البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

مستقبل تنظيم الدولة في ظل انحساره

المحتوي الرئيسي


مستقبل تنظيم الدولة في ظل انحساره
  • على عبدالعال
    28/12/2018 08:45

منذ إخراجه من مدينتي "الموصل" العراقية و"الرقّة" السورية، اللتين كان يعتبرهما "داعش" بمثابة عاصمتين له، والتساؤلات لا تتوقف حول مصير ومستقبل تنظيم الدولة الإسلامية، وباتت تتردد كثيراً في وسائل الإعلام من قبل المحللين والمراقبين ، خاصة بعد تحمله خسائر فادحة في الأرواح والمعدات في كل من سوريا والعراق.

ما مدى قوة التنظيم الحالية بعد تلقيه عدد من الضربات الموجعة في معاقله الرئيسية ؟ هل ما يزال قادرا على التوسع ؟  هل ما تزال ايديولوجيته الجهادية تلقى الرواج ذاته ؟  ما مصير الآلاف من المقاتلين ؟ وماذا عن الخلايا النائمة وأين تنام ؟ ..

وهل صحيح ما يقال بأن داعش بات على وشك الانهيار والانتهاء ؟ أم أنه سيسعى إلى مواصلة أعماله في العراق وسوريا وبلدان أخرى في المنطقة بأشكال وصور مختلفة ؟

ضمن عدد من التساؤلات تهدف إلى الوقوف على مستقبل هذا التنظيم العقائدي المسلح الذي شغل العالم من مشرقه إلى مغربه .

 4 سنوات بين التمدد والانحسار

تبدو التطورات المحيطة بظهور وانتشار "تنظيم الدولة" شديدة التسارع، فالتنظيم الذي خرج من رحم تنظيم "القاعدة" في العراق، بدأ انتشاره في أنحاء المنطقة العربية مطلع عام 2014، حين اجتاح مدينة الفلوجة العراقية وأجزاء من مدينة الرمادي المجاورة، مركز محافظة الأنبار، إلى أن استولى على مدينة الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، في يونيو 2014. وهناك من مسجدها الكبير أعلن زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، قيام "دولة الخلافة"، وهو إعلان لم يهز المنطقة وحدها بل هز العالم بالكامل.

وفي سوريا، استولى التنظيم على مدينة الرقة بعد أن طرد منها فصائل المعارضة المتنافسة، واستولى على مدن عديدة غيرها. فقد حقق "داعش" في أقل من 60 يوماً مكاسب سريعة صيف العام 2014 .

ولم يقتصر وجوده على سوريا والعراق بل انتشر في أكثر من 12 بلدا من بلدان العالم بعد مبايعة العديد من التنظيمات المسلحة له . كما اجتذب التنظيم مجموعات من المقاتلين الأجانب، معظمهم من الشباب الأوروبي والآسيوي، ومن روسيا، وغيرهم من الأجانب الذين تبنوا فكره وسعوا إلى التنفيذ رؤيته عن الخلافة بقوة السلاح.

وتسارعت الأحداث المصاحبة لتوسعاته في المناطق المختلفة متوجة بتشكيل التحالف الدولي لمحاربة التنظيم والذي شاركت فيه أكثر من 67 دولة، بما فيها دول كبرى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وأستراليا، فضلا عن القوات العراقية والكردية والإيرانية  وغيرها من الميليشيات المختلفة.

وعقب 1095 يوماً من القتال المتواصل، أعلن مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، أن هذا التحالف شن أكثر من 23 ألف غارة على العراق وسوريا بكلفة وصلت إلى 13.6 مليار دولار. وفي تفاصيل الغارات؛ شن التحالف بقيادة واشنطن 13 ألف غارة جوية في العراق، و10 آلاف غارة جوية في سوريا، كما نجح مع القوات العراقية في استعادة 75% من مناطق سيطرة داعش في العراق أبرزها مدينة الموصل، و58% من مناطق سيطرة داعش في سوريا أبرزها مدينة الرقة. وفي يوم 9 ديسمبر 2017 أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي سيطرة قواته "بشكل كامل" على الحدود السورية العراقية، مؤكدا "انتهاء الحرب" ضد التنظيم بعدما حققت أهدافها. 

هزائم متلاحقة

لا يختلف اثنان على أن الضربات الجوية والبرية التي وُجهت لتنظيم الدولة كانت قاسية، وأدّت إلى استنزاف قدراته العسكرية والمادية والبشرية، بسبب التفوق الجوي والإمكانيات والقدرات العسكرية لقوات التحالف الدولي .

