البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

مقال (الدعوة النجدية والحركة الجهادية) للحسن الكتاني

المحتوي الرئيسي


مقال (الدعوة النجدية والحركة الجهادية) للحسن الكتاني
  • الحسن الكتاني
    17/09/2015 12:34

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
 
الفصل الأول :
 
من أقوى الحركات الاسلامية التي ظهرت في القرون المتأخرة هي الحركة النجدية التي أسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي في بلاد نجد وسط الجزيرة العربية . 
وقد تأثرت هذه الحركة بكتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ابن القيم، مع أخذها بالمذهب الحنبلي في الفروع الفقهية. غير أن الناظر لأدبيات هذه الدعوة وحركتها التاريخية يلاحظ جملة من الاختلافات بينها وبين الدعوة الشامية التي قادها ابن تيمية، سأذكرها بعد أن أذكر محاسن الدعوة والحركة وتأثيرها على الواقع.
 
وذلك أن الدعوة جاءت في العصور المتأخرة التي ظهر فيها تخلف كبير للمسلمين على جميع الأصعدة ودخن كبير في عقائدهم وتصوراتهم مما أوقعهم في أعمال شركية وبدع كبيرة شوهت جمال الدين ، فدعت الحركة للعودة للتوحيد الصافي من الشرك وتطبيق الشريعة ونبذ البدع والمحدثات التي شوهت جمال الإسلام، وألزمت الناس بذلك بحد السيف ، وقد ساعد الدعوة على نشر أفكارها تبني آل سعود لها وتأسيسهم لدولتهم على ضوء تلك الأفكار وإطلاقهم يد علماء الدعوة، وبالمقابل تعهد العلماء بالولاء لآل سعود واعتبارهم ولاة أمرهم وأئمة المسلمين.
 
وقد كان للدولة السعودية ثلاثة أدوار، الأول بلغت فيه أوجها وانتهى بتدخل الدولة العثمانية وتدميرها لعاصمة النجديين الدرعية سنة 1233، والثاني تميز بالنزاع بين آل سعود وتقاتلهم مما أرجع الدولة العثمانية وأنصارها لبلادهم، والثالثة وهي الدولة الحالية التي ألقت السلاح ورسمت الحدود سنة 1350 وسميت المملكة العربية السعودية وتميزت بنشر كتب السلف وإنشاء الجامعات ودعم فكرتها خارج بلادها.
 
وقد كان من نتيجة هذا كله انتشار المنهج السلفي بشكل عام وعودة كبيرة للسنة ونبذ للبدع ، إلا أن الدعوة والحركة النجدية تميزت عن الدعوة الشامية بأمور خطيرة وأخطاء غير مقبولة وهي التي ينبغي للعلماء تسليط الضوء عليها ونقدها ، هذه الأخطاء هي: عدم العذر بالجهل فيما يعدونه من أصل الدين، وكل من وقع في الشرك فهو مشرك غير مسلم قبل إقامة الحجة فإن مات فهو في مشيئة الله تعالى مثل أهل الفترة، ومن أقيمت عليه الحجة فهو كافر مرتد مثل من قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه، والحجة تقام على الناس بمجرد بلوغهم خبرها ولو لم يفهموها.
 
وكل مؤلي الصفات جهمية والجهمية كفار بشهادة 500 من أئمة السلف كما نقل اللالكائي. وكل من سمع بالدعوة فعاداها أو عارضها أو لم يأبه لها فهو مرتد، أما من والى أعداءها ولو خوفا فهو مرتد أيضا. ومن جهل التوحيد فهو كافر. ونتيجة لهذه القواعد فالأعراب الجهال كفار والصوفية والأشاعرة والزيدية والشيعة والإباضية كلهم كفار، والعلماء الحنابلة السلفيون ممن عارض غلو الدعوة كفار والخلافة العثمانية حامية الشرك فهي كافرة وجنودها وأنصارها وعلماؤها ومن والاها كلهم كفار. 
 
ولك أن تتعجب إن علمت أن النجديين لم يقاتلوا كفارا أصليين أبدا بل كل قتالهم كان ل(مرتدين)، وأن جميع كلامهم عن موالاة الكفار فالمقصود بهم الدولة العثمانية. ولما احتل سواحل الجزيرة العربية سالموهم ، ومن العجيب عند النجديين تكفير من خالف ملوكهم ولو كان مسلما سلفيا، فقد كفروا آل رشيد وكفروا (إخوان من أطاع الله) لخروجهم على الملك عبد العزيز. واستحلوا دماءهم. بل تذكر لنا كتبهم التاريخية لابن غنام وابن بشر أنهم كانوا يدخلون القرية فيقتلون كل من في طريقهم ويغنمون الأموال وفي تواريخ أخرى أنهم كانوا يسبون النساء.
 
