البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

مناقشة "المقدسي" و"أبو قتادة" لكتاب القاضي عياض (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى)

المحتوي الرئيسي


أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني
  • الإسلاميون
    19/12/2015 09:28

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين حبيبنا وإمامنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغرّ الميامين وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإياكم منهم، آمين.
 
أهلًا وسهلًا بكم أيها الإخوة الأحبة في حلقة جديدة ومع كتاب جديد في مشروع "الألف كتاب قبل الممات". واليوم هو لمناقشة كتاب عظيم لإمام عظيم وهو كتاب (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى ﷺ) للإمام المالكي المراكشي السبتي الأندلسي القاضي عياض -رحمه الله-.
 
وفي الابتداء يشرفنا أن الشيخ أبو محمد قد حضر معنا هذه الحلقة وسيكون له إن شاء الله الحظ الأوفر في التعليق عليه لأن له خبرة بالكتاب في بعض جوانبه التي سنمر عليها بسرعة.
 
في هذا الوقت الذي نعيشه لا شك أننا بحاجة إلى إعادة قراءة مناقب وخصائص وتشريفات ربنا -عزَّ وجلَّ- لرسوله ﷺ؛ لأنه أولًا وقبل كل شيء في هذا الوقت كما ترون انتشر السفاه كثيرًا بالتعريض بحبيبنا ﷺ من قبل أعداء الإسلام ومن قبل الزنادقة في داخل الإسلام. أنتم ترون السب المقذع الذي يقترفه المجرمون في حق نبينا محمد ﷺ.
 
والدفاع عنه موجود وﻻ شك وهو دفاع عظيم ولكنه بلا شك يقصر عن مقام النبي ﷺ، وإن كانت -وهذا ما أتخوف منه- الأمور التاريخية المعاصرة تدل على أن الأمة في بداية أمرها تقوم بالشدة والنكير على بدايات الأمور العظيمة والجليلة ولكن بعد ذلك تخفت وتتسلل الجريمة بعد ذلك تسللًا بطيئًا حتى تحكم.
 
يعني عندما انتشر العري مثلًا كأن تكشف المرأة شعرها قام الخطباء والمشايخ وتحدثوا وأنكروا وحذّروا إلى آخره، وبعد ذلك تسللت هذه الصفة الخبيثة إلى أمة محمد ﷺ وإلى نسائها وإلى بيوتها حتى صار كشف الشعر اليوم في كثير من البيئات الإسلامية وكثير من البيوت الإسلامية شيئًا مقررًا مقبولًا لا ترفضه النفوس كما كانت ترفضه في الابتداء.
 
وهم ﻻ يكلّون في هذه الطريقة، فإنهم حين يرون النفرة والقتال والصد لما يقولون ﻻ يكلّون وﻻ يتعبون وﻻ يتراجعون، بل يعيدون الكرة تلو الكرة حتى يترسخ الأمر، فبعاملي التكرار والزمن تترسخ المبادئ والأفكار مهما بدا للناظر أنها غريبة، فبهذين العاملين يأتلف الناس مع أعظم ما كانوا ينكرونه وهذا ما يساوم عليه المجرمون ويساوم عليه أعداء المجرمين وهم الأنبياء كذلك، فالأنبياء يساومون على أن تكرار الحق وعدم توقف الدعوة مع عامل الزمن الطويل يرسخ وجود الحق.
 
وأعداء الدين بالتكرار والزمن وأزّ الشياطين يرجون ترسيخ المبادئ الكفرية والتصورات الذهنية الباطلة والممارسات الجاهلية في داخل المجتمع. فالذي يتخوّف منه أن الناس حينما يسمعون سبّ النبي ﷺ تستنكر قلوبهم لكن الخوف أن يصبح هذا مألوفًا بعد مدة وبعد ترديد متكرر على أسماع الناس.
 
الشيخ أبو محمد المقدسي -حفظه الله-: كثرة الإمساس يورث قلة الإحساس.
 
الشيخ أبو قتادة: نعم بلا شك كما يقول الشيخ، الآن للأسف إن سبّ النبي ﷺ وسب الإسلام وسبّ الذات الإلهية صار منتشرًا بين الناس، والكثير من المشايخ لا يتكلمون عنها، حتى وجدنا علية القوم يستهزؤون بآية من كتاب الله ولا يعرفون أنها آية أو أنهم يعرفون ولكن لا يعرفون قيمة معنى آية من كتاب الله، وهذا نجده في الناس؛ نجدهم يتكلمون عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة نهى عنها الشارع {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا}.
 
لا يجوز لنا أن نقول عنه محمد، لا يجوز أن نقولها هكذا، لا بد أن نقدم لها من مقدمات التعظيم التي تليق به ﷺ وأن نناديه ونذكره باسمه الأجل وهو أنه رسول الله ﷺ.
 
ولذلك العودة لهذا الكتاب (كتاب الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى) ضرورة تتلاءم مع هذا الزمان، وكذلك أول شيء ضرورة من أجل معرفة قيمته وشرفه عند الله -عزَّ وجلَّ- وعلينا كذلك أن نعرف الأحكام المتعلقة به، وهذا ما أراده هذا الكتاب العظيم.
 
ما أراده هذا الكتاب ابتداءً أن يعرف المسلمين بعظمة هذا النبي وهذا هو القسم الأول؛ قسّم القاضي عياض كتابه أربعة أقسام بدأه بمعرفة مصدر هذه العظمة، من أين جاءته العظمة؛ فبيّن أن الذي أعطاه هذه العظمة هو الله. هذا هو القسم الأول، القسم الأول له تعلق كما سنقرأ إن شاء الله بما شرّف الله به رسوله ﷺ من التشريفات ومن المناقب والخصال وما أعطاه وأسبغ عليه من النعم الخاصة التي امتاز بها عن بقية البشر.
 
فهذا ترتيب عظيم وموفق من القاضي؛ لأن القرآن دائمًا يبيّن بما يحصل الفضل. يعني عندما الله -عزَّ وجلَّ- رفع الرجال على النساء وجعل للرجال عليهن درجة وجعل الرجال قوامين على النساء فقال {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ذكر العلة بما يحصل الفضل. ولما ذكر تقدمة الناس قال {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}؛ فالسبق بين البشر لا بد أن نعرف مصدره من أين حصل.
 
بعض الناس يظن السبق ممكن بانتسابه لأبيه أو جده وهذه نزعها القرآن، وقال ربنا -سبحانه وتعالى- {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} فجرّد قريش من نسبة العظمة المزعومة من خلال نسبتهم لإبراهيم. فمن أين جاء النبي ﷺ بهذه المقامات التي نحن نعتقدها في نبيّنا؟ جاءت من قبل الله وهو مصدر الحق.
 
والغرب عنده مشكلة في هذه النقطة أنا أنوّه بها لأهميتها مع أنها خارج السياق: أن العالم يختلف في القيم بسبب اختلافهم في مصدر القيم.
 
الآن في الغرب لا تستطيع أن تقول للطفل عيب، ﻻ يوجد عيب، كلمة العيب هذه قيمة اجتماعية، المجتمع يفرزها، لا وجود لها في ذهن الطفل عندما يُربى في الغرب. لماذا؟ لأن المجتمع عندهم ليس له الحق في أن يفرز القيم حتى بأثره الرجعي. يعني نحن نقول أبوك علّمك، أمك علّمتك، من أين جاءت كلمة العيب؟ من أبيك، من أمك، من جدتك، من البيئة المحيطة بك. هذه لا وجود لها في الغرب.
 
