البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

مبادرة الإخوان .. وواجب الوقت !

المحتوي الرئيسي


مبادرة الإخوان .. وواجب الوقت !
  • جمال سلطان
    28/01/2019 04:42

أطلقت مجموعة متحدثة باسم الإخوان المسلمين مبادرة سياسية لمن أسمتهم "رفقاء الثورة" ، خلاصتها الدعوة لتشكيل هيئة تأسيسية وطنية في الخارج ، مكونة من ثلاثين شخصا ، توكل قيادتها لأحد القضاة الذين لجأوا إلى خارج مصر ، وتكون ممثلة للقوى والهيئات والأحزاب خارج مصر ، على أن تكون مدتها ستة أشهر يمكن أن تمتد لشهرين آخرين ، وذكرت المبادرة عدة أهداف لهذا العمل بعضها مما تتفق عليه قوى الثورة والقوى الوطنية المصرية والبعض الآخر مما تتحفظ عليه أو ترفضه بقية القوى المختلفة مع الإخوان وحلفائهم .

تكوين الهيئة والأهداف التي ترمي إليها تميزت ـ كالمعتاد ـ بمساحات واسعة من الغموض واللغة الزئبقية التي لا يمكن أن تضبطها في محددات صارمة ، مثل الحديث عن شرط أن تكون القوة الممثلة في الهيئة لها قدرة على التحرك ، ومثل الحديث عن أن الهيئة تمثل قوى الخارج وأحزابه وهيئاته ، وبالنظر إلى أن الإخوان لديهم إسهال شديد وبراعة في توليد الهيئات فالطبيعي أن تجد في النهاية أن غالبية تلك الهيئة التأسيسية مشكلة من كوادر وهيئات الإخوان ، وأنها مجرد ذراع سياسي لجماعة الإخوان من الناحية العملية .

كذلك الحديث عن أهداف الهيئة التأسيسية بأنها تنزع الشرعية من السيسي وتعيدها إلى من أتى به الشعب ، ولا أدري ما الذي منع الجماعة من أن تذكر اسم الدكتور مرسي بوضوح ، هل هو الحرج أو ترك مساحة غامضة للتفسير المتباين للهدف .

يبدو مما نشر أن هذه الفكرة هي من أفكار الجناح الذي يقوده الأستاذ إبراهيم منير والأستاذ محمود حسين ، لأن منير تكلم وعلق على البيان بعد ذلك عبر قناة الجزيرة ، والحقيقة أن هذا الجناح الذي أطلق مبادرة لجمع شمل القوى السياسية لم ينجح حتى اليوم في إطلاق مبادرة لجمع شمل الأجنحة الإخوانية المختلفة والمتصارعة في الخارج ، ويمارس عليها الإقصاء وحملات التشهير والتضييق المادي والإعلامي ، والصراعات بينهم مشهورة وعلنية ، فإذا كنت غير مؤهل لمعالجة مشكلاتك التنظيمية بين أجنحتك ، فكيف تتصور أن الآخرين يمكن أن يثقوا في خطواتك نحو توحيد الصف الوطني بتأسيس عادل وشفاف .

والمثير للدهشة أن الجماعة تتقدم بوصفها صاحبة الولاية والهيمنة والوصاية على الحياة السياسية ، فهي لا تدعو "رفقاء الثورة" للحوار للخروج بأفكار ومشروعات ، وإنما هي فكرت وقررت ورسمت الطريق وحددت الهياكل ، ودعت الجميع إلى ملئها ، وفق التصميم الذي حددته الجماعة ، وأن دستور الهيئة الجديدة ـ الذي وضعته الجماعة ـ يفوض الأخ إبراهيم منير في اختيار ثلاثة أعضاء من المسجونين حاليا ، يختارهم بمعرفته وحساباته ، ويترك اثنين آخرين تختارهما الهيئة ، والتي سيغلب على تشكيلها كوادر الإخوان طبعا ! ، من هذا الذي يقبل بهذه الإهانات السياسية في القوى الوطنية المصرية بكاملها ، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، وإذا كنت تتحدث بتلك الوصاية والاستعلاء وأنت محاصر ومطارد ومهجر ومسجون ، فكيف يكون الحال لو كانت لك سلطة أو قرار حقيقي في الواقع .

الإخوان وصفت مبادرتها بأنها "واجب الوقت" ، ولا أدري لماذا تأخر واجب الوقت ثماني سنوات كاملة ، ومن المسئول عن تأخر واجب الوقت ، ومن الذي كان يفر من أي فكرة بهذا الاتجاه ويندد بأصحابها ، ومن الذي صنف القوى الوطنية وشوه سمعتها وطعنها في نزاهتها وشرفها السياسي وسب رموزها فردا فردا ، لأنهم لم ينحازوا للجماعة ومرسي في خلاف 30 يونيه ، وما الذي تغير فعليا الآن لكي ترى الجماعة أن الوحدة مع "رفقاء الثورة " هي واجب الوقت ، لقد كانت الجماعة في السنوات الماضية في عنفوان الحضور النسبي في الشارع وامتداد الغضب من إقصائهم ، فتحركوا باستغناء عن الآخرين واستعلاء عليهم ، فلما ذهبت ريحهم ، وأصبح تأثيرهم منعدما تقريبا في الشارع ، وشاحبا في الحياة السياسية بكل تفاصيلها ، بدأوا يتحدثون عن لم الشمل ووحدة الصف الوطني .

