البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

مناقشة فقه جماعات العنف وقتالها ضد الأنظمة الحاكمة (1)

المحتوي الرئيسي


مناقشة فقه جماعات العنف وقتالها ضد الأنظمة الحاكمة (1)
  • د. يوسف القرضاوى
    25/10/2016 07:17

• نشوء جماعات الجهاد ضد السلطات والحكومات :

ومن صور القتال داخل الدائرة الإسلامية : وأنواع الجهاد المختلف فيها: ما اشتهر في العقود الأخيرة من ظهور (جماعات العنف الإسلامية) أو التي تنسب نفسها إلى الإسلام ، وما تقوم به في أكثر من بلد من (قتال الأنظمة الحاكمة) التي تحكم كثيرا من بلاد المسلمين، وذلك بالخروج المسلَّح عليها، أو استخدام العنف ضدَّها، أو ضدَّ رجالها، أو مؤسساتها وبعض مصالحها.

ولقد اشتهر في العقود الأخيرة في عدد من البلاد العربية والإسلامية: تكوين جماعات تنتسب إلى الإسلام، أطلقت على نفسها (جماعة الجهاد) أو السلفية الجهادية ، أو الجماعة الإسلامية . ويعنون بالجهاد - أول ما يعنون - جهاد السلطات والحكومات، التي تحكم بلاد المسلمين، ولا تقيم شرع الله، الذي فرض الله على الأمة أن تحتكم إليه في شؤونها كلِّها: الدينية كالعبادات، والدنيوية كالمعاملات. فكما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183]، قال في نفس السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178]، فتنفيذ القصاص كتنفيذ الصيام، كلاهما فرض فرضه الله على المؤمنين.

وكما قال تعالى في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]. قال في نفس السورة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38]، فلماذا نأخذ بآية الطهارة، ونجمِّد آية حدَّ السرقة؟ وكلتاهما أمر من الله جلَّ وعلا؟

قامت جماعات الجهاد في مصر وفي الجزائر وفي غيرهما، لمقاومة الحكام الجائرين، بل الكافرين في نظرهم، بعد أن فشل منطق الوعظ والإرشاد مع هؤلاء، ولم يعُد يجدي معهم غير القوة التي يستخدمونها بعنف وقسوة ضدَّ خصومهم. قالوا: ولو كان الحوار مع هؤلاء الحكام يجدي لحاورناهم، ولكن هيهات لا يقاوم السيف بالقلم، ولا السنان باللسان!

هذه هي الفلسفة التي تقوم عليها (جماعات الجهاد) أو (الجماعة الإسلامية) أو (جماعة المسلمين) كما قد تسمِّي نفسها، أو ما يمكن أن نسمِّيه (جماعات العنف).

وقد تعرَّضت في بعض دراساتي لفقه هذه الجماعات[1] ، أو الأساس الفكري والشرعي لعملها، وناقشته مناقشة علمية هادئة مستمدَّة من مصادرنا الموثَّقة، ولا بأس أن أقتبس هنا بعض ما كتبته هناك، فموضعه الأساسي هنا، مضيفا إليه بعض اعتبارات جديدة، تلقي الضوء على الموضوع الشائك، وتزيح عنه اللبس والبلبلة.

• مناقشة فقه جماعات العنف:

إن العنف الذي تمارسه بعض الجماعات، التي تنسب للإسلام، إنما هو إفراز لفلسفة معينة، تتبنَّاها هذه الجماعات، وثمرة لفقه خاص، له وِجهته ومفاهيمه وأدلَّته، التي تستند إليها هذه الفئة من الناس.

ومن نظر إلى جماعات العنف، القائمة اليوم في عالمنا العربي مثلا (جماعة الجهاد ... الجماعة الإسلامية ... السلفية الجهادية ... جماعة أنصار الإسلام ... انتهاء بتنظيم القاعدة): وجد لها فلسفتها ووِجهة نظرها، وفقهها الذي تدَّعيه لنفسها، وتسنده بالأدلَّة من القرآن والسنة، ومن أقوال بعض العلماء. وإن كان بعضها قد تراجع عن كثير من مفاهيمه .

صحيح أنها كثيرا ما تعتمد على المتشابهات وتَدَع المُحكمات، وتستند إلى الجزئيات وتهمل الكليات، وتتمسَّك بالظواهر وتغفل المقاصد، كما تغفل ما يعارض هذه الظواهر، من نصوص وقواعد. وكثيرا ما تضع الأدلة في غير موضعها، وتخرجها عن سياقها وإطارها، ولكن - على أيِّ حال - لها فقه مزعوم يبرِّر العنف، ويستند إلى التراث، ويُدْعم بالنصوص، ويروج لدى بعض الأغرار من الشباب، والسطحيين من الناس، الذين يقفون عند السطوح، ولا يغوصون في الأعماق، أساسه فقه الخوارج قديما، الذين كانوا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم.

