علم ولا غيره، مجرد جهلة، وإنما نستفيد المعارف من خلال الخبر أو من خلال التجربة. وكل علم له مصادره، إما الخبر وإما التجربة.
 
إذًا هناك طريقة هي الحق، وهو أخذ المعارف وإجابة الأسئلة الوجودية عن طريق الوحي، أننا لا نعرف شيئًا. فجاء القرآن الكريم الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من عند الله، جاء ليجيب على كل الأسئلة الوجودية ويعطي التفصيلات التامة لمن نحن وما هو الكون. وبدأت أول سورة في الحديث عن أصناف الناس أمام النص ثم بدأت في الحديث عن هذا الإنسان {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} حدثتنا كيف نزلنا، وكيف السماء، حدثتنا عن أمور لا يعرفها الإنسان.
 
يعني من الذي يستطيع أن يقول لنا أن هناك ثمة أخبار لأبينا كانت في السماء قبل نزول الأرض. كل من يتحدث عن تاريخ البشرية يتحدث عنها إما بخبر وإما بتوهم، والخبر قد يكون صحيحًا وقد يكون خطئًا. ولكن القرآن يحدثنا أن هناك تاريخا بشريا عاشه الإنسان في السماء قبل النزول. من الذي يستطيع أن يجيب على أن ما يحدث في نفسك من واردات لا تكون كلها من جهة نفسك بل هناك دسيسة أخرى موجودة في قلبك ودمك وهو الشيطان. لو لم يوجد النص كيف نستطيع أن ندركه؟
 
فإذًا الطريقة المعرفية الأولى للإجابة على الأسئلة الوجودية هو الخبر الغيبي ممن خلق، وهذا الخالق عظيم، عليم، حكيم، إلى آخر ما جاءت من أوصاف قرآنية تليق به جلّ في علاه.
 
هناك طريقة ثانية لمعرفة الحقائق وهي التفكر. وأثبتت هذه الطريقة أنها لا يمكن أن تنشئ ظنًا وليس يقينًا؛ لأن المرء يقول القول ويرجع عنه غدًا. هذه هي الطريقة الفلسفية، فالطريقة الأولى هي طريقة الوحي والنبوة وهي ضرورة. الطريقة الثانية وهي طريقة الفكر والتفكر وهي طريقة الفلاسفة. العجيب أن هذه الطريقة لا يوجد فيها اطمئنان، بمعنى لم يقل أحد قولًا إلا جاء تلميذه ونقده في أسس مذاهبه؛ ما قاله أرسطو غير ما قاله فلان غير ما قاله فلان آخر وهكذا إلى يومنا هذا ما تأتي من أمة إلا ولعنت أختها وسبّت من قبلها {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا}.
 
لا يوجد قول لفيلسوف ولا لمنطقي في باب إلا وقد نُقض في بابه، وبالتالي الذين انتسبوا للإسلام بهذه الطريقة قرّروا أنهم في شك، حين ينظرون إليها يجدون أن القول يمكن أن ينشأ منه نقيضه، كما أن الحق ينشئ حقًا يدعمه كذلك الباطل ينشئ باطلًا ينقضه. فالطريقة مثل طريقة المتكلمين وتاريخهم، هو تاريخ صراع، وتاريخ سباب، وتاريخ نقد، ولم ينشأ عندهم شيء من اليقين الذي يطمئنون به. هذه نقطة.
 
النقطة الثانية فيهم أنهم كانوا أبعد الناس عن واقع الناس؛ لأنه لم يثبت في التاريخ أن أمة قامت على منهج فلسفي، يوجد هناك نشوق فلسفي ولكن لا بد من سلوك، وهذا السلوك لا ينشئ حضارة. يعني لا أرسطو أقام دولة، ولا سقراط أقام دولة، ولا فلاسفة الإسلام أقاموا دولة، بل طوال عمرهم على هامش الحياة، وخطابهم أعلى من أن يفهمه الناس زعمًا بأنهم أصحاب خصوصية.
 
هذا المنهج الفلسفي دخل في عالم المسلمين؛ فمنهم من أخذه على جهة القبول له تاركًا النص، وهؤلاء الفلاسفة سواء كان ابن سينا سواء كان الفارابي الذي يُسمى المعلم الثاني على أساس أن أرسطو هو المعلم الأول، فأخذوها وخرجوا من الشريعة وانخلعوا منها، وأتوا بأقوال حكم عليها أهل الإسلام بالكفر. وممن حكم عليها الغزالي نفسه في كتابه تهافت الفلاسفة.
 
