البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

مذكرات مجاهد (الحلقة الثالثة) للصحفي حسين المعاضيدي

المحتوي الرئيسي


مذكرات مجاهد (الحلقة الثالثة) للصحفي حسين المعاضيدي
  • حسين المعاضيدي
    05/07/2015 01:01

الحلقة الثالثة
 
أتواصل مع القراء الأعزاء في سرد مذكرات المجاهد (أبي حفص العراقي) الذي استأمنني عليها لأقوم بنشرها بعدما تأكدت من مقتله، وهاأنذا أنشر ثالث حلقات مذكراته التي يؤرخ ويوثق فيها لبدايات العمل الجهادي في العراق، ذلك الذي بدأ بثلة صغيرة، سرعان ما كبرت وتوسعت وانتشرت في كل ركن وكل زاوية من أرض بلاد النهرين، التي حباها الله وأكرمها برفع راية الجهاد في زمن الذل والعار والخنوع الذي تعيشه كثير من بلاد الإسلام التي ابتليت بتواطئ حكامها ممن جعلوا من أنفسهم وعروشهم نصل السكين الذي يمسك به غزاة الديار من الصليبين واليهود والفرس المجوس لنحر أمة الإسلام..!
 
وليعلم من لا يعلم أن (أبا حفص العراقي)، والذي أقوم بنشر هذه المذكرات على لسانه، بناء على وصيته، هو وبقية إخوته من تلك الثلة المباركة من المجاهدين الأولين إنما كانوا الشرارة التي قُدحت، والتي سيحرق لهيبها جموع الصليبيين في دابق، كما بشر بذلك أمير الإستشهاديين (أبو مصعب الزرقاوي)، تقبله الله، فماكينة الجهاد التي بدأت في عهد أبي مصعبٍ الزرقاوي، وتنامت في ظلال أبي عمرٍ البغدادي، لابد أن تُثمر في زمن أبي بكرٍ البغدادي وها هي تثمر خلافة على منهاج النبوة، سائلاً المولى القدير أن ينصر عباده المجاهدين من أنصار ومهاجرين، أينما حلوا، وأينما نزلوا في سعيهم لإعلاء راية الدين، ونشر عقيدة التوحيد، هؤلاء الذين يمثلون صحوة إيمانية لا يمكن لنصل سكين، أو لخنجر غدرٍ أن يوأدها!
 
* * *
يواصل المجاهد (أبو حفص العراقي) سرّد مذكراته وهو يستعرض حكايته وحكاية رفاق جهاده، وهم يؤسسون لبداية العمل الجهادي في أعقاب الاحتلال الأميركي للعراق، قائلاً:
 
وصلت إلى المعسكر ولم أكن لأصدق ما أنا فيه من خير عظيم، احتويت فرحتي ودهشتي، وقمت مع بقية الإخوة بتفريغ السيارة من الفُرش والسلاح، وأثناء ذلك كان اللقاء حميماً جداً بين (أبي يزيد) و(أبي رغد العتيبي)، فقد بقي (أبو رغد) واقفاً في مكانه وقد تقدم إليه (أبو محمد الكربولي) مسلّماً عليه، ووقف معه للحظات، وعند ذلك كان أحد الإخوة يحمل سلاحه، واقفاً هنا تارة، وهناك تارةُ أخرى، فلما رأى السلاح الذي جلبناه معنا فرِح فرحاً شديداً، مع انه أساساً كان مرحاً طيلة الوقت، أما أنا فقد كنت أكملت إنزال الأغراض، بما فيها أغراضي الشخصية، وقد وضع (أبو يزيد) فراشه في المسجد، وناداني لأضع فراشي قريبا منه، وفعلت ذلك، لكن لم يطب لي الجلوس أساساً فضلاً عن النوم..
 
عندها ناداني (أبو محمد الكربولي)، وكان لم يزل واقفا مع (أبي رغد)، فلما وقفت عندهم سلمت على (أبي رغد)، فقال لي (أبو حنظلة):
 
هذا (أبو رغد)، هو أمير المعسكر هنا، ثم قال لـ(أبي رغد) عليك بفلان، فأنه قد أوجع رأسي وهو يتكلم عن الذهاب لأفغانستان، فقال (أبو رغد):
 
هذه أفغانستان قد جاءت إلى هنا!
 