• مبرِّرات العنف الداخلي:

بدأت هذه الجماعات: العنف في داخل أوطانها أنفسها، أي العنف ضدَّ الأنظمة الحاكمة.

فعلى أي أساس برَّرت ذلك وأجازته: من الوِجهة الشرعية، في نظرها على الأقل؟

• ( 1 ) تكفير الحكومات القائمة:

إن فقه جماعات العنف، يقوم - أول ما يقوم - على أن الحكومات المعاصرة: حكومات كافرة، لأنها لم تحكم بما أنزل الله، واستبدلت بشريعته المنزَّلة من الخالق: القوانين التي وضعها المخلوق، وبهذا: وجب الحكم عليها بالكفر والردَّة، والخروج من المِلَّة، ووجب قتالها، والخروج المسلَّح عليها حتى تَدَع السلطة لغيرها. إذ كفرت كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]، {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65]، وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} [النساء:61].

ويؤكِّد فقه هذه الجماعات: كفر هذه الأنظمة الحاكمة بأمر آخر، وهي: أنها توالي أعداء الله من الكفار، الذين يكيدون للمسلمين، وتعادي أولياء الله من دعاة الإسلام، الذين ينادون بتحكيم شرع الله تعالى، وتضطَّهدهم وتؤذيهم، وتسجنهم وقد تقتلهم! والله تعالى يقول: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51]. وفي الحديث القدسي الذي رواه البخاري يقول الله تعالى: "من آذى لي وليا فقد آذنتُه بالحرب"[2] .

والحكومات المعاصرة: تعارض هذه التهم بدعاوى مختلفة، منها: أنها - أو كثيرا منها - تعلن أن دينها الرسمي هو الإسلام، وأنهم ينشئون المساجد لإقامة الصلاة، ويعيِّنون الأئمة والخطباء والمؤذنين، ويؤسِّسون المعاهد الدينية، والكليات الشرعية، ويوظِّفون الوعَّاظ ومدرِّسي الدين في المدارس وغيرها، ويحتفلون برمضان وعيدي الفطر والأضحى، ويذيعون تلاوة القرآن في الإذاعات والتلفازات، وينشئون المحاكم الشرعية لتحكم في الأحوال الشخصية، إلى غير ذلك: من المظاهر الدينية، التي تثبت إسلامية الدولة بوجه من الوجوه.

كما أن بعض دساتير هذه البلاد يعلن: أن الشريعة مصدر رئيس، أو المصدر الرئيس للتقنين، وبعضها: يعتذر عن عدم تحكيم الشريعة بضعفه أمام قوى الضغط الغربي، وبعضها ... وبعضها .

• ( 2 ) فتوى ابن تيمية في قتال كل طائفة تمتنع عن أداء شعيرة ظاهرة :

كما تعتمد جماعات العنف: على فتوى الإمام ابن تيمية - في قتال كل فئة تمتنع عن أداء شريعة ظاهرة متواترة من شرائع الإسلام، كالصلاة أو الزكاة، أو الحكم بما أنزل الله: في الدماء والأموال والأعراض، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخره. وهو ما اعتمد عليه كتاب (الفريضة الغائبة) لجماعة الجهاد، وجعل هذه الفتوى: الأساس النظري لقيام جماعته، وتسويغ أعمالها كلِّها.

ويستدلُّون هنا: بقتال أبي بكر ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم، لمانعي الزكاة.

فكيف بمَن يمتنعون عن تطبيق أكثر أحكام الشريعة، برغم مطالبة جماهير المسلمين بها، وعلى رأسهم العلماء والدعاة، بل هم أشدُّ الناس خصومة لهؤلاء، وتضييقا عليهم، ومعاداة لهم؟!

ونسي هؤلاء، أن الذي يقاتل هذه الفئة الممتنعة: هو ولي الأمر، كما فعل سيدنا أبو بكر، وليس عموم الناس، وإلا أصبح الأمر فوضى!

• ( 3 ) حكومات مفروضة على الأمة قسرا:

وتعتمد جماعات العنف أيضا: على أن هذه الأنظمة غير شرعية، لأنها لم تقُم على أساس شرعي من اختيار جماهير الناس لها، أو اختيار أهل الحل والعقد، وبيعة عموم الناس، فهي تفتقد الرضا العام، الذي هو أساس الشرعية، وإنما قامت على أسنة الرماح بالتغلُّب والسيف والعنف، وما قام بقوة السيف: يجب أن يقاوم بسيف القوة، ولا يمكن أن يقاوم بسِنِّ القلم!