هذه فرقة فلسفية، وخرجوا من الإسلام بالكلية، ورأوا أن القرآن الكريم فيه مصيبتان: المصيبة الأولى أنه كتاب عوام، بل مما ينقله عنهم الإسلام-بن-تيمية">ابن تيمية بنصوصهم من كلام ابن سينا بأنهم يعتبرون فيه الكذب. الفلاسفة يعتبرون أن في القرآن كذب، لماذا؟ قالوا لأن صاحبه اضطّر أن يقول كلامًا غير صحيح من أجل أن تقريب المفهوم للعامة. ولو خاطبهم بأعلى من ذلك لما فهموا ولما كان هذا مقبولًا عند العوام، بالتالي خطابه خطابي إنشائي.
 
هؤلاء الفلاسفة خرجوا من الإسلام، المقصود بالفلاسفة الذين يُنسبون للإسلام، ولكن هذه الطبقة العليا من الفلاسفة التي خرجت من الإسلام لم تكن معزولة عن طبقات أخذت بعض المعاني الفلسفية. ما هي هذه المرتبة؟ هي محاولة الجمع بين الشريعة وبين الحقيقة الفلسفية.
 
إمامها في هذا هو ابن رشد مثلًا. ابن رشد ردّ على الغزالي في كتاب سماه تهافت التهافت. وألّف كتابًا يجمع بين الفلسفة والشريعة، قال ليس هناك تعارض. صحيح الفلاسفة الآخرون يقولون إن في القرآن كذب -والعياذ بالله- قال لا، الذي قاله القرآن حق، والذي قاله الفلاسفة حق، لكن هذا خطاب يصلح لآحاد وهذا خطاب يصلح لآحاد.
 
وهذه طريقة عامة من بقي محترمًا في داخل الشريعة يعني يدور حولها. وهذا الذي قاله ابن رشد في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.
 
إذًا الطريقة الأولى انتهينا منها وهي طريقة الوحي والنبوة. الطريقة الثانية طريقة الفلاسفة وهي إنتاج المعارف عن طريق التفكر، وبالتالي أنتجوا كل هذا الضلال وكل هذا الركام من الكتب التي لا يصل فيها المرء إلى حقيقة.
 
هنا أعرج تعريجًا يسيرًا على كتاب (قصة الإيمان) لنديم الجسر. قد يقول ما تقوله أن التناقض في داخل الفلسفة أنهم لم يقولوا قولًا إلا وقد نقضوه، فكيف أنت تنصح بكتاب قصة الإيمان لنديم الجسر، الذي مفاده أن كل الفلاسفة وصلوا لحقيقة واحدة وهو إثبات وجود الله. السؤال: ماذا بعد إثبات الوجود؟ كيفية إثبات هذا الرب؟ يعني من هو؟
 
فمثلًا سبينوزا وأنا ذكرته لأنه نديم الجسر ذكره، فهو يؤمن بوجود الرب، ولكن الرب عنده هو وحدة الوجود، فسبينوزا من القائلين بوحدة الوجود وهو فيلسوف يهودي. إذًا المقصود بأن الإثبات لوجود الرب ليس كافيًا، هو يقول كلهم يقولون بأن هناك حقيقة فوق الحقيقة المخلوقة لكن من هي هذه الحقيقة؟ فبعد إثبات الوجود ما هو الرب؟ يأتي الاختلاف، لأن النصارى يقولون بأن هناك إله، بل يقول شيخ الإسلام كلمة يقول: لا يوجد في تاريخ البشرية من نفى وجود الحقيقة الإلهية لكن الخلاف بعد ذلك ما هي الحقيقة الإلهية.
 
حتى يقول بأن الذين أثبتوا الإثنينية مثل المجوس المتمثلة في الظلمة والنور في النهاية يثبتون ربًا واحدًا وهي صراع الظلمة مع النور وانتصار النور، إذن النور هو الرب لانهزام الآخر فلو كان ربًا لما انهزم وهو الظلمة، فإذن تنتهي إلى إثبات واحد، لكن هذا الواحد هو الذي بعد ذلك الحديث عنه.
 