وكان الأمر كما قال فعلاً، عندها انصرفت إلى فراشي، ولكن لم يجد النوم لعيني سبيلاً، فبقيت أتقلب يمنة ويسرة، انظر إلى ما حولي عبر الظلام الدامس، وكان يرقد بجواري أحد الإخوة، طويل الشعر، وكانت بجانبه بندقية (RBk)، إلا أن (أبا رغد) لم يخلد إلى النوم، فقد كان (أبو همام الأردني) قد فوّت عليه فرصة النوم، لكثرة كلامه ومزاحه معه، بالرغم من أن عينّي (أبا رغد) كانت تطلقان التوسلات، إلا أن الأمر كان يحلو لأبي همام للحديث معه، عندها ترك أبو رغد فكرة النوم، لأنه لا جدوى من ذلك بوجود (أبي همام)، فأخذ يتجول في المركز، تعينه على ذلك طرفه الاصطناعية، وعندما رأى ذلك الأخ الذي كان يرقد إلى يساري، وقد أهمل سلاحه، باغته (أبا رغد) وسحب البندقية منه، وكانت هذه الطريقة التي يُعلّم الإخوة فيها الحرص وعدم الغفلة عن السلاح، حتى أثناء النومن فكان يتصيد أسلحة الإخوة الذين يهملون أسلحتهم أو يغفلون عنها، وبعد قليل قال (أبو رغد) لـ(أبي همام):
 
ألم تنته حراستك!؟
 
فقال له:
 
ستنتهي بعد قليل، ولكني أحب أن أواصل الحراسة!
 
فلما سأله عن الذي يليه في الحراسة أخبره بأنه (أبو مجاهد الشمري)، عندها قال (أبو رغد):
 
الأجر يا (أبا همّام) أن لا تحرم أخاك من أجر الحراسة، وإذا كنت طامعاً في الأجر، فأيقظه وأحرس معه!
 
وبعد قليل تقدم (أبو همّام) من ذلك الأخ الذي بجانبي وأيقظه للحراسة، فلما ذهب (أبو همّام) أنتفض الأخ، وقد افتقد سلاحه، فلاحظ بأني لا زلت مستيقظاً فسألني عن سلاحه وهو مستغرب لفقدانه ولوجودي في هذا المكان، فقد نام ولست معهم، عندها أجبته بأن (أبا رغد) قد سحب سلاحه، فأضطر (أبو مجاهد الشمري) أن يحرس ليلاً من دون سلاح، أما أنا فلم أزل أجول ببصري في المكان، وأنا انظر إلى سقف المسجد تارة، والى الإخوة الراقدين حولي تارة أخرى، متعجباً من حالهم، فما الذي دفع هؤلاء للعزوف عن الدنيا، واللجوء إلى بقعة مظلمة في عرض الصحراء، مع ما يلاقونه من تعبٍ ونصب، وهم رغم ذلك في قمة السعادة، فالسعادة والتعب يتقاسمان قسمات وجوههم.. وعلى هذا مرت اللحظات، حتى بدأ الإخوة يوقظ بعضهم بعضاً، فقد حان آذان الفجر، فبدأوا بالنهوض من فرشهم واحداً تلو الأخر، وأنا أُمعن فيهم النظر، وكل علامات الاستفهام تدور في خلدي!
 
نهضت أنا معهم، ونزلت إلى النهر، فتوضأت وعدت إلى المسجد، عندها رفع (أبو عاصم اليمني) آذان الفجر بصوته العذب، وبعد أن أتممنا صلاة سنة الفجر، أقيمت الصلاة، وصُفّت الصفوف، فسمعت صوت (أبي رغد) يقول لأحد الإخوة(تقدم يا أبا كنعان)، فتقدم الأخ (أبو كنعان اليمني) وتخلل الصفوف وتأكد من تسويتها، مستعينا بمصباح صغير، ثم تقدم إلى موضع الإمام، فكبر تكبيرة الإحرام، فصلى بنا، وكان يبدو من قراءته انه متقن لقراءة القرآن..
 
