البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

مناقشة كتاب (سيكولوجية الجماهير) لغوستاف لوبون .. بقلم أبو قتادة الفلسطيني

المحتوي الرئيسي


مناقشة كتاب  (سيكولوجية الجماهير) لغوستاف لوبون .. بقلم أبو قتادة الفلسطيني
  • عمر محمود (أبو قتادة الفلسطيني)
    17/02/2016 01:44

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين، سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغرّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عز وجل- وإياكم منهم، آمين.

هذا هو اللقاء لدراسة الكتاب السابع من مشروع الألف كتاب قبل الممات. واليوم الكتاب المختار والذي نحن بصدده هو كتاب (سيكولوجية الجماهير) أو (علم نفس الجماهير) لكاتبه عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون. وكالعادة نبدأ بمحور القراءة؛ أردت أن أتكلم اليوم عن جنايات القراءة وهذا فصل غريب، أن يكون للقراءة جنايات وضحايا، وهذا فصل قصير من كتابي (فن القراءة) ابتدأته بقولي: "هو فصل إن قُلت هو كالجد أشبه بالهزل، أو هو هزل أشبه بالجد، فيُمكن أن تُطبِّق عليه ما شئت".

فإن الكثير من الناس فقدوا زوجاتهم بسبب القراءة! فإما أن يُضيَّع ماله، أو هي تراه قد ضيَّع وقته فهي تطلب الطلاق، وربما تحرق المكتبة كما وقع لبعضهم. وربما الكتب تسقط عليه فتقتله كما فعلت مع الجاحظ كما يُذكر في سبب وفاته. وإما أن القراءة تقتله كما قتلت إمامنا وإمام المؤمنين في الحديث وهو الإمام مسلم. المعروف أن هذا الإمام مات بسبب أنه روجع في حديث فأراد أن يرجع إليه في كُتُبه، فذهب من المسجد بعد العشاء إلى البيت، وقال للخادم أوقد السراج وأحضر شيئًا من التمر، فجعل يُقلِّب الأجزاء الحديثية ويقلّب الاختيارات والمباحث ويأكل من التمر، فما جاءت عليه صلاة الفجر حتى مات وهو لا يدري أنه يأكل لانشغاله بالفكرة عن الجسد.

وهذا ما سنقرؤه لابن حزم أن الوعي يبدأ بانعتاق الفكر عن الجسد. فلا أريد أن أتحدث عن هذا ونؤجل البحث فيه -أي في مبحث جنايات القراءة- إلى لقاء قادم -إن شاء الله-.

ولكني أقتصر الحديث اليوم على قراءة لابن حزم في أمر يتعلق بنا في معرفتنا، وفي تصورنا كيفية بناء العالم نفسه؛ لأن هذه القضية اليوم تعاني من ضعف وجهل.

كيف تكوّن الإمام الشافعي؟ كيف تكوّن الإمام أحمد؟ وبالتالي إذا علمت كيف تكوّن ابن حزم، وإذا علمت كيفية تكوّنهم في قراءاتهم وفي اطلاعهم استطعت أن توازي بينك وبينهم.

لأننا أمام جهّال في هذا الزمان. وهؤلاء الجهّال يظنون أنه بمجرد أن يراجع كلمة لعالم قد ملكها، صارت ملكًا له فهو يستطيع أن يُشكِّلها ردًا، قبولًا، تطويرًا، كما يريد. وهو لا يعرف كيفية صناعة هذه الكلمة.

وأنا أكرر أن هناك نظرية منتشرة بين المسلمين وخاصة شباب الإنترنت والذين يسمونهم بـ"العلماء" جهلًا، وإذا جلست إليهم عرفتهم أنهم أشبه بأبي جهل منهم بطلبة العلم!. وهم فقط ينقلون ويظنون أنهم يملكون هذا العلم وقد صاروا رجاله وأهله، وعندهم القدرة على التمييز والانتقاء، إلى غير ذلك.

فإذا علمنا كيفية صناعة العالم وما الذي قرأه هذا العالم ليُنتج هذا العلم وضعنا أنفسنا بميزان صحيح.

نظرية "الصنبور" يا إخوة وهي لو تصورنا بدويًا نزل إلى المدينة ورأى أن الناس في المدينة يفتحون الصنبور فيُخرج ماءً. هو ظن أن الأمر سهل فقال أين تُشترى هذه؟ فدلّوه على محل سباكة فاشترى وأخذها إلى صحرائه وجعل يُلصق الصنابير في بيت الشعر. هو نصب الصنابير وبالتالي يظن أن الماء خرج منها باعتبار أن العلة في وجود الماء هي الصنبور وهو الآن موجود. هو لا يعرف ما الذي جرى وراء الصنبور، ما هي التمديدات التي تعب الناس في مدّها، كيف يصل الماء إليك، من التمديدات والحفر في الأرض ومضخّات المياه الكبيرة، إلى غير ذلك. لا يعرف كيف حصل هذا الماء، كيف تجمّع في السدود، كيف بنى الناس السدود، كيف نقّبوا في الأرض مئات الأمتار حتى استخرجوا المياه الجوفية، وكيف أحضروا جبال الجليد من القطب الجنوبي حتى جاؤوا فأذابوه. هو لا يعرف هذا، هو يظن أن الصنبور أخرج الماء.

واليوم جَهَلتُنا من مشايخ الإنترنت والشباب الجديد يؤمنون بالصنبور فقط؛ يظن أنه إذا أخذ الكتاب ملك العلم، ولا يعرف كيفية إنتاج هذا العلم. وبالتالي هو يوازي نفسه، في لحظة من اللحظات الوهم والجهل يركب على حجر ويظنه حصانًا، ويركب على مِكنسة البيت ويضربها لتطير بها. هو يعيش الوهم! وإذا قرأ كلمة ففهمها ظنّ أنه وصل إلى مرتبة ابن حزم.

وأنا أردت أن أقرأ لكم نصًا لابن حزم؛ لأن العلماء الأوائل للأسف ما ذكروا لنا هذا الأمر كثيرًا عن أنفسهم، كانوا يسترون أنفسهم، وإنما يُذكر في كثير طلب العلم والرحلة إلى آخره؛ ولذلك اليوم يأتي المعاصر فيقرأ كلمة لعالم ينتقد فيها الشافعي فيقول: ما شاء الله علماء اليوم أقوى من الشافعي! الناس نظروا إلى الصنبور؛ الرجل يتكلم ما شاء الله ويحسن الكلام، والكلام هو العلم، فهو ابن تيمية هذا العصر، هو شافعي هذا العصر. وهو لا يدري أنه يُخرج هواءً، لكنه الوهم!

لذلك أردت أن أقرأ لكم نصوصًا قليلة لابن حزم -رحمه الله- في قضيتين: القضية الأولى تتعلق فيما قاله في سبيل معرفة الأدوات التي أنتجت الماء في الصنبور؛ كيف أُنتجت علوم هؤلاء العلماء، ونوازي بيننا وبينهم، هل قرأنا هذه القراءة؟ لما يأتي شيخ ويقول للناس اقرؤوا، يقولون: لماذا نقرأ؟ لماذا نقرأ (سيكولوجية الجماهير) هل هي ضرورية ليكون مفتيًا؟ يكفي أن أنظر في كتاب في الأحاديث ماذا قال الشيخ فلان في الحديث إذًا أقول بالفتوى وانتهى الموضوع.

ولذلك نقرأ لابن حزم في كلامه على كيفية نظرته لإنتاج العلوم ثم نقرأ -وهذا باب أؤجله كما أجلت فصل جنايات القراءة- وهو طقوس القراءة، وهذه الطقوس تختلف عند العلماء؛ يعني بعض العلماء إذا كتب يحتاج إلى طقوس خاصة وإلا لا يعرف الكتابة. يذكر مثلًا محمد سعيد العريان عن الرافعي في كتابه (حياة الرافعي) أنه إذا أراد أن يكتب دخل غرفته الصغيرة وأغلق على نفسه والحر شديد ولا يريد أن يسمع شيئًا، ويبدأ يكتب.