الآن أنت تقول لا تشرب الخمر لأخيك لأن الخمر حرام؛ إذًا أنت عللت هذا الحق بحرمة الخمر بالمصدر وهو أنه من الله، الغرب لا وجود عنده لهذا، فحينئذ تختل الموازين، عندهم شيء واحد فقط القانون يقول. يعني عندما يأتي رجل شاب يطرق بيت صديقته ليخرج معها، فتكون البنت مثلًا أقل من السن القانوني للأسف في المعصية أن يصبح لها "بوي فريند". فماذا يقول الأب له؟ لا يوجد له أي كلمة يقولها إلا كلمة واحدة: إذا خالفت القانون أسجنك.
 
يعني أنت تستطيع أن تخرج معها، تستطيع أن تمارس أي عملية سوى الزنا لأنها مخالفة للقانون فقط. الأب لا يستطيع أن يقول له ولا لابنته إلا هذا، القانون فقط كما يفرزه مجلس العموم وكما هو مسجل في مدونة القوانين عندهم، فقط هذا الذي يحكم به الغرب.
 
نحن المسألة عندنا محسومة أن مصدر القيم والتحسين والتقبيح هو الله، الذي يقول عن الشيء حسنًا فينزع عنه صفة القبح هو الله، والذي يعطي صفة القبح لشيء وينزع عنه صفة الحسن هو الله.
 
فلذلك الشيخ يبدأ بهذا ولا شك أنه حاضر في ذهنه.
 
ثم يأتي إلى قسم آخر وهي المقامات التي أعطاها الله لرسوله بعد أن يذكر علة هذه المقامات كما سيذكر هنا، ويقسّم كتابه كما قلنا أربعة أقسام؛ القسم الأول في تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولًا وفعلًا، ثم قسّم هذا القسم إلى أربعة أقسام وكل قسم قسّمه فصولًا نمر عليها بسرعة. القسم الثاني فيما يجب على الأنام من حقوقه.
 
الآن لمّا أعطاه الله -عزَّ وجلَّ- هذه المقامات الشريفة وأسبغ عليه هذه النعم والخصائص المتميزة والتي تميز بها فإن له حقًا على بقية الخلق، حينئذ هذا يفرز حقًا ربانيًا على بقية الخلق تجاه هذا النبي. في القسم الثاني، هذا الكتاب يتكلم عن حقوق النبي ﷺ على الخلق جميعًا عمومًا وعلى أمته خصوصًا. مثلًا من الواجبات العامة على كل البشرية هي أن تؤمن به، فمن تخلّف عن هذه الصفة فهو محجوج وعليه الإثم والعقوبة، يُعاقب، فالمسألة ليست اختيارية، واجب رباني عليك لأنك عبد له أن تقدر هذا النبي.
 
هنا نأتي لقضية مهمة جدًا في النقطة الثانية: هناك دينان؛ دين وثني يتعلق بالشخص والوثن، وهناك دين فلسفي يتعلق بالذهن دون العلاقة بالمادة. الإسلام لا يقبل هذه الطريقة ولا هذه الطريقة. لا يقبل أن تعبد حجرًا بأن تتعلق به على معنى أن الحجر يملك قيمة ذاتية أعطته حق التأله على غيره، هذه ديانة وثنية الإسلام يرفضها.
 
الديانة الثانية هي الديانة التي تجرد الأديان عن الأعمال المادية وتبقي العبادة على معاني ذهنية، تقرّ العبادات لله -عزَّ وجلَّ- ولكنها تجعلها على معنى ذهني، وهذه يتمثلها العوام بقولهم "الدين في القلب"، يتمثلها العوام بقولهم بأن الطاعة هي حالة ذهنية فقط، أنا أعبد الله بقلبي، أنا أتفكر في العبادة، ولا يقوم لا بزيارة كعبة ولا بصيام رمضان ولا بزكاة مال ولا بذهاب إلى مسجد ولا بتوجه إلى القبلة إلى غير ذلك.
 
فالدين الحق يجمع بين الأمرين. هذه لماذا أقولها؟ لأن قضية الإنسان الذي يمثل الحق جزء من الحق. المنهج (الإسلام) الذي يحمله شخص ما هذا الشخص يصبح جزءً منه. ولما جاء الأنبياء بالدين فالأنبياء صاروا جزءً من الدين. ولمّا حمل الصحابة هذا الدين صاروا جزءً منه.
 
فلذلك ﻻ يُسمح لأحد أن يقول أنا لا يهمني الأشخاص. ولذلك قال الله تعالى: {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ} فجعل إيمانهم معيارًا للإيمان الحق. ولذلك قال سليمان {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ} كان وجود سليمان نبيًّا ووجوده ملكًا سلطانًا للحق يوجب على بقية البشر أن يدخلوا في سلطانه، والدخول في السلطان هو دين، فإن أبوا الدخول في سلطانه كأنهم خرجوا من جزء هذا الدين ولو آمنوا بالحق في كماله الذهني.
 
لو أن رجلًا قال أنا أتبع الحق ولا أتبع رسول الله والرسول ﷺ شخص ولا قيمة له إلا أنه شخص عابد لله وأنا آخذ الدين كما هو من غير تعلق وقيمة لهذا الشخص، فهذا هدم لهذا الدين. وهذه قضية أصولية يجب علينا أن نهتم بها وأنا شرحتها في مواطن كثيرة ولكن أنبه عليها بأن الشخص حين يحمل الحق يصبح جزءً منه. وهذا حدث ليس فقط في زمن النبي ﷺ بالنسبة للنبي.
 
فالصحابة كان شرط إيمانهم أن يؤمنوا بالنبي، وشرط التابعين في إيمانهم بالإسلام أن يقرّوا بعدالة الصحابة وأنهم خير الخلق بعد الأنبياء وأنهم حملوا هذا الدين كما جاء به الرسول ﷺ وأن أفهامهم بما تلقوا من العلم والفهم من الرسول ﷺ هو الفهم الصحيح للإسلام.
 
بعد أن ذهب الصحابة جاء التابعون، صار تابعوا التابعين بالنسبة لهذا الدين مع التابعين -مع أقل درجة، بلا شك فالحق يبقى في النص- ولكن يصبح التابعون هم الذين يمثلون هذا الدين؛ فلو نزع أحدهم التابعين نزعًا تامًا من هذا الدين لسقط هذا الدين. ولذلك من إدراك علمائنا في قضية حادثة الإفك أن الكلام عن زوجة النبي ﷺ هو كلام عن النبي ﷺ والكلام عن النبي هو إسقاط للدين.
 
ولذلك في كل قرن كما قال النبي ﷺ كما روى أبو نعيم في الحلية بسند حسن (في كل قرن سابقون). وكانوا يقولون لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلب فحول الرجال، فصار حبهم هو معيار العدل في الفهم والسلامة والبراءة من البدع والضلال.
 
وفي وقت من الأوقات كان أحمد يمثل السنة، فمعاداة أحمد معاداة للسنة. ليس على معنى أنه إذا عاداه في شيء من الخلاف أو خالفه في شيء من المسائل، لكن الله يرفع الرجل حتى يصبح جزءً من المنهج، وهذه قضية مهمة.
 