ونسي هؤلاء ما قاله فقهاؤنا من قديم: أن التغلُّب هو إحدى طرائق الوصول إلى السلطة، إذا استقرَّ له الوضع، ودان له الناس.

وهذا ما فعله عبد الملك بن مرْوان، بعد انتصاره على الصحابي الجليل عبد الله ابن الزبير رضي الله عنه، وقد أقرَّه الناس، ومنهم بعض الصحابة: مثل: ابن عمر، وأنس بن مالك، وغيرهما، حقنا للدماء، ومنعا للفتنة، وقد قيل: سلطان غشوم، خير من فتنة تدوم.

وهذا من واقعية الفقه الإسلامي، ورعايته لتغيُّر الظروف.

• ( 4 ) حكومات تُقِرُّ المنكر وتحلُّ ما حرَّم الله:

وترى جماعات العنف كذلك: أن هذه المنكرات الظاهرة السافرة - التي تبيحها هذه الحكومات - من الخمر، والميسر، والزنى، والخلاعة والمجون، والربا، وسائر المحظورات الشرعية: يجب أن تغيَّر بالقوة لمَن يملك القوة، وهي ترى أنها تملكها، فلا يسقط الوجوب عنها إلى التغيير باللسان بدل اليد، كما في الحديث الشهير: "مَن رأى منكم منكرا، فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه"[3] .

ويغفل هؤلاء: الضوابط والشروط اللازمة لتغيير المنكر بالقوة، التي قرَّرها العلماء.

• التوسع في التكفير:

وبعض هذه الجماعات تنظر إلى المجتمع كلِّه: أنه يأخذ حكم هذه الأنظمة التي والاها ورضي بها، وسكت عنها، ولم يحكم بكفرها، والقاعدة التي يزعمونها: أن مَن لم يكفِّر الكافر: فهو كافر!

وبهذا توسَّعوا وغلَوا في (التكفير)، وكفَّروا الناس بالجملة.

وعلى هذا: لا يبالون بمَن يُقتل من هؤلاء المدنيين، الذين لا ناقة لهم في الحكومة ولا جمل: لأنهم كفروا فحلَّت دماؤهم وأموالهم.

• استباحة حرمات أهل الذمة:

كما يرون بالنظر إلى الأقليات غير المسلمة: أنهم نقضوا العهد، بعدم أدائهم للجزية، وبتأييدهم لأولئك الحكام المرتدِّين، وأنظمتهم الوضعية، ولرفضهم للشريعة الإسلامية. وبهذا لم يعُد لهم في أعناق المسلمين عهد ولا ذمَّة، وحلَّ دمهم ومالهم. وبهذا استحلُّوا سرقة محلات الذهب: من الأقباط في مصر، كما استحلُّوا سرقة بعض المسلمين أيضا. 

ونسي هؤلاء: أن عقد الذمَّة عقد مؤبَّد، ويترتَّب عليه عصمة دماء أهل الذمَّة وأموالهم وحرماتهم، وقد اتَّفق علماء المذاهب المختلفة على اعتبارهم من (أهل دار الإسلام)، أي بتعبير عصرنا (مواطنين) لهم حقُّ (المواطنة) كما عليهم واجباتها.

• استحلال دم المستأمنين من السياح وغيرهم:

وهم يرون: أن السياح وأمثالهم، الذين يدخلون بلاد المسلمين بتأشيرات رسمية، وترخيصات قانونية، والذين يعدُّهم الفقهاء (مستأمنين) ولو كانت دولهم محاربة للمسلمين، يرون هؤلاء مستباحي الدم، لأنهم لم يأخذوا الإذن من دولة شرعية، ولأن بلادهم نفسها: محاربة للإسلام، فلا عهد بينهم وبين المسلمين. والواجب: أن يُقاتَل هؤلاء ويقتلوا، فلا عصمة لدمائهم وأموالهم!!

ولو درس هؤلاء فقه الأمان والاستئمان، وأحكامه في الشريعة-الإسلامية">الشريعة الإسلامية بمختلف مذاهبها، لأيقنوا أن هؤلاء السياح وأمثالهم: لهم حقُّ الأمان، الذي أعطاهم إياه الإسلام، ولو كانوا في الأصل حربيين، ودولهم محاربة للإسلام والمسلمين. وبهذا حرُمت دماؤهم وأموالهم.