هناك طقوس بيئية ظاهرية وهناك طقوس نفسية، وهذه نؤجلها لمبحث قادم.

ولكن أنا أريد أن أقرأ لكم نصًا لابن حزم، وأريد أن أقرأ لكم في فهم كيفية التعبد. نحن قلنا إن القراءة عبادة، ولا بد أن نعرف كيفية القراءة، فأقرأ لكم نصوصًا تحتاجونها.

وأنا اخترت لكم كلام ابن حزم؛ لأن كثيرًا من الناس يحبونه فيظنون أن ابن حزم لما طَعَن فيمن طعن من العلماء فيستطيع هؤلاء الجهلة أن يطعنوا مثله في العلماء، ولا يدرون تركيب هذا الإمام.

واليوم المبحث كبير ومتشعّب، ولكن سأحاول لملمة الموضوع ملائمة للوقت.

يقول ابن حزم في رسائله: "إن الوقوف على الحقائق لا يكون إلا بشدة البحث، وشدة البحث لا تكون إلا بكثرة المطالعة لجميع الآراء والأقوال، والنظر في طبائع الأشياء، وسماع حجة كل محتج، والنظر فيها وتفتيشها، والإشراف على الديانات والآراء والنحل والمذاهب والاختيارات، واختلاف الناس، وقراءة كتبهم؛ فمن ذمّ من الجهّال ما ذَكَرنا فليعلم أنه خالف ربَّه تعالى؛ فقد أعلمنا -عزَّ وجلَّ- في كتابه المنزّل أقوال المختلفين من أهل الجحد القائلين بأن العالم لم يَزَل من أهل الثنوية ومن أهل التثليث ومن الملحدين، في صفة كل ذلك ليُرينا تعالى تناقضهم وفساد أقوالهم.

ولا بد له من الاطلاع على القرآن ومعانيه ورُتب ألفاظه وأحكامه، وحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وسِيَره الجامعة لجميع الفضائل المحمودة في الدنيا والموصلة إلى خير الآخرة.

ولا بد مع ذلك من مطالعة الأخبار القديمة والحديثة، والإشراف على أقسام البلاد ومعرفة الهيئة –أي الفلك-، والوقوف على اللغة".

هذا النص يُريكم رحلة الإمام ليقول ما قاله من كلام، ثم انظروا ماذا يُقرأ اليوم وما هي حال الناس!

وهذا النص في الحقيقة ينبغي أن يُقرأ مرة ومرة ومرة.

الآن هو يتكلم فقط عن قضية كيفية القراءة.

يقول: "إنه كلما انفردت النفس وتخلّت عن الجسد أدركت غوامض الأشياء"؛ الانعتاق من الشهوة، الانعتاق من الجسد والرحلة في داخل العقل هي التي تُحقِّق المعرفة الصحيحة.

ويقول: "إن قوة البصر الباطن ونوره بحسب بُعده عن الشهوات التي هي تكدّره وتطمس عليه وتحجبه عن الاتصال بمادته، ومادته عِلم الله الأعلى الذي يمدُّ به من يشاء"؛ هذا لأن القراءة كما قلنا عبادة، والإنسان لما يدخل الصلاة ينبغي أن يتخلَّى عن الشهوات، ولما يدخل الصيام ينبغي أن يتخلى عن الشهوات، كذلك لما يدخل إلى القراءة والنظر ينبغي أن يتخلى عن الشهوات.

في كل القراءات التي ذكرها لا بد من البصر الباطن بالُبعد عن الشهوات وهذا مُتعلِّق بالمدد الإلهي، والمدد الإلهي لا يحصل إلا بالبعد والانعتاق عن الجسد، ويُصرِّح بهذا يقول: "إن المرء إذا فكَّر في شيء فإنه كلما تخلّى عن الجسد كان أصحّ لفهمه وأقوى لإدراكه".

يكفينا إلى هنا لأن الكتاب واسع والبحث فيه طويل وعريض.

الآن نتكلم عن هذا الكتاب وهو (سيكولوجية الجماهير). ماذا نريد نحن أن نُقدِّم إسلاميًا في هذا المبحث؟ هل نحن بحاجة لقراءة الآخر من أجل أن نعرف كيفية التعامل مع الناس؟ أم أن في ديننا الكفاية؟

المرء إما أن يُنتج إنتاجه المعرفي العلمي من خلال النص. وأنا أتكلم لكم عن تجربة، إذا أردت أن تبحث قضية ربما تتفجَّر هذه القضية في نفسك من خلال النص؛ وأنت تقرأ القرآن فتخرج معك هداياته وأنواره في قضية من القضايا التي تشغلك، وهذه قضية غالبة. وأنت تقرأ السنة تهديك وأنت تتفكَّر فيها تهديك إلى المعاني. وهذه الطريقة الأولى.

هناك طريقة ثانية أن التجربة تؤدي بك إلى هذه المعاني، فأنت تبحث عنها في الكتاب والسنة. بمعنى أن الفكرة تستقر لديك من خلال التجربة والملاحظة والاستقراء والنظر، فتُصبح لديك مَعْلَمًا علميًا لأنها ظاهرة متكررة وليس فقط لمجرد أنها نزوة. فأنت تبحث عن هذه القضية في الكتاب والسنة، وحينئذ يشترك عندك في أدلة هذا الأمر ما حصل لديك من التجربة والنظر والبحث والملاحظة في كتاب الله.

والطريقة الأولى طريقة عليها الكثير في هذه القضايا، ما يتعلق بقضية السلوك والحركة، لا نتكلم عن الفقه، نتكلم عن السلوك والحركة وإدراك السنن الإلهية في الاجتماع، والسنن الإلهية في الوجود.

وكثير من الناس يظن أن هذا هو المسلك القرآني. يعني أنت إذا ذهبت إلى جماعات إسلامية هم يحتجّون بالكتاب، ويظنون أن الكتاب يُقرِّر هذا المعنى؛ لأنهم يقرؤون الكتاب قراءة الأماني {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} يقرؤونه قراءة غير علمية وغير واعية. وهذا موجود.

أضرب لكم مثالًا: هذا الخطيب الذي يخرج للناس، هذا الشيخ الذي يتكلم، وهذا المحرِّض الذي يتصوَّر أن الكفار لا يقاتلون المسلمين إلا من وراء جُدُر. هذا رجل يقرأ القرآن ويستخرج منه فيما يظن أن قاعدة القتال مع الكافرين: أن الكافرين {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ}. ويفسر هذا على أن هذه قاعدة الحياة في القتال بين المؤمنين وبين الكافرين. وهو لا يلتفت إلى قوله تعالى: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} وهذه صورة من صور القتال. فلو جاء رجل آخر ناظر لكتاب الله إلى هذه الآية لوجد أن قانون القتال بين المسلمين وبين الكافرين هو فقط مجرد أن تدخل عليهم وتحصل الهزيمة.

والآخر يأتي إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} لا وراء جدر ولا في قرى محصَّنة، هم يزحفون إلينا!

إذًا هذه القراءات هي قراءات غير سديدة؛ لأنها تُعمِّم الحالة. وفي الأصول: "الفعل لا عموم له"؛ العموم إنما هو في اللفظ، لا يكون العموم في الأحداث ولا في الأحوال.

القصد أن هذه قراءة خطيرة، والناس كثيرًا ما يزعمون أن القرآن يُقرِّر هذا المعنى وهو على معنى الإطباق. ما معنى الإطباق؟ أنهم يظنون أن هذه الحالة هي حالة الزمن المتجددِّ والمتكرِّر، لا تتخلف. وحينئذ ينظر إلى الواقع فلا يجد هذا! فهذا مثال.