إذًا هذه الطريقة انتهينا منها.
 
هناك طريقة ثالثة في الوصول للمعارف وهي التي أعجبت الغزالي ووقف عندها وسحرته هذا السحر الكبير الذي به وما أحدثه فيه ألّف كتابه المنقذ وألّف كتابه الإحياء، وهو أن يصل إلى المعارف لا عن طريق العقل ولا عن طريق الكلام والتشقيقات التي يقولها الفقهاء كما يقول ولكن عن الطريق الكشف، وهو التذوق والعرفان، هذه كما شرحنا شيئًا من هم الإسماعيلية، وأنا أتكلم هنا ليس كمعارف إسلامية فقط، أتكلم هنا كمعارف موجودة، وتقسيمات موجودة في كل الأديان، وفي كل المذاهب، وفي كل تاريخ البشرية.
 
إذا جئت إلى كلمة الصوفية نتكلم عن حقيقة علمية هنا الآن لسنا نسب الصوفية ولا السلفية ولا نتكلم في داخل الصف الإسلامي">الإسلامي، نتكلم عن موضوع علمي بحت. إذا جئت إلى كلمة الصوفية، أو كلمة العرفان، أو كلمة الإشراق، أو كلمة الغنوص كلها تدل على حقيقة واحدة. الصوفية هي العرفان، العرفان هو الإشراق، الإشراق هو الغنوص.
 
ماذا تعني هذه كلها؟ تعني الوصول إلى الحقائق عن طريق الذوق وأن يحسها المرء. نحن الآن نتكلم عن حقيقة، فلا يأت أحد يقول هذا منهج بغالي يقابل منهج سني، نحن نتحدث عن علم، هذا الذوق الذي تجدونه في كلام من تأثر بالتصوف، مثال: لو جئتم إلى أي كتاب صوفي سواء كان يتكلم عن الفقه أو يتكلم عن التفسير وخاصة في التفسير أو يتكلم عن اللغة، عن الشعر، أو يتكلم عن المعاني الإنسانية المجردة، تجدونهم يتحدثون عن وجوب الذوق لهذه الكلمات.
 
والذوق هو فوق المعنى. المعنى هذا شيء يشترك فيه الناس بحسب قدراتهم اللغوية، ولكنهم يتحدثون عن الذوق الذي به يتم كشف حقيقة اللفظ. هناك طوائف متعددة في كشف هذه الطرق، ولكن متصوفة المسلمين يرون كشف الحقائق عن طريق ما يُسمى الكشف وهو الذي يعبرون عنه بلفظ "من ذاق عرف".
 
وهذا الذوق هو أن يُكشف لك الحجاب">الحجاب، فلا ضرورة للحديث عن الملائكة، كلمة الملائكة هذه غير كافية، لا بد أن تذوق هذه الكلمة، الذوق بأن يُكشف لك حقيقة الملائكة وأن تراها. لا يُقال لك قال الرسول، هذا كلام، لكن ينبغي أن تراه. مع تصورات ذهنية ينتهي بها المرء إلى حقيقة واحدة وهي الجنون كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله- كما نقل ابن الجوزي في اختصاره لحلية الأولياء أن الشافعي قال ما تصوف رجل أول النهار وانقضى عليه اليوم وهو كذلك إلا وهو مجنون.
 
إذن الطريقة الثالثة وهي طريقة ذوقية وفيها كثير من السحر.
 
والغزالي له كتب تربوية، أنا أنصح مثلًا بكتابه (أيها الولد المحب) ولكن لا يُقبل منه مثلًا أن يقول فيه أو في كتاب آخر لا أذكر الآن حينما يقول بأنه لا يُنصح للمريد المبتدئ أن يقرأ القرآن لأن القرآن يفرّق جِمعيته. كلمة جِمعيته هذه لها شرح عند الصوفية؛ لأن المقصود هو اتحاد الذهن لشيء معين، كي ﻻ يتفرق ذهنك بأشياء متعددة، والقرآن يفرق ذهنك في الحديث عن الشرائع وعن الغيب وعن الوجود وعن كذا وكذا، فيفرق جِمعيتك، فينبغي أن تكون جِمعيتك متجهة إلى شيء واحد حتى تصل إليه، فبعد ذلك تنحل عندك بقية المسائل والمشاكل.
 
