البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

ما نريده من الاقتصاد الإسلامي..العلم هجرة وجهاد ورباط وصبر

المحتوي الرئيسي


ما نريده من الاقتصاد الإسلامي..العلم هجرة وجهاد ورباط وصبر
  • د. رفيق يونس المصري
    04/02/2017 09:29

بعض البنوك الإسلامية مضى على تأسيسها فترة لا بأس فيها (بضع سنوات)، وبدأت نشاطها، ونشرت بعض تقاريرها وميزانياتها. وهناك بين الفينة والفينة شركات وبنوك جديدة تطلّ علينا في الصحف والمجلات، تعلن عن قروض أو مضاربات، وأنها وزعت كذا بالمائة من الأرباح، وأنها تعمل حسب قواعد الشريعة الإسلامية، وتسعى إلى الرزق الحلال، وأن فلانًا مديرها، وهذا مفتيها.

وهناك معاهدُ ودورات، ومؤتمراتٌ وندوات، لا شك أنها جميعًا لها تكاليفُ ومصروفات، لا يستهان بها في علم الحسابات، سواء جرى تمويلها بالتبرعات أم من المرابحات.

والمهم في هذا وذاك ليس الكمّ، ولا كثرة الأوراق والنشرات، ولا عدد الكتب والدوريات. المهم أن يكون العمل على قدر الإمكانات، وإلا تسلل إليه من ليس أهلاً له دينًا ولا علمًا، سواء عن طريق التأليف، أو عن طريق العمل، أو عن طريق الإدارة. وكل ذلك ربما أدى إلى تراكمات شيئية وفقاعات صابونية لا تترك أثرًا علميًا ولا عمليًا رصينًا على مستوى الفقه أو الاقتصاد أو غير ذلك من التخصصات.

فإن إمضاء عدد من السنوات في إنتاج كتاب علمي واحد رصين خير من إنتاج عشرات الكتب المكررة والمعادة، والتي ربما تتقزز منها النفوس، وينفر الناس من أصحابها، سواء أعلم هؤلاء أم لم يعلموا، وربما هُزئ بهم وهم يحسبون أنهم ممدوحون! نريد كتابًا واحدًا عميقًا متخصصًا، لا كتبًا متعددة، كلٌ منها بعنوان، وكلٌ منها بإعلان، وهي واحدة بادية للعيان!

من المهم أن يحاسب كلٌ منا نفسه، وألا يهتم بكثرة الحركات العقيمة كمقص الحلاق (المزيّن). أجدر بنا أن نهتم بمظهر الرصانة والقوة والابتكار، أمام طلابنا، وأمام زملائنا، وأمام المسلمين، وأمام أعدائنا، وأمام الناس أجمعين ... بل أمام الله، فإنه سبحانه سيحاسبنا عما استرعانا. فالذي يتصدى للتأليف يجب أن يكون متمكنًا من اللغة والاختصاص والمحاكمة والمرافعة والدفاع. إنْ كان اقتصاديًا فلا أقلّ من أن يستطيع إقناع الشرعيين بالمصلحة الاقتصادية العامة لتلك الفكرة أو العملية أو المؤسسة. وإنْ كان شرعيًا فلا يفتي قبل أن يتمكن من الموضوع، ويدرك علاقاته المتشعبة بالشريعة والواقع، واقع البلدان الإسلامية والبلدان الأخرى المعاصرة لها. وإذا أفتى فلتكنْ فتواه على مستوى معارف العصر ومناهجه العلمية، من حيث التعليل والتحليل والتركيب، بالإطناب أو بالإيجاز أو بالمساواة، بحسب الموضوع والمخاطب والمناسبة.

المهم أن يتخصص كلٌ منا في مسألة، في ثغر على جبهة الأمة الإسلامية، لا يغادره، مقدّرًا أن لو احتلّ آخرُ مكانه لما استطاع أن يُحرز مكانته! نريد إنسانًا لا يغني عنه إنسان، وكتابًا لا يغني عنه كتاب. نريد تآليفَ تُمتع رجال العلم وتنفع رجال العمل، تشرح صدور العالِمين، وتيسّر أمر العاملين، تنشّط الأذهان وتحرّك الأبدان، تجدّد العزائم وتذكي الهمم. لا تعمي البصائر والقلوب، ولا تدعو التقيؤ والغثيان! تشهّيك متابعة التحصيل ولا تفطمك عنه!

تطلق الجنان واللسان بالدعاء لصاحبها، لا بالدعاء عليه! تستحق أن تُحبس لينتفع بها كل الناس، لا أن يُحبس صاحبها ليسلم منه كل الناس! جديرة بأن تجد لها مكانًا في المكتبات، لا أن تضيق بها سلال المهملات! فكثيرون يعملون كل شيء، ويكتبون في كل شيء، وتراهم في كل مؤتمر وفي كل ندوة وعلى كل مائدة، وأحيانًا كثيرة لا بحكم معارفهم وعلومهم، بل بحكم أشياء أخرى، كأن يخدم بفكره أحدًا بغير حق، وإذا فعل ذلك لا يعود فكره فكرًا ولا صاحبه مفكرًا، بل إن تلميذًا من التلاميذ يستطيع أن يحكم على هذا الفكر الهزيل! أو كأن يتوسل للنشر بوسائل الضغط أو الإكراه أو الحيلة أو الاستغلال! أو كأن يحسب أن الناس لا تقرأ! وإذا قرأت لا تفهم! وإذا فهمت لا تتكلم! وإذا تكلمت لا يُسمع لها!