نتائج هذه الضربات العسكرية جعلت التنظيم يفقد معظم الأراضي التي كان يستحوذ عليها في العراق وسوريا.. ففي العراق بدأ بخسارة المدن المدينة تلو الأخرى بدءاً من تكريت في محافظة صلاح الدين، ثم سنجار وبيجي النفطية، والرمادي مركز الأنبار، والفلوجة وكبيسة وهيت والقيارة، وصولًا إلى الموصل وتلعفر والشرقاط والحويجة. فلم يعد مقاتلو داعش يحتفظون بأي مدينة أو بلدة في شمالي العراق. ولم يتبق له سوى جيوب ومخابئ وبعض مناطق هنا وهناك. تحاصره وتحاول إخراجه منها قوات محلية وأخرى إقليمية ودولية. فهو اليوم محاصر من جهات مختلفة ويقاتل على جبهات عديدة؛ وينفذ انسحابات من بعض الأماكن، ما قد يستنزفه على المدى البعيد، ويحد من قدراته.

كما تم تدمير منشآته الرئيسية لتجهيز وبناء الشاحنات المفخخة والانتحارية، وتم نسف مخابئ كبيرة للأسلحة ومستودعات الذخيرة.

وفي سوريا، وعلى وقع هجمات منفصلة قادها نظام الأسد بدعم روسي إيراني، أو القوات الكردية بدعم أمريكي، بات تنظيم داعش يسيطر على خمسة في المئة فقط من مساحة البلاد مقابل 33 في المئة كان يسيطر.

اقتصاديا.. فقد التنظيم الكثير من موارده المالية وخاصة العائدات النفطية التي خسرها بسبب فقده جميع حقول النفط التي كان يسيطر عليها، كما فقد عوائد الضرائب والمصادرات وغيرها من الأنشطة. وتم تقليص تمويله الدولي بالعديد من الطرق. فإلى جانب الحملة العسكرية في كُلٍ من العراق وسوريا، كان التحالف الدولي قد تعاهد بمواجهة البنية التحتية المالية والاقتصادية للتنظيم وعرقلتها، والتصدي لتدفق المقاتلين الأجانب عبر الحدود، ومواجهة الدعاية الإعلامية لداعش .

 

تحول يفرضه الواقع

غير أن الهزائم المتلاحقة التي تلقاها التنظيم لن تضع -على الأرجح- حداً لوجوده، إنما سوف تدخله في تحول نوعي ، وتنقله من وجود علني ومجسد حسبما كان عليه ، إلى وجود سري ، يأخذ أشكالا عديدة، منها : الخلايا النائمة ، والمجموعات السرية ، والذئاب المنفردة ، وهذه كانت موجودة لديه بالفعل لكنها قد تصير شكله الرئيس على الأقل حتى تمر موجة التحشيد الدولي والتنمر الإقليمي تجاهه .

ومن خلال هذه الأشكال سيحاول تنظيم داعش المحافظة على وجوده، وسيسعى عناصره إلى الاختباء في الأماكن التي يسعهم فيها ذلك.

فقد أظهرت دراسات سابقة أُجريت على حركات وتنظيمات جهادية أن هزيمة تنظيم مسلح - خاصة التنظيمات ذات الطابع الديني أو الأيديولوجي- نادرا ما تفضي إلى انهيار التنظيم أو اختفائه.. والواقع والتاريخ شاهدان على أن هذه التنظيمات لا يمكن القضاء عليها بشكل كامل، وخاصة إذا تشظت وكان لها أتباع في دول أخرى.

ومن نافلة القول، أن هزيمة التنظيم عسكرياً لا تعني بالضرورة القضاء على أفكاره ومعتقداته ما دام هناك معتنقون يتبنونها من أتباعه وقادرون على الترويج والدعاية لها.

وتبين الدراسات التي أجريت على داعش نفسه ومنذ كان يسمى بتنظيم "التوحيد والجهاد في العراق"، أن هذه الجماعة قادرة على تجاوز الخسائر، وإنتاج قيادات إذا خسرت قادتها، والعودة إلى مراحل مبكرة من العمل والتنظيم والمباغتة.

إن التحول المرتقب لدى التنظيم يستند إلى عوامل واقعية سيكون لها دور حاسم في طبيعة هذا التحول.. فنحن أمام تنظيم وظيفي وايديولوجي ، يعتمد على البنية الأمنية والعسكرية والدعوية ، تديره وتخطط له شخصيات تعمل بطرق محكمة وفي سرية تامة، تماثل في تركيبتها ودورها أجهزة المخابرات.

شخصيات لها “تاريخ" في إجادة مثل هذه الأعمال وتنفيذها في ظروف تكاد تكون مستحيلة، إذ سبق للتنظيم العمل طوال سنوات ماضية في ظروف أعقد كثيرا من الظروف الحالية.