أقولها وأجري على الله أرجو ألا يُعتب عليّ: يقول الغزالي كيف لك أن تذوق المعاني وهل الألفاظ تقرب المعاني؟ قال هب أن رجلًا طُلب منه وصف الجماع، ماذا يقول؟ حلو؟ جميل؟ رائع؟ لذة؟ كلها لا توصل المراد، وأظنه يحاول أن يقرّب ما معنى ذوق الكلمات، فهذه الكلمات لا تفيد ولكن لا بد أن تذوقها، أن يُكشف لك الحجاب">الحجاب.
 
والكشف موجود في كل تاريخ البشرية يرافق المذاهب والأفكار، وبعضهم يقول به قولًا جزئيًا، وبعضهم يقول به قولًا كليًا. ولكن هذا المنهج (الصوفية، الغنوص، العرفان، الإشراق) كلهم يكشفون حقائق ما يعتقدون به، دلّ على أن الكشف باطل. يعني من قال بصورة من صور الربوبية فكُشف له، الكشف يؤيد ما يعتقده. فصحيح الكشف وسيلة واحدة، ولكن ما يُتلقى عنه مختلف. لكن الغريب أن الجميع منذ أن رُصدت ظاهرة التصوّف، أو الغنوص، أو الإشراق، أو العرفان، منذ أن كُشفت وأصحابها يقولون بوحدة الوجود.
 
وكأن الشيطان وهو أستاذهم الأوحد في هذا الباب بأن من يصل إلى المعرفة المزعومة، -وقلنا المعرفة في الطريقة الأولى تصل للمعرفة عن طريق الوحي والنبوة، الثانية عن طريق العقل والتفكر، الثالث عن طريق الكشف- ما هي نهايتها؟ الوصول إلى وحدة الوجود، وأن يذوق الكلمات.
 
أحدهم يقول: ولقد ذقت الألوان. صار يتذوق الألوان، لا يكفي أن يعرفها ويراها أخضر كما تراه أنت، ولكن هو يذوق هذه الألوان. ولكنها في موضوع الربوبية تصل إلى حقيقة واحدة وهو القول بأن الله هو عين هذا الكون، لا يوجد رب وإله إلى آخره.
 
ونجد أن أصحاب العرفان يصلون إلى هذه المقالة منهم من يصرّح بها، أن الله هو هذا الكون وأن الكون هو عينه الله، وهي نفس المذهب الشيوعي، القول بأن الله هو عين هذا الكون هو القول بأنه لا إله والحياة مادة. يعني بأن الله هو المادة وهو كل شيء، نفس النظرية ونفس الطريقة. فإذًا الذي يقوله هؤلاء حينئذ يصل إلى حقيقة واحدة وهو الوصول للمعرفة عن طريق الكشف.
 
هذه الطريقة غريبة، ولكنها كما ترون لذيذة. فحين يصبح المرء ذواقا للكلمات فهو يشعر بالبهجة والمتعة. ويكفي أننا نرى شخصية كالغزالي كبيرة في عقلها، قوية في أدواتها الصارمة العلمية المناظرة، لكنها تسقط فيها، بحيث يقول إنه لا يوجد أحد ممن عاشرتهم يعيش معاني ما يعتقد إلا الصوفية. هم يعيشون المعارف حقيقة. المتكلمون يعيشون ألفاظًا، ولهم كذا وكذا من السلوكيات، وكأن الغزالي بالفعل مفعمٌ بقضية السلوك، وهو رجل جدي.
 
هذه حقيقة يجب أن تُثبت لهذه الشخصية للغزالي أنه رجل جدي لا يأخذ الأمور بلعب ولا بلهو ولا بمتعة فكر، إنما هو يريد أن يحس المعاني، ولما يقرأ الفقه ينظر للفقهاء يعيشون غير الفقه الذي يتكلمون عنه. لما يأتي للفلاسفة يتكلم عنهم سلوكيًا وعقليًا إلى آخره.
 
