البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

لهذه الأسباب أوقفت ردودي على الدكتور خالد الحايك

المحتوي الرئيسي


المناظرة التي جرت بين د.خالد الحايك وأبو قتادة الفلسطيني وبينهما وائل البتيري المناظرة التي جرت بين د.خالد الحايك وأبو قتادة الفلسطيني وبينهما وائل البتيري
  • وائل البتيري
    22/11/2016 11:07

الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وبعد:
فقد سبق لي أن نشرت أربع حلقات من سلسلة "حوار هادئ رداً على الدكتور خالد الحايك" في موقع "الإسلاميون" وعلى صفحتيَّ في "فيسبوك" و"تويتر"، إلا أنني قررت أن أوقفها، مبيِّناً سياق هذه الردود لمن لم يتابعها من أوَّلها، وشارحاً الأسباب التي دعتني إلى إيقافها، فأقول وبالله التوفيق:
سياق تاريخي
عُقدت مناظرة "حديثية" في 18 آب الماضي، بين الشيخ عمر محمود "فلسطيني"، والدكتور خالد الحايك، حول منهج الأخير في حكمه على حديثَي "الخوارج كلاب أهل النار"، و"إذا فسد الشام فلا خير فيكم"، ولفظة "طوبى لمن قتلهم وقتلوه" الواردة في حديث الخوارج المشهور.
وقُدِّر للعبد الفقير أن يدير هذه المناظرة - مع عدم قناعته بجدواها - بعد إصرار الطرفين على ذلك.
وبعد المناظرة؛ تابعتُ ردود الفعل عليها في وسائل التواصل الاجتماعي، فلم أجد في أكثرها مادة علمية تفيد القارئ، وتستجلي مسارات الخلاف بين المتناظرين، وإنما هي في غالبها انتصارٌ لطرف دون آخر، من غير بحث ومراجعة وتحقيق وتدقيق.. ولستُ زاعماً أنني فعلتُ شيئاً من ذلك على الوجه الحقيق به، ولكنني حاولت أن أخرج بشيء يفيد متابعي المناظرة، ويقدِّم مادةً علميةً يمكن أن تفتح آفاقاً لمزيد من الدراسة والبحث، فكتبتُ ملاحظاتٍ عليها، ونشرتها، ولم تكن هذه الملاحظات رداً مباشراً على المتناظرَين، وإنما هي مجرد ملاحظات على ما طرحاه في المناظرة، ليس أكثر!
وقبل أن أنشر ملاحظاتي؛ زرت الدكتور خالد الحايك في بيته، واستأذنته في نشرها، خشية أن يُغضبه ذلك، فيقوم بالردّ عليها بأسلوبه القاسي، فتقع بسبب ذلك خصومةٌ بيني وبينه، فأذن لي، مع تأكيدٍ منه بأنه لن يغضب البتَّة، ووعدٍ بعدم الرد.
ولكن الأخ الحايك نفى أن يكون قد وعدني بعد الردّ، وأقسم بالله أنه قال لي: "إذا نشرتَ فإن عليك أن تتحمّل"، وأنا أقسم بالله أنه قال لي هذه العبارة، ولكنني قلت له بعدها: "إذا كنتَ ستردّ عليَّ بطريقتك المعهودة، وتقسو في الكلام؛ فلا داعي لأنْ أنشر ملاحظاتي كلها"، فقال لي بالحرف الواحد: "أحكيلك؟ انشرها ولن أرد عليك، ولكنني بالتأكيد سأُسأل عن رأيي فيها، فإذا سُئلت سأقول إنني اطلعت على الملاحظات التي كتبها الأخ وائل، وإني أرى أنه جانب الصواب فيها"، فقلت له: أكيد؟ قال: أكيد. والله على ما أقول شهيد.

رابط الملاحظات

https://twitter.com/waelali_100/status/772419024739299328

ردَّ عليّ الدكتور الحايك، وكان أول رد له أنْ قال إن كلامي متهافت، وإنه يدل على جهلي في علم الحديث، مستشهداً ببعض الأبيات الشعرية التي يستشهد بها غلاظ طلاب العلم في تبكيت "الخصوم"، فرددتُ عليه في "تويتر" بقولي: "سامحه الله".

 

ثم إني حينها راسلتُ الدكتور، وعاتبته بما كتبه، وذكَّرتُه بوعده، وقلت له إنني أسامحه وسأدعو له على جبل عرفة، إذ كنتُ متوجِّهاً حينها إلى الحج.. وبالفعل؛ دعوتُ له أكثر من أهلي - وأستغفر الله -، ولا غرابة! فصحبتي مع الدكتور تمتد إلى أربعة عشر عاماً ونيِّف.
وأثناء تواجدي في مِنى؛ أخبرني أحدُ الأصدقاء بأن الدكتور الحايك نشر رداً عليّ في مقطع فيديو مدته ساعة، وهو الفيديو الذي رددتُ عليه في الحلقات الأربع التي سبقت هذه الخاتمة، فكتبتُ على حسابي في "تويتر" قائلا إنني لم أطلع على رد الدكتور لانشغالي بالحج، وأرجو أن يكون ردُّه علمياً، ليس كردّه الأوليّ الذي ملأه بكلمات الانتقاص وحسب!

