البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

مقدمة شرح كتاب المحن لأبي العرب التميمي

المحتوي الرئيسي


مقدمة شرح كتاب المحن لأبي العرب التميمي
  • أبو قتادة الفلسطيني (عمر محمود)
    03/09/2015 03:43

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
 
فكتاب (المحن) هو أحد كتب الإمام الجليل المحدث الفقيه المؤرخ أبي العرب محمد بن أحمد بن تميم التميمي القيرواني المتوفى سنة ٣٣٣ للهجرة النبوية الشريفة، وميزة هذا الرجل الإمام أنه شهد قيام الدولة العبيدية في إفريقية، وعاش وهو يشهد مذابح العلماء المالكية العظماء على يد الرافضة العبيديين الإسماعيلية إخوان الإثنى عشرية الجعفرية في الرفض وفي الدين والمذهب والسلوك، مع تغايرٍ يسيرٍ بينهم يعرفه طلبة العلم، وقد شهد هذا المؤلف كذلك ثورة الخارجي أبي زيد صاحب الحمار على العبيديين وشارك فيها مع علماء السنة من المالكية، وحضر موقعة المهدية، وبعد أن حققوا بعض التقدم؛ خذلهم الخارجي الخبيث وصار فيها من المآسي على أهل السنة الكثير، ولما كان عصرنا أشبه بعصره، وذلك في بزوغ الرفض وزندقته؛ صار لهم الدول والتنظيمات والجيوش والقوة، وقابلهم أن ظهر الخوارج الجدد في محنة أهل السنة بينهما، ووقعوا بين حديهما؛ لا يفرون من ذبح إلا إلى مثله، ولا طمعًا في نجاة إلا كانت المنية في العدوة الأخرى.
 
وهكذا في هذا الجو الذي وقعت المحنة فيها على أبي العرب -كما سأفصل قادمًا إن شاء الله تعالى-؛ كتب العالم الجليل كتابه هذا المعنون ب(المحن)، يؤنس نفسه وإخوانه من العلماء أن هذا هو الطريق، وأن ما يلاقيه ومن معه هو السبيل الذي سلكه العلماء والصالحون حين صدعوا بالحق وأبانوا المعالم، والناس اليوم بحاجة لعبرة التاريخ، ومعرفة ظروف الأحداث ليحصل لهم الفائدة، فيكون الصبر واليقين.
 
ومع هذه التواريخ القديمة يبصر طالب العلم المعاصر أنه لا يعيش بدعًا من الحياة، ولا ما يلاقيه لم يمضِ مثله من الحوادث، فتضعف نفسه وتتغير بوصلته التي تشير إلى العمل وسط المحن، بل يعلم علم اليقين أن هذا الدين منصور من الله، وكل هذه الأوساخ ستمضي وتنقضي، فأين ذهبت دولة العبيديين وقد حكمت أغلب بلاد المسلمين، حيث امتد سلطانها في المغرب الإسلامي كله، وسيطرت على مصر والحرمين واليمن، ووصل تمكنها في بلاد الشام إلى حلب، حيث خطب في كل هذا البلاد على منابرها مشايخ الزندقة، وكان دعاؤهم للحاكم الفاطمي بألفاظ الكفر والزندقة الصريحة، ومع ذلك ذهبوا ومضوا وبقي الدين هو المستقر في هذه الأرض، وورث أهل السنة ديارهم وأموالهم ومعاهدهم، وكذلك جاء الغلاة من الخوارج، فثارت بهم ثوراتهم المتعاقبة؛ يقتلون أهل السنة، ويستبيحون نساءهم ورجالهم، وكانت مادة هذا الغلو جهلُ القبائل الذين انضموا إليهم، إذ لم يلحق بهم جاهل من أهل الجبال؛ فأبو يزيد الخارجي من قبيلة زناتة، وهي من قبائل البربر، وهي قبيلة لم تنفك منذ إسلامها على الثورة والرفض، واستغل مفاسد العبيديين الإسماعيليين ومظالهم وكفرهم الأكبر بالله وبالدين، فكان الجهل بالدين، ومظالم ومفاسد وزندقة العبيديين هما مادة التحريض لأبي يزيد الخارجي هذا، وهي صورة كأنها تتكرر اليوم بكل معانيها، وقد وُصف هذا بقول صاحب (معالم الإيمان): "كان يبيح دم أهل القبلة ويستحل الفروج، ويفعل في الإسلام أشد مما يفعل في دار الحرب"، وفي (البيان المغرب) لابن عذارى قال فيهم -وقد قتلوا أهل باجة وفعلوا فيهم الكثير-: "وامتحن أهل باجة أيام أبي يزيد بالقتل والسبي"، فكما يقولون اجتمع على أهل السنة من علماء المالكية حلقتا البطان؛ يهربون من الكفر والزندقة التي يقولها الروافض الإسماعيلية العبيديون، وما يفعلونه من الذبح والتقتيل لعلمائهم، بل يأتون بغرائب الفعل في القتل والسلخ كما سيأتي، أقول يهربون من هذا إلى الخوارج الغلاة ممن لا يكفر بالله كفر الزنادقة، ويعلنون التوحيد والتشدد في الأحكام، فإذا جاؤوا إليهم لم يجدوا عندهم إلا نار القتل والحقد والذبح والتقتيل؛ فسياسة الحقد الرافضي الإسماعيلي رمت الناس في أحضان الغلاة الخوارج، وكان أصل ظهور هذا كله ولاة فسقة للعباسيين، ظلموا وأفسدوا وولوا القضاة الفجرة -كما ذكر هذا صاحب (المدارك)-، حيث ولى قضاة من الحنفية كابن عبدون ومن قبله الصديني الذي قال عنه عياض: "كان خبيثًا معتزليا"، كانا يمتحنان علماء المالكية ويضطهدانهم ويقتلان بعضهم. فما صنعته دولة الأغالبة السنية من الظلم أورث فرصة للرافضة الإسماعيلية بالظهور، ثم هذا الرفض أنتج غلو الخوارج، وهكذا تتكرر الصورة اليوم بكل تجلياتها، يقابل هذا اجتهادات علماء بالمقارنة بين كراهية سماع الكفر كما قال العالم الكبير ربيع القطان وقد عوتب بالخروج مع الهارجبي صاحب الحمار: "وكيف لا أفعل وقد سمعت الكفر بأذني".
 
