البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

مع الأستاذ سيد قطب.. "محطات تاريخية ووقفات نقدية" الحلقة [ 3 ] : الإعدام

المحتوي الرئيسي


مع الأستاذ سيد قطب..
  • د. يوسف القرضاوى
    12/10/2018 11:11

علام حوكم سيد قطب ؟ :

[ الحقيقة أن سيد قطب وتنظيمه لم يحاكما من أجل "الأعمال الخطيرة" التي ارتكبها، ولكن حوكم كلاهما من أجل "الأفكار الخطيرة" التي اعتنقها أو دعا الناس إليها. ولو أنصفوا وامتلكوا الشجاعة لقالوا: إننا حاكمنا الرجل -بل حكمنا عليه بالإعدام- من أجل أفكاره لا من أجل أعماله

والعجيب أن الذي كان يحاكم أفكار سيد قطب ضابط محدود الثقافة، قليل البضاعة من العلم والفكر، وإن كان لواء في الجيش. فإن كان لا بد من محاكمة فكر سيد قطب فلتكوّن له لجنة من كبار العلماء والمفكرين، تناقشه فيما ذهب إليه

لقد أخطأ عبد الناصر ورجال أجهزته من شمس بدران ووزارة الدفاع، وأجهزة المخابرات العامة، والمخابرات العسكرية وغيرهم، حين ظنوا أن "الأفكار" تُحارب بالاعتقال والسجن والتعذيب والإعدام. إنما تحارب الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة واللسان باللسان والقلم بالقلم ولا تحارب الفكرة بالقوة ولا الحجة بالسجن ولا اللسان بالسنان ولا القلم بالسيف

لقد حوكم سيد قطب على أخطر كتاب ألفه، وهو كتاب "معالم في الطريق"؛ فهو الذي تتركز فيه أفكاره الأساسية في التغيير الذي ينشده وإن كان أصله مأخوذا من تفسيره "في ظلال القرآن" في طبعته الثانية وفي أجزائه الأخيرة من طبعته الأولى

كان الكتاب قد طبع منه عدد محدود في طبعته الأولى التي نشرتها "مكتبة وهبة"ولكن بعد أن حُكم بإعدام سيد قطب وبعد أن كتبت له الشهادة أصبح الكتاب يطبع في العالم كله بعشرات الآلاف وصدق ما قاله عليه رحمة الله: "ستظل كلماتنا عرائس من الشمع لا روح فيها ولا حياة حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة!"

فهم في الحقيقة لم يقاوموا أفكار سيد قطب بل ساهموا مساهمة فعالة في إذاعتها ونشرها!

أما تقويم هذا الكتاب (المعالم) وما فيه من صواب أو خطأ فنرجئه إلى حديثنا عن "سيد قطب"واستشهاده رحمه الله

الحكم بالإعدام :

حوكم سيد قطب أمام "محكمة عسكرية" تتكون من ضباط كبار والأصل في المحاكم العسكرية أن تحاكم العسكريين من الضباط والجنود فيما خالفوا فيه النظام والقوانين العسكرية وهذا طبيعي ومنطقي أن يحاكم العسكريون عسكريين مثلهم وهم أولى بهم.

ولكن المشكلة تكمن حين يحاكم العسكريون المدنيين في تهم لا تتعلق بالجانب العسكري؛ فهذا ما تلجأ إليه الأنظمة الديكتاتورية تحت شعار الأحكام العرفية أو أحكام الطوارئ؛ ليحكموا على خصومهم السياسيين أو العقائديين بما لا ترضاه المحاكم المدنية

وأكثر من ذلك أن يحاكم العسكريون كبار رجال العلم والفكر والقانون، كما رأينا قائد الجناح جمال سالم يحاكم أمثال: حسن الهضيبي">الهضيبي، وعبد القادر عودة ومحمد فرغلي

ورأينا اللواء فؤاد الدجوي يحاكم سيد قطب؛ فإن من العجب حقا أن يحاكم رجل عسكري -مهما تكن خبرته ومعرفته- رجلا في حجم سيد قطب الأديب الناقد العالم المفكر!!

وفي نهاية المحاكمة التي راقبها الكثيرون في كل مكان فوجئ الناس بالحكم على ثلاثة من المتهمين بالإعدام وعلى آخرين بأحكام متفاوتة

وقد قوبل الحكم بالإعدام على سيد قطب وصاحبيه بالدهشة والاستغراب والإنكار بل الرفض والاحتجاج من أنحاء العالم العربي والإسلامي وقامت مظاهرات وأرسلت برقيات وحدثت وساطات لدى عبد الناصر وكان الكثيرون يتوقعون أن يستجيب لها؛ فلم يفعل وسد أذنا من طين وأذنا من عجين كما يقول المثل.