وكذلك الآخر الذي تحصل لديه الفكرة فيبحث عنها في الكتاب. أين الخطأ؟ قد يقع في الخطأ وهو يظن أن النص يخدمه في هذه الحالة، وربما يضطر إلى ليّ أعناق النص ليُلائم نظريته وحالته ولا يكون كذلك. وليس معنى هذا خطأ ملاحظته في الباب، ولكنها تكون في قضية ملائمة النص لهذا الباب.

يعني كثير من الناس يقولون كلامًا حسنًا وجيدًا، لكن ليس معنى هذا أنهم يستدلون له بدليل صحيح. وهذا يقع، ونبّه عليه أهل التفسير، بأنه ليس شرطًا لكل كلام حسن أن يكون حديثًا نبويًا، فقد يُخطؤون في دلالة هذا النص على ما يريدون.

الطريقة الأولى: هي طريقة النظر إلى الكتاب واستخراج منه هذا المعنى وفيها ما فيها.

والطريقة الثانية: هي الملاحظة ثم البحث عنها في الكتاب.

الطريقة الثالثة: المنتشرة هذه الأيام وهي من أفسد الطرق وأجهلها هي أخذ تجارب الآخرين ونظرياتهم التي أنتجوها ضمن ظروف أو لأسباب ويصبغونها إسلاميًا بمجرَّد أن يبحثوا عن الدليل.

ومن هنا فإن قراءة مثل هذه الكتب التي بين أيدينا محفوفة بالمخاطر، ومن أخطر ما يُتحدث عنه اليوم من طرق التغيير وحاجتنا إلى بعض الوسائل التي فعلتها بعض القوى الثورية في صراعها ضد أنظمتها.

فإننا وجدنا الكثير من الدعاة يريدون تكرار تجارب الثورات الناجحة. وذلك من خلال قراءتها والبحث عما يُقاربها من السيرة وإلصاق السيرة بهذه المعاني. حتى إنهم يضطرون في بعض الحالات أن يُشَرعِنُوا الباطل بحجة أنه لا غنى للحركة عنه؛ لا بد أن نفعل كذا وكذا، ننظر إلى الثورة الفرنسية، ننظر إلى ثورة لينين، ننظر إلى ثورة ماو تسي تونغ، ننظر إلى ثورة جيفارا وهكذا ،فيقرؤون هذه التجارب ثم بعد ذلك يأتون للسُّنة ليُلصقوا بهذه التجارب الأدلة! وهذه قضية خطيرة.

ذلك أن السيرة النبوية هي الصورة التي رضيها الله للعبيد للوصول إلى المقاصد من خلال الشرع. الطرق الأخرى فيها مسالك باطلة، قد تصل، لكن السيرة هي المسلك الحق للوصول إلى المقصد الحق. ولذلك لا بد أن نقرأها قراءة واعية في هذا المعنى، وليس للأسف أن نقرأ السيرة قراءة من أجل أن نحتجّ بما أنتجه الآخرون. وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يفهمها وأن يعيها.

من الأمور الخطيرة في هذا الباب: هو علم النفس. وهذا ما سنتكلم عنه؛ لماذا هذا الكتاب علينا أن نقرأ مقصده؟ وتقدَّم الكلام بأنه لا يجوز لأحد أن يقرأ كتابًا حتى يعرف مقاصد واضعيه.

إذًا هذه قضايا ربما تُصيب وربما تخطئ، ولكن من أجل الإصابة لا بد من اتباع القواعد الصحيحة في البحث والنظر، في رصد الظواهر، وفي قراءة الكتاب والسنة قراءة على طريقة سلفنا؛ بحيث لا نخرج عمَّا قالوه ولا نبتدع أقوالًا ننسبها للكتاب والسنة ظلمًا وعدوانًا تحت باب أن هذا حق ولا بد أن يكون في الكتاب.

وأنتم تعرفون من صور تفسير القرآن الباطلة ما فعله البعض من زعمهم أن النظريات موجودة في القرآن، ولذلك فسّروا القرآن تفسيرات باطلة لا تمت إلى اللغة التي هي مفتاح كتاب ربنا -سبحانه وتعالى-.

الآن النقطة الأولى التي سنهتم بها وهي: لماذا هذا الكتاب؟

وهذه إحدى النقاط الفارقة بين منهج القرآن في كشف الإنسان وبين منهج الأغيار في كشف الإنسان. بغض النظر أن اكتشافاتهم صحيحة أو باطلة، هذا ليس هو المطلوب، المطلوب هو لماذا هم يقرؤون الإنسان؟ هذا الكتاب -كتاب غوستاف لوبون- وكتاب (الأمير) لميكافيلي إنما يريدون معرفة الجماهير من أجل طبقة الملأ. يعني هم يقرؤون الجماهير لمعرفة كيفية إخضاعها للملأ. ولذلك غوستاف لوبون هو ارستقراطي، هو من جماعة الملأ، هو الذي يجعل الجماهير (جوييم) حسب نظرية الجوييم اليهودية أن هؤلاء لا قيمة لهم، هؤلاء رعاع. ونظرية الرعاع هذه صحيحة حقًا وموجودة، ويقولها علي -رضي الله عنه-: "أكثر الناس همج رعاع".

ولكن هناك فرق بين ما يقوله علي -رضي الله عنه- وما يقوله هؤلاء. علي -رضي الله عنه- يقول هؤلاء الهمج الرعاع لهم الحق في أن يرتفعوا، بل الواجب على طبقة العلماء وعلى المفكرين وعلى طبقة الفقهاء والصالحين أن يرفعوا هذه الطبقة لتخرج من هذا المستنقع. وبين طبقة أخرى ترى أن هذه الطبقات رُقُم حديدية لا يجوز تغيُّرها على طريقة المذهب البوذي، الطريقة الهندوسية؛ أن الناس خُلقوا من ذات الرب، بعضهم خُلق من رأسه وبعضهم خُلق من يديه وبعضهم خُلق من رجليه وهي طبقة المنبوذين، فطبقة الرعاع تبقى رعاعًا.

فالقرآن يكشف الإنسان لسبب آخر.

إذًا لماذا كتب ميكافيلي كتاب (الأمير)؟ كتبه من أجل أن يقول للطاغية: هذه هي حبال جَرِّ هؤلاء الهمج الرُّعاع إلى سلطانك وطرق إخضاعهم لشهواتك وقراراتك!. وكتاب غوستاف لوبون من هذا الباب، هو يريد أن يقول بأن هؤلاء الهمج الرعاع هذه صفاتهم وعلينا أن نحذر منهم. وهي بداية ظهور المذهب الاشتراكي الذي يرى قوة الجماهير، الذي يريد أن يُثوِّر هذه الطبقة من أجل القيام على الطبقة الارستقراطية ليدمّرها وليغيّرها إلى آخره.

وكتاب غوستاف لوبون يُبشِّر أن المستقبل القادم هو مستقبل الجماهير ولذلك هو فساد الحضارة. هذه هي نظرته.

إذًا لماذا يقرأ الآخرون الإنسان في هذا الباب -وهو السبب النفسي-؟ يقرؤونه لمقاصد الشر.

هل هناك مذاهب أخرى تقرأ الإنسان لأسباب أخرى؟ نعم.

الآن المبدأ الرأسمالي العلماني ما الذي يريده؟ يريد أن يقول بأن الذين يغيرون التاريخ هم أصحاب المال، "دعه يعمل دعه يمر" مبدأ آدم سميث. ما الذي يحق له أن يخلد في الحياة؟ هو المال الارستقراطي. وكلما ازداد غنى الغني كلما تقدَّمت الحضارة، والبقية ماذا؟ جوييم لا قيمة لهم، اسحقهم، لا تلتفت إليهم.

بل إن بعض الاقتصاديين في هذا المبدأ في دراسته للإنسان يقول بأن التوراة تُقيم هذا المبدأ. من قرأ المذاهب الاقتصادية التي هي جزء من النظرية السياسية في علاقة الملأ مع الفقير، الملأ مع الجماهير، إنهم ليدَّعون أنهم يستقون هذه المبادئ في قضية وجوب سيطرة الملأ وقيادة حركة الحياة وبناء الحضارة وإغفال أهمية قيمة الجماهير. ومعهم حق في الحقيقة.