وكذلك يقول هؤلاء عن الدول الغربية - التي يقيم بعض هؤلاء فيها - وقد أعطتهم: حقَّ الأمان، بتأشيرة الدخول أو الإقامة، أو حقَّ اللجوء السياسي: لمَن طُردوا من بلادهم الأصلية، فآوتهم هذه الدول من تشرُّد، وأطعمتهم من جوع، وآمنتهم من خوف.

يقول هؤلاء بكلِّ جرأة وتبجُّح: إن هذه الدول كلَّها كافرة، محاربة للإسلام وأمته، ويجب أن نقاتلهم جميعا حتى يُسلموا فيسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولما سُئل بعضهم عن إقامته في هذه البلاد، قال: إنها كدورة المياه (المراحيض)، نستخدمها للضرورة، رغم نجاستها!!

وهؤلاء الكفار: دماؤهم حلال، وأموالهم حلال للمسلمين، بنصوص الدين، فيما زعموا!!

ويذكرون هنا آيات وأحاديث: يضعونها في غير موضعها، فإذا واجهتَهم بغيرها: من الآيات والأحاديث، التي هي أكثر منها وأظهر وأصرح، قالوا لك: هذه نسختها آية السيف!

• تطور في فقه القاعدة

وإن كنتُ لاحظتُ نوعا من التطوُّر في (فقه القاعدة) ظهر في المبادرة التي أطلقها زعيم القاعدة أسامة بن لادن في شهر إبريل 2004م يدعو فيها الأوربيين أن يتعهَّدوا بالتخلِّي عن أمريكا وعدم التصدِّي لقتال المسلمين، وهو يعهد لهم - في مقابل ذلك - ألا يتعرَّض لهم بأذى لا في بلادهم ولا في سفاراتهم، ولا في مصالحهم في الداخل أو الخارج.

وهذا يعتبر نقلة مهمة في فقه زعيم القاعدة وجماعته، فقد كانوا من قبل يرون قتال اليهود والنصارى جميعا، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهم في هذه المبادرة يكفُّون أيديهم عمَّن كفَّ يده عن المسلمين، ولم يساند أمريكا في حربها على العالم الإسلامي.

• خلل في فقه جماعات العنف:

هذا هو فقه جماعات العنف باختصار، الذي على أساسه ارتكبوا ما ارتكبوا من مجازر تشيب لهولها الولدان، وتقشعر من بشاعتها الأبدان: ضدَّ مواطنيهم من مسلمين وغير مسلمين، وضدَّ السياح وغيرهم من الأجانب المسالمين المستأمنين.

وهو بلا ريب: فقه أعوج، وفهم أعرج، يعتوره الخلل والخَطَل: من كلِّ جانب. ويحتاج من فقهاء الأمة إلى وقفة علمية متأنِّية: لمناقشتهم في أفكارهم هذه، والردِّ عليهم فيما أخطأوا فيه: في ضوء الأدلَّة الشرعية من القرآن والسنة وإجماع الأمة.

فهناك خلل في فقه الجهاد والنظرة إلى غير المسلمين، واعتقادهم وجوب قتال كلِّ الكفار، وهذا ناقشناه باستفاضة في هذا الكتاب.

وهناك خلل في العَلاقة بأهل الذمَّة من النصارى والأقباط وغيرهم، وما لهم من حقوق مرعيَّة، وحرمات مصونة.

وهناك خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة، وما له من شروط يجب أن تراعى. 

وهناك خلل في فقه الخروج على الحكام، وما صحَّ فيه من أحاديث وفيرة تقيِّده وتضبطه، ولا تَدَع بابه مفتوحا على مصراعيه لكلِّ مَن شاء.

وهناك خلل في فقه التكفير، فقد توسَّعوا فيه وأسرفوا، وأخرجوا الناس من المِلَّة بغير دليل قطعي.

وعلينا أن نناقش ذلك كلَّه في ضوء الأدلَّة الشرعية.

• أزمة هؤلاء في الأساس أزمة فكرية:

لقد تبيَّن أن آفة هؤلاء في الأغلب: في عقولهم، وليست في ضمائرهم، فأكثرهم مخلصون، ونيَّاتهم صالحة، وهم متعبِّدون لربهم، شأنهم شأن أسلافهم من الخوارج الذين كفَّروا عامة المسلمين، وكفَّروا أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب، واستحلُّوا دمه، ودماء المسلمين معه، وصحَّت الأحاديث في ذمِّهم من عشرة أوجه، كما قال الإمام أحمد. 

وهذه الأحاديث في الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها، تصفهم بصراحة، فتقول: "يحقِر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرُقون من الدين كما يمرُق السهم من الرَّميَّة"[4] .