لقد شنق ستة من قادة الإخوان سنة 1954م من أجل تهمة شروع في قتل عبد الناصر في ميدان المنشية وإن كنا أثبتنا بالأدلة القاطعة براءة جماعة الإخوان من هذه التهمة وقول الكثيرين: إن هذه "تمثيلية" وليست حقيقة إلى آخر ما ذكرناه في الجزء الماضي ولكن هناك في الظاهر تهمة شروع في قتل رأس النظام

أما هنا فلم يحدث قتل ولا شروع في قتل، فعلام يُعدَم هؤلاء؟ وبأي جريمة تُقطَع رقابهم؟!

وقد ذكروا هنا أمرا عجيبا ينبغي أن نسجله؛ ذلك أن شمس بدران وحسين خليل مدير المباحث الجنائية عرضا على عبد الناصر خلال محاكمة الشهيد سيد قطب الأحكام التي سيصدرها الدجوي، ومن بينها حكم الإعدام على سيد قطب واتفقوا مع عبد الناصر على تخفيف حكم الإعدام عليه إلى السجن أو العفو مع تحديد إقامته أو نحو ذلك؛ لينال عبد الناصر كسبا شعبيا يغطي كل ما قيل عن التعذيب وما سيُقال عن العقوبات التي ستفرض على الآخرين ولكنهم فوجئوا بعبد الناصر يصدق على حكم الإعدام وينفذه! [انظر : العشاء الأخير ص 150]

إن دم سيد قطب ورفيقيه سيظل لعنة على من سفكوه بغير حق، وسيظل يطاردهم حتى يثأر له القدر من الطغاة الظالمين ويستجيب لدعاء المظلومين الذي يرفعه الله فوق الغمام ويفتح له أبوب السماء ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين

سهام الليل لا تخطي ولكن * لها أمد وللأمد انقضاء

فيمسكها إذا مـا شاء ربي * ويرسلها إذا نفذ القضاء

من المسئول عن هذه الدماء ؟ :

كان المسئول الأول عن دماء الإخوان في المرات السابقة، وعن محنتهم بصفة عامة وزارة الداخلية المصرية، وأجهزة الأمن فيها، وبخاصة "المباحث العامة" التي سُميت فيما بعد "مباحث أمن الدولة". كانت هي التي تعتقل، وهي التي تتهم وهي التي تحقق وإن شاركتها وزارة الحربية ببعض الأشياء مثل السجن الحربي بزنازينه وزبانيته وقائده المتجبر حمزة البسيوني

أما المسئول الأول عن دماء الإخوان ومحنتهم في هذه المرة؛ فهو "وزارة الحربية" ووزيرها: شمس بدران وإن شاركتها الداخلية بالمساعدة في القبض والاعتقال وغيرها

ولكن ما مدى مسئولية جمال عبد الناصر في هذه المحنة وتبعاتها؟

لقد حاول بعض الناصريين أن يقلل من مسئوليته ويخفف منها؛ لأنه في هذه الفترة من الزمن لم يكن هو الذي يحكم مصر في الحقيقة والواقع، إنما كان الحاكم الحقيقي لمصر هو المشير عبد الحكيم عامر الذي جمع السلطات كلها في يديه: العسكرية والمدنية، وأصبح لا يُبرَم أمر من الأمور إلا بعد أن يمر على عامر، وبات عبد الناصر بمثابة الملك الذي يملك ولا يحكم، وكان عامر يفعل ذلك بحكم نفوذه في القوات المسلحة، حتى قالوا: إن عبد الناصر عرض عليه مرة أن يعينه نائبا لرئيس الجمهورية ويدع الجيش والقوات المسلحة ولكنه رفض؛ ليقينه أن من يملك القوات المسلحة يملك البلد كله

وهذا الذي قاله الكثيرون؛ أكده السيد حسين الشافعي عضو مجلس قيادة الثورة في أحاديثه مع أحمد منصور في برنامج "شاهد على العصر" الذي تقدمه قناة "الجزيرة"

ومع تصديقي بهذه المقولة لا أعفي عبد الناصر من مسئوليته التاريخية عن هذه المأساة؛ فهو الذي أعلن عنها من "موسكو" وذكر في خطابه الشهير هناك قائلا: إننا سنضرب بيد من حديد وإننا لن نرحم هذه المرة. كأنه قد رحم في المرة السابقة!