وهناك مبدأ الاشتراكية الفابية التي يقول بها حزب العمال البريطاني وتخلوا عنه، حتى إنهم سموا "new labour" يعني العمال الجديد وهو اقتراب للمحافظين. والمحافظون يعني الذين يٌقدِّسون صورة الملأ، الذين هم اللوردات والإقطاعيون.

والعمال مبدأهم هو إنشاء أعمال متوسطة صغيرة ليقوم بها الفقراء والمساكين. يعني دعمهم من أجل إنتاج من لا مال لديهم، من أجل توزيع هذه الثورة. فلما جاءت تاتشر ووُجهت أن قوانينها من أجل تكريس نظرية الملأ، تكريس الإقطاع، تكريس غنى الغني وفقر الفقير، فسُئلت عن هذا، قالت: نعم هذا مقصدي! ذلك لأن الذي يصنع الحياة هو الغني، هو الذي يُقدِّم لي المال، هو الذي يدفع الضرائب، هو الذي يعطيني المال من أجل أن أنفق على الفقير، فلماذا أهتم بالآخر وأضيع وقتي معه؟

فمثلًا هذه قراءات. والشيوعية جاءت للإنسان وظنّت أن الإنسان لا قيمة له. والنظرية الرأسمالية.

نظرية أخرى نظرية الاشتراكية وترى أن الإنسان هو مجرد سن في دولاب الإنتاج ولا قيمة له؛ ولذلك ألغت الملكية. وبالتالي في النهاية ألغوا التملُّك فجعلوا التملك للحزب، الذي يملك كل شيء هو الحزب، والناس بعد ذلك ماتت عندهم نزعة الإبداع بسبب عدم الملكية فيهم.

إذًا لماذا يقرؤون الإنسان؟ يقرؤون الإنسان لخدمة مقاصدهم، والنوايا السيئة موجودة.

هل هناك كتاب في الوجود يشرح الإنسان أكثر من القرآن؟ الجواب: لا.

يُقدِّم القرآن الإنسان أنه هلوع، جزوع، ضعيف، منّاع للخير، إلى آخره. يقدمه على هذه الصورة من صورة غلبة الشهوة. هكذا يتكلم القرآن عن الإنسان، في المقابل يتكلم عن الفَرَادة. وهذا المبحث -مبحث الفرادة- في القرآن مهم جدًا.

ولما أردت أن أشرع في تفسير سورة المؤمن لأنها نموذج لموضوع الفرادة في القرآن وهو مؤمن آل فرعون، لما خرج من نظام القطيع بسلطانه السياسي وبسلطانه القبلي بأنه مؤمن آل فرعون. فالقرآن لما يطرح موضوع الهداية يطرحه فرادة إنسانية.

لكن هل يلغي القرآن موضوع المجموع؟ هذا الذي سنتكلم عنه.

إذًا لماذا يطرح القرآن نفسية الإنسان؟ يطرح القرآن نفسية الإنسان أولًا من أجل إصلاحه وعدم متابعته. يقول له الإنسان كذا فإياك أن تتابع ما جُبلت عليه من حب العاجلة والمصارعة للشهوة، أبوك وقع فيها من قبل وهذه هي العاقبة. فما يطرحه القرآن من نفسية الإنسان لا من أجل بناء النظرية عليه، ولا من أجل بناء التشريع عليه.

الذين قالوا إن الإنسان كذا وكذا بنوا النظرية على هذا، أن الإنسان عنده شهوة التملُّك إذًا أعطه، الذين قالوا الإنسان لا قيمة له قالوا إذًا ألغي نفسيته وحب التملك. ولكن القرآن لا يقول هذا، يقول الإنسان كذا وكذا فالمطلوب منك أن تعالج نفسك وأن تربيها.

إذًا وُضعت نفسية الإنسان في القرآن مقابل الشرائع. لماذا؟ لأن الشرائع هي التي تقوّمها. وهذا رد على بعض المشايخ. هذه من مسائل الأصول أنا أنبه عليها لأهميتها. كيف؟ عندما سُئل بعض المشايخ لماذا تُجيز الموسيقى؟ فقال كيف أُحرّم الموسيقى ونحن ندعو الأفارقة أن يدخلوا في الإسلام، ولو قُلت للإفريقي إن الموسيقى حرام لم يُسلم، فالنتيجة أن نقول له أسلم والموسيقى حلال!.

هذا المنهج في الفتوى والدعوة إلى الله يخالف منهج القرآن. لما غيّر الله -عزَّ وجلَّ- القِبلة وكانوا يتوجَّهون إلى بيت المقدس ثم أمرهم أن يتوجهوا إلى مكة ماذا قال؟ {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}. إذًا الشرائع لم تُوضع من أجل موافقة الإنسان في هواه ولكن من أجل امتحان الإنسان في هواه. هذا جانب مهم في الأمر.

الجانب الآخر: نحن نرى أن القرآن يطرح الإنسان ويلوِّح له من أجل اتباع الشرائع من خلال شهوته؛ يقول له في الجنة هناك حور عين، في الجنة أكل وشرب، إلى آخره.

أول شيء لمعالجة شهوته، ولكنه كذلك يرفع له الشهوة من أجل أن يحقق المقصد، لكنها الشهوة التي ترتبط بالمقصد بعيدًا لا عاجلًا. ليست الشهوة التي يريدها الطفل، ولكن الشهوة التي يريدها العاقل وذلك بأن يدفع ثمنها عاجلًا من أجل أن يحققها آجلًا.

إذًا لماذا يكشف الله لنا الإنسان؟ يكشفه من أجل أن تعرفه فتعالجه. هو يريد كذا فعالجه بالشرائع، هكذا نزلت الشرائع، وكذلك أبقت له الفطرة التي كُوِّن عليها فلم تُلغها؛ هو يحب النساء {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} هل قال له لا تتزوج على طريقة القطع؟ لا، ولكنه جعلها فتنة وابتلاءً فقال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي ذكرناه في الدرس الفائت: (وفتنة أمتي في النساء)، إذا خرجت عن حدها، إذا تجاوزت. فإذًا ذُكرت من أجل علاجها.

وكذلك من أجل تمريرها بطريقة الشريعة. وثانيًا وهو المهم أنها رُفعت في آخر الناصية لتشُدَّك إلى العمل.

إذًا هذه القضية في معرفة الإنسان ينبغي أن تكون في موضع خطورة شديدة، كيف توفق بين علاجه وبين إعطائه هذه الشهوة بمقدار، وبين أن تنصُبَها مقصدًا له في آخر المقام. هذا هو غذاء القرآن للإنسان. ومن أجل ذلك يكشف الله -عزَّ وجلَّ- الإنسان لهذا الأمر. هذا هو علم النفس، كيف نقرأ الإنسان من أجل أن نتعامل معه.

القرآن من أجل فترة من فترات القوة والبلاء الواقع عليك يقول لك -سبحانه وتعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} حالة ابتلاء عظيمة لا تستقيم إلا مع القرآن.

ومع ذلك يقول -سبحانه وتعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} يتكلم عن الدنيا. وذلك بأن سورة النحل كما يقول ابن القيم هي سورة تفصيل النِّعم. ولذلك البلاء وقع على النعم {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا} في سورة النحل، وقال في آخرها: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} ما قال فكفرت بالله.

إذًا الابتلاء الدنيوي في كشف حقيقة الإنسان من أجل الابتلاء، وكذلك من أجل التعامل الرفيق معك. فإنه لو بقي على حالة واحدة لتعب، من أجل أن تعرفه.

إذًا من هنا يجب علينا في النقطة الأولى أن نعرف ماذا تحدَّث القرآن عن الإنسان.

