البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

ما بعد 25 أبريل

المحتوي الرئيسي


ما بعد 25 أبريل
  • عماد الدين عشماوي
    29/04/2016 11:51

بعد أن أنتهت تظاهرات 25 أبريل، أيا كان تقييمنا لنتائجها، أعتقد أن معسكر الثورة، بحاجة وقفة مراجعة لحقائق الأمور على أرضية المشهد السياسي، تسمح بتجديد حقيقي في التفكير والتنفيذ الهادف لتحقيق أهداف ثورتنا في العيش والحرية والكرامة. 

بداية، دعونا نتفق أن الثورة لم تغير النظام، بقدر ما غيرت الشعب.فالشعب، لم يعد هو ذات الشعب، الذي صمت كثيرا، وتغافل عن حقوقه عقودا، لا، لقد تفتحت عيونه، وانفكت عقدة لسانه. لكنه أيضا انقسم على نفسه، بشكل يمثل تحديا حقيقيا، لأي قوة ترغب في إصلاح مصر.

ودعونا نتفق أن تجربة الأعوام الخمس الماضية، أكدت أن مشكلة بلادنا ليست الإستبداد والفساد فقط، لكنها مشكلة بنيوية حضارية، تتعلق بفقدان الشروط اللازمة للانطلاق الحضاري الآمن نحو المستقبل، والتي فشلت كل القوى الحاكمة والمعارضةخلال هذه الفترة في توفيرها.

ودعونا نتفق، أيضا، أننا مابين مرحلتين، مرحلة مبارك، التي مضت، لكن آثارها مازالت باقية معنا، ومرحلة 25 يناير ومابعدها، وآثارها التي تتضح يوما بعد الآخر، لذلك تبدو الأوضاع فوضي، واتجاهات المستقبل غير واضحة، وسيظل هذا الأمر هكذا، حتى تمسك القوى السياسية، في الحكم والمعارضة، عن التصرفات غير المسئولة والعشوائية التي تجعلنا نستمر في متاهة التخبط الحالية... فلابد من الاعتراف بخطأ «قوى الثورة» في تقديرها لواقع التحديات، كما أخطأت الحكومات المتوالية في محاولتها "استنساخ" نظام مبارك.

ودعونا نتفق، على أن جزءًا من مسؤولية فشل محاولات التغيير في مصر، يعود إلى تحركات بعض المحسوبين على المعارضة، الذين انشغلوا بكل ما يجلب الشقاق في لحظات كان التوافق على بناء ديموقراطية حقيقية، هو واجب الوقت، وإن كان الجزء الأكبر يقع على عاتق من تولوا مسئولية البلاد. ودعونا نتفق كذلك، على أن ما ينقص  النظام الحاكم والحركات الثورية والقوى السياسية، هو المشروع المشترك، والأهداف الواضحة المحددة المتفق عليها، لتحقيق التغيير.

 ودعونا نتفق، على أن غالبية المصريين، فقدوا الثقة بأنفسهم، وأصبحوا مستعدين للتضحية بكل حق لهم في الحرية في سبيل أمن-ولوكان وهميا- تعدهم به أي حكومة، من جراء الفشل الذي لاحظوه في أداء كافة القوى الثورية خلال هذه الفترة.

ودعونا نتفق أيضا على أن الفشل، سيظل هو الثمرة الوحيدة لأي نظام سياسي، لا يدمج كل المصريين في العملية السياسية، ليكونوا شركاء في تحديد مصيرهم: صنعا وتنفيذا ومراجعة، ومن ثم لا داعي للقلق بشأن مستقبل هكذا نظام، ولننشغل بتصميم نظام يليق بمصر وبالمصريين.

ودعونا نتفق أخيرا، على الانتقال من نظام الكل في واحد، الذي مارس القهر والفساد في مصر، إلى نظام ديموقراطي حقيقي يعلي من سيادة القانون، ويحقق المواطن السيد في الوطن المستقل، عملية تاريخية، يمكن أن تأخذ عقدا من الزمن، أو أكثر. فنحن، لن ننتقل من الفوضي والفساد والاستبداد فى ظرف عام أو عامين،  فنحن بحاجة إلى إعادة المواطن إلى المجال العام أولا، حتى يمكننا تاليا استعادة المجال العام والسياسة كفعل جمعي، نبدأ من عندها عملية بناء دولة سيادة القانون والمواطن.

لذا، بات من الضروري، وضع حد فاصل لتلك الحقبة من الفرص الضائعة من عمر الوطن، ومن عمر أبنائه، فلا مسوغ لإضاعة زمن آخر، بسبب تجاهل ما أفضت إليه أخطاؤنا الماضية، من نكسات وخيبات.