الآن نأتي للباطنية، لأنه كان ينبغي أن نقدم قبل الكلام عن التصوف الذي انتهى إليه الكلام عن الباطنية؛ لأنها جزء من معارف عصره التي تكلم عنها في المنقذ من الضلال. لكن لما يأتي إلى الصوفية يقول هؤلاء يجاهدون حقيقة نفوسهم لأن تصل المعارف إلى قلوبهم وأحاسيسهم وبالتالي هم أهل الحق.
لا يهم الغزالي هنا ما هي الحقائق التي يصل إليها هؤلاء، إنما يهمه أنهم يعيشونها وهم صادقون، ويبذلون الجهود العظيمة الشاقة التي توصلهم لهذه الحقيقة، وهو مبهور بهذه المجاهدة. هذا السهر، هذا الجوع، هذه الخلوة، هذا المشي في الصحراء بغير ركوة من ماء ولا غذاء ولا طعام، هذا رجل يعيش سبعين عامًا على البقوليات في الصحراء، هذه بهرته مع أنه عقل صارم حديدي، إلا أن السلوك الصوفي لا يوجد في الإسلام فقط.
 
هذه السلوكيات كما تعرفون موجودة في غير الإسلام. يعني تذكيرًا بثاني كتاب قرأناه هو ماذا خسر العالم، عندما يأتي أبو الحسن الندوي عليه رحمة الله إلى الممارسات المسيحية في التصوف، أن هناك عابد صوفي، وعابد صوفي مسيحي. كما أنه يوجد عابد صوفي مسلم يوجد عابد صوفي مسيحي، وكل واحد يمارس العبادة تحت ظل دينه. مثلًا السهر ماذا يُسمى في ديننا؟ قيام الليل. الجوع؟ صيام. الخلوة موجودة وهي قضية العزلة.
 
لكن هذا الذي رآه صارمًا، ورآه مهمًا، ورآه يعالج ما يريد أن يكسر نفسه على قاعدة التصوف "أريد ألا أريد"، يريد أن يكسر شخصيته. مرات أفكر كأن حالة الغزالي أشبه بهذا الذي يعيش في الغرب وبلغ الزبى في تحصيله كل ما يريد، وبعد ذلك ماذا يريد. فماذا يفعل كثير منهم؟ ينتحر، لكن كثير منهم يذهب إلى مذاهب الغنوص. تجده يذهب إلى الهند ويأخذ أديانهم ويحبها ويتغير ويلبس لباسهم ويمارس طقوسهم لأنه يبحث عن شيء ما، وإلا يذهب إلى الحشيشة وإلى المخدرات، أو أن يتصوف.
 
والعجيب جدًا أيها الإخوة الأحبة أن كثيرًا من المفكرين انتهى أمرهم إلى التصوف، بعد أن ظنوا أنهم قد بلغوا الغاية من إدراك الحياة ومعانيها المادية الظاهرة، كحال الغزالي وهو يظن أنه قد بلغ الغاية في الفكر والنظر عن طريقة المتكلمين وعن طريقة الفقهاء وعن طريقة الفلاسفة وعن طريقة الباطنية فلم يجد شيئًا، وجد كلمات فقط تتردد وهو يريد أن يحس.
 
يعني مثلًا إذا سمعتم بمؤنس الرزاز وهو رجل غريب جدًا، هو رجل قومي أبوه منيف الرزاز الشهير القائل بالبعث صاحب كتاب التجربة المرة. وهو رجل لا يمت للدين بصلة ولكنه ملّ من الأفكار وكل يوم كان يكتب، وهو صاحب قص معروف، وكان له دائمًا عمود في إحدى الجرائد الأردنية، ففي النهاية أُصيب باكتئاب شديد، فدُلّ على بعض مشايخ التصوف. يريد أن يحس هذا، يعني كالذي ذهب إلى المخدرات. هذه حالة موجودة.
 
أحد التحريرين وكان تحريريًا جلدًا، ولكنه فوجئ لما أخذ إلى المخابرات أنّ كل التحريرين الذين أخذوا معه لم يصمد فيهم أحد، فأصيب بنكسة أن الكلام لا يصنع رجالًا، فانتكس وصار صوفيًا، وصارت عمدة كتبه هي كتب ابن عربي الطائي المكي الذي يُسمى تهوينًا لشأنه بالنكرة مقابل ابن العربي المالكي الشهير. 
 
للذكر ابن عربي الطائي صاحب فصوص الحكم كان ظاهريًا في الفقه. يعني من العجائب.
 