وقد بدأت رؤية النجديين تعتدل في أواخر دولتهم الثانية ، وهذا مما يفسر لك سبب غضب إسحق بن عبد الرحمن في رسالته (تكفير المعين). ثم في الدولة الحديثة تغيروا كثيرا لمنهج ابن تيمية ودعوته الشامية وكان من أسباب ذلك أمثال الشيخ السعدي ومدرسته والاختلاط بالاخوان المسلمين ورجالات الحركة الاسلامية ودعوة الشيخ الألباني المعارضة للغلو في التكفير. 
وقد حدث تلاقح بين أفكار الإخوان المسلمين والفكر السلفي عبر مراحل. فالامام البنا نفسه تأثر بالفكر السلفي كما يظهر ذلك في الأصول العشرين له، ثم بعد محنة الاخوان ظهر جيل جديد من الشباب يحمل الفكرة الاسلامية مع الأخذ بالنهج السلفي، وظهر ذلك جليا في الجماعات الجهادية في مصر التي اعتمدت كثيرا على كتب ابن تيمية وأخذت من الكتب النجدية بعض المسائل دون معرفة المسائل التي خالفوا فيها منهج ابن تيمية. 
 
فكانوا يفهمون كتب النجديين من خلال منهج ابن تيمية. اللهم إلا بعض مسائل العذر بالجهل والولاء و البراء، خاصة عند الغلاة الذين كانوا على هامش الحركة الإسلامية، ولم يتبن أحد من قيادات العمل الجهادي المنظومة النجدية كلها ولا كان لهم اطلاع عميق عليها. بل قام الفكر الجهادي على كتابات رجالات الحركة الاسلامية المعاصرة الكبار وكتابات ابن تيمية و تلاميذه.
 
الفصل الثاني:
 
علاقة التيار الجهادي بأفكار الدعوة النجدية: تقدم معنا أن الدعوة النجدية تميزت عن المنهج السلفي العام بأمور خاصة بها ولهذا ميزت الدعوة النجدية عن الدعوة الشامية لشيخ الإسلام ابن تيمية وأصحابه التي كانت امتدادا لمنهج أئمة السلف رحمهم الله تعالى وعليه فنقول :
 
إن بدايات الحركة الجهادية المعاصرة والتي شكلت ما يعرف بالتيار الجهادي، يمكن أن نعتبرها النظام الخاص لدى الإخوان المسلمين هذا النظام الذي أسسه الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله، وكان الداخلون فيه يقسمون على المصحف والمسدس، وكان الهدف منه جهاد المحتل وحماية الدعوة، ولذلك أبلى البلاء الحسن ضد الإنجليز وضد المحتل اليهودي في فلسطين لولا خيانات حكام العرب. 
وقد هدد الامام الشهيد في بعض رسائله حكام مصر بالجهاد إذا لم يطبقوا الشريعة الاسلامية، وفعلا قام هذا الجهاز باغتيال بعض الوزراء الذين آذوا الدعوة وبدأ يخرج عن السيطرة، ولذلك تخلى عنه الإخوان لاحقا بعد محنتهم الاولى. غير أن تلك المحنة جعلت الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله يكتب كتابات عميقة في الحاكمية والولاء والبراء والتصور الاسلامي أعمق مما كتبه حسن البنا، وكذلك كتب قبله الأستاذ الشهيد عبد القادر عودة، غير أن سيدا كتب عن وجوب وجود جناح مسلح لحماية الدعوة من بطش الحكام وربى مجموعة من أصحابه على ذلك. وبهذا تكونت المجموعات الجهادية على أفكار سيد قطب.
 
ومع غياب قيادات الاخوان في السجون فقد استفاد الشباب من المشايخ السلفيين في جماعة أنصار السنة ومنهم الشيخ خليل الهراس الذي تتلمذ عليه الدكتور أيمن الظواهري، وفي الجامعات المصرية تكونت الجماعة الإسلامية التي تربت على كتب قيادات الاخوان وكتابات ورسائل المشايخ السلفيين في المملكة السعودية والذين غطوا الجانب العقدي والفقهي للشباب، ولذلك ظهرت في مصر في أواخر القرن الماضي (14 هجري) صحوة سلفية قوية ، وتتلمذ كثير من شباب الجامعات على الشيخ الأزهري عمر عبد الرحمن فك الله أسره الذي يعد عالما سلفيا، فبدأت تظهر مظاهر السنة على الشباب من اللحية الكثة والقميص واللباس الشرعي الواسع والنقاب مع محاربة البدع والشركيات وما إلى ذلك، مما لم يكن معروفا عند الاخوان المسلمين وهنا اطلع الشباب على كتابات شيخ الاسلام ابن تيمية وأصحابه، وظهرت رسالة (الفريضة الغائبة) للشهيد محمد عبد السلام فرج رحمه الله وأغلب نقولها عن ابن تيمية، ثم تلتها أبحاث أخرى مثل (حكم الطوائف الممتنعة) للجماعة الاسلامية وفيها نقولات ضافية عن شيخ الاسلام.
 