فما أوجبه الله على قيمة النبي ﷺ بخصوصه توزع في الأمة، ولذلك العلماء يحتجون بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} في عدم جواز التقديم بين يدي العالم فيما يعلم، أنت لا تفهم هذه المسألة لا تسارع إلى مقاطعة العالم إذا تحدث بالعلم الذي تعلمه وأنت لم تسمعه به إلا الآن. لا تقدم قولًا قبل أن تسمع قول الله من العالم الواسطة. فالعلم وإن كان في الكتب ولكنه صار إلى صدور الرجال، أو كان في صدور الرجال فصار إلى الكتب وبقيت الكتب مغلقة ومفاتيحها مع صدور العلماء كما قال الشاطبي -رحمه الله-، هذه قضية أنا شرحتها وهي مهمة في الأصول لماذا الإمام أحمد جعل الحديث الضعيف أحبّ إليه من الرأي في مسألة ذكرناها سابقًا!
 
وهذا القسم فيه أبواب والباب فيه فصول.
 
ثم القسم الثالث وهو ما يستحيل في حقه ﷺ وما يجوز عليه وما يمتنع ويصح من الأمور البشرية أن تضاف إليه، الآن هذا النبي ﷺ يجوز فيه أمور أنه بشر ويمتنع عليه أمور، ويستحيل عليه أمور، وهذه أمور أغلبها عقلي، وهذه التي يقول عنها العلماء العصمة، والعصمة حين ترجع إلى كتب المتكلمين لا تجد دليلًا نصيًا، لكنها تتعلق بالنبوة وصدقها.
 
لأنه إذا ثبت الكذب عليه في باب من أبواب الحياة فجاز الكذب عليه في كل أبواب الدين التي جاء بها من عند الله؛ فإذن هذه مسألة عقلية. وهكذا يتحدث عما يجوز في حقه وما لا يجوز في حقه.
 
وهناك خصائص للنبي ﷺ، وهذه الخصائص الله اختصه بها على جهة متعددة، فمثلًا من ضمن خصائص النبي ﷺ وآل بيته عدم قبول الزكاة، هذه من خصائصه وتطهيرًا له وأنه يقبل الهدية. من خصائصه جواز الزواج بأكثر من أربعة على بقية البشر.
 
وانتبهوا لهذه النقطة وهذه ليست في الباب ولكنها مهمة: لا يوجد في ديننا خصيصة تعنى الرفعة إلا ويقابلها ضمانًا وبلاءً. هذه يجب علينا أن نفهمها. الصحابة -رضي الله عنهم- ما بلغوا هذه الدرجة من التقدمة إلا بسبب ما أعطي لهم من الأوامر التي فيها البلاء، والدليل أننا لو أتينا في زماننا هذا بعشر ما أتى به الصحابة لنجونا، فكان المكلف من التكليف على الصحابة أشد مما كلفنا نحن به، فاختلفت الدرجة باختلاف التكليف.
 
وهذا كذلك القسم الثالث فيه أبواب وفيه فصول.
 
القسم الرابع وهذا الشيخ أبو محمد يتكلم عنه أكثر من غيره وهو في تصريف وجوه الأحكام على من تنقّصه أو سبّه ﷺ وهذا الذي علينا أن ننشره في هذه الأيام إسكاتًا لهؤلاء الذين يخرجون من دين الله أفواجًا بسبهم للنبي ﷺ، وقد أتى الشيخ بأبواب عظيمة في الإيمان وفي سب النبي وفي الردة، وكأن هذا القسم هو كتاب مستقل لوحده. ولو أخذه طالب علم واستلّه من هذا الكتاب وأخرجه وشرحه ونشره يكون في ذلك إحسانًا.
 
هذا ما يتعلق بالكتاب.
 
هناك أمر أريد أن أنبّه عليها بالنسبة لهذا الكتاب. هذا الكتاب مُدح مدحًا شديدًا من قبل العلماء. حتى الذين تكلموا على بعض هناته ذكروا أن هذا الكتاب لم يبلغ شأنه كتاب آخر. منذ أن ألّف القاضي عياض كتابًا في هذا الباب لم يبلغ مثل هذا الكتاب عظمة وجمالًا وتنسيقًا وأحكامًا وتصنيفًا كما أتى هذا الكتاب من هذه الأبواب العظيمة.
 
ومع هذا التبجيل والتعظيم والاهتمام خاصة من المغاربة في شرحه، وإلى الآن تُنصب المجالس العلمية في شرح كتاب الشفا للقاضي عياض، وأشهر شرح هو شرح علي القاري مع وجود شروح كثيرة له، إلا أن العلماء انتقدوا عليه أمورًا نمر عليها فنرد على بعضها ونعالج بعضها ونقبل بعضها:
 
أول مؤاخذة عندما جاء الإمام الذهبي -رحمه الله- إلى ترجمة القاضي عياض وأفاض فيها تعظيمًا لشأنه لأنه من المهم أن نعرف أنّ القاضي عياض إمام في عدة فنون، وأعظم فن عنده هو فن البلاغة والبيان واللغة، له مشارق الأنوار وهو على طريقة غريب الحديث، وأول من كتب في غريب الحديث كما تعلمون أبو عبيد القاسم ابن سلام -رحمه الله- ولما عرضه على الإمام أحمد جمع أبنائه وقرأه عليهم وأمرهم بحفظه.
 
فله مشارق الأنوار وشرحه لحديث أم زرع، وكلاهما مطبوع، وكذلك شرحه على صحيح مسلم، فله شرح على صحيح مسلم واسمه المفهم؛ فالإمام عظيم الشأن في قضية اللغة واهتمامها. وكذلك له اهتمام بالأنساب والرجال، وله كتاب في هذا وهو ترتيب المدارك وهو في ذكر طبقات علماء المالكية وهو كتاب رائع مطبوع ومهتم به ومنشور.
 
كذلك هذا الإمام يُعرف عنه الفقه وهو من المقدمين في فقه الأئمة المالكية.
 
الإمام الذهبي عندما جاء إلى ترجمته عظّمه العظمة اللائقة به لكنه لما جاء إلى كتاب الشفا وذكر كلمته التالية أنقل لكم كلامه بتصرف يسير يقول الذهبي عن الإمام القاضي عياض: تواليفه نفيسة، وأجلها وأشرفها كتاب الشفا.
 
أنا لا أريد أن أقف على موافقة العنوان للواقع؛ لأن اليوم للأسف الذين يكتبون في العناوين يبحثون عن السجع. فيضع كلمة مسجوعة في العنوان من أجل يقلّد الأقدمين فقط، وهذا غير صحيح. الحقيقة لو بحثنا عن معنا الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى لوجدنا أنه شفاء. هذا الكتاب فيه شفاء حقيقة وليس من قبيل الادعاء ولا من تسفيط الكلام كما يقولون.
 
يقول الإمام الذهبي: وأجلها وأشرفها كتاب الشفا لولا ما قد حشاه بالأحاديث المفتعلة.
 
المفتعلة يعني فيه أحاديث موضوعة وفيه أحاديث لا أصل لها، وهذا صحيح، الكتاب فيه أحاديث موضوعة. ما معنى موضوعة؟ أي مكذوبة على رسولنا ﷺ أو مكذوبة تاريخيًا لم تثبت قط والعلماء نفوها، هنا الإمام الذهبي علّل غلطه في إيراد هذه الأحاديث الموضوعة بقوله هذه الأحاديث الموضوعة "عمل إمام لا نقد له في فن الحديث ولا ذوقه”.
 