القصد أن البعض يريد أن يهرب من الظواهر لأنه يرى أنها لم تشبع غايته. وبلا شك أن هذا من جنايات التصوف على العالم المسلم. حتى إن البعض يأخذ منها بعضها، يعني بعض الناس يظن أنه خارج نظام التصوف لكن التصوف مغري؛ لأنه يتحدث عن حقائق، وتمثل، وخروج من الإنسانية. الرجل يخرج من الإنسانية ويصبح شيئًا آخرًا يُسمى عند فقهاء التصوف الإسلامي">الإسلامي بالولاية. ووصول طبقة الولاية شيء مغري ومحب.
 
وهذا نجده عند الناقدين لعالم الإسلام. يتحدثون عن التربية بالطريقة ذاتها، وهو أن يترقى المرء في التربية حتى يضبح وليًا، وليًا يعني خارجًا من إنسانيته. وهذه طريقة باطلة يجب أن نحذر منها. الحديث عن التربية صحيح ولكن ليست هي التي تؤدي بالمرء لمرتبة الإيمان.
 
مرتبة الولاية أي مرتبة الوصول عند الصوفية، وهذا يرجعنا إلى طريقة تسمية الأشياء بغير أسمائها، يسمونها بأسماء إسلامية فيسمونها ولاية، والولاية هي الوصول. يعني خرج من إنسانيته، يعني لا يخطئ بعد ذلك، مع أن الإيمان يزيد وينقص، ويمكن أن يكون الإنسان في قمة الإيمان ويقع في المعصية، فيتوب منها ويخرج منها إلى قمة الإيمان التي كان عليها، هذا مفهوم إسلامي يقابل مفهوم الغنوص الموجود في خروج المرء من بشريته.
 
إذًا الغزالي تذوق، وهذا الذوق بعد أن مارس الطريقة الصوفية. الطريقة الصوفية في كل أديان البشرية حقيقة وطريقة. الطريقة تنشأ من خلال الدين الذي يقوله، وكلها تقوم على مجاهدة النفس بما يخالف الشرع، ويسبغون على ما يخالف الشرع أسماءً إسلامية كما قلنا.
 
وحين يعجز الإسلام لا بأس من الاجتهاد! مثلًا من الجمعية التي يريدها الصوفية ومنهم الغزالي في بعض كتبه، الجمعية هو ألا تشتت ذهنك. حتى كلمة سبحان الله تشتت لا بد أن تردد كلمة واحدة. فأنتجوا بدل أن تقول طاو في المذهب الطاوي تقول الله. وهناك من جاهد كثيرًا لإدخال التصوف في عالم الإسلام من هؤلاء سعيد حوى.
 
لأن سعيد حوى في كتابه (تربيتنا الروحية) خرج من جلده ليقول إن هناك تصوف إسلامي، وأن التصوف يمكن تنقيته من كل الشوائب، ويمكن أن ننتج تصوفًا إسلاميًا لأننا بحاجة إلى هذا التصوف من أجل إنشاء تربية إسلامية نفقدها في حلقات العلم، نفقدها في حلقات الجهاد">الجهاد. فكما أننا ننشئ فقهًا في حلقات الفقه، فلا بد أن ننشئ تربية في حلقات التربية. هذا جيد وإن كان عليه ما عليه، لكن لنوافق هذا.
 
عندما بذل هذه الجهود العنيفة في كتابه وصل إلى الذكر المفرد! خرج عن كل ما تقدم من الكلام وقال بأن الذكر المفرد مشروع ومحبوب، بل يردد كلامه أنه أفضل. يعني أن (الله الله الله) هي أفضل الذكر من بقية الأذكار الأخرى؛ لأن الأذكار الأخرى فيها تجزئة لمعاني التعظيم. لما تقول سبحان الله تنزهه لكن لا تعطي كل مراد التعظيم. أين التنزيه مثلًا من التكبير؟ فاحتجت إلى سبحان الله والله أكبر. واحتجت إلى الثناء على الله وحمده فقلت الحمد لله.
إذن كل كلمة مدحية لله من الذكر لا تغطي تعظيمك لله التعظيم التام الشامل إلا كلمة واحدة وهي أن تقول (الله) فقد عظّمته التعظيم الشامل والتام. يعني جعلها أفضل. هذا من؟ سعيد حوى!
 