فهم: صُوَّام قُوَّام، قُرَّاء عُبَّاد، ولكن قراءتهم للقرآن لا تجاوز حناجرهم، أي لم تدخل إلى أعماق قلوبهم وعقولهم: ليفقهوه حقَّ الفقه، ويتعرَّفوا على أسراره ومقاصده، دون أن يجعلوا همَّهم: الوقوف عند ألفاظه وظواهره.

وقد أدَّى بهم هذا الفقه الأعوج إلى: استباحة دماء المسلمين الآخرين وأموالهم، حتى استباحوا دم فارس الإسلام وابنه البكر، عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال شاعرهم يمدح قاتله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يومـا فـأحسبه * أوفـى البرية عند اللـه ميزانا [5]

• حسن النية لا يبرر الأعمال الطائشة:

ولقد حذَّر رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، من الأعمال الطائشة، والتصرُّفات الرعناء، التي قد يقوم بها بعض الناس الطيبين، بنوايا حسنة، وبواعث نبيلة، دون أن ينظروا في مآلاتها، ويفكِّروا في وخيم عواقبها، وذلك لقصر نظرهم، وضيق أفقهم، فما لم يتنبَّه المجتمع لهم، ويأخذ على أيديهم، ويمنعهم من الاستمرار في تفكيرهم الأخرق، فإنهم سيُودون بالمجتمع كلِّه، وينتهي بهم طيشهم - مع حسن نيتهم - إلى هلاكهم وهلاك الجماعة كلِّها معهم.

ولذا حذَّر الرسول الكريم الجماعة - ممثَّلة في أهل البصيرة وأولي العلم والحكمة - أن تتيقَّظ لهم، وتأخذ على أيديهم، تمنعهم من تنفيذ ما فكَّروا فيه، وعقدوا عليه العزم، حفظا لوجود الجماعة كلِّها، وحرصا على حياتها وحياتهم معها.

وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك مثلا حيًّا رائعا ناطقا، هو مثل ركاب السفينة الواحدة التي تتكوَّن من طابقين أو أكثر، وبعض الناس في أعلاها، وبعضهم في أسفلها. فلو أراد ركاب الطابق الأسفل أن يخرقوا في نصيبهم خرقا، ليستقوا منه الماء مباشرة من النهر أو البحر، بدعوى أنهم يخرقون في نصيبهم وهم أحرار فيه، وأنهم لا يريدون أن يؤذوا مَن فوقهم بكثرة المرور عليهم بين حين وآخر: لوجب على ركاب السفينة جميعا أن يقفوا في طريقهم، ويمنعوهم من هذا التصرُّف الأحمق، فإن لم يفعلوا غرقت بهم السفينة جميعا.

وليس أفضل من أن نقرأ هذا الحديث النبوي الرائع بصيغته كاملا، كما جاء في صحيح البخاري: عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذِ مَن فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا، ونجَوا جميعا"[6] .

إن الحديث يبيِّن لنا المسؤولية التضامنية المشتركة للأمة، وأنها لا يجوز لها أن تَدَع بعض أبنائها يتسبَّبون في غرقها بجهلهم وسوء تصرُّفهم، وإن كانوا مخلصين، فالإخلاص لا يكفي وحده، ولكن لا بد من تحرِّي الصواب مع الإخلاص.

• جوانب الخلل في فقه الخوارج المحدثين :

لقد أشرنا إلى الخلل في فقه هؤلاء الخوارج المحدَثين، وذكرنا أن الخلل في هذا الفقه الأعرج الأعوج. يتمثَّل في عدَّة جوانب: 

1. خلل في فقه الجهاد، والعَلاقة بغير المسلمين، وخصوصا أهل الذمَّة.
2. خلل في فقه تغيير المنكر بالقوة.
3. خلل في فقه الخروج على الحكام.
4. خلل في فقه التكفير.

وسنتحدَّث عن كلِّ واحد من هذه الألوان من الخلل بما يوضِّحه، ويزيل عنه اللبس والغموض.

• أولا : الخلل في فقه الجهاد والعَلاقة بغير المسلمين من المواطنين:

أما الخلل في (فقه الجهاد) عند جماعات العنف، فقد بيَّناه وألقينا عليه أضواء كاشفة في كثير من فصول كتابنا هذا، وأوضحنا أن القول الصحيح، بل الصواب: أن الإسلام لا يقاتل الناس لكفرهم، بل لعدوانهم، كما هو رأي الجمهور، خلافا للشافعية، وهو الذي يدلُّ عليه مجموع آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول العظيم، وسيرته وغزواته صلى الله عليه وسلم لمَن أحسن قراءتها. وهو ما رجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته في قتال الكفار، وكتابه (في الشرعية">السياسة الشرعية)، وذكره ابن القيم في كتابه (هداية الحيارى) وغيره، وحسبنا قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]، {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} [النساء:90]. وفي مقابل هؤلاء: {فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} [النساء:91]. 

