البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

ما وراء التصعيدات العسكرية الأخيرة لحركة طالبان في أفغانستان

المحتوي الرئيسي


ما وراء التصعيدات العسكرية الأخيرة لحركة طالبان في أفغانستان
  • مصطفي زهران
    10/08/2021 05:12

تسارعت وتيرة تحركات طالبان">حركة طالبان على الأرض عملياتيا وعسكريا منذ إعلان الولايات المتحدة الأمريكية تأكيدها على انسحاب قواتها من الأراضي الأفغانية بحلول نهاية العام الجاري، التي جاءت تتمة لسلسلة من المفاوضات الجادة  مع الحكومة الأفغانية لإحلال السلام برعاية من قبل الإدارة الأمريكية بدأتها في نهايات حكم الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” في العاصمة القطرية الدوحة مع القيادة الجديدة للحركة.

 

ومنذ مجيء “جو بايدن” إلى السلطة أوائل العام الجاري، ومع عدم وضوح رؤية إدارته الجديدة في الشهور الأولى من حكمه للوضع في أفغانستان، كانت لدى الحركة تخوفات من أن يعاد النظر في ملف مغادرة القوات الأمريكية من البلاد، إلا أن التأكيد من قبل بايدن على انسحاب الجنود الأمريكيين من قواعدها في أفغانستان حفز طالبان">حركة طالبان  للتصعيد من عملياتها العسكرية بشكل فاجأ الكثيرين من المراقبين في الداخل والخارج على حد سواء.

 

حيث أسفرت عملياتها السريعة والحاسمة في بسط سيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي التي لم تصل لها من قبل، منذ ظهورها على مسرح أحداث المشهد الأفغاني طوال العقدين الماضيين، وتحديدا في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية والأقاليم الوسطى مثل غزني وميدان وردك، إضافة إلى اقترابهم من المدن الكبرى مثل قندوز وهيرات وقندهار ولشكرغاه، فضلاً عن سيطرتها على عدد من المعابر الحدودية الرئيسية أيضاً، بما في ذلك معبر “سبين بولداك” البوابة رئيسية للعبور إلى باكستان، وذلك تحت قيادة زعيم الحركة الحالي ” هبة الله أخوند زاده”، والذي رغم اختلافه عن سلفه الملا أختر محمد منصور الذي اغتيل عام 2016  والملا عمر، إلا أنه يتشابه مع الأخير في تواريه عن الأنظار، وظهوره النادر، وإصداره للبيانات والقرارات المكتوبة من حين لآخر على غرار ما كان يحدث مع الملا عمر.

 

في موازاة ذلك ساهم هذا التصعيد العسكري لطالبان">حركة طالبان تزامنا مع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في طرح الكثير من التساؤلات حول الأهداف التي تسعى الحركة لتحقيقها من خلال عملياتها العسكرية، وإمكانية أن يفضى ذلك إلى سقوط العاصمة ” كابول ” في أيدي طالبان، ودلالات الامتدادات السياسية وجولات الحركة خارجياً والتي شملت أكثر من دولة على رأسها إيران وروسيا وتركيا وأخيرا الصين، وموقف الحكومة الأفغانية ونظرة إدارة بايدن لها، فضلاً عن مستقبل أفغانستان في ظل المعركة الدائرة بين طالبان من جهة والحكومة الأفغانية من جهة أخرى، وهو ما سنسعى لسبر أغواره في الأسطر القليلة القادمة.

 

 

طالبان وحكم أفغانستان

 عقب التوغل العسكري الأخير لطالبان">حركة طالبان في أجزاء كبيرة من الشمال والجنوب الأفغاني لشغل الفراغ الناجم عن انسحاب القوى العسكرية الغربية وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية توازيا مع التحركات السياسية النشطة لقادة الحركة على الصعيد الخارجي، تصاعدت التكهنات من اقتراب طالبان من إسقاط العاصمة كابول، ومن ثم إخضاع كامل التراب الأفغاني لسيطرتها ومن ثم حكم أفغانستان ليتحقق هدفها الذي أنشئت من أجله وهو تدشين الإمارة الإسلامية على أنقاض الدولة الأفغانية الحالية.