فهكذا كان واقع أهل السنة في هذا البلاء العظيم؛ يحرضون لقتال الزنادقة، ويجيشون لنصرة الدين، فيتلقفهم الخوارج الغلاة، واسمعْ إلى ابن عذاري وهو يصف فيه الخارجي ابي يزيد وهو يجيش أهل السنة ضد الروافض، وقد دخل القيروان برجاله ليحرض أهلها على الثورة ويسير بهم إلى المهدية، فقال صاحب (البيان المغرب): "وأظهر لأهلها خيرًا، وترحم على أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، ودعا الناس إلى جهاد الشيعة، وأمرهم بقراءة مذهب مالك، فخرج الفقهاء والصلحاء في الأسواق بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلى أصحابه وأزواجه"، ومع ذلك؛ فإن أهل السنة قد اختلفوا في الجهاد معهم وتحت رايتهم، وكان لصاحب كتابنا هذا دور في حسم هذا النزاع؛ إذ وقف وحدث الناس يومها بحديث منكر لا يثبت في حق الرافضة، فكبر الناس وساروا مسيرا أغلبيًّا إلى القتال مع الخارجي، ولكن بعد هذا الحدث في المهدية، وقد ثارت بالخبيث الخارجي كراهيته لأهل السنة وتركهم في العراء تحت سلطان الروافض؛ كانت المأساة الكبرى، عوتب من عوتب على الخروج كما تقدم من كلام القطان، وعوتب من عوتب كذلك ممن لم يخرج، كما تجد هذا في (معالم الإيمان) ٣/٤٤، وإن وصف خروجهم بأنه إجماع تام، حيث قيل لم يتخلف منهم أحد -أي من الفقهاء والصلحاء-، وقادهم ربيع القطان وهو فرح قائلًا: "الحمد لله الذي أحياني حتى أدركت عصابة من المؤمنين اجتمعوا لجهاد أعدائك وأعداء نبيك"، وبعد الخيانة واقتراب الناس من فتح المهدية غدر الخارجي بالناس وتركهم، فحصلت الغلبة للروافض، وفرح بهذا مشايخهم وزعيمهم المسمى بالقاضي النعمان، وقال: "فخرجوا بأسرهم فيمن خرج مع اللعين الدجال مخلد بن كيداد -أي أبو يزيد الخارجي- في فتنة إلى المهدية لينصروه، فهزمهم الله فقتلوا كلهم وصيرهم الله إلى عذابه وعجل منهم انتقامه وأحل بهم بأسه"، كما في رسالة افتتاح الدعوة. ولكن أبت حكمة الله إلا الانتقام من هذا الخارجي الخبيث؛ فإنه بعد ذلك طورد في الصحراء فقُبض عليه وبعث به إلى المهدية عاصمة العبيديين في المغرب، وهناك مثّل به، بعد أن طيف به في أماكن عدة من بلاد إفريقية، وبعد الثورة هذه انتقم الخبيث الرافضي المسمى بالمنصور من أهل السنة كما يحدث في كل 
مرة من دفع أهل السنة الثمن لما يفعله الخوارج المجرمين، دون حماية لهم؛ فقد توجه إلى القيروان، فدخلها وأنزل بأهلها الويلات وقتل عددًا عظيمًا من أهلها.
 