وقد أشارت عشرات التقارير والدراسات إلى الخلفية المخابراتية والعسكرية لقياداته السابقة والحالية وأغلبهم ضباط سابقين في الجيش العراقي ومخابرات نظام صدام حسين  ، كما أن تركيبة التنظيم السرية بما فيها من تعتيم على قياداته وأجهزته وأغلب مصادر تمويله وتسليحه وعلاقاته، كلها عوامل مساعدة لتحول التنظيم إلى خلايا نائمة، ومجموعات تعمل وتنطلق من تحت الأرض.

صحيح فقد "داعش” الآلاف من خيرة مقاتليه لكن قيادة التنظيم ما زالت متماسكة -على ما يبدو- وهي الآن تتصرف أشبه بـ«حكومة ظل» تدير بضعة آلاف من المقاتلين المنتشرين في مناطق بالعراق وسوريا، ولا زال زعيمه أبو بكر البغدادي طليقا وفشلت كل المحاولات للقضاء عليه. وما زالت خلاياه النائمة منتشرة في الكثير من البقاع والبلدان ، لا سيما وأنّ داعش يُبقي على خلاياه في المناطق التي ينسحب منها، ويطلب من تلك الخلايا لاحقاً القيام بعمليات عسكرية خاطفة ومفاجئة.

وفي المستقبل القريب، لن يحتاج التنظيم إلى عدد كبير من المقاتلين كي يستأنف معركته من تحت الأرض، فالمقاتلون المخضرمون الموالون للتنظيم لديهم خبرة سابقة في الذوبان "مثل الملح في الماء" وسط السكان المحليين في انتظار اللحظة المناسبة لإطلاق تمرد أو هجوم انتحاري أو لشن حرب سرية منخفضة الكثافة، من داخل مناطق حضرية كثيفة السكان نسبيا.

صحيح أن نزول داعش تحت الأرض سيؤدي إلى تراجع قدراتها على تمويل نفسها من مواردها الحالية، ولكن هذا لا يعنى أنها لن تنجح في الحصول على أموال. بل ستظل الحركة قادرة على تنفيذ هجمات انتحارية، ووضع كمائن، وتنفيذ عمليات اغتيالات وقنص. كذلك، ستعتمد بكثافة على استخدام العبوات الناسف.

أيضا خطر الهجمات المسلحة والتفجيرات التي تستهدف الغرب أو الشرق لا يلوح في الأفق ما يمكن أن يدفعنا إلى القول بأنها قد تتوقف بل ستتواصل لكن مصدرها لن يكون الرقة التي فقدت مكانتها بالنسبة للعقل المخطط في داعش كعاصمة مركزية.

صحيح فقد التنظيم أجزاءً كبيرة من الأراضي التي كان يسيطر عليها، غير أنه ما يزال يحافظ على إمكانية إعداد استراتيجيات مفزعة عبر آلاف المقاتلين الذين يلتزمون صفوفه حتّى اللحظة ويتبنون أفكاره في مناطق مختلفة من العالم.

فمن بين أخطر المواضيع التي تشغل بال المراقبين الدوليين هو مصير المقاتلين الأجانب الذين قدّر عددهم بـ30 ألف مقاتل. فهؤلاء الأجانب في التنظيم لم يكونوا بالضرورة مقاتلين، باستثناء الليبيين والتونسيين وبعض العناصر العربية وتلك القادمة من القوقاز، بل إن غالبيتهم كانوا يتولون الشق الإداري مثل السعوديين الذين اهتموا بقسم الشريعة وبعض الأوروبيين الذين توجهوا أكثر إلى تقديم الدعم الفني وتولوا قسم الأبحاث. ما يدلل على أن الفرع المسؤول عن التخطيط للهجمات في الخارج لم يتأثر كثيراً بالخسائر التي مني بها التنظيم، ووفقا للتقارير الغربية فإن بلدا مثل فرنسا، تشير التقديرات إلى أن نحو 2000 شخص منها انضموا إلى التنظيم على مدار 5 سنوات، لكن حتى الآن، عاد منهم فقط ما يزيد بقليل على 200 شخص (أي نحو 10٪) . وفي هذا الصدد، يقول الخبير الفرنسي في شؤون الإرهاب وضابط الاستخبارات السابق آلان شوي، أن «العديد من هؤلاء اعتُبروا في عداد المتوفين أو الفارين، وهذا ينطبق على مواطنين أوروبيين آخرين مثل البلجيكيين والألمان والبريطانيين». وأردف شارحاً: إن «عدد مؤيدي (داعش) في أوروبا قد يكون أعلى من ذلك بكثير، كما أنه من الصعوبة بمكان إحصاؤه وتقديره في حال أردنا احتساب الأشخاص الذين (تعاونوا) بشكل غير مباشر مع التنظيم من دون مغادرة بلدهم من خلال بث الدعاية أو تجنيد العناصر».