 

وحينما رجعتُ من الحج؛ حرصتُ على مشاهدة فيديو الدكتور الحايك، لعلّي أنتفع بما فيه من فوائد، إذ كنتُ إلى تلك اللحظة لا أزال أُحسنُ الظنَّ به، وأرى أنه من أهل التحقيق، ولكنني حينما شاهدت ردَّه؛ خاب ظني، وأيقنتُ أنني كنتُ واهماً أيّما وهم، وأن انتصاره لنفسه، وحرصه على تسفيه الآخرين؛ جعلَ كثيراً من أبحاثه خالية من الأمانة العلمية، ولا يميّزها إلا لغة التعالي والعُجب والغرور، وأنّى لمثل هذا أن يُقدِّمَ علماً ينفع.
أعترف بأنني لم أكن أتتبع أبحاث الدكتور الحايك، وكنتُ أثني عليه وعليها بناءً على ما كان يدور بيني وبينه من مباحثات ومناقشات حول مسائل حديثية، ولكنني ليلة المناظرة؛ استعرضتُ أبحاثه التي دار حولها النقاش بينه وبين الشيخ أبي قتادة، ووجدتُ عنده زلات علمية واضحة، وأخبرته بذلك ونحن في طريقنا إلى موقع المناظرة، وقلت له: يا شيخ خالد! لقد اطّلعتُ سريعاً على أبحاثك، ووجدتُ عندك أخطاء واضحة، فإذا تطرّق إليها الشيخ أبو قتادة؛ فتراجعْ عنها، وهذا لا يعيبك البتّة، بل إنه يرفع من شأنك عند الله وعند خلقه. ولكنه - للأسف الشديد - كابر وأصرّ على أخطائه البيّنة.
وبعد أن اطَّلعتُ على ردِّه؛ ووجدتُه مفتقراً للمنهجية العلمية، ومليئاً بالمغالطات المتعلقة بعلم الحديث الشريف، عدا عن تطاوله المتكرر على شخصي؛ وجدتُني مضطراً لأن أرد عليه مبيّناً أخطاءه العلمية، ودافعاً للظلم الذي أوقعه عليَّ وعلى ما كتبتُ، ولا أظنّ أحداً في الكون يجادلُ بأن هذا حق شرعي لا يُعاب المرءُ بممارسته، ما دام ملتزماً بآداب الخلاف، ومحافظاً على أخوة الإسلام.
أضف إلى ما سبق؛ أنني كنت أنصح الدكتور الحايك على الدوام منذ (14) سنة، بأن يكفّ عن القسوة التي يملأ بها ردوده، وأن ينتهي عن التطاول على أهل العلم والدعوة والفضل، ولكنه لا يأبه بكلامي، فقلت بيني وبين نفسي: لعل هذه تكون مناسبة جيدة لأفنّد بعض آرائه بعلم وحلم، لعلّه يعرف قدْرَ نفسه، ويقف عندها، ويرعوي عن الغرور الذي يدفعه إلى بطر الحق، وغمط الناس!
وهنا؛ أتجاوز بعض التفاصيل التي جرت بيني وبينه بعد رجوعي من الحج، ولكن لا بد أن أقول: رغم أنني لم أسئ إلى الدكتور في حرف واحد مما كتبته في ملاحظاتي على المناظرة؛ إلا أنه أساء إليّ في عدة مواضع من ردّه، تصريحاً وتلميحاً، وهمزاً ولمزاً وسخريةً، وخصوصاً في الربع الأول من ردّه، ولم يكن يترك مناسبة إلا و"يشخصن" فيها ردَّه، ويتطاول فيها على أخيه؛ إلا وأقبل عليها غير هيّاب من حساب الله تعالى، هاتكاً ستارَ أخوّة دامت قرابة العقد والنصف، حتى إنه اتصل بي هاتفياً، ودار بيني وبينه حوارٌ سريع، والله يشهد أنني لم أسئ إليه فيه بحرف، ولكنه سألني عن المسائل التي قلتُ إنه "استفادها من ملاحظاتي وعدّل من خلالها على أبحاثه التي دار حولها الخلاف، ثم رماني بالجهل"، فضربت له ثلاثة أمثلة، ولم أكد أنهي المثال الثالث حتى قال لي: "أنا أعتذر منك، وهذا فراقُ بيني وبينك".. والله المستعان.
وفي الحقيقة؛ كنتُ على الدوام، أتوق إلى قراءة ردود علمية خالية من حظوظ النفس، والانتقاص من المخالف، والسخرية منه ومما يكتب.. يكتبها من يكتبها بخلق رفيع، وأدبٍ جَمٍّ، وسَمْتٍ راقٍ، وروحٍ محبٍّ لكل مسلم، وحرصٍ على إبقاء عرى الأخوة وثيقة، يراعي فيها نظر الله إليه، ويستحضر رضاه عن كل كلمة يخطها بقلمه، ويتذكر أنه القائل سبحانه: "وقولوا للناس حُسناً".
وكنتُ أحرص على إحياء هذه الردود، لتكون بديلاً عن وصلات الردح التي نراها في كتب أكثر "المشايخ"، وظننتُ أنني إنْ قابلتُ ردَّ الدكتور الحايك غير العلمي؛ بردٍّ علميٍّ رصين سيدفعه إلى التزام الرصانة في ردِّه إنْ ردَّ، فتكون هذه فرصةً لإحياء الردود العلمية التي لا تشوبها شائبة الرياء والانتصار للنفس بغير حق.. ولكنْ خاب ظني مرة أخرى! فحينما نشرت الحلقة الأولى؛ لجأ الأخ الحايك - كعادته - إلى تسفيه مخالفه، والانتقاص منه، وتجهيله، ساعياً إلى إسقاطه، وتشويه صورته في الملأ.
وأكد الدكتور الحايك مرة أخرى في ردّه المقتضب الذي نشره على حسابه في "الأسك" أنه لن يردَّ عليَّ، حيث قال: "لا يستحق الرد عليه؛ لأني لو أردتُ ذلك سأضطر إلى نقد ونقض كل حرف كتبه! وفي هذا تضييع للوقت!".

 

ثم كتب مرة أخرى على حسابه في "الآسك" مؤكداً أنه لن يردّ عليّ، معتذراً عن قسوته في ردوده السابقة، وأنقل هنا كلامه بنصه لأن لي معه وقفة.. قال: "قد قلت فيما سبق أني لن أرد عليه - غفر الله لنا وله -. وحقيقة كنتُ أغلظتُ في الكلام على أخينا وقسوتُ عليه، ولا شك أن هذا أثّر عليه، مع تحريش بعضهم، وأقدِّم اعتذاري له، وأسأل الله أن يسامحنا جميعاً. وليعلم أنني أقبل النقد والاستدراك، لا كما يُقال، لكن بالحجة والدليل والبرهان والبعد عن الأمور الشخصية. ووائل يبقى الأخ العزيز" اهـ.

