البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

معركة التبّة التى أنقذت الجيش المصري من الدمار

المحتوي الرئيسي


معركة التبّة التى أنقذت الجيش المصري من الدمار
  • محمد عدس
    08/06/2015 08:00

فوزى فارس وإخوانه فى الحرب الفلسطينية:
كانت المعارك الضارية التى دارت حول التبّة ٨٦ ملحمة كبري فى مجرى الحرب الفلسطينة سنة١٩٤٨ .. فكم منكم يعرف شيئًا عن هذه الملحمة التاريخية ، التى أنقذت الجيش المصري من الدمار..؟! وكان الانتصار فيها نقطة تحوّل كبرى فى مجرى الحرب ، لو تابعتها الجيوش العربية بإخلاص لسقطت الدولة اليهودية إلى الأبد ، ولكن خيانة الحكومات العربية التى كانت تعمل تحت سيطرة الإحتلال البريطاني ، وتأتمر بأوامره حوّلت النصر إلى هزائم مخزية .. وتسبّبت فى ضياع فلسطين ..؟! 
التبّة ٨٦ من أهم المواقع التى كانت فى حوزة الجيش المصري خلال حرب فلسطين.. وترجع أهميتها الاستراتيجية إلى ارتفاعها ، وإلى أنها تقع على بعد كيلومترين شرقي الطريق الأسفلت الرئيسي بين غزة ورفح ، وتتحكم في ملتقى الطرق الفرعية المُفْضِيَةِ إلى الطريق الرئيسى .. ولكن فوجئ الجيش المصري مساء يوم 22 ديسمبر١٩٤٨م بهجوم اليهود على التبة مدعومًا بقصف عنيف استطاعوا على أثره اقتحام التبة والسيطرة عليها، وأتموا احتلالها مع انبثاق فجر 23 ديسمبر، وكان نجاحهم في هذا الهجوم الصاعق واحتلال هذا الموقع الخطير يعني عزل حامية غزة وتكرار مأساة حصار الفالوجا مرة أخرى ولكن على نطاق أوسع..
حاول الجيش استرداد التبّة في نفس اليوم .. فبدأت في السادسة صباحًا يوم 23ديسمبر معركة تولّى قيادتها في البداية "اللواء محمد نجيب"، ولكنه سرعان ما أُصيب برصاص اليهود ، ونُقل بعيدًا عن أرض المعركة ، وتقدمت سريّتان من الكتيبة الثالثة مشاة تعاونهما الدبابات ثم تقدمت السرية الرابعة من الكتيبة السابعة مشاة لتطويق التبّة من الشمال، واستمر تراشق النيران مع اليهود حتى الساعة العاشرة ، ولكن دون جدوى.

فمن ينقذ الجيش من ورطته ، وهو لم يتهيّأ ولم يتدرّب جنوده على مواجهة تكتيكات حرب العصابات الصهيونية ، التى تدرّب عليها اليهود تحت إشراف الجيش البريطاني..؟! إنهم الإخوان المسلمون..! ومن ثَـمَّ نشأ التفكير فى طلب المساعدة من أقرب قوة إليه ؛ و هي قوة "البِرِيجْ" التى يرأسها كامل الشريف ، والتى كانت تتألّف من أربع فصائل فقط ؛ حيث كانت القوات الرئيسية للإخوان تعمل في قطاع القدس ، تحت قيادة المجاهد محمود عبده.