ثانيًا ما هي الفوارق بين كشف القرآن للإنسان وبين غيره.

الآن نأتي إلى الثالثة وهي مدار البحث في قضية: هل هناك سنن اجتماعية تخص المجموع وهناك سنن اجتماعية تخص الفرد؟ الجواب: نعم. فما هي العلاقة بينهما؟ القرآن أقام في مواطن عدة الحديث عن الملأ. نحن قلنا القرآن كتاب الفرادة. إذًا كيف يتحدث القرآن عن المجموع؟ هل يتحدث عنه أنه لا قيمة له؟ هل يتحدث عن المجموع بعدم اهتمام؟ هذه هي القضية.

ما دام أن القرآن هو كتاب الفرادة مما يدل على أن المجموع –أي الجماهير- هو أمر خطير، وأن القرآن ذكر في مرات أن الجمهور آمَن، ومرات ألغى وجود الجمهور إنما ذكره على سبيل الذكر ثم ألغاه كأنه غير موجود. وفي الأصل يتحدث القرآن عن علاقة التابع بالمتبوع.

وهذه قضية ليت طالب علم يتفرّغ لها وهي قضية علاقة التابع بالمتبوع. ومواطن ذكر التابع والمتبوع معروفة في القرآن. ففي سورة البقرة قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}. إذًا القرآن لا يتحدث عن الناس كلهم باعتبار صفة تملُّك الفكرة على درجة واحدة، هناك تابع ومتبوع. والقرآن لا يعذُر في هذا الباب أبدًا.

هناك فرق بين الإعذار بسبب عدم القدرة، في موطن واحد القرآن كأنك تراه يتحدث عن الإعذار وعدم الإعذار كما في سورة النساء. ومع ذلك القرآن لما يتحدث عن المتبوعين يوم القيامة لا يعذرهم أبدًا، ويسميهم ابن القيم في كتابه (طريق الهجرتين) عندما جاء إلى طبقات الـمُكلَّفين في آخر الكتاب: يسميهم الحمير، حمير البشر وبهائم البشر. وهم الذين يتبعون أسيادهم على الكفر والشرك لمجرد الغفلة والجهل أو لمجرد الدنيا. {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}.

في سورة إبراهيم قبل أن يذكر ربنا -سبحانه وتعالى- خطبة إبليس في النار، هذه كلمة ابن كثير -رحمه الله-، وأنا شرحت هذه الخطبة في مجلة (نداء الإسلام) القديمة وتحت باب (مع أحسن الحديث). قبلها قال: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} فما الجواب؟ {قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} نحن وإياكم مصيرنا واحد.

فدلّ على أن اتباع هذا الملأ -الذي سماه القرآن وأفاض في ذكره- أمام هؤلاء الجهلة ليس لهم عذر يوم القيامة.

في سورة سبأ كذلك: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} نظرية المؤامرة الآن تبين في السورة. {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

فقضى الله -عزَّ وجلَّ- أن الأتباع والمتبوعين في باب واحد، وعلى حال واحدة من العذاب، مما يدل على أن التابع للكافر في الشرك ليس معذورًا.

في سورة النساء ذكر الله -عزَّ وجلَّ- أقوامًا اعتذروا بالاستضعاف لما قال -سبحانه وتعالى-: {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} فلم يعذرهم. ثم بعدها يقول -سبحانه وتعالى-: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} فدلّ على أن هناك فرقًا.

هذا يجب أن يُقرأ، أنا لا أريد أن أقف عنده، وإلا دخلنا في موضوع آخر غير الكتاب. لماذا لم يعذر الأوائل وأعذر الضعفاء الذين لا يجدون حيلة؛ إذًا هناك فرق بين هذا وهذا. لا بد أن هذا الفرق ينشأ عن اختلاف الحالة بين الصورة الأولى والصورة الثانية.

إذًا موضوع الجماهير هو موضوع خطير. كيف ألغى القرآن الجماهير كأنهم غير موجودين؟ لما قال موسى -عليه السلام-: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} إذًا هو له مقصد فيوم الزينة يجتمع الناس. هذا التقى مع رغبة فرعون. فربما أنت تدعو لأمر تريد به مقصدًا ويريد الخصم نفس المقصد. ماذا قال فرعون في سورة الشعراء؟ {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} ما قال لعلنا نتبع الحق، لكنه قال: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}!. ولكن القرآن لم يتحدث عنهم، ألغاهم بعد ذلك، كأنه ليس هناك ثمة وجود لهم.

ومع ذلك حصل لأقوام مثل قصة {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}؛ الناس جاءهم الداعي فأسلم الجميع وحصلت حادثة الأخدود والنيران، وأسلمت الأمة في هذه القرية جميعها.

إذًا هذه القضية لا ينبغي أن توضع في ميزان واحد، يجب أن يُنظر إليها باعتبار ظرفها. ولكن الاهتمام بالجماهير أمر مهم.

انتهينا من هذه، الآن نأتي إلى نقطة أخرى مما يتعلق بالجماهير، وهذه القضية ذكرناها في أول لقاء مع (رسالة في الطريقة إلى ثقافتنا) لما اختلفنا مع الأستاذ محمود شاكر لما رأى أن وجود مثل هؤلاء الأفذاذ العلماء كان يمكن أن يُشكِّل بناء الحضارة والعودة إلى القمة وقيادة العالم. وقلنا الشيخ لم يُصِب فيها.

فإذًا هنا سؤال: هل الحضارة تُصنع بالفرادة أم لا بد من الجماهير؟

هناك نظريات تقول نظرية الأبطال؛ البطل هو الذي يغير التاريخ، البطل هو الذي يقود، البطل هو الذي يصنع، هرقل هو الذي يغير، إلى آخره.

وهناك نظرية أنه لا بد من الجماهير فهي التي تخرج وتغير. وغوستاف لوبون يرى أن الجماهير لا يمكن أن تصنع حضارة، ولا يمكن أن تكون حركتها منبعها الفكرة، إنما هي الطغيان والجهل والخراب، لا يمكن أن تتحرك الجماهير من خلال الفكرة، وإنما تتحرك من خلال شهوتها. هذه نظرية.

النظرية الشيوعية ترى أن الجماهير هي التي تستطيع أن تصنع الحضارات، وهي التي تستطيع أن تغير.

فما هو الموقف الصحيح في هذا؟ إذا أردنا أن نستلهمه فنقول بأن القرآن دائمًا يُقدِّم الحق بصورة الرجل وهو النبي.

وهذا النبي يدعو، وأعظم نموذج في قضية التغيير هو نموذج النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقبله أعظم نموذج تاريخًا هو موسى -عليه السلام-. موسى هذا رجل عظيم، إمام نبي مُسدَّد مهدي، ومع ذلك لم يستطع أن يُحقق مَقصد التغيير والانتصار عندما وقف أمام الأرض المقدسَّة. وهذا لتخلِّي الأمة عنه وتخلي الجماهير عنه. {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}.

هو لم يستطع أن يحقق وهو نبي عظيم، ولا يفقد هذا النبي ما يُسمى اليوم "كاريزما القيادة"، هل هذا لعجز منه في قدراته؟ هل فقد موسى القدرات لهذا؟! الجواب: لا. وهذا دليل على أن التغيير الأعظم لا بد له من وجود قائد فذّ.

ولذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد للأمة أمر دينها). العلماء لما قرؤوا التاريخ كان يمكن حصر المجدِّد في شخص في وقت من الأوقات، لكن بعد ذلك وجدوا أن التغيير يحصل من خلال شخوص متعدّدين لما توسَّعت الأمة وكثُر مجال الانهيار فيها. يعني في زمن عمر بن عبد العزيز كان الانهيار في المؤسسة السياسية، فأصلحه، فيُمكن هذا. الشافعي في المؤسسة العلمية والخلاف الذي حصل أصلحه، لكن لما يكون الخرق من كل باب فلا بد من وجود رجل في كل باب، فوزَّعوا قضية المجدِّد.