وقد أكد الكثيرون من المعتقلين -الذين كانت السياط تشوي جلودهم في زنازين التعذيب- أنهم رأوا بأعينهم عبد الناصر يحضر مشاهد التعذيب مع رجاله ومن ذلك ما ذكرته الأخت المؤمنة الصابرة المحتسبة الحاجة زينب الغزالي التي ذكرت في كتابها "أيام من حياتي" ما لاقت من الأهوال التي لا تكاد تُصدق من بشاعتها وقالت: إنها رأت جمال عبد الناصر في إحدى مرات التعذيب

وهو -على كل حال- الرئيس المسئول دستوريا وقانونيا عما تفعله حكومته، وهو الذي صدق على حكم إعدام سيد قطب، وهو الذي رفض أية شفاعة فيه، وأصم أذنيه عن استغاثات العرب والمسلمين أن لا ينفذ حكم الإعدام، وأصر على أن ينفذ في الرجل الأديب العالم المفكر الداعية الكبير حكم الإعدام

فمهما يحاول محامو الناصرية أن يبرئوا الرجل عن التبعة؛ فإن الثابت بيقين أنه مسئول عنها أمام الله سبحانه، وأمام الشعب، وأمام التاريخ

على أنا سنثبت عند حديثنا عن "النكسة" أن المسئول عن كل تجاوزات عامر وانحرافاته هو عبد الناصر!

 

• الإخوان في خارج مصر :

كان الإخوان في داخل مصر ما بين معتقل في السجن الحربي‚ أو في مزرعة طرة‚ أو في سجن القناطر‚ أو في سجن القاهرة (أرميدان) أو في سجون الأقاليم والمحافظات ، وبين معتقل في بيته ممن لم يصبه الاعتقال‚ من غير المعروفين‚ فهو في منزله أشبه بالسجين‚ لا يستطيع أن يتحرك‚ ولا أن يساعد أسرة أحد من إخوانه‚ لأن الأجهزة له بالمرصاد

وكان على الإخوان خارج مصر عبء لا بد لهم أن يحملوه‚ دفاعا عن إخوانهم‚ وتعبئة للرأي العام العربي والإسلامي والعالمي‚ ليقف معهم‚ ويؤازرهم في شدتهم

وكان على الإخوان المصريين ـ بالخصوص ـ عبء أكبر من غيرهم‚ فعليهم أن يتحركوا على الصعيد السياسي‚ وعلى الصعيد الإعلامي‚ ليعملوا شيئا لنصرة إخوانهم‚ فقد نجاهم الله من هذه المحنة التي تصهر إخوانهم في بوتقتها‚ فعليهم أن يشكروا الله على النجاة منها‚ بعملهم لمساعدتهم بكل وسيلة

ولما كانت هذه المحنة سببا في إحياء الجماعة ـ فكرا وشعورا ـ داخل مصر‚ فقد كانت سببا في إحياء الإخوان كذلك خارج مصر‚ وتحرك الإخوة هنا وهناك للمّ الشمل‚ وجمع المساعدات المالية‚ ومحاولة توصيلها لعائلات المعتقلين‚ رغم وعورة الطريق‚ وخطر المحاولة‚ ويقظة رجال المباحث‚ لأي طارق يطرق هذه البيوت المنكوبة‚ ولم ينس الإخوان ما حصل في محنة 1954 من محاكمات لما سموه (أجهزة التمويل) التي حكم على بعضهم فيها بعشر سنوات‚ وأكثر من ذلك

ومع هذا‚ لا بد من المخاطرة‚ ولا يسعنا بحال أن ندع زوجات إخواننا وأطفالهم وأبناءهم وبناتهم جياعا‚ كما تريد السلطات المصرية: أن تذل أسر الإخوان‚ ولا يذل الإنسان مثل الجوع‚ والجوع كافر‚ ومثل مد الكريم يده إلى اللئيم يسأل القوت‚ ولا يقهر الأم شيء مثل أن ترى فلذات أكبادها يتضورون من الجوع‚ وتصرخ بطونهم من الطوى‚ بين أيديها وهي لا تملك لهم شيئا!!