 

بيد أن الوقائع الجارية على الأرض من حيث الاستهداف العسكري لجغرافيات ومناطق محددة دون غيرها، والإطار السياسي الذي تسير عليه الحركة تنفي هذه الفرضية، وذلك لسببين رئيسيين:

 

أولهما: أن طالبان">حركة طالبان لم تستهدف المراكز، واقتصرت على المديريات، وفي ذات الوقت لم تقترب من العاصمة كابول وكان بمقدورها بكل سهولة ويسر تحقيق ذلك، إلا أنها لا ترغب في ذلك في المستقبل المنظور ما يجعل من استهداف كابول أو إسقاطها فرضية يصعب التكهن بها، ويرجع ذلك إلى أن لدى الحركة وعيا كبيرا بالخطوط الحمراء التي لا تريد تجاوزها خشية اصطدامها بالمجتمع الدولي ككل وليس الولايات المتحدة الأمريكية وحسب، ما يعني أن دخول كابول يمثل ضياعا للمكتسبات التي حصلت عليها سياسيا وعسكريا في مناطق أخرى قد تقل أهمية عن العاصمة، إلا أنها بالغة الأثر وذات أهمية استراتيجية في ذات الوقت، فسقوط كابول يعني انتصار طالبان على الدولة الأفغانية، والذي بدوره قد يجلب القوات الأمريكية والغربية مرة أخرى لأفغانستان وهو ما تخشاه الحركة وتتحسب له .

 

ثانيهما: أن الغرض من هذه التحركات العسكرية ليس إخضاع كامل التراب الأفغاني لإدارتها وحوكمتها كما يظن البعض، إنما أرادت إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية الداعمة للحكومة الأفغانية، أن ما أنفق على الأخيرة بمليارات الدولارات خلال العقدين الفائتين للتسليح العسكري والتجهيز القتالي والبدني سواء أكان في الأجهزة الشرطية والعسكرية لم يجدِ نفعا مع أول مواجهة حقيقية بين قوات طالبان">حركة طالبان والقوات الأفغانية الحكومية، وأن أمراء الحرب القائمين داخل السلطة هم المستفيدون فقط جراء الفساد المستشري في عموم الحكومة الأفغانية، ما يعني أن هذا البناء هش ولا يمكن الاعتماد عليه في مستقبل أفغانستان السياسي والعسكري على حد سواء.

 

وتبقى ما يمكن استنتاجه من الأهداف التي تقف وراء الهبة العسكرية والتصعيد الطالباني  وهو محاولة التفاوض مستقبلا بقوة من خلال التواجد على الأرض وفاعلية النهج السياسي، كما سنبين لاحقا، والقبول بحكومة تشاركية تكون طالبان محورها الرئيس والانتقال من التعامل معها من قبل الحكومة المعترف بها من المجتمع الدولي والغربي من حركة متمردة ومارقة إلى فصيل أساسي في رسم ملامح مستقبل أفغانستان.

 

 ويرجع هذا بالأساس للتحولات السياسية التي شهدتها الحركة بعد سنوات من مقتل “الملا عمر”، والتي ظهرت بشكل كبير في جلسات الحوار التي احتضنتها الدوحة وانتقلت بها من طهران إلى موسكو وغيرها من البلدان وجميعهم باتت تجمعهم بهم علاقات قوية.

 

طالبان الجديدة

في إحدى البيانات التي أصدرها ” الملا عبد الغني برادر” نائب زعيم طالبان">حركة طالبان في شهر يونيو الماضي، جاء فيها أن الحركة تؤمن بحل المشكلات من خلال تفاهم متبادل وأن مشاركتها في المفاوضات تعبيرا صادقا عن ذلك، وأن السبيل الوحيد لإنهاء النزاع في أفغانستان بعد مغادرة كافة القوات الأجنبية هو “تأسيس نظام إسلامي أصيلا”، لكن اللافت في بيانه أنه وفي ظل تناوله للمخاوف من هذا النظام فيما يشمل حقوق المرأة وغيرها من الإشكالات المجتمعية ذكر برادار أن حقوق جميع الأفغان بمن فيهم النساء سيتم استيعابها في هذا النظام وفق “الدين الإسلامي” و-التقاليد الأفغانية- وفي إطار المفاوضات بين الأفغان.