ولكن على الجملة إن الفرد ضروري لأن القرآن يطرحه، ولكن التغيير لا يتم إلا من خلال جموع تتبع هذا الإمام، وهذا الأمير، وهذا القائد الفذ. هذه لا بد منها، مع قضية مهمة نبّهنا عليها: أن القائد الفذ هو الذي لا يُلغي الجموع وراءه؛ لأن هذا ليس من الحكمة. والنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نبي، من الذي وراءه؟ لا يعدلونه شيئًا، ووُزن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمئات الآلاف من أمته فوزنهم، ومع ذلك لما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ربه استطاع الواحد من هؤلاء أن يقود أمة إلى التغيير.

فإذًا القائد هو الذي يصنع التغيير ولكن لا بد من وجود الجماهير وراءه.

هل هناك طرف وسيط بين القائد والأمة؟ الجواب: نعم، النُّخبة. ونستطيع أن نقرأ هذا في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} أين هذه الأفواج في أعظم حكمة دعا بها نبي هو رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في مكة، لماذا لم يتَّبعه إلا القلائل؟

في (صحيح البخاري) عدد المهاجرين الذين شاركوا في بدر لا يزيدون عن ثمانين شخص. مع الغائبين والنساء مائة وعشرين شخصًا. يعني كل الذين هاجروا من مكة خلال ثلاثة عشر سنة استجابوا لدعوة النبي مائة وخمسون شخصًا. بالكلمة، والحكمة، والبيان، والبرهان، والكلمة البليغة التامة الكاملة المؤسَّسة على كل قواعد الحق ووسائل الحق، ومع ذلك لم يستجيبوا.

وكانت العرب ترتقب من يغلب قريش أم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما غلب النبي -صلى الله عليه وسلم- قريشًا ودخلت مكة في الإسلام دخل الناس في دين الله أفواجًا وجاءت الوفود.

فلما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الجموع ماذا حدث فيها؟ رأينا رِدَّة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كلها ظنّت أن موضوع الإسلام قد ذهبت قوته. هل ذهب حقًا؟ هل هم راقبوا الحق أم راقبوا القوة؟

إياكم أن تسمعوا لهذه الدعوات: "يجب فقط أن يكون مع كلمة"، هذه لا تُغيِّر، الذي يصنع التغيير: الكلمة مع القوة. والذي يُحقِّق للكلمة وجودًا هو القوة. وهذا مهم جدًا ليُقيّد ما قلناه؛ لأن بعض الناس قال: "الفكرة عندما تتحول إلى مؤسسة"، فظنّ البعض أن الفكرة يجب أن تبقى بعيدًا عن موطن الجماعة التي تدعو إليها. هذا ليس في قضية الحق والإيمان، بل لا بد في قضية الحق والإيمان من قوة وجماعة تحميها.

وإلا بعد ذلك فالكلمة تبقى في إطار دعوة الأنبياء، يستجيب لك خمسون، (يأتي النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والنبي وليس معه أحد)، هذه الكلمة. ولكن إذا أردت للحق أن يكون له سلطان في الأرض لا بد له من قوة. لا بد له من قوة يعني لا بد من جماهير. وهذا الذي نحن في صدده.

إذًا لا بد من الجماهير، لا بد أن نعتني بها، وأن نراقبها، وأن نعرف ما الذي يُحرّكها وما الذي لا يحرّكها. وهذا ضمن مجالات الجهاد والصراع بين الإسلام والجاهلية، وهو من الذي يستطيع أن يستخدم الجماهير. وإلا فالجماهير الفكرة بعيدة عنهم، والموضوع العلمي يُتعبهم ولا يريدونه، وهذا مما يقرره غوستاف لوبون وواقع التاريخ يشهد به.

انتهينا في هذا الباب، والآن نأتي إلى قضية مهمة وهي تتعلق بموضوع علم النفس. هل هذا علم حقيقي؟ الجواب: نعم، هذا علم يجب على الأمة أن تعتني به، وعلماؤنا تكلموا فيه؛ تكلموا عن الحسد هذا من علم النفس، تكلموا عن حب الأَثَرَة هذا من علم النفس، تكلموا عن الأخلاق فالأخلاق هي مَلَكَات نفس. كيف يُربَّى الأطفال؟ هذا ينبغي أن ندرسه وأن نعرفه. وهذا في السنة من أوضح ما يكون، وفي الكتاب من أوضح ما يكون.

الآن نتكلم فقط عن قضية وهي مهمة جدًا وهي قضية علم نفس التغيير.

إن أعظم مهمة يمارسها إنسان في هذه الدنيا هو التغيير الاجتماعي؛ وهو تغيير الإنسان، والدليل أن الله بعث الأنبياء وهم أعظم وأجلّ المقامات؛ لأنهم قاموا في أعظم وأجلّ المهمّات. ما أعظم المجالات والمهمات؟ هو مجال العمل في الإنسان. هناك ناس في الأرض يعملون في البطاطا، في البندورة، في القمح، وهناك أناس يعملون في صناعة الأثواب، ولكن أعظم ما قام به إنسان في الوجود هو أن ينظر إلى إنسان فيتعامل معه، يصيغه على صياغة الحق؛ ولذلك كان عمل الأنبياء ومجالهم هو مجال الإنسان.

إذًا أعظم أمر هو أن تغير الإنسان. هذا الذي يسمونه التغيير الاجتماعي.

إذًا ما دام هو أجلُّ عمل في الوجود فهو الأصعب، وإنما تَشتقُّ الأعمال قيمتها بصعوبتها وآثارها. فإذًا أعظم مجال يمكن أن يتم حوله الحديث لصعوبته ومشقته هو التغيير الاجتماعي تغيير الإنسان. هذه واحدة.

وقولنا أن هذا أشق عمل يوجب علينا أن نتعامل معه باحتراز وأدب، واحترام وتقدير. ولكن أين الخطأ فيما يفرضه الآخرون علينا؟ هل يوجد حقًا قوانين ثابتة للتغيير يمكن أن تتكرر كما تتكرر العملية الفيزيائية؟ يعني معادلة في تكوين الماء تُحضر أكسجين وتحضر ذرتين هيدروجين ضمن ظروف معينة فلا بد أن تُحضر الماء. هذه نظرية فيزيائية لا تتغير. لو أنك حرقت لا بد أن يحصل الحرق، الحرق لا بد أن يوجد ثاني أكسيد الكربون أو أول أكسيد الكربون إلى آخره، هذه قوانين ثابتة.

فهل التغيير الاجتماعي له قوانين ثابتة؟

المعاصرون أرادوا أن يقولوا نعم، وهذا كلام غير صحيح. وهذه لها علاقة في مناقشتنا للمشايخ في قضية ضربهم الأمثال أن التجارب الجهادية أثبتت أنه هذا طريق مسدود.

ما هي طرق إبطال مشروع الجهاد في تغيير الأمة؟ هو ضرب الأمثال. كيف؟ يقول لك: لقد أثبتت التجارب أن هذا الطريق مسدود، وأنه لا يصلح. إذًا هو رأى أن تكرار الظاهرة في مشروع التغيير عن طريق الجهاد في سبيل الله باعتبار الجهاد في أذهانهم –المساكين- هو مجرد حمل السلاح! هكذا ينظر البعض، حتى بعض من يمشي في هذا الطريق يظن أن المشروع الجهادي هو مجرد حمل السلاح وليس هو مشروعًا متكاملًا في أبعاده وفي بنيانه وفي تفصيله إلى آخره.

فالآخرون يقولون بأن هناك ثمة قواعد إنسانية نسميها نفسية ونسميها اجتماعية إن سلكتها ضرورة توصل إلى هذا الباب. هذا الكلام غير صحيح. لماذا؟ لأن الإنسان ليس رقمًا ماديًا ثابتًا. هذا أول خطأ وقعوا فيه. وقعوا في قولهم بأن الإنسان كأنه الماء، كأنه الحديد، رقم ثابت لا تتغير صفاته. وللأسف بعض المشايخ وقعوا في هذا عندما راهنوا على طبائع بعض الشعوب. هل الطبائع البشرية ثابتة؟ لو كانت ثابتة لما جاء الأنبياء.