أي شيطان لبس الإنسان‚ فجعله يقسو على مواطنيه هذه القسوة؟ وهب أنه أذنب‚ فما ذنب أمه وأبيه وصاحبته وبنيه؟

ما بالنا اليوم ننكر على إسرائيل ما تفعله بأسر الفدائيين‚ حيث تهدم بيوتهم‚ وتدع أهليهم في العراء؟على حين نجد 95% من هؤلاء المعتقلين‚ ليس لهم في الثور ولا في الطحين‚ ولا في العير‚ ولا في النفير

تجاوب الإخوان مع نداء الواجب‚ ولم يتخلف عن ذلك إلا المهازيل الذين ترتعد فرائصهم فرقا من الطواغيت‚ وهم على بعد آلاف الأميال! وهؤلاء كانوا قليلا‚ أو أقل من القليل‚ أو الذين آلوا على أنفسهم: أن لا يتصلوا بالدعوة من قريب ولا من بعيد‚ والدعوة في غنى عن هؤلاء الذين ضنوا عليها بأنفسهم وأموالهم‚ ورضوا أن يعيشوا حياة الفارغين من الطموح إلى مراتب العلا في الدنيا‚ أو درجات النعيم في الأخرى‚ فأولى يخاطبوا بقول الحطئية:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي!

على أن المهم ليس مجرد جمع الأموال‚ فالباذلون من الإخوان كثير‚ والحمد لله‚ ولكن المهم هو توصيلها إلى الأسر المحتاجة والمستحقة للعون العاجل‚ وهي محفوفة بالمخاطر‚ مليئة بالأشواك‚ على نحو ما قال الشاعر العاشق قديما:

كيف السبيل إلى سعاد‚ ودونها * قمم الجبال‚ ودونهن حتوف

والرجل حافية‚ ومالي مركب * والدرب وعر‚ والطريق مخوف

وهذه الأسر ليست مائة ولا ألفا‚ بل هي ألوف مؤلفة في القاهرة والإسكندرية وسائر محافظات مصر في الصعيد والوجه البحري‚ حتى العريش والواحات كان منها معتقلون‚ إنها في حاجة إلى شبكة كبيرة ممن لا يبالون ما يصيبهم في سبيل الله‚ فإنهم إذا ضبطوا اتهموا بأنهم على صلة بدولة أجنبية‚ يقبضون منها الأموال‚ ويوظفونها في تخريب البلاد‚ وإفساد العباد

ولم تمنع المخاطرة من الاتصال بالإخوان الذين نجوا من الاعتقال‚ الذين استطاعوا أن يوظفوا عددا من الأخوات المؤمنات الصادقات في هذا الأمر‚ فقمن بدورهن خير قيام‚ على قدر الإمكان‚ فلا شك أن هناك أسرا في مدن وقرى مختلفة من أنحاء مصر‚ لم يستطع أحد الوصول إليها‚ وظلت صابرة على البأساء والضراء‚ تشكو إلى الله الرحمن الرحيم: قسوة الإنسان على أخيه الإنسان‚ بل قسوة المصري على أخيه المصري!

إلــى اللـه نشكو‚ إننا بمواطـن * تحكّم فـي آسادهن كلاب!

وقد صار هذا الناس ـ إلا أقلهم ـ * ذئابا على أجسادهن ثياب!

ولم تسلم أسرتنا من آثار هذه المحنة‚ فقد كان شقيق زوجتي ـ الأستاذ سامي عبد الجواد ـ أحد المعتقلين‚ الذين سيقوا إلى مزرعة طرة‚ ولقي فيها من المتاعب ما لقي‚ حتى اضطر إلى إجراء عملية جراحية‚ وهو في المعتقل‚ عانى فيها ما عانى‚ ولا زالت آثارها معه إلى اليوم ] أ.هـ [1]

• تنفيذ الإعدام في سيد قطب :

وفي هذه الفترة تم تنفيذ الحكم الذي صدر من المحكمةالعسكرية في مصر بإعدام الأديب والداعية والمفكر الإسلامي سيد قطب. وضرب جمال عبد الناصر عرض الحائط بكل النداءات والتوسلات التي وصلت إليه من بلاد العرب والمسلمين.

وكان لهذا الحدث صداه الواسع في أنحاء العالم، وخصوصا بين العاملين في الساحة الإسلامية، والمهتمين بالشأن الإسلامي، وعلى الأخص بين الإخوان في الخارج الذين زلزهم هذا الحدث زلزالا شديدا.

وقرر الإخوة في "عمّان" تنظيم مسيرة احتجاج كبرى في يوم معين، وحرصت أن أشارك بنفسي في هذه المسيرة، فسافرت من الخليل إلى عمان لألتقي الإخوان هناك، وأساهم مع الإخوة في رفع الشعارات التي تندد بالظلم والطغيان، وتنادي بالويل للطغاة والجبارين، وبالثأر للشهيد المظلوم.

وكان من الشعارات والنداءات: إلى جنة الخلد يا شهيد الإسلام، إلى جنة الخلد يا صاحب "الظلال".