ولن يكون ذلك إلا من خلال، إعادة التفكير في العمل السياسي، بأدوات وأساليب أكثر تطورا مما جربنا حتى الآن، وبأولويات تختلف تماما عما هو سائد في حياتنا السياسية، كي نعيد للوطن قوته وعافيته، وللمجتمع مناعته وتماسكه، وللسياسة اعتبارها، ولشباب وأبناء هذا الوطن الأمل في البقاء فيه والمساهمة في صوغ مصيره نحو الافضل.

ما العمل؟

أعتقد، أنه يمكن لتكتل سياسي جديد في هذه اللحظة من عمر الوطن وثورته، أن يستخدم الظرف السياسي الراهن بكافة معطياته، وتحدياته، وفرصه، لتحقيق تطلعات الشعب نحو الديموقراطية والاستقلال الوطنى، وتحقيق مطالب المصريين بكافة فئاتهم في: العيش والحرية الكرامة الإنسانية.

وأي تكتل جديد يطمح في الوجود والتأثير في مصر في لحظتنا الراهنة، ومستقبل أيامنا القادمة علي المديين القريب والبعيد لابد له  أن يقدم شهادة جدارة يمضيها الشعب، قبل أن يعطيه ثقته وقيادته للمستقبل.

ويحتاج ذلك إلي تقييم لواقع البلاد الراهن، وتحديد منطلقات الرؤية الفكرية والسياسية للتكتل في المديين القريب والبعيد علي حد سواء، ويحدد السياسات والمهام التي انتدب نفسه لتحقيقها، في ضوء فهم واستيعاب التحولات الهائلة التي طرأت على العالم، وكذلك التغيرات البنيوية التي حدثت في مجتمعنا، وفي محيطنا العربي والإقليمي، حتي يستطيع تحقيق أهداف الثورة، وبناء المشروع المجتمعي الجديد، الذي يحلم به المصريون.

فمصر بحاجة لبناء مؤسسات، وعمل مصالحة مبدعة بين أبنائها من جهة، وبين مجتمعها ومؤسسات حكمها الرئيسية:الجيش والشرطة والقضاء وبيروقراطية الجهاز الإداري من ناحية أخرى، حتى يمكنها أن تنتج برلمانا يكون هو المشرع والمراقب الموزع لخيرات البلاد فعلا، تخرج منه حكومة تنفذ ما يريده الشعب، ويعلوها رئيس يأتمر بأمر صاحب السيادة الشعب.

 وكل هذا في إطار رقابة شعب قوي واع مؤتلف، له مؤسساته الحزبية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية القوية، التي تكون فوق كل هذه المؤسسات، وقادرة على تغيير أي منها في أي وقت نتحرف فيه عن مسارها الذي يريده الشعب..وأي طريق آخر هو استبدال سين بصاد لن يحقق شيئا، هذه عبرة الخمس سنين الماضية..

وهذا كله يحتاج إلى عمل سياسي، وليس مجرد تظاهرات موسمية في الشوارع. ووضع قائمة من المطالب الديمقراطية، والضغط من أجلها، والعمل على تغيير ميزان القوة داخل المجتمع لدعم هذه المطالب، وتوسيع فئة المنادين بالديمقراطية والعدالة.

نحتاج أن نقوم بفعل التظاهر بشكل جديد، وبطريقة مختلفة، بشكل مرئي وواضح في الشوارع من كل أهلنا في كل مكان في مصر، هؤلاء الذين ضللهم الإعلام، وأتعبهم الفقر، وأقلق مضاجعهم الخوف من الغد الذي سيواجهه أبنائهم..

و لن يكون ذلك إلا عبر المشاركة في الحكم، بالطرق التي يفصلها الدستور، والنضال لوضع قوانين تستجيب لمواد الدستور، تمكن الملايين من الموظفين والعمال والشباب والفلاحين والمرأة، الذين دمر العقم الاداري حياتهم ومؤسساتهم، من تحقيق مطالبهم، ولانتشال السوق والاقتصاد من قبضة الفساد والفشل، وتنقية البيئة السياسية من آفاتها، واعادة الثقافة الي دورها، وتمتين شبكة علاقاتنا الاجتماعية من جديد، وفق رؤية مستقبلية واضحة تحفظ لمصر هويتها ومكانتها وتضعها علي الطريق الصحيح نحو تقدمها.

ونري أن من أهم أولويات هذا التكتل في المرحلة الحالية ولخمس سنوات قادمات:

1-              بناء القاعدة الشعبية الديموقراطية، لأنها هي الضمانة التي لا غنى عنها لضمان عدم تكرار تجربة اخطاء السنوات الماضية، قبل وبعد الثورة. عبر التربية  السياسية للنشء والشباب المصري بشكل جديد ومبتكر، ليتأهل ليأخذ دوره في صنع مستقبل بلاده.والخطوة الأولى في تقديري تكون بجمع كل الأحزاب والحركات في تكتل واحد، يهدف لتحقيق هذا الهدف دون عصبيات حزبية لا معنى لها في ظل غياب سياسية سليمة.