 

 

وعلقت على هذا "الاعتذار" في "تويتر" بقولي: "أشكر للأخ خالد اعتذاره عن (قسوته)، وإن كانت هذه القسوة لا زالت منشورة في حساباته المتعددة. ويبقى أخا عزيزا. ولا أعلمُ أحداً حرَّشني كما قال الأخ الحايك، فكلّ من تواصل معي إنما أراد الإصلاح.. والإصلاح فقط".
ثم تواصل معي أحد الإخوة الفضلاء، فقلت له: إنْ كان الدكتور الحايك صادقاً في اعتذاره؛ فليحذف الفيديو الذي أساء إليّ فيه، فقال لي إنه أخبره بأنه سيحذفه، ولكنه لم يفعل!
أما أنا؛ فبقيتُ على ما أنا عليه من البداية حتى النهاية، لا أخلط بين الأمرين؛ المسائل الشخصية، والقضايا العلمية، وأقول لمن يراجعني إنني ليس في نفسي شيءٌ على الأخ الحايك، وهو من فارقني، فإذا أراد أن يرجع فأهلاً وسهلاً، أما حق الرد العلمي فلا ينازِعُ فيه مُنصِف، وأردِّد في معظم وقتي كلمة الإمام الشافعي: "ألا يسعنا أن نكون إخواناً وإن اختلفنا في مسألة؟"، ولكن الأخ الحايك بقيَ مُصرّاً على أن يردَّ على ما أكتبه من ردود علمية بالتسفيه والتجهيل! والله حسبي ونعم الوكيل.
المهم؛ قلت بيني وبين نفسي: ما زلنا في البداية.. دعني أقدّم له جرعة أخرى في الحلقة الثانية، فلعلّها تؤثر فيه، وتجعله يقف بينه وبين نفسه وقفة محاسبة، يؤوب فيها إلى ربه، ويحتقر نفسه المتعاظمة ولو قليلاً.
نشرتُ الحلقة الثانية، ثم الثالثة، وكانت الأطول، فجاء ردّ الدكتور الذي كذّبني حين قلتُ إنه وعدني بأنه لن يرد على ملاحظاتي حول المناظرة، وأقسَمَ بالله على ذلك مقابل قسَمي.. وبعد أن أكد مرتين أمام خلق الله أنه لن يردّ عليّ؛ نقض قوله بفعله، وامتشق قلمه مزيلاً الشكوك، وكاشفاً حقيقة تكذيبه لي فيما سبق، ليتبين أنه لا يقدر على الوفاء بوعده؛ لأن نفسه العزيزة عليه تؤزّه وتحمّيه.. هداه الله وأصلحه.
وفي رده الذي قارب ثلاثين سطراً؛ عاد الدكتور الحايك إلى لغة التسفيه والتجهيل التي لا يقدر مثلُه أن يتخلى عنها، وتحدث في مسألتين علميتين؛ سأرد عليهما لاحقاً في هذه الخاتمة.

 

ثم قلتُ بيني وبين نفسي: يبدو أن أسلوبي العلمي البعيد عن التجريح لم يؤتِ أكُله مع الدكتور، وأن دواءه ينبغي أن يكون مُراً بعض الشيء، فسارعتُ إلى نشر الحلقة الرابعة التي بيّنتُ فيها خطأه الشنيع في العبارة المنسوبة للإمام الثقة الثبت إسماعيل بن أبي خالد، وما طرأ عليها من تصحيف، وهي قوله: "كان أبو صالح يكتب"، حيث تصحفت في النسخة المطبوعة من "ميزان الاعتدال" للإمام الذهبي إلى: "كان أبو صالح يكذب"، ثم ختمت الحلقة بعبارات فيها شيء من القسوة، لعلّها تحرّك في نفس الدكتور الحايك بقايا ضمير يدفعه إلى التواضع والإنصاف.. ولكن هيهات!
ردّ الدكتور الحايك - الذي أكد سابقاً مرتين بأنه لن يرد - على العبد الفقير في مقطع فيديو بلغ ربع ساعة، كان بإمكانه أن يختصره في خمس دقائق على أكثر تقدير.. ظل فيه ثابتاً على كِبره وتعالمه، منتقصاً لإخوانه، ملتزماً بعبارات التسفيه والتجريح والإسقاط، بل إنه ازداد انتفاخاً وانتفاشاً وإصراراً على أخطائه، والأهم من ذلك أن هذا الرد كان شاهداً على افتقار الدكتور للأمانة العلمية، ومؤكداً على عدم الوثوق بأبحاثه وكتاباته، حيث إن انتصاره لنفسه صرَعَ المنهج العلمي في البحث، وألقى به جثة هامدة في واد سحيق.. وسأرد على ما طرحه في هذا الفيديو بعد قليل.

ولذلك، وبعد أربع حلقات من الرد؛ بتّ مشفقاً على حال الدكتور الحايك، وتملّكتني خشية من أن أكون سبباً في وقوعه بمزيد من الأخطاء والخطايا التي شوّه بمثلها صورتَه أكثر، وأزرى بنفسه بشكل مقيت.. وعليه؛ فقد ترجّح لدي - حتى الآن - أن المصلحة الشرعية تقتضي إيقاف هذه الردود، مانحاً الدكتور فرصةً يراجعُ فيها نفسه، ويحاسبها على ما مضى!
وأقول لبعض الإخوة الذين طلبوا مني مواصلة هذه الحلقات، إن بقية الحلقات شبه جاهزة للنشر، بل إن الحلقتين الخامسة والسادسة جاهزتان تماماً، فبالإمكان التواصل معي عبر حسابي في "فيسبوك" للسؤال عن أية مسألة وردت في بقية ردّ الدكتور الحايك.. والله الموفق.