وربما يعترض بعض إخواننا على مثل هذه الأقوال؛ فإن أحدا لا يستطيع أن يجزم بمصير أحد إلا من بشر رسول الله بأنه في الجنة، وقد أنكر الرسول الكريم على أم العلاء الأنصارية حين قالت لعثمان بن مظعون بعد موته، وقد كان من السابقين الأولين الذين أوذوا في سبيل الإسلام: أشهد عليك أبا السائب، لقد أكرمك الله! فقال: "من هذه المتألية على الله؟ وما يدريك أن الله أكرمه؟ والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل الله بي؟" وبهذا زجرها عن الجزم بمصائر البشر، ولا يدري أحد بم ختم له؟

ولكن الذين يقولون مثل هذه الأقوال لا يقولونها على سبيل الجزم واليقين، ولكن من باب التفاؤل، وتحسين الظن بالله تعالى بالمسلم المستور الحال، أو الظاهر الصلاح؛ لهذا جرت عادة الناس أن يقولوا: المرحوم فلان، والمغفور له فلان. يعنون: المرجو له الرحمة، والمرجو له المغفرة، وإن كان المتحرّون يقولون: المرحوم إن شاء الله، والمغفور له إن شاء الله!

وبعد المشاركة في المسيرة عدت إلى الخليل لأتهيأ لخطبة الجمعة القادمة، وأذكر أنها كانت في مسجد الخليل إبراهيم الذي يسميه الخليليون "الحرم الإبراهيمي"، وقد رأينا أنه لا يجوز أن نقول "الحرم القدسي" مع ما ورد في القدس ومسجدها الأقصى من نصوص شرعية؛ فكيف يجوز أن نقول الحرم الإبراهيمي؟

وفي مصر أرى بعض الناس يقولون عن مسجد الحسين في القاهرة وما حوله "الحرم الحسيني"، وعن مسجد السيدة زينب وما حوله "الحرم الزينبي". وهذا توسع في استخدام كلمة "الحرم"، وهي لها مدلول ديني معين ينبغي عدم التوسع فيه.

إلا أن يكون المقصود بكلمة "الحرم" المعنى اللغوي للكلمة، فيقال: حرم الشيء وحريمه: ما يحيط به ويتصل به، ولهذا غدا من الكلمات الشائعة في المحيط الجامعي أن يقال: "الحرم الجامعي"، ويقصد به الكليات الجامعية وما يتصل بها من إدارات ومراكز ومساكن وغيرها. ولكن يلاحظ أن استعمال الكلمة في هذا المجال لا يوحي بأي مدلول ديني خاص. ا

لمهم أني ألقيت خطبة بعد إعدام سيد قطب، خطبة شهيرة هيجت الأشجان، وأثارت الأحزان، وأبكت الأعين الجامدة، وأشعلت النيران الخامدة، وحركت العزائم الهامدة، ذكرت فيها مآثر الشهيد على العلم والأدب والدعوة والفكر، وكيف وقف صلبا لم تنحنِ له هامة، ولم تطأطئ له قامة، وكيف قدم عنقه ودمه فداء لفكرته وعقيدته. وفي مثل هذه الخطب التي تثير الشجون يذكر المرء ما شابهها من المآسي والنوازل. ويبكي فيها شهداء آخرين سلكوا نفس الدرب، ولقوا مثل هذا المصير.

فلا عجب أن بكينا على سيد قطب، وبكينا معه على حسن البنا، وعلى عبد القادر عودة، وعلى محمد فرغلي، وعلى يوسف طلعت، وإبراهيم الطيب وآخرين من شهداء الأمة الأبرار. وهكذا كلما سقط شهيد ذكرنا بإخوانه من الشهداء السابقين.

وقالـوا: أتبكـي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى والديالك؟

فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى * دعـوني فهذا كله قبر مالك! ]أ.هـ [2]

----------

هوامش :

[1] ابن القرية والكتاب ملامح سيرة ومسيرة ، (3/ 27 - 35) ط 2 ، دار الشروق ، القاهرة ، 2008 م

[2] المصدر السابق ، ص 48 - 51

 

أخبار ذات صلة

كانت هذه المحنة التي ابتُلي بها الإخوان في مصر، من المحن الكبرى في تاريخهم الدعوي والحركي، وقد كانت محنة ثقيلة وقا ... المزيد

1- يشكر للشيخ إنصافه وأداؤه للأمانة وعدم كتمانه للنصيحة، وعدم رضوخه للضغوط الحزبية التي طالبته بطي هذه الصفحة بحجة عدم التشويش على الجماعة. المزيد

تعليقات