لقد أشرت فى صدر هذا المقال إلى مدى أهمية وخطورة السيطرة على التبة ٨٦ بالنسبة للجيش المصري ، ولكنها أيضا كانت على نفس الدرجة من الأهمية لليهود ، الذين تدفقوا إليها بأعداد كبيرة، واستماتوا فى الاستيلاء عليها والاحتفاظ بها .. وبقيَ أن نتعرّف بشيء من التفاصيل على حقيقة الدور الذى قام به الإخوان المسلمون لاستردادها وإعادتها إلى الجيش المصري .. وهذا هو المشهد العام للملحمة :

كانت الخطة اليهودية تتمثّل فى احتلال موقع التبة ٨٦ والسيطرة عليها ، وتجميع قواتهم حولها ؛ ومنها تندفع القوات الصهيونية لاحتلال خان يونس ، ثم تتجه شمالا إلى غزة وبيت حانون، ثم إلى دير البلح ومعسكرات الفدائيين جنوبا .. وفي اتجاه رفح لتمشيط كافة المواقع الموجودة في هذه المنطقة للجيش المصري ، وبهذا تتم محاصرة القوات المصرية ، فى جيوب مبعثرة ؛ معزولة و محرومة من خطوط الإمدادات وبالتالي تفرض على من تبقّى من هذه القوات إلى إخلاء كل مواقعها والانسحاب بعيدًا عن الفالوجة المحاصرة ، فتسقط بدورها فى قبضة اليهود ..

وللفالوجة قصة طويلة نرجئ الحديث عنها إلى مناسبة أخرى، ونكتفى هنا بذكر بعض الحقائق: ففى نهاية أكتوبر سنة١٩٤٨م حاصرت القوات اليهودية لواء مصريًّا ، بقيادة الضابط النوبي المصري سيد محمود طه الملقب بـ(الضبع الأسود)، وهو من كبار ضباط الجيش المصري، ومعه العديد من الضباط ، من بينهم جمال عبد الناصر.. هذا اللواء المحاصر ، استطاع أن يصمد للحصار مع الفلسطينيين من سكان الفالوجة ، بفضل شريان الحياة الوحيد الذى ربطهم بقواعد الجيش المصري خارج الفالوجة ، فقد تولّت قوات الإخوان مهمة تأمين وتوصيل المؤن والذخائر والمواد الطبية وغيرها من مواد الإعاشة اللازمة .. وبدون هذا لم يكن أمام هذه القوات إلا التسليم لليهود بدون قيد ولا شرط .. أو تخضع للتدمير الشامل ؛ من هنا نعلم أنه لولا الإخوان المسلمون لقُضي على عبد الناصر بالموت جوعًا ، أو قتلًا .. ولنعد لقصة التّبة الأعجوبة:

يقول فوزى فارس: "في يوم 21 ديسمبر ١٩٤٨م حضر إلى معسكر البريج التابع للإخوان المسلمين لفيف من كبار ضباط الجيش المصري في فلسطين على رأسهم أركان حرب القوات اللواء نعمت واللواء محمود رأفت وقالوا لنا: إن قتالا شديدا قد وقع على القوات المصرية المرابطة في التبة 86 في مقابل خان يونس، وأن هناك أمواجا من الإسرائيليين يُلقى بهم في أتون المعركة لاحتلال مواقع التبة.
وأضافوا: ونحن بدورنا نشترك الآن بقوات كبيرة من الجيش في هذه المعركة، وإذا قُدِّرَ واحتُلَّتْ هذه التبة فلن يكون للجيش بقاء في فلسطين ...!! وعلى قيادة الإخوان أن تجهز قوة ضاربة قد نحتاجها في اللحظات الأخيرة إن لم نوفق في الاحتفاظ بمواقعنا.
واستطرد الضباط: لقد عرفنا أنكم لا تهابون الموت في سبيل الله، وليس هناك أقدر منكم على اقتحام المواقع والالتحام مع هؤلاء الخبثاء، وهذا أملنا فيكم إن شاء الله، ثم انصرفوا."
صدر الأمر من الأخ كامل الشريف قائد القوة إلى قادة الفصائل: فوزى فارس وحسن دوح ، ونصر جاد، وسيد الشراقي، بالاستعداد لخوض معركة التبة ٨٦ .