القصد من هذا أيها الإخوة الأحبة أن الغزالي فتُن بهذه الطريقة وأحسّ أنه وصل وذاق وعرف وأنه تمثّل المعاني الفكرية التي يؤمن بها من خلال الذوق، وقال كلامًا خطيرًا جدًا في مقدمة مدحه في كتاب المنقذ من الضلال لهذه الطريقة أن الصوفية يرون الملائكة ويحدثونهم!
 
واضح أنه بدأ يعيش بهذا الدور وهو دور الخروج عن إنسانية الإنسان، الخروج عن الشرع، لكنه ممتع. بلا شك أن المرء بدلًا أن يأخذ واسطة من حديث من كتاب يجلس مع النبي -صلى الله عليه وسلم-! وبدلًا من أن يأخذ من بشر يأخذ من الملائكة، وهكذا. هو بدأ يحس بهذه المعاني والتي أفرزها في كتابه (المنقذ من الضلال).
 
هذه طرق المعرفة في الوجود. أما الطريقة الباطنية سنعرج عليها، وقدر الله أن تكون الأخيرة بالرغم أنها ينبغي أن تكون قبل الطريقة الصوفية التي انتهى إليها خاتمة لرحلته في كتاب المنقذ من الضلال؛ فالإنقاذ من الضلال هو أن تكون صوفيًا وأن تعيش الحقائق العلمية، أن تعيشها كشفًا وذوقًا وممارسة.
 
والباطنة كانت منتشرة في عصره فعرّج عليها، وهذه الباطنية في الحقيقة هي معالجة لقضية النص الآخر، فالفلسفة هي إنتاج نص، لا تعتمد على الآخرين. الوحي هو تلقي نص، لا ينتج نصًا، يتلقى الناس النص فيفهمونه. الصوفية كما ترون هي أن يذوق النص، ولكن الباطنية هي تفسير النص، لكن لسطوتها في عصره فجعلها منهجًا مستقلًا.
 
ما هي الباطنية؟ عماد الباطنية بأن ظواهر الألفاظ غير مرادة، ولا يقدر أحد على تفسيرها إلا الإمام، إلا أناس خاصة، وأن كل لفظ له ظاهر وباطن، وأن الباطن قد يخالف الظاهر، ولا يمكن معرفة هذا الباطن إلا بأن يخبرك إمام به. فبلا شك أن الشيعة الروافض يجعلونه إمامهم، والسبعية الإسماعيلية يجعلونه إمامهم.
 
القصد أن هذا المذهب كان منتشرًا، لأن الإمام هو باب المعارف. ومن هنا نشأ حديث الضلال أنا مدينة العلم وعلي بابها، وهذا باطل. وهو على المعنى الظاهر بأن تأخذ العلم من طريق علي، لكن في الحقيقة معناه الذي حُمل عند واضعي هذا الحديث ومن مارسه بأنه لا يمكن أن تلج معاني هذه النصوص التي جاءتك من النبي إلا من خلال تفسير الإمام، وكل زمن له إمامه الذي يفسر، وبالتالي تنشأ الأهواء التي يُنتهى بها من أقوال هؤلاء.
 
يعني عندما يسبون عائشة يبحثون عن أي كلمة فيها سب في النص على شيء كقول الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} قالوا المقصود عائشة. يمكن أن يقول لك هذا، ويمكن أن يفسر لك النص كما يحب، كالصلاة مثلًا يفسرها معرفة الإمام، الصوم هو هجران أعداء الإمام، هكذا يفسرونها تفسيرات باطنية باطلة كما تعلمون.
 
أرجو أيها الإخوة الأحبة وقد أطلت عليكم أن أكون قد أتيت إلى ما يمكن أن يكون كافيًا إن شاء الله تعالى، مع أن كل كتاب وأنا أعيد وأكرر لا يكفي أن تقرأه من كلامي، اقرأ الكتاب نفسه وعرّج على ما يقوله الآخرون، فإن شاء الله تصب المراد وبارك الله فيكم.
 
*المصدر: مُؤسَّسَة التَّحَايَا ، قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ

أخبار ذات صلة

الذين يصرون على اختصار الشريعة واختزالها في إقامة حدود العقوبات، التي تمثل شُعبة واحدة من شُعَب الإيمان البِضع وسبعين ؛ هؤلاء جهلوا أو تجاهلوا أن (ح ... المزيد

طالب أحمد النجل الأكبر، والمتحدث باسم أسرة محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في المزيد

تعليقات