وظهر النزاع الشهير بين تنظيم الجهاد والجماعة الاسلامية في مسألة العذر بالجهل وحكم أنصار الطواغيت، حيث استعان تنظيم الجهاد ببعض كتابات النجديين في (مجموعة التوحيد) و (فتح المجيد) دون توسع. فمال الجهاد للتشديد في المسألتين وخالفتهما الجماعة. وهذه المسألة ستظهر بوضوح في كتابات الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز (سيد إمام) الذي بالغ فيها في التكفير بالموالاة وعدم العذر بالجهل في مسائل التوحيد وكان كتابه (الجامع في طلب العلم) مصدرا لذلك. 
 
وفي بداية القرن هذا القرن 15هـ نفر كثير من الشباب للجهاد الأفغاني وكان للشيخ الشهيد عبد الله عزام دور كبير في ذلك وكان لشباب الجزيرة العربية نجدا وحجازا ويمنا دور كبير فيه كما أن التيار الجهادي المصري أفتى بوجوب الجهاد فنفرت قياداتهم الكبيرة لأفغانستان وتلاقحت الأفكار هناك بين الجميع.
 
ومن المشايخ الذين اهتموا بالكتابات النجدية الشيخ مدحت بن حسن الفراج رحمه الله وقد كان لكتابه (العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي) تأثير كبير على الشباب ثم جمع كتابا في 4 مجلدات كبيرة سماه (أقوال ائمة الدعوة النجدية في المسائل العصرية). و في بدايات العقد الثاني من القرن (1410) استفاد الشباب في مسائل الولاء و البراء من كتاب القحطاني و الجلعود وكلاهما ينقلان كلاما كثيرا عن النجديين في تلك الأبواب. ثم ظهرت كتابات الشيخ أبي محمد المقدسي حفظه الله الذي كان شديد التأثر ب(الدرر السنية في الفتاوى النجدي) فلا يوجد كتاب من كتبه إلا و فيه نقول منه بل و فيه مصطلحات كتب النجديين مثل (الموحد) و أشباهها، وطبق قواعدهم على المسائل المعاصرة مثل الحكم بغير الشريعة و الانتخابات و المشاركة في البرلمانات و العمل في أنظمة لا تحكم بالشرع، فاختار عدم العذر بالجهل في التوحيد و كفر جميع جنود الحكومات التي لا تحكم بالشرع و البرلمانيين المشاركين في الانتخابات التشريعية. و كتب في ذلك كتابات أصبحت مرجعا للشباب الجهادي في العالم. غير أن الشيخ توسع في المسائل الخفية بخلاف النجديين و لم يطبق أصولهم بحرفية بل ولا طبقها على الشيع و الصوفية و المتكلمين مؤولي الصفات بل سار في ذلك كله على نهج ابن تيمية، و قد فصل ذلك في رسالته (الثلاثينية)، فظن قوم أنه تراجع والحق أنه كان فكره منذ البداية. و فيه نشوء فكر جماعة الدولة.
 
الفصل الثالث والأخير:
تبين لنا فيما سلف أن التيار الجهادي بدأ بأصول إخوانية سلفية، و ان الفكر النجدي طرأ عليه تدريجيا، بداية ببعض تنظيم الجهاد المصري و أميره السابق عبد القادر بن عبد العزيز، ثم بكتابات علماء الجزيرة العربية المعاصرين في مسائل الحاكمية و الولاء و البراء و ما أشبهها و خاصة كتابات تيار الصحوة، و إن كان تيار الصحوة في جميع أموره بعيدا عن النهج النجدي بل هو متأثر جدا بكتب شيخ الاسلام و أصحابه مع تأثر بالعلامة السعدي و تلميذه ابن عثيمين رحمهم الله جميعا، و تيار العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي متأثر بالشيخ إبراهيم الجاسر الذي كان معارضا لغلو النجديين سلفيا أثريا فسرى ذلك لتلاميذه. ثم كتابات الشيخ أبي محمد المقدسي حفظه الله الذي تأثر كثيرا بكتاب "الدرر السنية". و قد تأثر به كثير من الشباب في الأردن و خارجه و ظهر ذلك على أكبر أصحابه الشيخ الشهيد أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله.
 