في هذه الأجواء من حكم العبيديين الروافض لإفريفية، وفي دخول الخوارج على خط الصراع، وفي جهاد أهل السنة المالكية لفكر كليهما، وقتال الحاكمين من العبيديين؛ كتب أبو العرب كتابه هذا، فهذه أجواء كتابه نعرضها هنا، لنعلم مقصد الإمام في تصنيف كتابه (المحن)، وهو كتاب مختصر، أجملَ فيه الكثير من الأخبار، وذكرها تباعًا دون تفصيل الحوادث والوقائع. وأبو العرب -رحمه الله تعالى- يكتب التاريخ على طريقة أهل الحديث، ونحن اليوم بحاجة أن نرجع لكتب التاريخ على طريقة المؤرخين، نستنطق الأخبار وتفصيلاتها، لأن في هذه التفصيلات الكثير من المنافع، وكتابه هذا لولا معرفة الباحث بسيرة أبي العرب كما في كتب التاريخ والتراجم، ولولا محاولات استنطاق الخبأ من المقاصد في التأليف؛ لما علمنا أهمية هذا الكتاب، ذلك لأنه ترك المقاصد مطويةً في الثنايا على طريقة المحدثين كما ذكرت، حيث يكتفون بالخبر في أدنى درجات اختصاره وتعريته إلا منه فقط، دون إحاطةٍ بظروفه بل وأسبابه في مرات كثيرة، وأبو العرب كتب كتابه الشهير (طبقات علماء إفريقية وتونس) على هذه الطريقة من الجمع بين علم التراجم مع علم التاريخ، أو إن شئت قلت: كتب التراجم تحت مسمى التاريخ، وهذا الإمام وُصف أنه أول من أدخل هذا الفن في بلاد المغرب، كما ترى وصفه بهذا في (معالم الإيمان).
 
كتاب (المحن) هذا حققه الدكتور يحيى بن وهيب الجبوري، وقد أجاد في ضبط النص على طريقة المحققين الكبار، ولأنه كما يظهر من صنيعه أنه صاحب تاريخ؛ فاته الكثير من الخير، أهمه تقصيره في تخريج الأحاديث النبوية، وقد أشرح هذا في نهاية التعليق، ولم يأت إلى الشرح للكتاب إلا قليلا، فبقي الكتاب مغلقًا في أخباره إذا نُظر فيه لوحده.
وشرحي لبعض نصوص الكتاب سيكون بيانًا لترجمة أبي العرب، خاصة أن من ترجم له -سواء محقق كتاب (المحن) أو (طبقات علماء إفريقية)- فاته الكثير من أخباره، ثم سأختار بعض النصوص لبيان ما أغلقت عليه من الكتب الأخرى -أي كتب التاريخ والسير والأخبار-، سائلًا الله رب العرش العظيم أن يعين ويوفق، وأن يقدم غذاءً لطلبة العلم والصابرين على جمر البلاء في عصرنا وما بعدنا، والله الموفق.
 
والحمد لله رب العالمين

 

أخبار ذات صلة

البغي له عاقبة ، وهو ليس خاصاً بالمستبدين والطغاة ، بل ينسحب على كل من بغي وتجبر ولو كان من الراكعين الساجدين ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فت ... المزيد

لاينبغي أن ننسى أن أرض لبنان جزء من الأرض المقدسة بالشام التي دنسها أكابر المجرمين،  والجريمة الكارثية في بيروت..متعددة الأطياف.. ومتنوعة الأطراف، وم ... المزيد

التقى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي برئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي، السبت، وقبل انطلاق مجلس شورى حركة ال ... المزيد

العامى أو طالب علم من الطبيعى أنه لا يُحسن الاجتهاد، وبالتالى فلا يجوز له أن يقول هذا الاجتهاد خطأ أو صواب، وإنما يقلد مجتهداً آخر في هذا، دون تعدٍ أو حد ... المزيد

يحدث اللبس ويستنكر البعض حينما نصف بعض الناس بأنهم يتبعون هذا النهج فى التفكير والتصورات ومناهج التغيير

 وقد يقول:

... المزيد