وبعد إتمام الصلاة وما تخللها من نشيج وعبرات للإخوة، جلسنا يلفنا الظلام لذكر أذكار الصباح، بعدها بدأ الصبح يتنفس، فتحلّق الإخوة بضع حلقات لقراءة ما حفظوه من سورة الأنفال، فقد كان هناك برنامجا إيمانياً موازياً للبرنامج التدريبي، فجلست أنا في أقرب هذه الحلقات إليّ مع دهشتي، وتقلبَ بصري في وجوه الإخوة وقد بدأ ضوء الصباح يكشف عن بعض قسماتها، فسبحان خالق هذه الوجوه كم فيها من نور الإيمان ومن وقار وطمأنينة!
 
عندها بدأ الإخوة بالتلاوة، وقد كان يدير حلقتنا أحد الإخوة أسمر البشرة، ضعيف البنية، لا يكاد بصري ينزل عن وجهه، صوته هادئاً، مطمئناً جداً، وكان أسمه (أبو دجانة اليمني)، وبالرغم من انه من اليمن، إلا أنه كان يسكن بلاد الحرمين، وكان يبدو عليه الوقار، ولم اسمع في حياتي على الإطلاق أجمل من صوته بقراءة القرآن، دون مبالغة، فكان صوته من أعجب العجب، وكان كذلك من حفظة كتاب الله، مضافا إليه بعض كتب الحديث، كبلوغ المرام، وغيره..!
 
بدأ الإخوة بتلاوة ما كان عليهم حفظه من سورة الأنفال، وكان (أبو دجانة) يستوقفهم عند الأخطاء، سواءً في الحفظ أو أحكام التلاوة، وأجمل شيء مرّ بي هو أصوات الإخوة الخافتة مع بداية شروق الشمس، والتي بدأت تعلو مع علوِّ أصواتهم التي كانت كطنين النحل..!
 
بعد انقضاء حلقة التحفيظ، نهض الإخوة استعداداً للتدريب، ولم تتجاوز قدماي حدود المسجد، والتي هي عبارة عن أحجار مرصوفة، وكانت أنظاري تتلاقى مع نظرات الإخوة، وما وقع بصر أحدهم عليّ إلا والبسمة على محياه، فرحاً بالضيف الجديد، وهم يرون (الأنصار) لا يقلون عنهم في حِمل همّ الدين والعمل على إعلاء كلمة الله، باذلين الروح والدم رخيصة في سبيل الله، وكل منهم يصافح يدي ويضمني إلى صدره، وكان مشهداً مليئاً بالمشاعر، مفعماً بالأحاسيس، وما يكحل هذا المشهد هو جو المسجد مع الصبح إذ تنفس، عندها عمت صيحات (أبي رغد)، وهو ينادي:
 
إجمع إجمع!

وفي لمح البصر كان الإخوة قد اصطفوا صفين متوازيين خارج المسجد، كنت قد تقدمت أحدهما، وكان أحد الإخوة يتقدم الصف الآخر وهو (أبو عمر النجدي)، وبالطبع كان الإخوة الأنصار الذين قدموا معي ليلاً من ضمن هذين الصفين، عندها تقدم (أبو رغد)، ووقف مقبلاً بوجهه إلينا، عاصب الرأس، يتعكز على ساقه الاصطناعية، فبدأ يوجه كلامه إلينا كأنه أسد يزأر غضباً وحنقاً على أعداء الله، فبدأ يُذكّرنا بحرمات المسلمين وأعراضهم، التي اغتصبها أرذل خلق الله وهم الأمريكان، وهم يسرحون ويمرحون في بلادنا، يعيثون في الأرض الفساد، وكان كلامه يلامس قلوبنا، كأنه سهام تشق الصدور، لتستقر في شغاف قلوبنا، والدمع ينهمر من الأعين، وكان يتفجر غضباً وهو يتكلم معنا بهذه الكلمات وقد أحمرت عيناه وهما مملوءتان بالدمع، وصوته يكاد يتقطع من شدة الحزن، فكان يفرغ ما في قلبه من الحزن والأسى، ويُحرّض الإخوة بكلامه محفزاً إياهم على بذل الجهد الجهيد في إعداد العدة وتهيئة النفوس لبذلها وارخاصها في سبيل الله تنكيلا بأعدائه، ثم ذكّرنا بكلمات الشيخ المجاهد (عبد الله عزّام)، رحمه الله، والتي يقول فيها (أن الدعوات تحسب دائما في حسابها، أن الجيل الأول الذين يبلغون أولئك الدعوات يُكبّر عليهم أربعاً في عداد الشهداء)، ثم قال لنا بعد ذلك كلمة لم يتجاوز معناها واقعنا فيما بعد، فقال مشيراً إلينا(أنتم جيل الدم) الذين ستبادون كلكم لتحيا بدمائكم أجيالاً من الشباب يجاهدون في سبيل الله..! وكأن الله، عزّ وجل، قد أنار بصيرته لما سيكون لنا، فقد كان الأمر كذلك، فلم يعش الإخوة طويلاً ليخوضوا غمار المعارك، بل أنهم انتقلوا إلى دار قرارهم بعرس واحد، وفي ليلة واحدة، ما خلا بعضهم، ممن لم يصبروا بعد إخوانهم طويلاً، ولكنهم فعلاً بدمائهم قد أحيا الله أجيالاً من الشباب قد انتبهوا بعد طول غفلة، ولا يزال الأمر تِباعاً كراية يوم مؤتة، لا يكاد حاملها يسقط شهيداً حتى يبادرها التالي، يرفعها فيغيض بها الكفار، حتى فتح الله على المسلمين.
 