ومنذ ما يقرب من خمسين سنة ذكرتُ، في كتابي (الحلال والحرام في الإسلام)[7] : أن الإسلام قد حدَّد العَلاقة مع غير المسلمين، في آيتين محكمتين من كتاب الله، تعتبران بمثابة الدستور في ذلك، يقول تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة:9،8].

وهاتان الآيتان نزلتا في شأن المشركين - عبَّاد الأوثان، من قريش وأمثالهم - وقد شرع البرُّ بالمسالمين منهم، والإقساط لهم، فاختار عنوان (البرِّ) لهم، وهو الذي يستعمله المسلمون في أقدس الحقوق، بعد حقِّ الله تعالى، وهو برُّ الوالدين.

حثَّ القرآن هنا على: برِّهم والإقساط إليهم، والإقساط - أي العدل - أن يُعْطَوا حقوقهم ولا يبخسوا شيئا منها، والبرُّ: أن يعطوا فوق حقوقهم.

كما أن الإقساط: أن تأخذ منهم الحقَّ الواجب عليهم، ولا تزيد عنه. أما البرُّ فهو أن تتنازل لهم عن بعض حقِّك، اختيارا وكرما.

وهذا في شأن الوثنيين، الذين نزلت بخصوصهم الآيتان الكريمتان.

ولكن الإسلام أفرد (أهل الكتاب): بعنوان خاص، وبمعاملة خاصة، حتى أجاز مصاهرتهم والتزوُّج من نسائهم. ومعنى هذا أنه أجاز للمسلم: أن تكون زوجته وشريكة حياته، وأم أولاده: كتابية (نصرانية أو يهودية). ومقتضى هذا: أن يكون أهلها أصهاره، وهم كذلك أجداد أولاده وجدَّاتهم، وأخوالهم وخالاتهم، وأولاد أخوالهم وخالاتهم، وهؤلاء لهم حقوق (أولي الأرحام)، و(ذوي القربى). 

كما أن الإسلام اعتبر النصارى: أقرب مودَّة للمسلمين من غيرهم، يقول تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة:82]، كما قال نبي الإسلام أيضا عن المسيح: "أنا أولى الناس: بعيسى ابن مريم، في الدنيا والآخرة"[8] . 

على أن أهل الذمَّة لهم حقوق أخصُّ وأوكد، باعتبارهم من أهل دار الإسلام، أي من مواطني الدولة الإسلامية، فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، إلا ما يقتضيه الاختلاف الديني. فدماؤهم وأموالهم معصومة كدماء المسلمين وأموالهم. وقد أفضنا في بيان ذلك فيما مضى، فليرجع إليه.

• ثانيا : الخلل في فقه تغيير المنكر بالقوة:

وأما الخلل في فقه (تغيير المنكر بالقوة) فيتَّضح بأنهم لا يراعون شروط المنكر الذي أوجب الحديث تغييره أي المنكر الذي يجب أن يغيَّر باليد أو باللسان أو بالقلب، وذلك أضعف الإيمان.

• شروط تغيير المنكر باليد (أي بالقوة):

هناك شروط لا بد أن تتوافر في المنكر الذي يراد تغييره باليد (أي بالقوة):

لا بد أن يكون مُجمعا على أنه منكر، إذ لا إنكار في المسائل الاجتهادية الخلافية.

وأن يكون ظاهرا بحيث يراه الناس، دون أن يتجسَّس على صاحبه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "مَن رأى منكم منكرا"[9] .

وأن يكون واقعا بالفعل: ساعة الإنكار، ولا يكون قد وقع وفرغ منه، ولا متوقَّعا حدوثه بعد.

ومراتب تغيير المنكر - كما ذكرها الإمام الغزالي، في الإحياء - متفاوتة ومتدرِّجة. من البيان والتعريف، ثم الوعظ والتخويف، ثم السبِّ والتعنيف، ثم التغيير باليد مباشرة، ثم التهديد بالضرب، ثم بالقهر والمحاربة لفاعل المنكر، منفردا أو مع أعوانه، بشهر سلاح أو بدونه[10] .

والتغيير بالقهر والمحاربة: هو أشدُّ مراتب التغيير، وخصوصا إذا كان مع شهر السلاح، وتجنيد الأعوان، فلا يجوز إلا لذي قوة وشوكة بحيث يكون أقوى ممَّن ينكر عليه.