وكأن الإمام هنا يشير إلى ضعف الإمام في علم الصناعة الحديثية مع أن الإمام القاضي عياض له كتاب الإلماع في أصول السماع، وهو كتاب حين يقرأه القارئ للصناعة الحديثية أي طرق التصحيح والتضعيف والحكم على الأحاديث وعلم العلل فإن هذا الكتاب يُعد حلقة من حلقات هذا العلم، وكتاب مهم جدًا في هذا الباب. لكن الإمام الذهبي يحكم أن الإمام حين اختار هذا إنما مردّ هذا ضعفه في باب الصناعة الحديثية.
 
ثم يقول: "وكذا في التأويلات البعيدة”. هذه كلمته نأتي إليها.
 
لكن هل حقًا أن سبب إيراد الأحاديث الموضوعة من قبل القاضي عياض هو ضعفه في فن الصناعة الحديثية؟
 
هذا الباب الذي أكثر فيه القاضي عياض سوق الأحاديث الموضوعة سببها هو فن يوازي ما كتبه علمائنا في دلائل النبوة. يعني من أجزاء هذا الكتاب جزء هو دلائل النبوة. أي ما هي الأحوال النبوية والكرامات الإلهية للنبي التي تدل على أنه نبي من عند الله، وهو يقسمها إلى قسمين: قسم صرف الله الخلق عن إتيان ما تحداهم به، قال افعلوه إن شئتم فلم يفعلوه فدلّ على أن الله عز وجل صرفهم. وقسم قال لهم افعلوه فلم يستطيعوا لعجزهم أن يبلغوا شأنه، هذا هو الإعجاز، هذه هي دلائل النبوة.
 
وللأمانة عندما نراجع كتاب الإمام القاضي عياض وكنيته ولقبه أبو الفضل، ولم يذكر في ترجمته ولد له اسمه الفضل، له ولد واحد فقط اسمه محمد، وابنه ترجم له، فعامة ما ردّ العلماء بعضهم على بعض في ترجمة أو كلمة نُسبت له أو موقف نُسب له انتصروا فيه لما قاله ابنه لأنه يتحدث عن أهل البيت. يعني مثلًا ذكروا عنه أنه قُتل بطريقة بشعة يرددها بعض الجهلة اليوم وأحد الزنادقة يرددها ويأتي بأخبار ملفقة، وابنه يبيّن كيف مات، صحيح أنه مات مقهورًا لكن لم يمت مقتولًا بالسهام كما وصفه ولا أريد أن أذكر اسمه، نبرئ الجلسة عن ذكر اسمه.
 
كذلك البعض يقول إنه قُتل مسمومًا وابنه ينفي هذا، الرجل مات مقهورا لأحوال أصابته ومات في مراكش، فابنه يترجم له ولا يُعرف في ترجمته إلا هذا الابن محمد فالظاهر أن أبا الفضل هو لقب وليس كنية له والله تعالى أعلم.
 
القصد حين نراجع كتب دلائل النبوة أعظم كتاب في دلائل النبوة هو كتاب أبي بكر البيهقي "دلائل النبوة”. وهناك دلائل النبوة لصاحب الحلية لأبي نعيم كذلك ولكنه مجلد صغير في حجمه، ولكن أعظم كتاب حوى الأحاديث التي فيها دلائل النبوة هو كتاب البيهقي وهو مطبوع وكبير، ونحن نجد في هذا الكتاب ما نجده في كتاب القاضي عياض. يعني ما يُنقم على القاضي عياض من أحاديث أوردها موضوعة ولا أريد أن أمر على أحاديث منها يستطيع طالب العلم أن يجد الكلام عليها مبثوثًا.
 
وقد قام السيوطي بتخريج أحاديث الشفا وسمى كتابه (الصفا في تخريج أحاديث كتاب الشفا). والسيوطي مع اطلاعه يعني من يعرف ترجمته يعرف أنه موسوعة أو كما يسميها الشيخ شاكر جمهرة قلّما يفوته حديث إلا أنه قال هذه أحاديث لم أجدها ولم أعرفها. كما أن الإمام أبو عمر ابن عبد البر لما شرح الموطأ في التمهيد وجاء إلى بلاغات مالك مرّ على بعض البلاغات (ثلاث بلاغات) قال هذه لا أعرف لها سندًا.
 
وكذلك السيوطي مع استقصائه وموسوعيته إلا أن هناك أحاديث في الشفا قال لا أعرف لها إسنادًا ولا أتى بها من أي كتاب، ولكن الكثير من الأحاديث التي عوتب عليها القاضي عياض مذكورة في كتب الدلائل، وهذا اعتذار فلا بد أن نعتذر لعلمائنا، نقول لا بد أن الإمام ترك هذه الأحاديث على طريقة العلماء في التسامح في ذكر الأحاديث الضعيفة وما في معناها في الفضائل أو في هذا الباب.
 
بالرغم أن الكل مجمع على عدم جواز رواية الأحاديث الموضوعة إلا بالتنبيه، إلا بشروطها يعني لا يجوز للأحاديث الموضوعة أن ترويها دون أن تنبه السامع أنها مكذوبة فكان ينبغي التنبيه عليها، ومع ذلك يبدو هذا الاعتذار ضعيف ولكنه يبقى مهمًا.
 
هذا أول عيْب عِيب به الكتاب.
 
العيب الثاني حين مراجعة كلام ابن تيمية على القاضي عياض وجدته يذكره في مواطن متعددة من كتبه لكني وجدته نقض إجماعًا ذكره القاضي عياض. وذلك في بيان مقام النبي ﷺ ومرتبته التي ذكرها فيما شرفه الله به. وذكر القاضي عياض أن العلماء مجمعون على أن تربة قبر النبي خير من الكعبة، وابن تيمية يقول الإجماع على خلافها. وهذا الكلام موجود في مجموع الفتاوى.
 
وهنا لا بد أن أذكر بأن كثيرًا من هذا الكتاب قد أخذه شيخ الإسلام في الصارم المسلول؛ لأن مباحثه تتعلق بحكم الساب على النبي ﷺ ومسائلها. فهذا إجماع ردّه ابن تيمية بإجماع آخر.
 
النقطة الثالثة التي عيبت على القاضي عياض وهي أشعريته، وخاصة في مسألة الإيمان؛ لأن الإيمان عنده وهو يصرح بهذا هو قول اللسان واعتقاد القلب ولا يذكر العمل. وحين يأتي إلى الأعمال المكفرة فيجعلها دليلًا على الكفر وليست بذاتها كفر، وهذا باب مشتهر فهو أشعري في هذا الباب وتكلم بما يعلم فيه، وهو معذور على ما جرى عليه أهل زمانه فهو توفي عليه رحمة الله 544هـ، وهذا وقت انتشرت فيه الزندقة، هذا الوقت هو وقت الغزالي، وهو عاشر المهدي ابن تومرت وهو باني قواعد دولة الموحدين التي أنشأها عبد المؤمن، وعبد المؤمن كان يخاف من القاضي عياض ويحتقره، عبد المؤمن الذي أنشأ دولة الموحدين وهي دولة يعتبرها علمائنا دولة بدعية قامت على أصول اعتزالية وكفرت الناس وقتلت منهم من قتلت إلى آخره. فهذا وقت انتشر فيه هذا الأمر، ولعل هذا الكتاب فيه بيان لقضية حق المصطفى ﷺ في زمن انتشرت فيه الزندقة. ومن تلك الزندقة هو عدم معرفة مقام النبي ﷺ أو التعامل معه كما يريد تعامل المعاصرون أنه مصلح كما تكلمنا في الدرس الفائت.
 