أوكل (أبو رغد) الأمر إلى (أبي يونس اليمني) ليبدأ معنا بالتدريب البدني كالمعتاد، فقال لنا (أبو يونس) اصطفوا صفاً واحداً، مشيراً بذلك أليّ لأتقدم بالصف الذي من خلفي حتى يكون الصف الثاني هو الشطر الآخر من صف طويل، ثم تقدمني (أبو يونس) وبدأ بالهرولة فتبعته ومن خلفي جميع الإخوة فأبعد بنا (أبو يونس)، فحيناً ينزل بنا وادياً، وحيناً يصعد بنا مرتفعاً من الأرض، وأحياناً أخرى يهرول بنا في طرق وعرة، وقد بلغت بي المشقة مبلغاً ولكني كنت انظر أمامي إلى (أبي يونس)، وهو بكامل اللياقة، لا يأبه بطول المسير والدرب العسير، وأجمل شيء كان نقلات أقدامه بكل خفة، والأجمل من ذلك هو أنه كلما رأى حجراً في طريق الإخوة كان يركله بقدمه بحركة جميلة دون أن يؤثر ذلك على سيره، فعرفت من هذه الحركة انه قائد بمعنى الكلمة، وان له باع طويل في الجهاد، وذلك لأنه قوي البنية، رشيق الحركة، لا يجد التعب إليه طريقاً، وهو يتقدم أخوانه وانه يعرف ما يؤذي أصحابه ويعيق سيرهم فيحرص على إزالته، سواء أكان حجراً، أو حاجزاً معنوياً، كل ذلك استنتجته من حركته البسيطة تلك، ولم يكن تخميني يبعد عن الواقع قيد أنملة على الإطلاق..!
 
الوقت كان يمضي بنا قُدماً ونحن نمضي كذلك، نهرول متسابقين مع الزمن، في محاولة لإدراك ما فات الأمة من عصور السيادة والريادة، مصممين على إحدى الحُسنيين، إن شاء الله، وخلال هذه الهرولة كان بعض الإخوة قد تساقطوا من هذا الصف ليعودوا يجرون بخطاهم إلى المركز، وعندما كان (أبو يونس) يشعر بتعب الإخوة، يوقف المسير، ولكن ليس للراحة، بل للنزول عشر ضغطات، وعلى هذا الحال مرت بنا ساعة من الزمن، أو أقل بقليل، ثم عاد بنا (أبو يونس) إلى المركز، وعندما اقتربنا منه توقف الصف الطويل، فتقدم (أبو عبيدة الأردني) ليقف أمامنا، فبدأ يعطينا بعض تمارين اللياقة البدنية، وبعدها دخلنا متهالكين تحت ظل المسجد حيث كان (أبو رغد) جالساً، طيلة الفترة مع من لم يتمكن من مواصلة التمرين، وبعد أن جلسنا وقد أخذ منا التعب مأخذاً، كان الإخوة يجلسون مثنى وثلاث ورباع، يخوضون في مواضيع شتى، وكنت قد جلست في نهاية المسجد، وبالقرب مني أحد الإخوة، يطيل الصمت ويجلس بمعزل عن الإخوة، بينما كان (أبو رغد) يجلس مع (أبي بلال الكربولي) وغيره من الأنصار الجدد، وفي تلك الأثناء كان (أبو القعقاع الأردني) منشغلاً بإعداد الفطور، وقد طرأت عليه بعض الزيادات، فأعد قِدراً من الحليب، وبعدها قام بتوزيع قدح من الحليب، وربع رغيف من الخبز لكل أخٍ، أما التمر فقد أستزاد (أبا رغد) الإخوة، فأشار أحد الإخوة لـ(أبي رغد) وقال له:
 