يقول كامل الشريف: "قامت القيادة بتجهيز خمسة وأربعين رجلا من خيرة المقاتلين .. ولا تعجب إن كنا نقاتل اليهود بأعداد قليلة فإنها تصبح في أعينهم كثيرة بإذن الله، وفور انتهاء إعداد هذه القوة حضر إلينا الضباط [السابق ذكرهم] ، وطلبوا منا التحرك نحو دير البلح حيث الموقع على وشك السقوط من أيدي القوات المصرية، وتحركت هذه القوة إلى دير البلح بالأسلحة الأتوماتيكية وبنادق البويز المضادة للمصفحات وستة مدافع 81 مم، وهناك في دير البلح قبعت القوات في سياراتها على أمل إنهاء المعركة بقوات الجيش المصري، وبزغ نور الفجر ، فصلينا في أماكننا.. وأشرقت الشمس ، ثم صدرت الأوامر إلينا بأن نتقدم صوب أرض المعركة، لقد تم استيلاء القوات اليهودية على الموقع بأسره .. واضطر الجيش المصري إلى الانسحاب منه.. وقال القائد نعمت: لا أمل إلا فيكم .. فقلنا: على الله ربنا توكلنا."
ويواصل قائد المجاهدين فى معركة التبة ٨٦ فيقول: "عند تقدمنا كانت دهشتنا كبيرة؛ إذ لاحظنا وجود عددٍ هائلٍ من الأسلحة والمدرعات المصرية في مكان المعركة وكأنها مظاهرة عسكرية ، لكننا لم نلحظ أي سيطرة على تلك القوات.. ووصلنا إلى موقع القيادة المتقدمة ؛ فتحدّث إلينا القائد أركان حرب محمود رأفت بحديث فيه مدح كثير للإخوان المقاتلين ، قاطعه الأخ فوزي فارس قائلا له: "كُفَّ عن هذه اللهجة لأنها تفسد علينا نفوسنا ، فنحن لا نقاتل إلا لله وحده وليس لنا عقيدة إلا دين الإسلام .. وهي التى تدفعنا إلى القتال مخلصين لله رب العالمين..."

انهى فوزى فارس الحوار ، والتفت إلى كامل الشريف ، الذى أصدر أمره بتوزيع القوات لتحرير التبة ٨٦.
" كنا خمسة وأربعين رجلا .. من المشاة الفدائيين لاقتحام المواقع ؛ عدا قوة المدفعية ٨١ مم المُكوّنة من اثنيْ عشر فردا تحت قيادتي، وزعت المدفعية بأرض المعركة وكان معي الأخ علي شيحة والأخ حسن الذي كان يمتاز برباطة جأش وشجاعة، وآخرون، وقمت فورا بتحديد نقاط مراقبة اتجاهات كمية النيران المنصبّة من مواقعهم، وبدأت المدفعية بدك حصون العدو، والمواقع التي احتلتها لإحداث الارتباك بين صفوفه، وفي نفس الوقت تقدم الإخوان خلف الدبابات وتحت ستار مدافع الميدان ومدافع الدبابات الصغيرة وقد تحولت المنطقة إلى قطعة ملتهبة من النيران التى غطت سماء المعركة .. وظلت المدفعية تقذف العدو بالدَّانات لتتساقط عليه مُحْدِثَةً ارتباكا شديدا بين صفوفه.
وفجأة توقفت إحدى دباباتنا وكان خلفها الأخَوان سيد منصور وعبد الحميد خطاب ضمن المجموعة المتقدمة للاقتحام، وبدلا من أن يتحرك قائد الدبابة للأمام تحرك للخلف فجأة فوقع تحت عجلاتها الشهيدان ، فما كان لهذا أن ينال من المقاتلين في سبيل الله .. بل تقدمت القوة بكل تشكيلها كتلة واحدة ، للإجهاز على العدو الصهيوني.. 
يقول قائد المجاهدين : " هنا اقتحم الإخوان المواقع .. تقدموا إلى الخنادق وقد ركَّب كل منهم السونكي في بندقيته ، و القنابل اليدوية في أيديهم بهدف الالتحام المباشر ، وبعد أن أسكتوا نيران العدو تمامًا ارتفعت أصواتهم بالتهليل والتكبير.
وتحت وابل من قنابل الدخان ، ألقوا بقنابلهم داخل الخنادق وقاموا بقتل جميع من فيها، وتم تطهيرها تماما من الأعداء ، وبذلك تسنَّى لرجال الجيش المشاركة في اقتحام المواقع .. وقد تم القضاء على اليهود وغطت جثثهم أرض المعركة بشكل لم نشهده من قبل .. فشل الهجوم الصهيوني ، وفر من تبقى من فلولهم تاركين قتلاهم يملأون أرض المعركة . و قد بلغ قتلى اليهود في هذه المعركة خمسمئة قتيل.. بينما استشهد من الإخوان في هذه المعركة 5 شهداء ، وجرح عدد آخر..
وهكذا انتهت معركة التبة ٨٦ وتمّ تلقين اليهود درسا عظيما في القتال لن ينسوه، وعاد الجيش يسيطر على موقعه الحصين، وكان عجبا أن أنزل الله تعالى بانتهاء المعركة مطرا غزيرا فرحْنا به لأنه جاء بعد نصر.. {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} .. وليفرح الشهداء بلقاء ربهم وهم عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله .. وعدنا نحن إلى معسكرنا آمنين.