و بعد ضربات أمريكا سنة 1421 و ظهور القاعدة بقوة و هجوم أمريكا على أفغانستان ظهر مشايخ في الجزيرة العربية وخاصة في نجد عارضوا التعاون بقوة مع الامريكان و ناصروا الامارة الاسلامية بأفغانستان ثم واجهوا المبتدعة و العلمانيين بقوة، و على رأس أولئك حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله و أصحابه: علي الخضير و ناصر الفهد و أحمد الخالدي فك الله أسرهم. فكان لهم تأثير كبير على شباب الجزيرة العربية ثم على كثير من الشباب المحب للجهاد. و كان من هدف هؤلاء المشايخ إحياء الدعوة النجدية من جديد. فألف الخضير شرحا على كتاب (التوحيد) و أنزل ما فيه على نوازل العصر، و ألف (المتممة لكلام أئمة الدعوة) قرر فيه بدعية العذر بالجهل في مسائل الشركيات، و رسالة (حقائق التوحيد) التي تعتبر متنا في المنهج النجدي و شرحها، كما أن الفهد صنف كتابا في تكفير الدولة العثمانية والانتصار للدعوة النجدية، و حقق الخالدي رسالة (تكفير المعين) لإسحق بن عبد الرحمن آل الشيخ، و نشرت هذه الكتب في منبر التوحيد و الجهاد، فطارت في الآفاق و أصبحت منهجا لكثير من الجهاديين في العالم.
 
ولما اندلع الجهاد العراقي كان للشهيد الزرقاوي قصب السبق فيه وقد انضم للقاعدة مع اختلاف منهجه عن منهجها كما قال تقديما لمصلحة الإسلام على مصلحة المنهج، فكانت كتب الخضير و أصحابه كالمنهج لمجاهدي قاعدة العراق و الجزيرة العربية في الجملة ، وهي ما يمكن تسميته ب(الدعوة النجدية الحديثة)، لكن أولئك المشايخ تميزوا عن النجديين القدامى بالتسامح مع مخالفيهم المجاهدين كالطالبان الديوبندية و غيرهم ولم يكونوا متسرعين في تنزيل أحكام الكفر على مخالفيهم أو معارضيهم. لكنهم تشددوا في تكفير أنصار الحكامالذين لا يحكمون بالشرع وكذلك توسعوا في التكفير بالموالاة ، و لما ظهر الجهاد الشامي و تدخلت فيه قاعدة العراق ممثلة في (دولة العراق الاسلامية) نشرت فكرها بين الشباب ثم لما حصل الخلاف بينها و بين مجاهدي الشام أفصحت مخالفة منهجها لنهج القاعدة و بقية مجاهدي الشام، و غلت في نهجها و طبقته بحرفيته ، وفعلا ، فمنهج (داعش) يخالف المنهج القديم الأصلي للتيار الجهادي مخالفة كبيرة . و الله المستعان وعليه التكلان.
 
هذا ما ظهر لي حسب التتبع والاطلاع ، فإن أصبت فمن الله ورسوله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان والله ورسوله صلى الله عليه وسلم منهما براء. 
والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
 
ملاحظة: حاشى لله أن أقصد الطعن في عالم مجاهد صدع بالحق ودافع عن شرع الله وأوذي في الله فصبر أو لا زال في المحنة، ولكني أبين وأحلل الواقع.

أخبار ذات صلة

إنه يوم الجمعة في الصباح الباكر وبالتحديد بعد صلاة الفجر في سنة 1994/1995، أستعد للسفر إلى القاهرة واسرع الخطى، حتى أصل مبكرا وأحجز مكان في مسجد التوحيد بغمرة، ا ... المزيد

كان الدم يُراق في الطرقات والميادين، وكان الذين من المفترض أن يكونوا ضمير الأمة وعينها مشغولين بتمكين من يُريق الدم، يصنعون له البريق، مبتهجين بصعوده فوق ج ... المزيد

دفعته مشاعر الكراهية ضد المسلمين إلى مشاركة حشد من المتطرفين الهندوس في هدم ... المزيد

أذكر أني قرأت منذ سنوات مقالاً للكاتب خالد منتصر ، كان عنوانه : (دفاعاً عن الكلب )، وفي هذا المقال يبدي الكاتب اندهاشه مما يصفه بالظلم الشديد الذي تعرض له الكل ... المزيد