"يكتب" و"يكذب" والأمانة العلمية عند الدكتور
قلت في الحلقة الرابعة من ردي على الدكتور الحايك:
"وقع الدكتور الحايك فيما هو أشنعُ من ذلك بكثير جداً، فقد نقل في كتابه "تنبيه المعتبر" (ص50) عن إسماعيل بن أبي خالد قوله: "كان أبو صالح جاراً لنا، فكنتُ لا أسأله عن شيءٍ من التفسير إلا فسّره"، ذاهباً إلى أن هذا جرحٌ لأبي صالح، ثم قال: "ثم رأيت الذهبي في الميزان (296/1) يذكر قولَ إسماعيل هذا بالمعنى، فيقول: (وقال إسماعيلُ بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب، فما سألتُه عن شيءٍ إلا فسّره لي)".
ثم قال (الحايك): "قلت: وإنْ كان هذا النقلُ من الذهبي بالمعنى؛ إلا أنه يبيّن المقصود بقول إسماعيل، فيرى الذهبي أن قول إسماعيل فيه تكذيبٌ لأبي صالح؛ لأنه ما كان يسأله عن شيء من التفسير إلا فسّره له، وهذا فهمٌ سديدٌ من الذهبيِّ لعبارة إسماعيل، فبقيَ في ذهنه حتى صنّف (الميزان)، فلما احتاج إليه ذكَرَه هكذا، ونسب القول بتكذيب أبي صالح إلى إسماعيل، والله أعلم" اهـ.
قلت: نبّه الشيخ عبدالله الجديع في كتابه "تحرير علوم الحديث" (536/1) - وهو من الكتب التي يثني عليها الحايك - على خطأ لفظة "تركوه" الآنفة الذكر، مرجّحاً لفظة "نزكوه"، ثم قال: "ومن قبيح التحريف أيضاً؛ ما وقع في (الميزان) للذهبي في ترجمة أبي صالح باذام مولى أم هانئ: (وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب، فما سألته عن شيء إلا فسره لي). وصواب العبارة: (كان أبو صالح يكتب)" اهـ. وأشار في الحاشية إلى أنها وردت بلفظ: "يكتب" في "الضعفاء" للعُقيلي (165/1)، و"الكامل" لابن عدي (256/2).
ونصُّه في "الضعفاء الكبير" للعقيلي: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلادٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: كَانَ أَبُو صَالِحٍ يكتبُ، فَمَا سَأَلْتُ عَنْ شَيْءٍ إِلا فَسَّرَهُ لِي".
ونصُّه في "الكامل" لابن عدي: "كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمد بْنُ الْحَسَنِ البري: حَدَّثَنا عَمْرو بن علي: سَمِعْتُ يَحْيى يَقُولُ: سَمعتُ إسماعيل يَقُولُ: كَانَ أَبُو صَالِح يكتب".
إذن؛ الإمام الذهبي لم ينقل كلام إسماعيل بن أبي خالد بالمعنى، وإنما نقله بنصّه، وما وقع في نسخة "الميزان" إنما هو تصحيف ليس أكثر.
ثم إن الدكتور الحايك أبعد النجعة في تفسير عبارة إسماعيل بن أبي خالد، مع أنها تفسِّر نفسها بنفسها كما ترى، فهو يعلِّل كثرة تفسير أبي صالح بأنه كان يكتب تفسيرَ مَن قبله. ومما يؤيد ذلك - رغم وضوحه - أن إسماعيل بن أبي خالد أكثر عن أبي صالح في التفسير، فكيف يتهمه بالكذب، ثم يكثر عنه الرواية في تفسير كلام الله جل وعلا؟!
ويذكرني قولُ إسماعيل بن أبي خالد؛ بقول أبي هريرة رضي الله عنه: "ما من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثرَ حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب" رواه البخاري وغيره.
وأما قول الدكتور الحايك: "وهذا فهمٌ سديدٌ من الذهبيِّ لعبارة إسماعيل، فبقيَ في ذهنه حتى صنّف (الميزان)، فلما احتاج إليه ذكَرَه هكذا، ونسب القول بتكذيب أبي صالح إلى إسماعيل"؛ فهو من نسج الخيال!". انتهى كلامي نقلاً عن الحلقة الرابعة.
رد الدكتور الحايك على هذه المسألة في مقطع فيديو تجاوز ربع الساعة بقليل، وسأتجاوز في ردي عليه كل المقدمات التي ملأها كعادته بعبارات التجهيل، والادعاءات بأنني أنقل عن الموسوعات دون تحرير، وما إلى ذلك من كلمات الغمز واللمز التي أحتسبها عند الله تعالى الذي لا يُظلم عنده أحد.

قال الدكتور الحايك في الفيديو المشار إليه: "تفسيري لكلام الذهبي من خلال سياق ترجمة أبي صالح عند أهل العلم، فإنهم كذّبوه، فبالتالي أنا كلامي وتوجيهي لما عند الإمام الذهبي في هذا الكتاب إنما هو في سياق ما تكلم عليه أهل العلم، فبالتالي (يكذب) يعني تنطبق هنا في هذه العبارة".
قلت: هذا كلامٌ لا يحتوي على أية قيمة علمية يمكن الرد عليها، ولكن تجدر الإشارة إلى أن أهل العلم ليسوا مطبقين على تكذيب أبي صالح كما أوهم كلام الدكتور، وإلى أن توجيه الدكتور الحايك كان في معرض إثباته هو لكذب أبي صالح، والرد على الشيخ حاتم العوني الذي نفى هذه التهمة عنه.