يتعاملون مع النبي على أنه عبقري، وأنه مصلح اجتماعي، وأنه ذكي، وأن ما أتى به هو من قبيل إنسانيته الفذة وليس من قبيل النبوة التي أُكرم بها -عليه الصلاة والسلام-.
 
بقيت المسألة الرابعة التي عيبت عليه وهذه وجدتها في لوامع الأنوار البهية للسفاريني وهي دعواه أن القاضي عياض يميل في مسألة إعجاز القرآن إلى القول بالصِرفة وهذا غلط، الكتاب بين أيدينا وهو ليس على هذا في شيء، ولا أريد أن أخوض فيها كثيرًا.
 
ما معنى الصِرفة؟ يعني أن القرآن يستطيع البشر أن يأتوا بمثله لو أزيلت حواجز المنع الإلهي، وإن الله -عزَّ وجلَّ- منع البشر أن يأتوا بمثله ولو لم يحصل المنع القدري لحصل الفعل لوجود القدرة. هذه منسوبة إلى النظّام، وبعض المعاصرين ينسبها للجاحظ وهذا غير صحيح، والجاحظ له كتاب في الرد على شيخه النظّام.
 
وزعم القاضي عياض وهذا يدل على أن خبرته في المذاهب كانت على طريقة معاصره ابن حزم، وابن حزم في كتابه الفصل وهذا يحتاج إلى مصنف في بيان ما أخطأ فيه المصنفون في الفصل وأفضل كتاب في نسبة المذاهب هو كتاب مقالات الإسلاميين فإن كثيرًا مما نُسب للعلماء نُسب من قبيل السماع، هكذا قيل.
 
وابن حزم لأنه مغربي الأشعرية عنده لم تكن واصلة إلا عن طريق من يؤمن بها، يعني لم يقرأ كتبها فنسب إليهم أشياء كثيرة، حتى أنه تكلم عن الباقلاني كلامًا سيئًا وليس له، بل إنه مال إلى أن الباقلاني كافر بهذه المقالة، والباقلاني بريء من هذه الكلمة ولم يقلها.
 
والقصد أن معرفة القاضي بالمذهب الأشعري كمعرفة أهل بلده كابن حزم حين نسب إلى الأشعرية أقوالًا لم يقل بها الأشعري؛ فنسب القاضي عياض في كتابه أن أبا الحسن الأشعري يقول بالصِرفة وأبو الحسن بريء منها.
 
وإن أحببتم فقط أمر على كلمته التي فهمها السفاريني فهمًا غير سليم، يقول: "وكون القرآن من قبل النبي ﷺ وأنه أتى به معلوم ضرورة. وكونه ﷺ متحديًا به معلوم ضرورة، وعجز العرب...” -فرق أن يُقال إنهم يستطيعون بقدرتهم ولكنهم منعوا قدرًا من الإتيان بذلك، فرق بين هذه الصرفة وبين ما يقوله الشيخ.
 
يقول: "وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة، وكونه في فصاحته ...“-وهذا هو الذي قاله العلماء في الإعجاز يومه. "وكونه في فصاحته خارقًا للعادة معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ووجوه البلاغة وسبيل من ليس من أهلها، علم ذلك بعجز المنكرين. “
 
ثم يقول: "فأكثرهم يقول إنه مما جمع في قوة جزالته ونصاعة ألفاظه وحسن نظمه وإيجازه وبديع تأليفه وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن أقدار الخلق عليها، كإحياء الموتى وقلب العصا وتسبيح الحصى وذهب الشيخ أبو الحسن أي الأشعري إلى أنه مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ويقدرهم الله عليه ولكنه لم يكن هذا ولا يكون فمنعهم الله هذا وعجزّهم عنه وقال به جماعة من أصحابه وعلى الطريقين... “-هذه ربما التي جعلت السفاريني وهو من الحنابلة له كتاب لوامع الأنوار البهية على طريقة الأوائل في العقائد إلا أنه له عبارات المتكلمين، والكتاب مشتهر ومطبوع، ربّما هذه ما جعلته ينسب القول بالصرفة للقاضي عياض .
 
قال:” فعجز العرب عنه ثابت وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع وهو أبلغ في التعجيز وأحرى في التقريع والاحتجاج...” إلى آخر ما قال.
 
نقف هنا حتى يتكلم لنا الشيخ مما عنده في هذا الباب:
 
الشيخ أبو محمد المقدسي -حفظه الله-: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قبل أن أتكلم، عندي تعليق وليس استدراك، سؤال: ألا يمكن أن تكون هذه المؤاخذات من بعض هؤلاء العلماء على القاضي انتصارًا لمذاهبهم؛ لأن القاضي له كلام على الشافعي وأبي حنيفة في أنهم ضعفاء في الحديث وذكر هذا في ترتيب المدارك، وأيضًا له كلام على الإمام أحمد إذ قلّل من قيمة فقهه، فربما تكون من باب الانتصار. الذهبي، والحنابلة الذين ذكرتهم.
 
الشيخ أبو قتادة: ربّما، إنما هو مالكي صرف ومتبع لمذهب مالك ومعظّم له. وللذكر إن ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية -هذه لا بأس أن نعرّض بها لنعرف مصادر العلماء، وأنا كنت أتمنى أن أستقصي في مصادر الإمام القاضي عياض في كتابه الشفا، يعني من أين أتى بالأحاديث، وجدت أنه ينسب للترمذي مثلًا، مع أن معاصره أو من قبله ابن حزم بقليل لما ذُكر أبو عيسى الترمذي قال مجهول، فكنت أحب أن أستقصي مصادر القاضي، وهذا جزء من معرفتنا لثقافة الرجل، ولسعة اطلاعه وعلومه، وهو يذكر كثيرًا من العلماء والمشايخ والمذاهب فهذا يحتاج إلى دراسة والوقت يقصر عنها.
 
النقطة الثانية التي أريد أن أنبه عليها، وهي أنه رغم أنّ العلماء المتأخرين سواء ابن القيم أو ابن تيمية كانوا عظماء وأتوا بأشياء جديدة، لكنني وجدت بشيء من الاستقصاء أن كثيرًا مما قالوه من العلوم والأصول إنما أُخذت ممن قبلهم. يعني نحن نعرف في بدايتنا كيف عرفنا بعض المسائل؛ عرفناها من المتأخرين، ثم بدأنا نرتقي، ونرتقي، حتى وصلنا إلى مرتبة، ثم وصلنا إلى ابن القيم وابن تيمية فظننا أن هذه العلوم قد أتت من قِبلهم ومن ذواتهم، ثم بعد ذلك لما الإنسان ارتفع وجدنا أن هؤلاء العلماء أخذوا هذه العلوم ممن قبلهم.
 