ومن المعلوم: أن هذا لا يجوز للأفراد ولا للفئات الشعبية، بحكم القوانين المعاصرة، التي تجعل ذلك من سلطة الدولة وأجهزتها، فمَن فعل ذلك فقد افتأت على سلطة الدولة، ودخل في المحظور قانونا.

ولا يجوز: تغيير المنكر بوقوع منكر أكبر منه، أو مثله، فالضرر لا يزال: بضرر مثله أو أكبر منه.

ولا بأس بأن نذكر بعض التفصيل في هذه الشروط، لأهميتها:

• الشرط الأول: أن يكون محرمًا مجمعًا عليه:

أي أن يكون (منكرا) حقًّا، ونعني هنا: المنكر الذي يطلب تغييره باليد أولاً، ثم باللسان، ثم بالقلب عند العجز. ولا يطلق (المنكر) إلا على (الحرام)، الذي طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا، بحيث يستحقُّ عقاب الله من ارتكبه ... وسواء أكان هذا الحرام فعلَ محظور، أم تركَ مأمور.

وسواء أكان الحرام من الصغائر أم من الكبائر، وإن كانت الصغائر قد يُتساهل فيها، ما لا يُتساهل في الكبائر، ولا سيما إذا لم يُواظب عليها، وقد قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} [النساء:31].

وقال صلى الله عليه وسلم: "الصلــوات الخمـس، والجمعـة إلى الجمعـة، ورمضان إلى رمضان: مكفِّرات لما بينهنَّ، إذا اجتُنبت الكبائر"[11] . 

فلا يدخل في المنكر إذن: المكروهات، أو ترك السنن والمستحبات، فقد صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم شرح الإسلام لبعض الأعراب، فذكر له الصلوات الخمس، فقال له: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوَّع". وكذلك ذكر له الزكاة وصيام رمضان، والرجل يسأل: هل عليَّ غيرها، أو غيره؟ فيقول له: "لا، إلا أن تطوَّع". فيقول الرجل: والله يا رسول الله، لا أزيد على هذا ولا أنقص! فيقول صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق" أو "دخل الجنة إن صدق"[12].

ولا يستثنى من ذلك إلا السنن الشعائرية إذا تركت بصفة جماعية، كأن يتركها أهل بلدة معينة، كالآذان، وصلاة الجماعة، وصلاة العيدين، وختان الذكور، ونحوها، فهذا يجب أن ينكر، بل قالوا: يقاتل الإمام مَن أصرَّ على تركها. 

لا بد إذن أن يكون المنكر في درجة (الحرام)، وأن يكون منكرًا شرعيًّا حقيقيًّا، أي ثبت إنكاره: بنصوص الشرع المُحكمة، أو قواعده القاطعة، التي دلَّ عليها استقراء جزئيات الشريعة.

وليس إنكاره: بمجرَّد رأى أو اجتهاد، قد يصيب ويخطئ، وقد يتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان، والعرف والحال.

• قاعدة لا إنكار في مسائل الخلاف :

وكذلك يجب: أن يكون مجمعًا على أنه منكر، فأما ما اختلف فيه العلماء المجتهدون قديمًا أو حديثًا، بين مجيز ومانع: فلا يدخل دائرة (المنكر) الذي يجب تغييره باليد، وخصوصًا للأفراد. ولهذا قرَّر العلماء قاعدة: ألا إنكار في المسائل الاجتهادية والخلافية[13] .

فإذا اختلف الفقهاء في حكم التصوير، أو الغناء بآلة، وبغير آلة، أو في كشف وجه المرأة وكفَّيها، أو في تولِّي المرأة القضاء ونحوه، أو في إثبات الصيام والفطر برؤية الهلال في قُطر آخر: بالعين المجرَّدة، أو بالمرصد، أو بالحساب، أو غير ذلك من القضايا التي طال فيها الخلاف قديمًا وحديثًا: لم يجُز لإنسان مسلم، أو لطائفة مسلمة: أن تتبنَّى رأيًا من الرأيين، أو الآراء المختلَف فيها، وتحمل الآخرين عليه بالعنف.

حتى رأي الجمهور والأكثرية، أو رأي المذاهب الأربعة أو الثمانية: لا يسقط رأي الأقلِّ، ولا يلغي اعتباره، حتى لو كان المخالف واحدًا، ما دام من أهل الاجتهاد، وكم وجدنا الأئمة ينفردون بآراء تخالف سائرهم، وقد نظمت مفردات الإمام أحمد عن المذاهب في كتب خاصة[14] . وكم من رأي مهجور في عصر ما، أصبح مشهورًا في عصر آخر.