السُنة يا (أبا رغد).. قاصداً بذلك أن يجعلها سبع تمرات!
 
فوافق (أبو رغد) على ذلك، وقد أخذ كل من الإخوة خبزه وتمراته، منتظراً دوره ليفرغ أحد الأكواب ليشرب الحليب، حيث كان الإخوة يتناوبون على الأكواب لقلة عددها!
 
وأتممنا الفطور فانصرف الإخوة كل لشأنه، فبعضهم ارتأى أن يخلد إلى النوم، مستغلا فترة الراحة قبل صلاة الظهر، وبعضهم لا يمل من الحديث مع إخوانه، والبعض تسمع صوته خافتا بالقرآن، أو تجده راكعا ساجداً، أما أنا فلم أكن قد مللت التحديق في وجوه الإخوة بعد، فأتنقّل ببصري من (أبي محجن النجدي) إلى (أبي سليمان النجدي) ثم إلى (أبي مجاهد الشمري) و(أبو خطاب الشمري) وبقية الإخوة، ثم جلست في السيارة مع الإخوة الجدد نستمع إلى بعض الأناشيد فما تمالك أحد منا دموعه..!
 
كان أبو محمد الكربولي قد نزل ليسبح في نهر الفرات حينذاك، فنزلت معه إلى النهر، وبعد آذان الظهر عدنا إلى المسجد، فصلينا الظهر، ثم أستقل أبو محمد سيارته ليعود إلى عمله في جمع السلاح، فطلب مني مرافقته إلى أحد مخازن الجيش العراقي السابق، فذهبت معه، بعد استئذان (أبي رغد)، وتوجهنا إلى ذلك المخزن الكبير..
 
وبعد ساعات من السير غدونا على أطراف المخزن، وكان ذا مساحة واسعة، وعندما لاحت لنا بعض المدرعات الأمريكية، فوجئنا بوجودها في المخازن، حاولنا الدخول من زاوية أخرى، فلم نوفق في ذلك، ولم يبق لنا سوى خيار العودة، وقد أدركنا غروب الشمس، فانعطفنا شمالاً إلى مدينة (القائم)، ولم نصل هناك حتى وقت متأخر، فبتنا ليلتنا هناك، فانقضى بذلك أول يوم لي في معسكر (راوة) مع تلك النواة الطيبة المباركة من مجاهدي أرض الرافدين، لتتوالى بعد ذلك أيام أُخر تحمل في طياتها أفراح، وجِراح!
 
في اليوم التالي وبعد أن صلينا الفجر توجهت مع (أبي حنظلة) إلى أحد المقرات العسكرية التي أنهكها القصف الأمريكي في مدينة (القائم)، في محاولة لإيجاد ما قد ينفع الإخوة في المعسكر، فالتقطنا من هناك بعض الأشياء البسيطة ثم عدنا بها إلى المعسكر، وقد كنت هذه المرة أركز جيداً على الطريق، حتى وصلنا إلى مشارف مدينة (راوة)، فعرجنا عليها، ثم عبرنا الجسر متوجهين إلى قلب المدينة، ولم أكن قد دخلت مدينة (راوة) قبل أمر المعسكر، فكان كما قال عليه الصلاة والسلام (سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)، وبعد ذلك بدأنا المسير في طريق صحراوي متعرج وأنا اُطالع الطريق، وأحفظ علاماته، حتى بدا لنا المعسكر من بعيد، ثم اقتربنا منه أكثر فأكثر، إلى أن وقفت السيارة بقرب المسجد، فنزلت مرة أخرى إلى أرض المعسكر، وكنت قد ألِفت بعض الوجوه، فلم تكن دهشتي كأول مرة، إلا ان الشوق كان قد أجهدني وأنا انتظر العودة مرة أخرى إلى أرض المعسكر..!
 