أنا أنبه على هذه النقطة وهي خارج السياق مما سأله الشيخ حفظه الله، لما قرأت كلام ابن تيمية في مذهب أهل المدينة، وكلامه عجيب، وقرّر قواعد في مذهب أهل المدينة من أغرب ما يكون. ولما قرأت ترتيب المدارك وهذا من سنين، وقد قرأت ترتيب المدارك بفضل الله -عزَّ وجلَّ- وما زلت أذكر سنة قراءته، سنة 93، فعجبت أن ما قاله ابن تيمية بحروفه مأخوذ من مقدمة ترتيب المدارك في معنى مذهب أهل المدينة.
 
فالعلماء يأخذ بعضهم من بعض، ولكن لا شك أن القاضي عياض مالكي وينتصر لمذهبه، وأما تأثر العلماء بمذاهبهم فشيء معروف. وهذا لا نستطيع أن نلغيه ولا نستطيع أن نتجاوزه، والعلماء لهم طرق. وإنما للأمانة الذهبي ليس منهم، وإن زعم تلميذه السبكي الابن، فهناك السبكي الأب والسبكي الابن، والسبكي الأب هو الفقيه، والابن فقيه وله أبناء فقهاء كبهاء الدين اللغوي له كتاب في الإعجاز وله كتاب في البلاغة وابنه تاج الدين صاحب كتاب طبقات الشافعية يتهم أستاذه وشيخه الذهبي بأنه متعصب ضد الشافعية مناصرةً للحنابلة، وهذا غير صحيح في الحقيقة، وله كتاب في هذا، واستلّها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله من طبقات الشافعية لأنها رسالة موجودة في داخل كتاب طبقات الشافعية وأفردها بالتصنيف وأخرجها مع التعليق.
 
فهو اتهم الذهبي أنه يماري الحنابلة ويعادي الأشاعرة، والحق أن الذهبي كان ذهبيًا، يقيس بالذهب، والذهبي شافعي، ولكن على قاعدة زاهد الكوثري -رحمه الله- بأنه من ضحايا ابن تيمية، يعني الذهبي وابن كثير وابن القيم والبرزالي ويوسف بن عبد الهادي هؤلاء يسميهم الكوثري ضحايا ابن تيمية، يعني ممن أفسدهم ابن تيمية. فأظن الذي رآه الشيخ ممكنا، فالمذاهب لها دور في الآراء ولا شك.
 
الشيخ أبو محمد المقدسي -حفظه الله-: لا شك أن كثيرا من العلماء أثنوا على القاضي عياض ثناءً كبيرًا مثلما ذكرت، حتى أن هناك مقولة مشهورة تقول:” إنما لفت علماء المشرق إلى المغرب القاضي عياض"، كأنه قبل القاضي عياض لم يكن هناك نظر إلى المغرب، وهو الذي أبرز شأن المغرب بنبوغه وبكتاباته.
 
ولهذا الكتاب شأن عظيم جدًا لا شك، ومثلما ذكر الشيخ في مطلع حديثه أننا بحاجة إلى إبراز حقوق المصطفى وتعظيم شأنه؛ لأنه كما قيل كثرة الإمساس تورث قلة الإحساس، وهم يريدون، أي أعداء المصطفى وأعداء الدين ، يريدون أن يكرروا ويمنهجوا إسماع الأمة شتم النبي صلى الله عليه وسلم والنقيصة منه والوقيعة فيه حتى تعتاد الأسماع ولا تعد تستنكر ويصبح السب شيئًا عاديًا، مثلما نرى الآن المذابح في الأمة ،من كثرتها ما عادت الأخبار تحرك الدموع أو توجع القلوب، فكذلك الإكثار من الاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم والطعن به ، ربما هم يظنون أن ذلك يصبح شيئًا عاديًا عند أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
 
فواجب علينا نحن وعلى عموم هذه الأمة تعظيم النبي ﷺ في مقابل هذه الهجمة وإبراز أمثال هذه الكتب الطيبة التي خُصصت بتعظيم المصطفى وتعظيم جنابه. ولذلك مهما قيل في كتاب الشفا من انتقادات، فعذر القاضي عياض هذه المسألة، وهي تعظيم جناب النبي ﷺ، حتى ذكره للأحاديث التي انتُقضت عليه من باب دلائل النبوة وغيرها كله يصّف في هذا الباب، أنه أراد تعظيم شأن النبي ﷺ.
 
وربما الشيخ يريدني أن أتكلم في هذا الباب وهو القسم الأخير الذي هو قسم حكم من سبّ النبي ﷺ أو غيره من الأنبياء والرسل، فقد أبدع فيه الإمام وتكلم فيه كلامًا نفيسًا يستحق التدبر. وأنا حقيقة قرأت الكتاب أكثر من مرة، قرأته وحدي وقرأته مع إخوة، ولا غنى لمن يتكلم في مسائل وأحكام التكفير عن مطالعة هذا الكتاب، لا بد أن يطالع هذا الكتاب من يريد أن يتكلم في أحكام التكفير، خصوصًا الجانب القضائي فيه.
 
وهذا الأمر يُرد به على من شكك بنفع الكتاب كون صاحبه أشعري. يعني يقول الأشعرية مرجئة فكيف تمتدحون هذا الجانب، لكن هم مرجئة أنهم في تعليلهم للكفر يشيرون إلى معنى باطني، لكن في أحكامهم الظاهرة يوافقون أهل السنة أنه إذا جاء نص سمّى عملا أو فعلا كفرا فهم يسمونه كفرًا، يوافقون أهل السنة في ذلك. ولكنهم في تأويل أو في تفسير هذا الكفر يرجعونه إلى معنى الباطن فيقولون مع اعتقاد الكفر. هذا هو الجزء الذي ننتقده على المرجئة والأشاعرة. يهمنا القسم الأول أنهم يوافقون أهل السنة بالأحكام، وهذا هو الجانب القضائي الذي ركّز عليه هذا الإمام وهذا القاضي وهو الذي يهمنا في كتابه.
 
وأيضًا توسع في إعذار المتأولين، وهذا باب مهم، وتكلم كثيرًا في أبواب مهمة جدًا يحتاجها المرء وأنا استفدت منها في كتاب الثلاثينية في قضية التكفير بالمحتملات والإعذار، وضرب حوادث كثيرة من القضاة المالكية، جاء بحوادث أعيان وقضايا وكيف حُكم فيها تارة بتبرئة المتهم الذي يُتهم بسب النبي أو الاستنقاص منه لأجل احتفاف قرائن أحوال تبرئه وتارة يجرمه، وهكذا فهذه الناحية العملية القضائية في الكتاب مهمة، وفي غاية الأهمية أن يكمل الطالب دراسته لمسائل الإيمان والكفر بدراسة الناحية القضائية العملية هذه.
 
هذا الذي أردت الإشارة إليه، وهو الذي استفدته حقيقة من قراءتي لهذا الكتاب، والجانب العظيم الذي صُنف من أجله الكتاب أصلًا وهو تعظيم حقوق المصطفى وهو مهم جدًا، ولذلك بعض الناس ينسب إلى القاضي أنه غلا في هذا الجانب من شدة إيراده للأحاديث الموضوعة والضعيفة، ولكن نرجع ونقول إن سبب ذلك كما ذكر الشيخ أنه ربما لانتشار الزندقة في زمنه أراد أن يعظم من شأن النبي ﷺ، وهذا التعظيم نحن بحاجة إليه أيضًا في زماننا. حتى إنه قيل أنه نُسب إلى الموحدين أنهم هم الذين قتلوه والله أعلم.
 