وكم ضُعِّف رأي لفقيه، ثم جاء مَن صحَّحه ونصره وقوَّاه، فأصبح هو المعتمَد والمفتَى به.

وهذه آراء شيخ الإسلام (ابن تيمية)، في الطلاق وأحوال الأسرة، قد لقي من أجلها ما لقي في حياته، وظلَّت تقاوَم قرونًا عدَّة بعد وفاته، ثم هيَّأ الله لها: مَن نشرها وأيَّدها، حتى غدت عمدة الإفتاء والقضاء والتقنين، في كثير من الأقطار الإسلامية. ولهذا لا أرجح ما ذهب إليه القاضي أبو يعلى في (أحكامه السلطانية) من اسثنائه من قاعدة: لا إنكار في المسائل الخلافية: ما ضعُف فيه الخلاف، فإن هذا أمر نسبي. وقد ذكر ابن بطَّة: أن مَن طلَّق ثلاثا في لفظ واحد، وحكم فيه مفتٍ أو قاضٍ بالمراجعة من غير زواج، فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبة والنكال[15] ! وهو ما رجَّحه ابن تيمية وابن القيم، وأطالا النفس فيه.

إن المنكر الذي يجب تغييره بالقوة: لا بد أن يكون منكرًا بيِّنًا ثابتًا، اتفق أئمة المسلمين على أنه منكر، وبدون ذلك: يفتح باب شرٍّ لا آخر له، فكلُّ مَن يرى رأيًا: يريد أن يحمل الناس عليه بالقوة!

---------
هوامش :
[1] لا سيما في كتابي (الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد) فصل: (من العنف والنقمة إلى الرفق والرحمة) صـ277 طبعة دار الشروق. القاهرة. وقد طبعتها بعض الجمعيات الإسلامية باعتبارها رسالة منفردة، ووزَّعتها بوفرة. 
[2] رواه البخاري في الرقاق (6502)، والبيهقي في الكبرى كتاب الشهادات (10/219)، وابن حبان في (2/58)، عن أبي هريرة.
[3] رواه مسلم عن أبي سعيد، وقد سبق تخريجه ص 220
[4] سبق تخريجهص195
[5] من شعر عِمران بن حِطَّان، شاعر من الخوارج.
[6] رواه البخاري في الشركة (2493)، وأحمد في المسند (18361)، والترمذي في الفتن (2173)، عن النعمان بن بشير.
[7] الحلال والحرام صـ290، 291، نشر مكتبة وهبة بالقاهرة ، الطبعة الثامنة والعشرون
[8] متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3443)، ومسلم في الفضائل (2365)، كما رواه أحمد في المسند (7529)، عن أبي هريرة.
[9] رواه مسلم عن أبي سعيد، وقد سبق تخريجه. 
[10] انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (2/329- 333) طبعة دار المعرفة بيروت.
[11] رواه مسلم في الطهارة (233)، وأحمد في المسند (8715)، والترمذي في الصلاة (214)، عن أبي هريرة.
[12] متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (46)، ومسلم في الإيمان (11)، كما رواه أبو داود في الصلاة (391)، والنسائي في الصلاة (458)، عن طلحة بن عبيد الله.
[13] اقرأ أقوال العلماء في ذلك في كتابنا (كيف نتعامل مع التراث والتمذهب والاختلاف؟) صـ154 نشر مكتبة وهبة. القاهرة.
[14] منها: (المفردات) لابن عبد الهادي، و(منح الشفا الشافيات في شرح المفردات) في شرح المفردات للشيخ منصور البهوتي. 
[15] ذكره ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) (2/225) طبعة الرسالة.

----------( يُتبع )----------

أخبار ذات صلة

" غالبَ الأقدار التي أخبَر بها الوحي فصنَعت – بقدر الله وقدرته – تاريخ الماضي وتاريخ المستقبل؛ دارت وتدور وستدور فوق بقاع كانت دائمًا محورَ ... المزيد

قال الشيخ عدنان العرعور الداعية الإسلامي السوري المعروف، إن هناك مؤامرة دولية على الإسلام و المزيد

هذه مبادرة من المحامي والمُرشح الرئاسي السابق حازم أبو إسماعيل لحل الأزمة في مصر، وقد عرضها على الشعب ال المزيد

أعلن "جيش الإسلام" أحد أهم فصائل المعارضة السورية، فجر اليوم الثلاثاء، في بيان له استعداده للتفاوض م ... المزيد

تعليقات