ثم قال الدكتور الحايك: "حتى تقول إن الخطأ من النسخ، أو من النسخة الموجودة؛ وأن الذهبي عنده في الأصل (يكتب)، وليس (يكذب)، فبالتالي هذا يحتاج إلى أن ترجع إلى أصول مخطوطة. أما الأصول المخطوطة فهي غير متوفرة الآن بين يدي، لكن أنا آخذها على أنه (يكذب) كما هي موجودة في النسخة".
قلت: أولاً: لو أنك - أيها المحقق الخرّيت - رجعتَ إلى مظان عبارات الجرح والتعديل التي ينقلها الذهبي في كتابه "ميزان الاعتدال"؛ لوجدت العبارة على الصواب في "الضعفاء" للعقيلي، و"الكامل لابن عدي"، وهذا الأمر لا يحتاج إلى الرجوع لمخطوطات.
ثانياً: وقوع هذه اللفظة في مخطوطة الإمام الذهبي نفسه "يكذب" لا يعني أن نصوّبها، فنحن عندنا الأصول التي اعتمد عليها الذهبي في قوله "كان أبو صالح..." من مصنفات الأئمة الكبار، فقد يسبق قلم الذهبي، أو الناسخ عنه.
ثالثاً: مع عدم الحاجة إلى الرجوع للمخطوطات، ولكن تجاوباً مع رغبة الدكتور؛ فإنني رجعت إلى مخطوطة "ميزان الاعتدال" الموجودة في المكتبة الأزهرية، فوجدته يقول فيها: "كان أبو صالح يكتب"، وهذه صورتها:

 

ثم قال: "الأمر هيِّن ويسير، يعني هناك اختلاف في المعنى، إذا قلت يكذب أو قلت يكتب".
قلت: لا تعليق!

ثم قال الدكتور الحايك: "لأثبت للأخ وائل أن هذا العلم ليس بالسهل.. أنا ما قمتُ به من نقلي من كتاب الذهبي من النسخة الموجودة على الأقل، قد يكون تصحيفاً، ولا أسلّم بأن الأصل هنا (يكتب)، لأن يكتب هنا لا معنى لها. وإذا نظر طالبُ علمٍ متمرِّس في أحوال الرواة وأحوال الرجال؛ إذا أراد أن يرجِّح فلا بد أن يرجّح المعنى الذي ذهبتُ إليه، لأنه مناسبٌ للسياق، ومناسبٌ لحال الرجل".
قلت: أولاً: قول الدكتور خالد الحايك "لأثبت للأخ وائل..."، تعالمٌ لا يصدر إلا عن نفس تفيض بالكبر والعجب والغرور! ولا أدري أين الصعوبة في الوقوف على هذه اللفظة في كتاب "العلل" كما سيبين لاحقاً؟!
ثانياً: قوله: "لا أسلّم بأن الأصل هنا (يكتب) لأن (يكتب) هنا لا معنى لها" مكابرة بيِّنة، وبيّنت آنفاً أنها في الأصل المخطوط (يكتب)، وبيّنت معناها بأنها تفسِّر كثرة تفسيره بكثرة كتابته، والذي لا معنى له أن يقول ابن أبي خالد فيه: "يكذب" معللاً بها كثرة تفسيره، ثم هو بعد ذلك يروي عنه تفسير كلام الله عز وجل، ويُكْثر عنه في ذلك!
ثالثاً: قوله: "إذا أراد أن يرجِّح..." يريد به الدكتور الحايك أن ينقلنا إلى مربع القول بأن اللفظة مختلفٌ فيها، وليست كذلك، وإنما هي تصحيف واضح صريح بيّن لا مرية فيه، فالإمام الذهبيُّ لا يعبّر عن معنى في ذهنه كما تخيّل الأخ الحايك، وإنما ينقل كلام إسماعيل بن أبي خالد بحروفه، وهذا الكلام لم يأتِ به الذهبيُّ من بنيات أفكاره، وإنما نقله عن كتب من تقدّمه، وها هو نص العبارة موجود بالفعل - كما بينت سابقاً - في كامل ابن عدي، وضعفاء العقيلي.. فلماذا هذه التعتعة التي لا معنى لها سوى المكابرة وعدم الإقرار بالخطأ؟!
رابعاً: المعنى الذي ذهبتَ إليه ليس مناسباً للسياق، فالسياق هو سياق كلام إسماعيل بن أبي خالد، وهو:
أ- يفسّر بكلامه كثرة الآثار التي يرويها أبو صالح في التفسير، أو التي يفسرها مما استفاده ممن تقدَّمه، وهذا السياق واضح في قوله: "كان أبو صالح يكتب، فما سألت عن شيءٍ إلا فسّره لي".
ب- يُكثر من الرواية عنه في التفسير، وهو ثقةٌ ثبتٌ جليل، ننزهِّه أن ينقل تفسير الكلام الإلهي عمّن يراه كذاباً.