والإنسان لا ينطلق من منطلقاته الفطرية أنه رجل صلب شجاع له قوة، لو أننا قلة بأن أمة تشتغل كل يوم بأن تمشي عشرة كيلو فتقوى أجسامهم في هذا الباب، هذا لا علاقة له في قضية تلقيهم للأفكار بطريقة قوية أو بطريقة باطلة أو بطريقة مهترئة. فالشجاعة ليست مسألة بدن، الشجاعة مسألة نفس.

هل يمكن أن نتعامل مع الإنسان بأنه هو موطن التغيير بالنسبة للأنبياء، أن نتعامل معه شيئًا ثابتًا؟ القرآن يقرر: لا. يقرر أنه يمكن أن تدعو إلى الله فيهتدي السامعون، ويمكن أن تدعو إلى الله فيكفر بك السامعون، ويمكن أن تدعو إلى الله فيقتلك السامعون، ويمكن أن تمشي معك الجيوش في بعض الظروف وفي نفس الظرف يقول لك {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا}، ويمكن ويمكن، وأن تأتي جموع لتقاتلك وتحارب دينك فتهتدي في لحظة قذفٍ إيمانيّ قوي.

وبالتالي لا وجود لهذا.

والذين يقولون بأن التجارب تثبت لنا، السبب لأنهم لم يروا الظروف الموضوعية لتحقيق الفعل وليس الفعل ذاته.

الآن الجهاد حركة أمة، لماذا الجهاد في هذه الفترة يُحقِّق نتائجه فينتشر في الناس كما نرى الآن في الشام؟ لماذا لم يكن هذا سبيله في عام 1982 عندما قاموا ضد حافظ الأسد؟ هل هو لأن الإنسان قد تغير؟ الحقيقة لو أردنا إن الإنسان قد ضعُف، لكن لماذا يتغير؟ للأسف لأن هذه القراءات إنما تتوجَّه إلى ذات الفعل إلى الجهاد، ولا تنظر إلى الظروف السُّننية التي سُميت في بعض أدبيات الآخرين بالظروف الموضوعية التي تُحقِّق الفعل. من أجل هذا حرَّم الشرع كلمة (لو)!

كلمة (لو) هذه هي التي تُفسد السُّنة، فتجعل المرء يغير سبيل الحق لأنه لم ينجح فيه ظانًا أن هذا السبيل لا يوصل. وأكبر مثال ما ذكره الناس من قصة رجل يقول لرجل: أين تشتغل؟ قال: أشتغل في البحر. قال: ماذا كان يعمل أبوك؟ قال: في البحر. قال: وأين مات أبوك؟ قال: في البحر. قال: أبوك مات في البحر وتعمل في البحر؟! فقال الآخر له: وأين مات أبوك؟ قال: على فراشه. قال: وأين تنام؟ قال على فراشي. فقال: أبوك مات على فراشه وتنام على الفراش؟!

هذه القضية في سورة آل عمران في قضية هزيمة الصحابة في أحد جلّاها تجلية كاملة أن القضية لا تتعلق بالفعل لتُغيره، ولكن انظر إلى الظروف التي أحاطت به من التعامل معه، فالإنسان ليس رقمًا ثابتًا.

الآن الذين يحاولون التفسير مكثوا مع هذا المسكين الذي يسمونه انتحاريًا ونحن نسميه استشهاديًا. يريدون أن يقرؤوا ظاهرة الاستشهادي في علم النفس، أن يعرفوا كيف يُصنع الاستشهادي. من أجل ماذا؟ من أجل مقاصدهم.

هم تعجبوا رجل يخرج من الخمّارة لا يصلي، بعد خمسة أيام يضع الحزام في وسطه ويُقبل ويستشهد، كيف؟! ما هي الأسباب الدافعة لهذا الفعل؟

الآن نحن جلوس، ربما رجل يُخاصم أخاه فبكلمة واحدة يقوم يقبل رأسه ويصطلحان. وهذه حدثت ملايين المرات في البشرية. لكن كم مرة حدثت كذلك أن هناك أخوان حبيبان يحب بعضهما الآخر فرجل قال كلمة لأخيه فقام الآخر وقتله! هذه كيف تُفسر؟ الجواب: لأن الإنسان ليس رقمًا ثابتًا في معادلة التغيير.

والدليل على هذا أنه لا يوجد قط قائد تغيير اجتماعي استطاع أن يستقرئ مُصيبًا نتيجة حركته والقرآن يُقرِّر ذلك. لينين قبل ستة شهور من انتصار الثورة سألوه: ما نتيجة الثورة؟ قال: لا أعرف. قالوا له أنت ممكن تعيش الفترة وتنتصر ثورتك الاشتراكية؟ قال: إذا انتصر أحفادنا وكونوا دولة اشتراكية فنكون قد حققنا نصرًا. يعني هو كان ينظر إلى ثلاثين أو أربعين سنة، وبعد ستة شهور انتصر!.

قبل ذهاب الشاه بستة شهور احتفلت إيران احتفالًا كبيرًا في ذكرى مولد محمد رضا بهلوي، وخرج الشعب كله يصفق ويهتف باسمه. بعد ستة شهور انقلبوا عليه ولعنوه!.

وكل الثورات لم يستطع أحد أن يقول نحن نمشي ونسير هكذا. هذا لا وجود لها لأن الإنسان ليس رقمًا ثابتًا في معادلة التغيير.

النقطة الثانية أن كثيرًا من دارسي علم النفس الاجتماعي الذي هو جزء مما نحن فيه من هذا الكتاب، أنهم حاولوا أن يدرسوا الإنسان من خلال ظاهرة الحيوان. وممن طبّق هذا الشيوعيون. وتسمعون اسم بافلوف، وهذا رجل من دارسي علم النفس حاول أن يستقرئ حركة الإنسان من خلال سيرة الحيوان. ولذلك أخرج بعض النظريات مثل الانعكاس الشَّرْطي، ومثل قضايا قراءة حركة الاجتماعات، وهذه يستخدمونها في صناعة الأمثلة الباطلة. فأحضر فأرًا وأجاعه لمدة أسبوع، ثم وضع شريطًا كهربائيًا بينه وبين قطعة جبنة، وفتح له الباب من القفص، ولشدة جوع هذا الفأر انطلق غير آبهٍ بالشريط الكهربائي وأكل الجنبة، وضربه الشريط الكهربائي ولم يلتفت له بسبب الجوع.

ولكن طبّقها مرة ثانية فوجد انطلاق الفأر المرة الثانية أقلّ اندفاعًا من الأولى في نفس الظروف. وكرّرها مرة ثالثة فوجد أن الفأر انطلق ولما جاء إلى الشريط تلكأ قليلًا ولكن الجوع شدَّه فأكمل. جاء المرة الرابعة انطلق من القفص ولكنه لما جاء الشريط توقّف وما تجاوزه ورجع إلى القفص! وفي المرة الأخيرة لم يخرج من القفص.

فهذه يطبقونها ولا شك أنها أفادتهم في بعض جوانبها، ولكنها للأسف أنزلت من مرتبة الإنسان، هنا نظر لماذا؟ نظر للغريزة. هل الإنسان تُحرّكه غريزته أم تُحركه عقائده؟ أناس كثير بلا عقائد تُحركهم غرائزهم كأهل الباطل في غزواتهم، التتار ما الذي حركهم؟ غرائزهم. الصليبيون لما جاؤوا ادَّعوا أنهم جاؤوا لتخليص قبر المسيح من الوثنيين المسلمين، لكن الحقيقة للغرائز.