2-              إعادة الناس للمجال العام، وليس مجرد التظاهر في الشوارع، أو الهتاف لفلان أو ضد علان، وتفعيل مشاركتهم اليومية والمستمرة في الشأن السياسي، وتدريب ودفع وتشجيع وتبني النابهين من الأجيال الجديدة والمخلصين، ليتقدموا الصفوف لقيادة الأمة في كافة المجالات.ولن يكون ذلك سوى بالمشاركة الفاعلة في الانتخابات بكافة مستوياتها.

3-              طرح برنامج اقتصادي يقوم على فكرة التعاونيات بكافة أشكالها، مع تهيئة البيئة لإطلاق طاقات المصريين في العمل، وطرح القوانين التي تجعل لهم الأولوية في الاستثمار بدلا عن اتجاههم للسمسرة أو الهجرة، وفضح الرأسمالية المتوحشة الطفيلية التي هدمت أسس اقتصادنا وأفقرت شعبنا. 

4-              وأعتقد أن الدعوة لخوض انتخابات المحليات القادمة، وانتخابات النقابات والجمعيات الأهلية ومراكز الشباب والجمعيات التعاونية بمختلف أنواعها، والتجهيز لمعركة الرئاسة القادمة من الآن من أهم خطوات تفعيل هذا التكتل. باعتبارها خطوة أولى لتحريك الأمور في مصر نحو استعادة السياسة، ووضع النظام الحاكم أمام مسئولياته، وبيان مدى جديته  تجاه الإصلاح الديموقراطي الحقيقي، وإشراك كافة فئات الشعب في هذه المعركة ، ووضعه في الصورة كحكم على مدى اقتراب النظام والمعارضة معا من آماله وآلامه.

،خاتمة:

أعلم أن  ما أقوله قد يبدو صادما وغريبا على كثيرين، سواء كانوا شبابنا الراغب في التغيير بأقصى سرعة، والذي لا يعرف سوى التغيير التام أو الموت الزؤام، وخاصة أن أغلب القيادات تغذي هذا التوجه لديه، لأسباب لا مجال لها هنا، أو بعض القيادات الفاشلة التي تهيىء للرئيس والبرلمان أن حكم مصر والمصريين لا يصلح معه سوى أسلوب الفاشل الأحمق مبارك.

لكن اعتقادي، هو أن كل من شارك في ثورة مصر، ونام في شوارعها طوال الخمس سنوات الماضية، ولم يتكسب من هذا، ولم يتاجر به، وكان مثل"فلان الفلاني" الذي خلدته الأغنية الشهيرة، يعرف بالضبط ما أعنيه، ويوافقني عليه، لكن لا يجد آذانا صاغية في وسط الضجيج العالي في البلاد.

أعلم أن الطريق طويل، وشاق، ويحتاج تضحيات كبيرة، وعقول مبدعة، وآليات مبتكرة لمقاومة ماض بغيض، يقاتل للعودة بقوة لاغتيال حاضرنا ومستقبلنا.لكنه طريق آمن، يكفينا هم الفرقة والدماء، وتضييع الأعمار في منافي داخلية وخارجية، وسجون مادية أو معنوية.

 من خلال هذا الطريق وحده-كما اعتقد-، وعبر التمسك بتطبيق الدستور، والالتزام به، والمشاركة السلمية بقوة واتحاد، سيجبر النظام القائم، إما على الانصياع لإرادة الناس-وهو الأغلب-، أو التمادي في الطغيان، وساعتها يمكننا أن  نستبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الوطنية الحقة، وساعتها ممكن أن نقول مطمئنين: فلان مع مصر وفلان ضدها، ويكون تصنيفنا عادلا، أما في جو الاستقطاب والتخوين الحالي، والمراهقة السياسية التي يعاني منها الجميع الآن، فمصر هي الخاسرة.

أعتقد أن وقت لم الشمل لكل القوى الوطنية قد حان، بعيدا عن وقت المصالح والأيديولوجيات الضيقة التي أضاعت ثورتنا، وبعيدا عن التخوين الذي ضرب أسس اجتماعنا في مقتل.

لنتذكر دائما، أن فرص التوحد لا تأتي كثيرا، والعقدة لا تحل في لحظة، والعلاج السريع لا يمكن-غالبا- أن يكون ناجحا، والتاريخ خير شاهد. هدى الله أبناء مصر: حكومة ومعارضة لما فيه خيرها.والله أعلم

 

أخبار ذات صلة

عجيب هو حال شعبنا المصرى المسكين عاش دهراً طويلاً لا تعرفُ السعادة إليه سبيلاً ، وهو المعروف بنكاته التى يحللها علماء النفس بأنها محاو ... المزيد

تعليقات