ثم قال الدكتور الحايك: "لكن أقول - وأنا كنت تنبهت لهذا بفضل الله عز وجل، وهذا كتاب قديم (...) - أقول: ما وقع من كلمة "يكتب" وكلمة "يكذب" كلاهما خطأ، والصواب: (كان أبو صالح مكتِّباً) أو (مُكْتِباً).. هذا هو الصواب، وهذا نقلَه الإمام عبدالله بن أحمد في كتاب "العلل" في موضعين: (كان أبو صالح مُكْتباً، فما سألته عن شيء إلا فسّره لي) في موضعين - بفضل الله عز وجل - الأصل المخطوط في علل الإمام أحمد، وهي كذلك، وهذا يناسب السياق، لأنهم قالوا عن أبي صالح بأنه كان عنده مجموعة من الصبيان يعلّمهم، كما نقل العقيلي عن المغيرة: (كان أبو صالح يعلّم الصبيان)، وقضية (مكتِّباً) هذه موجودة عند أهل العلم، ونقلوا عن الحجاج أنه كان مكتِّباً، أي معلِّماً في الطائف، فالمُكْتِب هو المعلِّم، أو المكتِّب كما قال بعض أهل اللغة، المكتِّب الذي يعلِّم الكتابة، وهي في موضع الكتاب أو الكتاتيب، وكان معروفاً عن أبي صالح أن عنده بعض الأطفال الصغار يعلّمهم الكتابة، وهذا معناها".
قلت: أولاً: أما قوله: "وأنا كنتُ تنبهتُ لهذا بفضل الله عز وجل، وهذا كتابٌ قديم"، فلا أدري متى تنبه لهذا؟ ولماذا سكَتَ كل هذه المدة ولم يبيِّنه في موقعه الإلكتروني على الأقل، ويعلن تراجعه عن أوهامه التي قلّد بها عنقَ الإمام الذهبي، الذي هو بريءٌ من هذا التصحيف الشنيع؟ ثم طالما أنه تنبّه لهذا؛ فلماذا يشكك في ذلك ويقول إننا بحاجة إلى مراجعة مخطوطة "ميزان الاعتدال" للتأكد من أنها "يكتب"؟!
ثانياً: ترجيحه أن الصواب في هذه اللفظة أنها "مُكتباً" لأنها واردة هكذا في "العلل ومعرفة الرجال" لم يذكر عليه أية قرينة يرجّح بها هذه اللفظة على ما سواها، ولا أدري أين التحقيق والاستقصاء الذي ادعاه الحايك في أكثر من مناسبة، رامياً غيره بالجهل والنقل عن الموسوعات!
وهذا الذي رجّحه يتعارض مع أصول البحث العلمي؛ لأمور:
أ- إسناد الرواية التي في "علل أحمد" هو الإسناد ذاته الموجود في "ضعفاء العقيلي"، وهو من رواية عبدالله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد قال: سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد... به، والنسخة التي بين أيدينا من كتاب العلل؛ هي من رواية أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، وهو والعقيلي إمامان جليلان، يتعسر الترجيح بينهما، مما يُحوجنا إلى مرجح خارجي.
ب- أما إسناد الرواية التي في "الكامل" لابن عدي، فهو مختلف إلى يحيى بن سعيد، قال ابن عدي: "كتبَ إليَّ محمدُ بن الحسن البري، حدثنا عمرو بن علي: سمعت يحيى يقول: سمعتُ إسماعيل يقول: كان أبو صالح يكتب"، وهذا هو المرجِّح للفظة "يكتب".
جـ- أن تعليل كثرة تفسير أبي صالح باذام بكونه يكتب التفسير عمّن قبله؛ معقول المعنى، أما تعليله بكونه يعلم الصغار الكتابة؛ فليس له معنى معقول.
ثالثاً: على فرض صحة القول بأن اللفظة الأصح هي "مُكتباً" - ولا أسلّم بذلك - فلماذا يهرب الأخ الحايك، ولا يقر بخطئه بصريح العبارة في نقله عن "ميزان الاعتدال" بلا تحرير، ونسجه هذه الصورة الخيالية للإمام الذهبي من أنه فسّر قول أبي صالح بالمعنى... إلى آخر كلامه الذي هو أشبه بـ"الحبكة الفنية"؟! لا شك أنها الأنفة التي جبلَ طبعَه عليها!
وهو مع ترجيحه للفظة "مُكتباً" يقول: "هو (البتيري) يقول أنا أبعدت في فهمي لكلام الذهبي، وأنه من نسج الخيال.. لا، ما قلته عن الإمام الذهبي ليس من نسج الخيال، وإنما كما ذكرته موافق"!
قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! والله إنها مصيبة تستحق الاسترجاع؛ أن يتكلم في هذا العلم من يخرج منه هذا الكلام الذي هو أقرب إلى الهذيان!
رابعاً: مع ترجيحي للفظة "يَكتُب" بدلالتي الرسم والسياق؛ إلا أنني لا أجزم بذلك، فهناك مرجِّحٌ آخر للفظة "مُكتباً" غفل عنه الدكتور الحايك، وهو أن من المحتمل أن يكون ضبط لفظة "يكتب" هكذا: "يُكْتِب"، وهو ما يلتقي بالمعنى مع ما في "العلل" من قوله: "مُكتباً"، وهي مرسومة هكذا في مخطوطة "الكامل" التي سأنقل صورتها لاحقاً، ومن الأمانة العلمية - التي يفتقدها صاحبنا المحدّث - أن أشير إلى ذلك، وخصوصاً لمن يريد أن يثبت "أن هذا العلم ليس بالسهل"!
وعلى كل حال؛ فلا يهمّني أن تكون اللفظة الصحيحة "يَكتُب" أو "يُكتب" أو "مُكتباً"، فالأمر محتمل، والجزم في مواضع الاحتمال مجازفة لا يُقدم عليها إلا جاهل، ولكن المهم هو أمران:
أ- أنها ليست "يكذب" بكل تأكيد، وأن الدكتور الحايك حينما اتهمني بأنني أنقل عن الموسوعات بلا تحرير؛ كان هو الأولى بهذا الوصف، لأنه نقل لفظة "يكذب" من غير تحرير، وليس ذلك فحسب، وإنما بنى عليها قصة خيالية قصيرة نسبها للإمام الذهبي، ثم حينما أراد أن يدافع عن نفسه؛ نقلنا إلى مربع "يكتب" و"مكتباً"، ومدار الخلاف ليست حول هاتين اللفظتين.. لتكن "يكتب" أو "مكتباً"؛ هذا أمرٌ لا يعنيني، فلستُ أنا من قال إن قول إسماعيل بن أبي خالد جرحٌ، ولستُ أنا من اتكأ على كلامه لاتهام أبي صالح بالكذب!
ب- أن قول إسماعيل بن أبي خالد: "يَكتُب" أو "يُكتب" أو "مُكتباً" ليس جرحاً للراوي - وليس بالضرورة أن يكون توثيقاً - بدليل أن ابن أبي خالد روى عن أبي صالح وأكثر عنه، وهذا لا يناقش فيه إلا جاهل، أو مُحرِّف للعلم. أما قول الدكتور في موضع آخر من الفيديو: "إن قول إسماعيل بن أبي خالد (كان مكتباً) جرحٌ لمن يفهم أصول هذا العلم؛ أن كل شيء يفسره فهو لا شيء" فتشدّقٌ بلا تحقُّق، وتعالُم بلا علم، وادعاءٌ بلا أدنى دليل.. ويكفي أن يُقال: ألأنه "لا شيءٍ" رواه عن الإمام الثقة الثبت إسماعيل بن أبي خالد؟! والله إني لأشعر بامتعاض شديد حين أجدُني مضطراً لتوضيح الواضحات، ونقض الأباطيل التي تمجّها العقول.
والعجيب أن الدكتور الحايك بعد عبارته هذه؛ أخذ يأتي بأقوال بعض أئمة الجرح والتعديل في تكذيب أبي صالح، وهذا كله لا يعني أحداً؛ لأنهم لم يُجمعوا على تكذيبه، بل إن أبا حاتم قال في "الجرح والتعديل" (431/2): "حدثنا عبدالرحمن: نا صالح بن أحمد بن حنبل: نا علي - يعني ابن المديني - قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لم أرَ أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ، وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه شعبة، ولا زائدة، ولا عبدالله بن عثمان"، وإسماعيل بن أبي خالد من هؤلاء الذين رووا عنه ولم يتركوه، بل هو من أعلم الناس به، فقد كان جاره، ولو أنه عهد عليه الكذب؛ لما روى عنه تفسير أعظم كلام.. كلام الله تعالى.