السمكة في الصحراء

هناك فرضية أخرى، تذهب إلى أن انهيار "داعش" ربما يفضي إلى ظهور ما هو أعنف منها "الجيل الثاني من داعش" في ظل التأزمات السياسية والطائفية والاقتصادية في المنطقة العربية ، وعجز النظام العربي عن إيجاد حلول مقنعة ، وفي ظل حالة التشظي التي يتعرض لها التنظيم وضعف السيطرة المركزية لقياداته على الأطراف هنا وهناك.

فكثير من عناصر التنظيم هربت بعيداً إلى الصحراء وخاصة في مناطق حوض الفرات ‏الصحراوية الشاسعة الممتدة غرب نهر الفرات، الذي يخضع لسيطرة الحكومة السورية حيث يُعتقد أن زعيمهم أبو بكر البغدادي قد لجأ إليها فصارت هذه الأخيرة مأواهم وملاذهم في مثل هذا الظرف، وفي هذا تأكيد لما سبق وأعلنه (أبو محمد العدناني) بأنهم جاؤا من الصحراء وسيعودون إليها .. فهناك تهيء لهم الصحراء إعادة تموضع جديد , ما يعزز تلك الفرضية القائلة , بأن التنظيم قادراً على إعادة إنتاج نفسه ولكن بصيغة أخرى وربما بمسمى جديد.

ومن الجدير هنا استرجاع استراتيجية “سمكة الصحراء” التي أعلن عنها التنظيم عام 2015 كاستراتيجية عسكرية ينتهجها التنظيم ويلجأ إليها إذا اضطرته الظروف، وهي تقوم بالأساس على المراوغة، ونقل الصراع من مكان إلى آخر، وتنفيذ عمليات نوعية متزامنة. وتعتمد على انسحاب التنظيم من أماكن يتعرض فيها لضربات عنيفة وهجمات متتالية، إلى أماكن جديدة غير متوقعة من قِبل خصومه؛ ليُشكل بذلك منطقة نفوذ جديدة، يضمن فيها مزيدًا من الأتباع، ومزيدًا من الموارد المادية التي تساعده على استكمال أهدافه.

كان التنظيم قد كشف عن هذه الاستراتيجية في تقرير أصدره 2015  يستعرض فيه جهوده العسكرية لمواجهة أعداءه في مختلف المناطق . واستوحى التنظيم هذه الاستراتيجية من حركة سمكة الرمال - وهي إحدى الزواحف- التي تتنقل من مكان إلى مكان من خلال الغطس في الرمال، حيث تهرب من مكان لتظهر في مكان بعيدًا عن أعين أعدائها.

واعتماد مثل هذه النظريات ربما يضمن بقاءً مؤقتًا للتنظيم وتكيف مع كثرة الضربات التي يتلقاها، ففكرة كهذه تساعده على التأقلم في بيئات وظروف مختلفة حتى ولو لوقت قليل، يعاود بعدها استحداث طرق جديدة ليظل باقيًا.

وعلى ما يبدو فقد اعتمد داعش هذه النظرية مؤخرا في تنفيذ أهدافه وامتصاص شدة الضربات عليه فهو ينسحب من مكان يتعرض فيه لهجمات أو يلقى ضربات عنيفة، ليخرج في مكان آخر غير متوقع من قبل الخصم، كما سبق واستعمل هذا الأسلوب في الوصول إلى مناطق جديدة بعيدة عن المناطق التي يتواجد فيها.

وفي ظل تضييق الخناق على داعش وتطويقه في سوريا والعراق ، فإن هناك مؤشرات توحي بأنّ التنظيم يوجّه سهامه نحو دول عربية جديدة، ومن المحتمل أن تكون تلك الدول، هي الواقعة جنوبي سوريا.

فإلى الآن لم يُعرف عديد عناصره الذين عبروا الحدود السورية والعراقية إلى البلدان المجاورة، مستفيدين من معرفتهم الغة العربية أو مستغلين صفة اللجوء.

 

أخبار ذات صلة

تحدث وسائل إعلام غربية عن قصة مثيرة، بطلتها أستاذة جامعية سويدية، تمكنت من حبك خطة أنقذت أحد طلابها من أيدي المزيد

بثت قوات سوريا الديموقراطية "قسد"، السبت، مقطعا مصورا يظهر لحظة هروب عناصر تنظيم الدولة من المعركة ... المزيد