 

ويعني هذا الكلام تطورا مهما في سياق التحولات التي عايشتها الحركة في ثوبها الجديد تحت إمارة الملا “هبة الله أخوند زاده” التي تشير بشكل قوي عن تباينها عن فترة الملا عمر وهو ما يجب الوعي به في هذه المرحلة وتعبر عنه جولات الحركة السياسية على النطاق العربي والإسلامي من جهة والغربي من جهة أخرى.

 

ويمكن تلمس ذلك في سياسة الحركة الخارجية وسعيها لطمأنة كافة الدول الغربية والأجنبية المراقبة لتحركات الحركة العسكرية خاصة على الحدود الأفغانية الصينية والتي مثلت زيارة وفد طالبان وعلى رأسهم الملا “عبد الغني بارادار” لدولة الصين ذات دلالة بالغة الأهمية هدف منه طمأنه الدولة الجارة بأن الانتصارات العسكرية الأخيرة وبسط سيطرة الحركة على الحدود ومساحات كبيرة داخل الجغرافية الأفغانية لا يعني أن تتحول الأخيرة إلى قاعدة للانفصاليين من مسلمي “الإيغور”.

 

وقبل ذلك نشطت التحركات الخارجية للحركة من خلال مباحثاتها السياسية على هامش الوضع الأفغاني مع عدد من الدول مثل إيران وروسيا وتركيا وغيرها رغبة منها في تقديم نفسها كحركة سياسية أفغانية “محلية” لا تسعى لتصدير رؤيتها الأيديولوجية والسياسية والفقهية لخارجه، ونجحت بقدر ما في أن تفرض هذه الرؤية على الجميع وأصبح كل من يتعامل معها ينطلق من هذه القاعدة وليس سواها دون ربطها بالحركات الجهادية الكلاسيكية وعلى رأسها تنظيم القاعدة وهو ما طمح إليه قادة الحركة ولا يزالون ماضين في ترسيخ هذه الرؤى والمفاهيم عن طالبان الجديدة التي تختلف عن الأخرى القديمة.

 

 

الحكومة الأفغانية و”جو بايدن”

تناصب الحكومة الأفغانية الحالية برئاسة “أشرف غنى” العداء مع طالبان">حركة طالبان ولطالما اعتبرتها حركة مارقة وخارجة عن الدولة الوطنية، ومن وقت لآخر يتبادل الطرفان الاتهامات والانتقادات، وتوعدها الرئيس الأفغاني بأنها لن ترى حكومة مؤقتة طالما بقي على قيد الحياة، وازداد حنق الحكومة بعد التحركات العسكرية الأخيرة لطالبان">حركة طالبان. وهو ما أكده تقرير رسمي أمريكي نشر مؤخرا بأن هجمات طالبان تشكل “خطراً وجودياً” بالنسبة للحكومة الأفغانية.

 

وانعكس ذلك بدوره على المحادثات بين الطرفين والتي تراجعت في الفترة الأخيرة تزامنا مع التصعيد العسكري لطالبان">حركة طالبان.

 

وفور تسلم “جو بايدن” السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية كانت له رؤية للحركة اشتملت على أنها في أقوى حالاتها وأن مهمة قوات بلاده في أفغانستان قد تحققت وانتهت من خلال نجاحه في مكافحة التهديد الإرهابي، وأن على قادة أفغانستان تحمل مسئولياتهم.

 

وفي ذات الوقت يؤكد الرئيس الأمريكي وقوفه بجوار الحكومة الأفغانية، وإمكانية دعمها عسكريا حال تطلب الأمر من خلال تسديد ضربات جوية عسكرية ضد طالبان إذا واصلت هجماتها للسيطرة على مناطق جديدة في جميع أنحاء البلاد. التي من شأنها أن تغير من خريطة المشهد العسكري لصالح القوات الحكومية الأفغانية.

 

مستقبل أفغانستان ما بين طالبان والحكومة الأفغانية

  لا شك أن طالبان التي أدارت مجموعة من اللقاءات التفاوضية حول مستقبل السلام في أفغانستان في العاصمة القطرية الدوحة وانطلقت منها للتحرك على أكثر من صعيد محلي ودولي، والتقت بقادة دول عربية وإسلامية وغربية ليست هي طالبان القديمة التي كانت راديكاليتها- بصورته الجهادية القديمة – واحتضانها وإيوائها للجماعات الجهادية خاصة تنظيم القاعدة حاجزا يحول بين تحقيق ما وصلت إليه في اللحظة الراهنة.