فتعظيم شأن النبي ﷺ مهم نحتاجه في زماننا، وهو العذر الذي يعتذر به للشيخ في إيراده للأحاديث الضعيفة والموضوعة وغير ذلك من الاختيارات، حتى إنه نسب لشيخ الإسلام أنه قال عنه كلمة "قد غلا هذا المغيربي"، نُسب إليه تصغيره، وهذه حقيقة إذا بحثت عنها في كتب الشيخ لا تجدها، نُسبت إلى بعض الناس وتكلموا فيها، وربما سبب ذلك المسألة التي ذكرها الشيخ كقضية التربة وتفضيله لتربة النبي ﷺ على الكعبة.
 
هذا ملخص ما أردت أن أقول، وبارك الله فيكم.
 
الشيخ أبو قتادة: هذا الكتاب مهم لنا في جانب آخر وهو جانب مهم علينا أن نقرأه وهو كتاب ليت طلبة العلم في بلادنا كما يفعل المغاربة يقيمون مجالس تعليم له وتدريس وشرح وهو كتاب مهم ونفيس وفيه الأحاديث وفيه الفقه وفيه الأصول وفيه التاريخ وفيه الأخبار وفيه الأحكام وفيه الجانب القضائي الذي شرحه الشيخ.
 
هذا كتاب بحق مهم جدًا وهو كتاب سهل، لا يوجد فيه صعوبة، ولا يوجد فيه عبارات شديدة الفهم، هو كتاب أُلّف لعصره من غير مشقة، يستطيع كل أحد أن يقرأه.
 
ربما هناك بعض الألفاظ التي يشق على المرء أن يفهمها وفي الأحاديث وفي الأخبار فيمكن أن يستعين بشرح الشيخ محمود علي القاري له وهو مطبوع عدة طبعات جديدة وقديمة يمكن الاستعانة بها.
 
والشيخ بلاغي عظيم وأديب وأنا أحب أن أقرأ لكم مقدمته في حمد الله -عزَّ وجلَّ- وبيان فضل النبي ﷺ
 
قال الفقيه القاضي والإمام استلم القضاء ثلاث مرات، استلم القضاء وعُزل، والموحدون كما قلنا -الموحدون على طريقة المعتزلة، المعتزلة يُسمون بأهل العدل والتوحيد! للأسف كما يُسمى الدروز بالموحدين، هذه أسماء ليست على حقائقها كما تعلمون- فالموحدون أهانوه.
 
أحضروه من سبتة التي كان فيها قاضيًا، وسبتة مدينة عظيمة في ذلك الوقت، أحضره عبد المؤمن وكان خائفًا منه وأهانه بأن عيّنه قاضيًا في قرية بعيدة نائية لا يوجد فيها إلا القليل من الناس، وهو كان يشعر بالوحدة هناك والألم والتفجع.
 
وللذكر فالإمام المقرّي له كتاب (زهر الرياض في أخبار القاضي عياض) مطبوع في ثلاثة مجلدات، ولابنه ترجمة له، وهي خير التراجم، ترجمة ابنه، وترجمة المقرّين والمقرّي تلميذه وترجم له في مناقبه، وإذا أردتم فإنّ له ترجمة في سير أعلام النبلاء، وله ترجمة في تذكرة الحفاظ، يعني الرجل ليس بالخفي لتكتم أخباره.
 
قال الفقيه القاضي الإمام الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي -اليحصبي نسبة ليحصب، ويحصب هي قبيلة يمنية حميرية، فهو يلتقي مع الإمام مالك ومالك يحصوبي، ومما حصل من المشاكل بين الإمام مالك وبين محمد بن إسحاق، أنّ محمد ابن اسحاق نفى نسبة مالك صلابة ليحصب، وردّ عليه مالك كما يحدث بين الأقران.
 
يقول رحمة الله عليه: الحمد لله المنفرد باسمه الأسمى -وهذا بيان بأن الله -سبحانه وتعالى- سُمي باسم لم يُسم به غيره {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا}. يعني "الله" لم يتسم به أحد إلا الله -عزَّ وجلَّ-. لم يجرؤ أحد أن يتسمى بهذا الاسم سواه جل في علاه، فهو اسمه الأسمى. المنفرد يعني المختص، انفرد يعني اختص به. "المختص بالعز الأحمى": العز الأحمى أي الذي حمي فلا يستطيع أحد الاقتراب منه. لما يكون الشيء حاميًا هل يضع يده عليه؟ فقوله الأحمى أي الذي حمي، فالحمى هو الذي لا يدخله أحد إلا بإذن صاحبه. فهو له العز الأحمى الذي لا يستطيع أن يقترب منه أحد.
 
يقول:"الذي ليس دونه منتهى، ولا ورائه مرمى، الظاهر لا تخيلًا ولا وهمًا، الباطن تقدسًا لا عدما، وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وأسبغ على أوليائه نعمًا عُمّا، وبعث فيهم رسولًا من أنفسهم أنفسهم عربًا وعجمى. -وهذا من بيان ما يُسمى بقوة الاستهلال أو براعة الاستهلال، يعني أن تبدأ كلامك بما هو خير وما هو أفضل. يعني هو بدأ بذكر المحامد العظمى في بيان صفاته العظيمة ثم بدأ بحمده، ثم ثنّى بحمده، بعد أن حمده على ما فيه من خصال جل في علاه، ثم حمده على ما أسبغ من نعم، ثم اختصّ هذه النعم بذكر نعمة النبي، فالعلماء لا يمرون الكلام هكذا كما نفعل نحن، هم يرتبون الكلام ترتيبًا علميًا.
 
فهو حمد الله على ما فيه من خصال الحق التي تليق بجلاله، ثم حمده على نعمائه، ثم ذكر أخص النعم وهو رسول الله ﷺ.
 
الشيخ أبو محمد المقدسي -حفظه الله-: لفتة: قال أنفُسِهم ثم قال أنفَسِهم، هذه إشارة.
 
الشيخ أبو قتادة: هذه قراءة أخرى، رسولًا من "أنفسِهم" ومن "أنفسَهم". يعني أنفسهم منهم، ونفس الشيء ذات المرء، وأنفَسَهم يعني أعلاهم درجة.
 
"وأزكاهم محتدًا ومنًا وأرجحهم عقلًا وحلمًا وأوفرهم علمًا وفهمًا وأقواهم يقينًا وعزمًا وأشدهم بهم رأفة ورحمًا، زكّاه روحًا وجسمًا وحاشاه عيبًا وصمًا، وآتاه حكمة وعلمًا، وفتح به أعينًا عميًا وقلوبًا غلفًا وآذانًا صمًّا فآمن به وعزّره ونصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسمًا، وكذب به وصدف عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتمًا، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى، صلى الله عليه صلاة تنمو وتُنمى. -تنمو بذاتها لما فيها من خير وبركة وقوة ذاتية، وتُنمى لما يُعطى لها من البركات الإلهية منه جل في علاه. "وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا-.
 