لكن الذين صنعوا نتائج عظمى في تغيير التاريخ هم الأنبياء الذين بنوا الإنسان على طريق العقائد.

فإذًا هم نظروا إلى الإنسان كالفأر والفأر ليس له ثمة عقائد بل تحركه غرائزه.

والقصد أن الدراسات النفسية فيها هذه الأخطاء. ويكفي إلى هنا.

أرجو أن أكون قد أجبت عن هذا الكتاب.

ولم نتحدَّث عن كتاب غوستاف لوبون كثيرًا ويكفي ما تكلَّمنا عنه. إن شاء الله الكتاب القادم هو كتاب (قدر الدعوة) للأستاذ رفاعي سرور. وهو في الحقيقة خوض بطريقة رائعة في قضية مسار الدعوة وقدرها. وقد حاول أن يستخلصها. وسنتكلم إن شاء الله عن محاولته سلبًا وإيجابًا فيما يأتي.

كنت أحب أن أتكلم عن هذا الكتاب عن الجهل والتطرف واقترانهما في الجماهير وكيف نفرّق بين الجهاد وبين التطرّف في المفهوم الإسلامي.

كنت أريد أن أتكلم عن مفهوم التاريخ عند غوستاف لوبون وقد تكلم كلامًا فاسدًا بعيدًا عن الحق.

كنت أريد أن أتكلم عن جوانب يمكن الاستفادة منها عن كيفية تحرك الأفكار في داخل الجماهير. قيمة العواطف والانفعالات لدى الجماهير. والجماهير ما الذي يحركها الصور أم الأفكار؟ والكلام على قوله: "الجماهير حركة تسبق البناء لأنها هدّامة". وهذا مهم جدًا أرجو أن يُنتبه له وهو كيفية خطاب الجماهير، وقد أحسن فيها.

ويمكن أن أتكلم باختصار فأقول إنَّ من توفيق الله أن الفكر المعتزلي لم يدخل في الأمة، والسبب هو نخبويته. ولذلك نحن لا نخاف من النَّخبويين أن يتكلموا فيما بينهم، لكن المشكلة لما يصبح النخبويون هؤلاء هم القادة، فيضعون المناهج، ويضعون التشريعات، ويُدرّسون أبناء الجيل في الجامعات هنا خطورتهم. وإلا فالذين يتكلمون بالفلسفة والمنطق لا نخاف منهم. الخطاب الأعظم هو الذي يحرك الجماهير وهو الخطاب الجامع بين العلم وبين الحماسة والعاطفة. ولذلك كان -صلى الله عليه وسلم- إذا خطب ارتفع صوته واحمرّت عيناه كأنه يقول صبَّحكم ومسَّاكم. هذا هو الخطاب العاطفي مع الخطاب العلمي المؤسِّس، ونحن بحاجة لمثل هؤلاء من القادة.

يتكلم عن خطورة انضمام الفرد إلى القطيع، وهذا يحتاج إلى بيان واسع منا في تحديد كتابه.

يكفي إلى هنا، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا.

----------

الأسئلة:

- شيخنا ذكرت الله يجزيك الخير أن الإنسان ليس رقمًا ماديًا ثابتًا في معادلة التغيير، فكيف يتعامل المصلح الاجتماعي مع هذه الطباع غير الثابتة؟

الشيخ: الطريقة أن يتكلم معه بالحق. حينئذ القرآن يقول: ليس من مهمتك هداهم {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}. هذه قضية، فلا ينظر إلى النتيجة في قضية دعوته إلى الحق؛ لأنها قضية غير متعلقة بطبيعة وغريزة في الإنسان بل هي تتعلق بما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (إذا ذُكر القدر فأمسكوا)، نحن لا نعرف قط ما هي علل الاستجابة وعدم الاستجابة، الله قال هذه ليست لكم. فنحن نتعامل مع الناس ندعوهم، نُبيّن لهم الحق، وعند الاستجابة أو عدم الاستجابة هذه القضية {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}. يقول الله -عزَّ وجلَّ-: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}.

وتأمل لماذا جاء قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} بعد آية الكرسي. يعني آية الكرسي كما قال ابن كثير -رحمه الله- نقلًا عن بعض العلماء أنها ذكرت عشر صفات لربنا مِن العَظَمة والجَلَال، فكان ينبغي لكل عاقل أن يتبعّه، ومع ذلك قال: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}. إذا كان مثل هذا الحق يُنكرونه فلا إكراه في الدين.

{لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ}. فقضية الهداية ليست لنا، ندعو الناس للتغيير استجابوا أو لم يستجيبوا، وبعد ذلك مهم جدًا علينا ألا نَكِلَّ أنهم لم يستجيبوا؛ لأن بعض المشايخ أصابهم اليأس في آخر عمرهم، منهم الشيخ كشك وهذا خطأ منه -رحمه الله- عندما قال: "لو كان الناس ذبابًا لسمعتُ أزيزهم!" وترك الخطاب وجلس في بيته، أنا أظن أنه لهذا السبب. فكثير من الناس في آخر حياتهم أصابهم اليأس من التغيير، ورأيت بعض المشايخ في هذا، وهذا خطأ!

الكلمات الحق يُستجاب لها، {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} متى استجاب الناس لها؟ استجابوا لها بعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بعد آلاف السنين، وهكذا.

فلا ينبغي أن نهتم بقضية التغيير بالكلمة، لكن عندما يكون الصراع بالقوّة فحينئذ لها سننها، الانتصار والهزيمة لها سنن غير ثابتة؛ لأنها تتعلق بقضية المادة المحسومة والنفسيَّة كذلك.

ولكن فتح باب "لو" على المنهج الباطل هذا القرآن ضده؛ لأن فتح باب "لو" في نتيجة الأمر كما تراه الآن يؤدي إلى تغيير المنهج. والسبب أنهم لا ينظرون إلى الظروف، لا ينظرون إلى العوامل الداخلة على هذا الفعل التي حرَّفته وغيَّرته وأبطلت فعله، لم ينظروا إلى القوة؛ فميزان القوة يتغير. قد تكون أنت قويًا، وقد يكون خصمك ضعيفًا، وهكذا تنقلب المعادلة، فليست لذات المنهج. وهذه نقطة مهمة.

وأرجو أن أكون قد اقتربت من البيان الكافي، أنا أعرف أن الموضوع كبير جدًا لكن أنا أقترب منه.

- هل يوجد عُذر للمصلحين حينما يحاولون أن يُغيّروا المنهج لعدم رؤياهم للنتائج؟

الشيخ: فقط هو جهل، لكن هل هم معذورون أمام الله أم غير معذورين؟ هذا بينهم وبين ربنا، لكنهم مخطئون.

- يعني لا مبرر لتغيير المنهج.

الشيخ: للأسف هم أرادوا بناء منهج سهل، والطريق صعب وشاق ودماء ومشقة وفيه سجون وفيه قول حق، فحاولوا أن يُحصِّلوا المقاصد بالوسائل السهلة. فلم يحصّلوا المقاصد وأعطوا الدَّنيَّة في دينهم وحقّ فيهم القول: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}.

بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا.
والحمد لله رب العالمين.

أخبار ذات صلة

قال مصدر موريتاني مسؤول الاثنين إن السلطات قررت إغلاق مركز تكوين العلماء الذي يرأسه الشيخ محمد الحسن ولد الددو، ... المزيد

أيدت "محكمة النقض"، أعلى محكمة طعون مصرية، الإثنين، حكم إعدام 20 شخصًا، إثر إدانتهم بـ"اقتحام مركز شرطي وقتل ... المزيد

يقال: هل سأل الصحابي رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم شيئًا يقدر عليه، أم سأله ما لا يقدر عليه إلا الله؟ وبصيغة أخرى: هل سأله أن يدخله الجنة، أم ... المزيد

مقدمة ونقاط

لطالما احترم المنصف النقد العلمي المبني على وقائع وحقائق لا على جهل وشقاشق ... المزيد

تعليقات