 

 ما يعني أن التحولات التي عايشتها الحركة على مدار أكثر من عقدين من خبرة تراكمية حصدتها في ميداني السياسة والعمل العسكري جعلتها تعيد تموضعها في المشهد الداخلي والخارجي بشكل رسخ باعتراف دولي لها، وإن لم يكن بشكل رسمي، وهو ما يستلزم إعادة النظر لها في سياقها الحالي دون الالتفات لماضي طالبان القديم حيث يمكن التعامل معها من هذه الواجهة.

 

تعي طالبان جيدا أنها لا يمكن القبول بها كفاعل أوحد رئيس وحاكم للدولة الأفغانية رغم النجاحات العسكرية الأخيرة وسقوط مساحات كبرى من الأرض الأفغانية وإخضاعها لسيطرتهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بات لدى الحكومة الأفغانية وبعد الأحداث والتصعيدات الأخيرة لطالبان">حركة طالبان في المشهد الأفغاني وعي بأن ما كان يصعب تقبله في الماضي القريب أصبح قبوله أمرا واقعا فرضته المتغيرات الحادثة على كافة الأصعدة داخليا وخارجيا محليا وإقليميا ودوليا، ما يجعل لديها القبول الكامل والجاهزية التامة لقبول طالبان كشريك للحكم، وإن أخذ ذلك وقتا أطول للوصول الصورة التشاركية التي يمكن أن تكون عليها ولا شك هو أمر معقد وشائك في ذات الوقت لكنه حتمي.

 

تبقى المسألة الأهم في كافة هذه التفصيلات والمحاور التي أفردناها في سياق تصاعد العمليات العسكرية لطالبان">حركة طالبان ورؤيتها السياسية المترافقة معه وهي إشكالية التنظيمات الجهادية وتعامل الحركة معها ونظرتها القائمة والمستقبلية لها.

 

يمكن القول إن العدو الأول للحكومة الأفغانية وطالبان">حركة طالبان مجتمعين هو تنظيم الدولة الإسلامية فيما يطلق عليه بداعش ولاية خراسان، وهي نقطة أصيلة يمكن الاتفاق عليها بين الجانبين فضلا عن تقاطعها مع الإدارة الأمريكية التي تجعل من داعش العدو الأول في أفغانستان.

 

ومؤخرا استهدف التنظيم القصر الرئاسي فى كابول بهجوم صاروخي اضطر على إثره الرئيس الأفغاني، أشرف غنى، إلى قطع صلاة عيد الأضحى ما يعكس بقدر كبير حجم الخطر المشترك.

 

في موازاة ذلك تظل علاقة طالبان">حركة طالبان تحت القيادة الجديدة بتنظيم القاعدة مغايرة بشكل كبير عما كانت عليه وقت الملا محمد عمر، والواضح من صيرورة الأحداث خلال السنوات الكثيرة الماضية أن أصبحت لدى الحركة قناعة بأن وجود تنظيم القاعدة واحتضانها قد كلفها أثمانا باهظة وخسرها الكثير وهي الآن تستخدمه كورقة تفاوضية ليس إلا رغم أفوله مقارنة بأوقات سابقة، ولعل غياب أمير التنظيم أيمن الظواهري يظل لغزا لفهم العلاقة بين الحركة والتنظيم، وعلى كلٍ لم تعد طالبان لديها الرغبة في خسارة المزيد مقابل إيوائها أنصار التنظيم داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها.

 

 

 *المصدر: "مؤسسة ذات مصر" مؤسسة بحثية وإعلامية ، يرئس مجلس إرداتها الكاتب الصحفى والباحث المصرى صلاح الدين حسن"

 

 

أخبار ذات صلة

لدى حركة الجهاد الإسلامي رؤية مهمة واستثنائية تستحق أن يدرسها الفلسطينيون جيداً، كما تستحق أن تستمع اليها الفصائل كافة على اختلاف توجهاتها، بما فيها ب ... المزيد

اعترف رئيس الأركان الأمريكي، الجنرال مارك ميلي، بأن طالبان">حركة المزيد

أينما حلّت الطائفية، تغذّى التطرف، وأشعل فتيل الحرب بين أهله، فكانت هي، وأسبابٌ أخرى، وراء عودة زيادة الهجمات الإر ... المزيد