ومن الأمور المهمة في قراءة الكتب أن تعرف سبب التأليف، لماذا يألفون الكتاب، يعني نحن نعرف أن الصارم المسلول ألّفه شيخ الإسلام ابن تيمية في شبابه لأن هناك نصراني سبّ النبي ﷺ فأراد شيخ الإسلام قتله وكان هذا الأمر متقدمًا وسعى لقتله فهرب إلى الأعراب، وهناك زعم أنه أسلم، فلاحقه بهذه الفتوى أنك حتى لو أسلمت سنقتلك. فالقصد أنّ معرفة سبب تأليف الكتب مهم يكشف لك أمر المؤلف.
 
ومرات يلغّز العالم في سبب التأليف، لأن هناك سبب ما فيذكره ذكرًا تلميحيًا وعليك أن تتقصى في تاريخ هذا العالم لماذا ألّف هذا الكتاب. يعني مثال على ذلك في شيخ الإسلام ابن تيمية عندما ألّف رسالته في تكفير العالم الذي يوافق الحاكم في كل ما يريده من هواه، وقال هذا مرتد، فإذا وافق العالمُ الحاكمَ في كل ما فعل وأفتى فهو مرتد. هذه قالها ردًا على نفسه عندما مُنع من الطلاق الثلاثي وامتنع، قال له لا تفتي بهذه الفتوى فامتنع استجابة لهم، ثم رأى أن موافقتهم ضلال وانحراف وأن هذا من العلم الذي يجب أن يُنشر، فعاد وأفتى بها فُسجن.
 
فهذا باب ينبغي أن يهتم به وهو أن تعرف سبب تأليف الكتاب، وما من كتاب أٌلّف إلا وله سبب. وأنا استطعت أن أقول سواء أصبت أو أخطأت وهذا في فن القراءة لمن قرأه أن سبب تأليف علمائنا للكتب إما أن يعود لسبب حادث وإما لسبب عام. والسبب العام هو دخول العالم في زمرة العلماء. يعني هناك كتب من الفقه ألفها أصحابها ليدخلوا في زمرة العلماء، ليس معنى أن يدخل ليأخذ شهادة وليُمدح وليُذكر، لا، بل من أجل أن يدخل في بركة الذين دعا لهم رسول الله ﷺ (نضّر امرئ سمع مني مقالتي) إلى آخره.
 
فالدخول في زمرة العلماء هذه فضيلة ربانية، ولا تُحمل على معنى الذم كما فهم البعض مني هذه الكلمة فعاب وظن أنني أقول يريد أن يدخل في زمرة العلماء على معنى سلبي، على معنى التهمة والرياء، هذا لا نقوله. الدخول في زمرة العلماء من قبل العالم الذي يكتب علمًا إنما هو من قبيل التعرض لرحمات الله.
 
الشيخ الإمام القاضي يقول: فاعلم أكرمك الله أنك حملتني من ذلك أمرًا إمرًا. -الإمر هو الأمر الشديد- وأرهقتني فيما ندبتني إليه عسرًا، وأرقيتني بما كلفتني مرتقًا صعبًا.
 
القاضي محمود علي القاري يرد على أحد شراح هذا أن أرقيتني يعني رفعتني فوق مقامي، وهو يرد عليه يقول يعني أنت وضعتني في مقام فيه صعوبة أن أمشي فيه وأن أتحرك فيه وأن أصعد إليه.
 
"ملأ قلبي رعبًا، فإن الكلام في ذلك يستدعي تقدير أصول". طبعًا هذا العالم يقوله مع علمه، واليوم أحدهم يُقال له ألّف فيذهب إلى المكتبة الشاملة ويأخذ من ههنا ويضعه ههنا ويقول ألّفته أنا! ومن نظر فيه يقول هذا لا يعرف شيئًا ولا يعرف مناهج العلماء ولا أهمية ما يكتبون.
 
قال: "فإن الكلام في ذلك يستدعي تقدير أصول وتحرير فصول والكشف عن غوامض ودقائق من علم الحقائق". طبعًا هنا كلمة علم الحقائق ليست على طريقة الصوفية. وهذا مما كنت أريد أن أنبه عليه، فله مواطن عديدة في داخل الكتاب يكفر العقائد الصوفية الغالية؛ يكفر من زعم أن النبوة تأتي عن طريق العبادة، وهذه يقولها بعض الصوفية، يكفر من قال بسقوط التكليف للوصول لدرجة التقوى {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}، وهكذا له شدة، وهو فقيه، وليس على طريقة الصوفية غير الفقهاء.
 
 
قال: "من علم الحقائق مما يجب للنبي ويُضاف إليه أو يمتنع أو يجوز عليه ومعرفة النبي والرسول والرسالة والنبوة". لوجود الخلاف {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ} كما في سورة الحج، فوجود الواو يدل على الاختلاف. الواو تدل على الاختلاف إجماعًا. "والمحبة والخلة" إلى آخر ما يقول عليه رحمة الله.
 
أسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن ينفعنا بهذا الكتاب.
 
وأنا لا أستطيع أن أقول أننا قدمنا حتى المقدمة الكافية في الكتاب. هذه الجلسة لم تقدم المقدمة، يعني لو أردنا أن نشرح هذا الكتاب فنجعل للشرح مقدمة لاستغرقت منا أكثر من ذلك، ولاحتاج الأمر إلى أكثر مما تقدم، لكنها على الطريقة إشارات سريعة من أجل أن نعرف قيمة هذا الكتاب، وأن نذهب إليه، وأن نطلع على ما فيه، وأن نجعله كذلك أنيسًا لنا.
 
وأنا أعيد وأكرر ليت بعض طلبة العلم يجلسون في المساجد أو في بيوتهم فيدرسون هذا الكتاب للناس لأهميته.
 
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا.
 
الكتاب القادم هو كتاب (مداواة النفوس) لابن حزم. وهو كتاب يسير حتى نهوّن عليكم من الكتب الكبيرة قليلًا هكذا وهكذا. وهو كتاب (مداواة النفوس) لابن حزم، وهو مطبوع منفرد، ومطبوع ضمن رسائل ابن حزم التي حققها الدكتور إحسان عباس. ورسائل ابن حزم جمعها إحسان عباس في مجلدات، وله أسماء أخرى فقد طُبع بأسماء متعددة، ولكن ابن حزم وضعه بهذا العنوان، واحترامًا لابن حزم نضعه بعنوانه الذي وضعه فيه.
 
والحمد لله رب العالمين.
 
*المصدر: مُؤسَّسَة التَّحَايَا قِسْمُ التَّفْرِيغِ وَالنَّشْرِ

 

أخبار ذات صلة

ألغت منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول) الإشعارات المتعلقة بملاحقة العلامة د. يوسف القرضاوي، وحذفت كل الملفات والبيانات المتعلقة بقضيته.

... المزيد

لقد بلغت الجاهلية ذروتها، وآن لها أن تسقط، جرياناً لسنة الله في ذلك، ذلك لأنها تحمل جرثومة هلاكها في داخلها، ومن داخلها سيتم القضاء عليها، هذا فكيف إ ... المزيد

توفى أمس الأحد الدكتور تاج الدين نوفل، الشاعر الإسلامى المعروف، وعضو إتحاد الكتاب، عن عمر ناهز الـ"66" عاماً، فى مدينة دمياط.

< ... المزيد

ذكرنا في المرة السابقة بداية حياة الراحل الأستاذ/ مصطفى مشهور (المرشد الأسبق للإخوان)، وتحدَّثْنا عن (النظام الخاص) وقضية (السيارة الجيب) وارتباطهما ... المزيد

تعليقات