وبعد أن دخلت المسجد وسلمت على الإخوة الذين كانوا فرحين بعودتي إليهم، كفرحتي بذلك، قمنا بإنزال الأغراض التي قمنا بجلبها معنا في السيارة..!
 
وقد بقيت واقفا ولم أجلس، أقف هنا وهنا، اُطالع الوجوه والمكان، وكانت عيني عطشى لهذه المشاهد، وأجمل ما في الإخوة هو شدة محبتهم وتآلفهم مع بعضهم البعض، مع كثرتهم واختلاف ألسنتهم وألوانهم، فبالرغم من إن إخوّة الدين تفوق كل الروابط، وتكسر كل الحواجز، إلا أن الأمر كان مختلفا كمّاً ونوعاً عند الإخوة عن غيرهم من المجاهدين، كما رأت عيني ذلك، فللأخوّة هناك شعوراً آخر!
 
بقيت أجول في المكان ببصري وجسدي، فدخلت غرفة (أبي رغد العتيبي)، فرأيت فيها ثلاثة من الإخوة كان قد أقعدهم المرض وهم (أبو العباس المالكي) و(أبو عبد الله العتيبي) و(أبو حفص النجدي)، وقد كان (أبو العباس) من أقرب المقربين لـ(أبي رغد)، فقد كان رفيق سفره من ديارهم إلى أن وصلوا أرض المعسكر، ويمتاز بشخصية قوية، ورجاحة رأي، إلى جانب شخصيته القيادية، فضلا عن طيب معشره، وحسن خلقه، وكان أفضل من رأيت وسمعت بتأويل الرؤى، فكان تعبيره لا يكاد يخطئ، إلا ما شاء الله!
 
بعدها دخلت إلى الغرفة الأخرى فوجدت أحد الأخوة طويل القامة، بهي الطلعة، باسم الثغر، وكان من أعجب الإخوة، وهو (أبو صهيب النجدي)، الذي جلس وثغره لا يمل الابتسامة في وجوه الإخوة، مُنسِياً إياهم بذلك ما بهم من ألم أو غيره من كدر الحياة وضنكها، بعدها انصرفنا لصلاة الظهر، ومن بعدها رقد الإخوة بعد عناء التدريب وبقية الأعمال!
 
وكان أجمل شيء هو مداومة الإخوة على الحراسة، فقد اختار (أبو رغد) موقعاً على أحد التلال المشرفة على المعسكر، وكذلك على الطريق المؤدية إليه، بحيث يتبين للأخ المرابط أي حركة في تلك المناطق الشاسعة، وكان كل أخ يرابط في ذلك المكان ساعة من الزمن، يحصدون فيها ما الله به عليم من الأجور، ويجدون في حر الشمس السعادة المفقودة، والتي حَرمَ كثير من الناس أنفسهم منها جهلاً، وظناً منهم أنهم كسبوا بالقعود راحة أنفسهم وأبدانهم، فما أجملها من حياةٍ تلك التي تحررت فيها النفوس من مظاهر الركون إلى حطام الدنيا أو أيٍ من مظاهر الطغيان على شريعة الرحمن!
 
 
خاتمة الحلقة
 
وأنا استعد لإعادة نشر تفاصيل الحلقة الثالثة من (مذكرات مجاهد)، هذه التي تضع القواعد الأساسية لأي عمل أو تخطيط لمشروع جهادي، وصلتني رسالة من أحد الإخوة يشكر الله فيها أنني أوصلت أمانة هذه المذكرات، بعدما كانت بين يديه يوماً..!
 