 

من الواضح أن إطلاق تلك المبادرة من إخوان الخارج يكشف عن "غيبوبة" سياسية تعزلهم عن إدراك واقع البلاد بشكل صحيح ، في مرحلة ما بعد 3 يوليو ، هناك إجماع سياسي الآن في مصر على رفض جهتين : الجهة الأولى : النظام الحالي بمكونه العسكري وبسياساته وخياراته الأمنية والقضائية والاقتصادية ، والجهة الثانية هي الإخوان وأي عودة لهم إلى صدارة المشهد السياسي فضلا عن الحكم والسلطة ، وأن أي حديث عن الإنقاذ يأتي بعد تلك المقدمة الضرورية .

هذه الرؤية لم تأت لخلاف ايديولوجي الآن ، وإن كان ذلك الخلاف حاضرا في السابق ، لكنها تأتي من حقيقة أن الإخوان اليوم هي أحد أسباب الأزمة جوهريا ، أزمة الانقسام الوطني وضياع الثورة ، وأسباب الأزمة لا تكون جزءا من حلها بداهة ، كما أن فكرة الجماعة وأدبياتها الدينية ونسقها التنظيمي التاريخي لا تستقيم في منظومة أي عمل سياسي دستوري ، ويصعب أن تتفهم دورها السياسي في أي مادة من مواد الدستور الحالي أو حتى دستور 1923 الذي تقول مبادرة الجماعة أنه منطلق للاتفاق على قواعد دستورية أساسية ، كما أن الملفت للنظر أن الجماعة يفترض أن لها حزبا سياسيا هو حزب "الحرية والعدالة" ويفترض أن الأحزاب السياسية وليست الجماعات الدينية هي التي تقوم بهذا الدور السياسي والتنسيق مع الأحزاب ، ولكن يبدو أن الجماعة أقرت للآخرين ـ وللنظام طبعا ـ بأن الحزب كان مجرد هيكل شكلي تتستر خلفه الجماعة ، وأنه ظل لا وجود له في الواقع فعلا ، وعند الجد يتبخر دوره ، وتكون الجماعة وحدها هي صاحبة المبادرات وهي صاحبة المشروع السياسي .

والحقيقة ، والأمانة ، تقتضي منا الصراحة مع الجماعة والمخلصين فيها ، إذا كانوا فعلا يخلصون النصيحة للوطن ، والعمل من أجل شعبه وإنقاذه ، فإن الضرورة العملية تقتضي أن تنأى الجماعة بنفسها ـ كتنظيم ديني ـ عن المضمار السياسي ، ليس لعشر سنوات كما اقترح البعض ، بل بشكل كامل ومبدأي ونهائي بلا عودة ، وأن تتفرغ بطاقاتها وخبراتها للعمل المجتمعي الأهلي ، كنشر العلوم الدينية أو العمل الخيري أو التربية الأخلاقية ونشر الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة ، وهو عمل أبقى وأطول عمرا وأنفع للأمة من السياسة وتقلباتها ، وهذا لا يمنع أيا من عناصرها من أن ينضم إلى أي حزب سياسي قائم أو محتمل ، ولا أن يؤسس بعضهم حزبا جديدا ، ولتخلي الجماعة الطريق أمام شبابها ليبدعوا مسارات جديدة غير محملة بعبء الماضي وخبراته المحبطة ويدخلوا في شراكة وطنية حقيقية مع أبناء وطنهم من مختلف التيارات الأخرى ، لكن الجماعة ، ككيان تنظيمي ديني تاريخي ، ستكون عبئا على أي مستقبل سياسي لمصر ، ومعطلا لأي جهد وطني حقيقي للإنقاذ ، ومشتتا لجهود القوى الوطنية من أجل إحياء ثورة يناير وأهدافها ، وعامل انقسام وتفجير للوحدة الوطنية بمفهومها الواسع .

على الجماعة أن تبتعد عن المشهد السياسي ، وفي المرحلة الأولى تعود خطوات إلى الوراء ، ولا تفكر نهائيا في أن توجد في المشهد السياسي فضلا عن محاولة تصدره ، لأن هذا إضرار مباشر بأي مشروع للإنقاذ في مصر ، وتفجيره من بدايته ، وإفشاله من خطواته الأولى ، هذا إذا كنا نفكر بتجرد من أجل الوطن ، ومن أجل الإنسان ، ومن أجل القيم العليا للإنسانية ، ومن أجل العيش والحرية والعدالة والكرامة ، من أجل ثورة يناير ، وينبغي التعامل مع الفكرة بهدوء وتأن وسعة أفق وتسام عن حظوظ النفس والعصبيات التنظيمية ، فصاحب هذه السطور لا يملك حزبا ولا جماعة ولا يطمح في سلطة ولا منصب من أي نوع ، ولا يملك إلا قلمه ، وحبه لوطنه ، وشوقه ـ كمواطن مصري ـ أن يرى بلاده تنعم بالحرية وشعبه ينعم بالكرامة والعدالة والعيش الكريم .

 

أخبار ذات صلة

انتهينا في الحلقة السابقة عند شرح واقعة مهمة من الوقائع التي وقعت في الفترة من عام 1986 حتى عام 1996، وهي واقعة قسم "الطلاب"، وكيف أن هذه الواقعة وغي ... المزيد

لم يكن ابن تيمية يبدع التصوف في نفسه ولكن كان يبدع الممارسات والفلسفات الخاطئة التي تسربت للتصوف ،وكان معظما لآئمة التصوف السني وكان ابن القيم رحمه ... المزيد

"الداعية" الإخواني وجدي غنيم (مواليد 1952).. شخصية قد تكون مُثيرة للجدل، ولكنها أيضًا تُثير التساؤلات أكثر من الجدل.

غني ... المزيد

هناك رجال من أهل العلم نفروا لطاعة الرحمن بالجهاد، فتركوا زهرة الدنيا ومتعها، وأقبلوا على الله إلى مظان الموت والبلاء.

هم ... المزيد