فكم رأينا متضعًا في الفقه أو الاقتصاد أو القانون، لا يعرف لغة أمه، بلهَ لغة علمه! يتهجم على إمام، ويضع كلامه في غير محله! أو يتطاول على عالم، أو يمدح فقيهًا ليعمل بخلاف فقهه! أو يمدح الإسلام ليشوّه صورته! أو يمدح المسلمين ليأكل أموالهم بالباطل! أو يأخذه الحماس الأعمى فيجعل من الصغير كبيرًا! أو من الحقير خطيرًا! أو يزايد مع المزايدين، فينسب إلى شريعة الإسلام ما لم يأتِ به أهلوها! أو يسرق فكرة ويحذف اسم صاحبها! أو يدّعي الرجوع إلى ما لم يرجع إليه! أو ينسب قولاً إلى غير قائله! أو يدسّ كلمة في رأي أو في حديث، كما كان يفعل الوضّاعون! أو يحمّل النص معنى هو موقن بأنه لا يحمله!

نريد من البنوك والشركات أن تكون بينها وبين المسلمين صلات مستمرة، أساسها أن المسلم اليومَ مثقفٌ واع، يريد أن يعرف بالأدلة المحكمة والمحاكمات الرصينة لماذا جاز هذا وحرم ذاك؟ لا بفتاوى مختزلة، ولا بادعاء أن فلانًا أجاز ذلك أو جهة. يريد أن يعرف بعد ذلك مدى التطابق بين الفتاوى والعمليات، بين الأقوال والأفعال، بين الشعارات المعلنة والحقائق المبطنة. يريد أن يعرف الأعمال التي تقوم بها هذه البنوك وتلك الشركات. يريد أن يعرف هل تخدم مصالح المسلمين أم أنها جسر وسيط بين أموال المسلمين ومشروعات الآخرين؟ يريد أن يعرف كيف حُسبت الأرباح، وكيف اقتطعت المؤونات والاحتياطيات، ومن أين جُمعت الأموال، وفيمَ أنفقت؟ نريد دراسات وانتقادات ومكاشفات، لا تكلفًا وهوسًا وهذيانًا! نريد فكرًا مسؤولاً لا طائشًا مُدانًا!

إننا نريد بحق أن ينشأ جيل مسلم يضع الأمور في مواضعها، يتعلم كيف يعرف الحق بالأدلة والبراهين، لا بالاعتماد على فلان وفلان من العلماء الحقيقيين أو المزيفين! نريد أن ينشأ جيل من المفكرين الأحرار المستقلين، لا من المخبولين المقيدين التابعين!

نريد أن نرى باحثين مجتهدين، لا مقلّدين ولا ملفّقين، نريد أن نرى أناسًا صادقين لا يفْرطون في تعظيم الأنبياء والعلماء والمصلحين، ولا في الخوف من الطغاة والشياطين!

نريد أن نرى كُتّابًا يقولون: هذا ما علمنا، وهذا ما لم نعلم. هذا ما قاله فلان المسلم، أو فلان غيره. لا نريد مدحًا ولا قدحًا، ولا دجلاً ولا صياحًا، ولا تصفيقًا ولا غرورًا!

نريد أن نرى عقولاً أقوى من عقول الغربيين المتقدمين، لنفكر كما يفكرون، وإيمانًا عميقًا لا يملكون، لنرجو من الله ما لا يرجون!

فليس التقدم يُنال بأذكار المتبطلين، ولا بصيحات المتعاطفين، ولا بصرخات المتوجعين! إنما يُنال بالسعي والاجتهاد والدأب والإصرار والصبر، ومغالبة الخصوم في كل الميادين، حتى نكون في عهد الصحوة بحق مبين، وحتى نُحرز الفوز العظيم، والحمد لله عالم الغيب والشهادة، والمفسدين من المصلحين!

***

- نشر هذا المقال في مجلة الاقتصاد الإسلامي، دبي، العدد 12، ذو القعدة 1402هـ = أيلول (سبتمبر) 1982م، ص 45-47.

أخبار ذات صلة

لله در الشام، الأرض المباركة التي لفظت شجرةَ الغلوّ، فلم تتركها لتمدّ في أرضها الجذور العميقة وتنشر في سمائها الأغصان المورقات. ... المزيد

بعد هزائمها وخسائرها وتراجاتعها في العقدين الأخيرين؛ والتي كان معظمها على يد الموحدين المجاهدين، وبسبب سياساتها الكيدية في بلاد المسلمين؛ ها هي أم ... المزيد

إن الله عز وجل إنما شرع الشرائع ووضع الأحكام لتحقيق المصالح ودرء المفاسد، ولهذا فإن طالب العلم أو الداعية إذا أراد أن يقول قولا أو يفعل فعلا فعليه ال ... المزيد

تعليقات