ويقول الأخ، مرسل الرسالة، أن هذه النسخة من المذكرات كانت في حوزته، لكنه لم يحافظ على الأمانة، ليس عن تقصيرٍ، أو جهلٍ بأهمية ما تحويه، وإنما لتعرضه للإعتقال في أوائل سنوات الاحتلال، على يد قوات الاحتلال الأميركي، مع النسخة التي كانت بحوزته، والتي تمت مصادرتها حينذاك..!
 
ويؤكد الأخ المرسل، أن تلك النسخة، التي إنتهى من كتابتها (أبو حفص العراقي)، استودعها عند أخ أخر، هو (أبو عزّام الفهداوي)، والذي سلّمها بدوره إلى الأخ مرسل الرسالة قبل أن يتم اعتقاله مع نسخة المذكرات!
 
ويذكر الأخ المرسل في رسالته، أن من سلّمه أمانة المذكرات، (أبو عزّام الفهداوي)، كان قد أخبره أن هذه هي المرة الثالثة التي يتم فيها إعادة كتابة هذه المذكرات، وإن كل من احتفظ بها، إما يتم قتله على يد المحتلين الغزاة، أو يتم اعتقاله، طالباً منه، وبشدة وحرص، المحافظة على تلك النسخة الأخيرة التي بين يديه، خصوصاً أن من بقي لاحقاً، ليروي كل هذه التفاصيل قد فارق هذه الحياة الدنيا مرتحلاً إلى جوار ربه الرحمن، وهو ما يذكرني بقول (أبي حفص العراقي)، حينما سلّمني أمانتها يوم ذاك، أنه باتت لهذه القصة قصة..!
 
الأخ، صاحب الرسالة، يأسف كذلك لإنه لم يقوّ على حمل الأمانة، رغم أهميتها، محملاً نفسه مسؤولية التقصير، وأنه بقيَ لسنين تحت ضغط الشعور بالإهمال، رغم أن ذلك لم يكن إلا بسبب قيود المحتل وزنازين الطغاة..!
 
لهذا أخاطب الأخ المرسل، ومعه كل من يهمه أمر الجهاد، وأقول:
 
أن التوثيق، يوماً بيوم، لبدايات ومراحل الجهاد، لهو معركة كبرى بحد ذاته، يُجنّد له الجنود، وتُجهزّ له المحابر، وتُسخّر له المنابر، وتُبرى له الأقلام، فهل رأيتم كيف أن هؤلاء الفتية المجاهدة، المؤمنون بربهم، يتفانون ويتسابقون ويتنافسون، إلى جانب قتالهم، في المحافظة على الإرث الجهادي، لا بحثاً عن مجد شخصي زائل، ولا عن صيت وشهرة زائفة، هم في غنىً عنها، كلا والله، بل لإدراكهم أن هذه القصص الجهادية ستصنع جيلاً، بل أجيال دم، كما وصفها عبدالله عزام، رحمه الله، وستبني قلاعاً وحصوناً من جماجم، سيعجز الكفر، بكل ملله ونحله، من أن يجتاز أسوارها، أو يتمكن من الوقوف بوجه تسونامي مدّها!
 
فيا إخوة الدم، اعلموا أن أجيالاً جهادية متعاقبة، من خيرة شباب هذه الأمة، قد حملت شعلة الجهاد ورايته، لتعيد لقلب الأمة نبضه المعتل، فتحييه من جديد، فهلا صنّا الأمانة، كما صانوها، وهلا حمينا السارية، بعدما ثبتوها، وهلا حافظنا على إرثهم وتاريخهم وهم الذين خطّوه بأسنة الحراب والرماح، وهلا سلّمناه، بكل أمانة، لمن يسلك خلفهم صراط الجهاد!!
 
أيها الحبيب:
 
تيقن أن (الفجر) ما عاد (بعيد)، وسواد الليل، رغم حلكته، بإذن النور، سيعقبه ضياء فجر قريب!
 
وللمذكرات بقية..
 

أخبار ذات صلة

الحمد لله وبعد فهذه مسائل فقهية حول أحكام صلاة المريض ،وما يتعلق بها من أحكام الطهارة وغيرها . وقد كان الحامل على جمعها وكتابتها ما نعاني منه جميعاً من ا ... المزيد

لم يعد خافياً على أحد الدور الكبير والمحوري الذي يشكله السلفيون “المداخلة” في تكوين مليشيات حفتر التي هاجم ... المزيد