ستزداد دهشتك إذا عرفت الخلفية التى خاض فيها الإخوان المسلمون هذه المعركة الفاصلة الباسلة ، بهذه الروح المستبشرة بفضل الله ونصره المُؤَزّر ، رغم ما أصاب جماعتهم فى مصر على يد الأبالسة الذين كانوا يحكمون البلاد فى ذلك الوقت ، وقد أرعبهم ما حاز عليه الإخوان المسلمون من انتصارات ، مقارنة بأوضاع الجيش المتردية فى فلسطين ، التى اضطرته للجوء إليهم لإنقاذه من هزيمة محققة على يد العصابات الصهيونية . كره الحُكّام الأبالسة أن يواجهوا حقيقة عودة الإخوان إلى مصر بهذه الروح المنتصرة والشهرة الشعبية والقوة ، فينسفوا قواعد السياسيين الفاشلين المتآمرين مع قوات الإحتلال البريطاني ، ومن ثم كان قرار النقراشى باشا رئيس وزراء مصر بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالهم ، وإغلاق مراكزهم واعتقال قادتهم ..! 
ولكن رغم ما كان يخيم على مجاهدي الإخوان من حزن بسبب حل جماعتهم ، حيث صدر قرار حل الجماعة في 8 ديسمبر 1948، أي قبل معركة التبّة بأسبوعين فقط ، ورغم إحساسهم الفاجع بالغدر والخيانة من جانب الحكومة المصرية، إلا أنهم ضربوا أروع الأمثلة في إعلاء مصلحة الوطن فوق أي اعتبار، وسطَّروا للتاريخ أن فلسطين هي قضيتهم الأولى، وأن دماءهم فداءٌ لها، وأن غايتهم هي إرضاء ربهم الله رب العالمين ، وليس الوصول إلى جاهٍ أو سلطان أو تحقيق مكاسب سياسية .. وقد جاءهم فى اللحظات المأساوية الحاسمة خطاب عاجل من المرشد العام الإمام الشهيد حسن النبا .. يقول لهم فيه: "أيها الإخوان لا يهمكم ما يجري في مصر فإنَّ مهمتكم هي مقاتلة اليهود، وما دام في فلسطين يهودي واحد فإن مهمتكم لم تنتهه بعد ". 
ونتابع سيرة فوزى صالح فارس وإخوانه فى الحرب الفلسطينية فى حلقة قادمة إن شاء الله..

أخبار ذات صلة

قال تعالى في سورة الأنفال :

 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَاب ... المزيد

شدّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على أن عملية "نبع السلام" تنتهي بشكل تلقائي عندما "يغادر المزيد