ثم قال الدكتور الحايك: "وليس معنى (يكتب) أي يكتب كتب التفسير التي قبله.. ثم ما علاقة أن يكتب كتب التفسير (...) أبو صالح أصلاً عُدّ من المفسرين من التابعين، فيكتب كتب من قبله؟ من؟ من الذي كتب كتباً قبل أبي صالح وهو من التابعين، حتى نقول بهذا الفهم؟ إذن من الذي كلامُه من نسج الخيال؟".
قلت: كلامك هذا هو الذي من نسج الخيال، وهو دليلٌ واضحٌ على أحد أمرين:
أ- إما أن هذا "المحدّث" - كما يصف نفسه - لا يُحسن فهم الكلام، وأن انتصاره لنفسه أعمى بصيرته، حتى إنه لم يعد يفقه ما يقرأ.
ب- أو أنه أراد أن يدلِّس على "الطيبين!" من مريديه بهذا الكلام المتهافت.
وبيان ذلك أن عبارتي هي: ".. فهو يعلِّل كثرة تفسير أبي صالح بأنه كان يكتب تفسيرَ مَن قبله" وهل يفهم جاهلٌ في هذا العلم، فضلاً عن طالب علم، فضلاً عمن يزعم نفسه "محدّثاً" أن قولي: "يكتب تفسيرَ من قبله" أنه يكتب كتب التفسير التي كتبها من قبله؟! إن هذا لشيء عُجاب! وأرى أن من ضياع الوقت أن أبيِّن أن المقصود هو كتابة التفسير الذي يسمعه ممن قبله، ولكن ماذا نصنع ونحن نعيش في زمن عجائب طلاب علم الحديث؟!

ثم قال الدكتور الحايك: "فلا زلتَ تستخدم الموسوعات الحاسوبية، وتنقل عنها، وقد تصحّفت وتحرّفت في المطبوع من كتاب العقيلي في عدة طبعات، وكتاب (الكامل) لابن عدي، قالوا: (يَكتب) ثم أتى الجديع وقال إن الصواب (يَكتب) وما في كتاب الذهبي تحريف ومن أشنع التحريف.. إذن أقول: هذه ليست بصحيحة، وهذه ليست بصحيحة، وما ذكره عبدالله في كتاب العلل هو الصواب".
أولاً: ما زال الدكتور الحايك يتخبط، ويلفّ ويدور، ولا يقر بخطئه بشكل واضح صريح ليحافظ على هيبته، فهو "المحدث" الذي لا يجوز أن يقرّ بأنه أخطأ، وبأن "جاهلاً" مثلي أصاب.
ثانياً: الدكتور كرر عبارة "تستخدم الموسوعات الحاسوبية" مرات كثيرة، ولكنه لم يأتِ على دليل واحد على ذلك، ولو أنه أتى بعبارة نقلتها عن موسوعة بشكل خاطئ، وبين أنها في المطبوع ليست كذلك؛ لكان هذا دليلاً جيداً على أنني أكتفي باستخدام الموسوعات الحاسوبية.. وأنا أقولها صريحة إنني أستعين بالموسوعات الحاسوبية، وأرجع إلى ما توفر في مكتبتي من كتب مطبوعة عند الحاجة، وأرجع كذلك إلى موقع المكتبة الوقفية للنظر في الكتب التي ليست عندي، وربما أضطر إلى الرجوع إلى المخطوطات أحياناً. بل إنني أرى أن من الغفلة والسذاجة أن يكتفي المشتغل في تخريج الحديث ونقده بالنظر في الكتب مع توفر الموسوعات الحاسوبية، ومن الغفلة أيضاً الاعتماد على الموسوعات الحاسوبية دون الرجوع إلى الكتب المطبوعة، أو المخطوطات عند الحاجة. مع العلم أن بعض الموسوعات اليوم أدق في نصوصها من كثير من الكتب المطبوعة، فكم من كتاب مطبوع مليء بالأخطاء، ولا تكاد تثق إلا في نسخة واحدة محققة على أصول التحقيق العلمي!
وإنني قادر على أن أقول إن الدكتور الحايك يعتمد على الموسوعات الحاسوبية بلا تحرير، طالما أن اتهامه مُلقىً هكذا على عواهنه.. ولكن أين أذهب من عقاب الله إنْ كنتُ قد ادعيت على عباد الله بلا دليل؟!
والعجيب أنه يقول بعدها إنها تصحفت في المطبوع، أي أن ما في الموسوعات الحاسوبية يوافق ما في المطبوع، فكيف عرف أنني أكتفي بالأخذ عن الموسوعات دون الرجوع إلى الكتب؟!
ثالثاً: أما قوله "وقد تصحّفت وتحرّفت في المطبوع من كتاب العقيلي في عدة طبعات، وكتاب (الكامل) لابن عدي، قالوا: (يَكتب) ثم أتى الجديع وقال إن الصواب (يَكتب) وما في كتاب الذهبي تحريف ومن أشنع التحريف"، فمن أعجب العجب!
فهو يحكم على أن هذه اللفظة محرَّفة في عدة طبعات من العقيلي، ثم هي محرَّفة في المطبوع من "الكامل" لابن عدي، ولا أدري من الذي دبّر هذا الأمر بليل؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والعجيبُ أنه يتفوّه بهذا الكلام الساقط بكلِّ ثقة وتعالم، وكأنه محدّث زمانه، ومع أن ما ذهب إليه بعيدٌ جدُّ بعيد، إلا أنه كان من السهل عليه أن يرجع إلى المخطوطات ويتأكد منها، وهي متوافرة اليوم على مواقع موثوقة في شبكة الإنترنت، تماماً كما رجع إلى مخطوطة "العلل ومعرفة الرجال" ليرجِّح لفظة "مُكتباً"!
وهذه صورة مخطوطة "ضعفاء العقيلي" الموجودة في المكتبة الظاهرية:

 

وهذه صورة مخطوطة "الكامل" لابن عدي الموجودة في المكتبة الظاهرية أيضاً:

 

أضف إلى ذلك أنها وردت في نسخة مكتبة الرشد من "الكامل" التي حققها د. مازن السرساوي بلفظ: "يكتب"، وقد أوضح في مقدمة تحقيقه أنه اعتمد على عدة نسخة في تحقيقه الكتاب، وهي: نسخة المكتبة الظاهرية، التي وصفها بأنها "أجل وأقدم وأصح نسخ الكتاب التي وصلتنا"، ونسخة مكتبة أحمد الثالث التركية، ونسخة دار الكتب المصرية الأولى، ونسخة دار الكتب المصرية الثانية، ونسخة دار الكتب المصرية الثالثة.
رابعاً: أما قوله: "إذن أقول: هذه ليست بصحيحة، وهذه ليست بصحيحة، وما ذكره عبدالله في كتاب العلل هو الصواب"، فأسأله بالعامية: "هي الشغلة مداقرة - وفي لهجة: مجاكرة - يا شيخ خالد؟!"، أهكذا يُتعامل مع هذا العلم الجليل؟! أهذا هو التحقيق الذي قرّعت رؤوسنا به ليل نهار؟! لا أملك إلا أن أحوقل؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم نقل الدكتور الحايك قولي: "ويذكرني قولُ إسماعيل بن أبي خالد (كان يكتب)؛ بقول أبي هريرة رضي الله عنه: "ما من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أكثرَ حديثاً عنه مني، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب" رواه البخاري وغيره"، معقباً عليه بالقول: "يعني أنت شبهت هذه الكلمة (كان يكتب ولا أكتب).. والآن أبو هريرة رضي الله عنه يتكلم في قضية الحديث، فهو كان يحفظ لكن لا يكتب، أما عبدالله فكان يكتب.. إذن لا علاقة لها أيضاً بهذا الاستشهاد، فبالتالي ما قاله خطأ، بل خطأ شنيع أيضاً".
قلت: لا أجد ما يستحق التعليق!

ثم قال الأخ الحايك: "وأنا حقيقة لو كنت أنا الذي حرفت؛ لقلت أنا أخطأت والحمد لله، لكن أنا نقلت ما عند الإمام الذهبي، أو ما وقع في كتاب الإمام الذهبي على الأقل المطبوع منه، ولا أدري! لم أقف على النسخة المخطوطة حتى أرى أنها عنده (يكذب) أو (يكتب)، وعموماً؛ سواء كانت يكتب أو يكذب؛ فكلاهما لا يصح".
قلت: وحينما نقلتُ أنا عن الإمام الذهبي نفسه ما ذكره في كتاب "سير أعلام النبلاء" من قول عبدالله بن عون في شهر بن حوشب: "نزكوه"، هل حرفتُه لتشنِّع عليّ وتضع عنوانا عريضاً بقولك: "نقولات من الموسوعات دون تحرير"؟!
وأحيل القارئ الكريم إلى ردي على الدكتور حول هذه النقطة بالذات، في الحلقة الرابعة التي سأضع رابطها أسفل هذه المقالة.

الإسناد العالي والإسناد النازل
في رده على الحلقة الثالثة من مقالاتي في الرد عليه؛ قال الدكتور الحايك: "وحتى لا يظن من يقرأ هذا أننا نفتري عليه فما دخل مسألة الإسناد العالي والإسناد النازل في حديث معاوية بن قرة عن أبيه!! والحديث يرويه عنه: عروة بن عبدالله بن قُشير وقرّة بن خالد، فما شأن أن إسناد الأول نازل والآخر عال في الترجيح هنا!! هذا والله من عجائب الأمور! فكل حديث خرّجه صاحب كتاب يختلف عن الآخر بحسب ما وقع له الحديث، وليس نازلاً أو عاليا لهذا أو ذاك، وإنما هو إسناد طبيعي لكل واحد منهما".
قلت: هذا كلام شخص لا يتقن هذا العلم، ولا يعرف وجوه الترجيح التي يلجأ إليها أهل الصنعة عند تعارض حديثين رواتهما ثقات.
ولأن هذه المسألة من الواضحات التي نضطر إلى توضيحها - كسابقاتها - لمن يجهل هذا العلم، ولطلبته المبتدئين؛ أقول باختصار: إن الدكتور الحايك حينما لجأ إلى الترجيح بين الروايتين؛ رواية عبدالله بن قشير، وقرة بن خالد؛ سلكتُ معه مسلك الترجيح على سبيل التنزل، وحاكمته بما يعتقد، فهو يعتقد أن رجال إسنادَي الروايتين جميعهم ثقات، وحين يستوي رجال روايتين في المرتبة؛ فإننا نلجأ إلى وجوه الترجيح، ومن وجوه الترجيح عند أهل العلم؛ تقديم الإسناد العالي على الإسناد النازل؛ لأن احتمال الوهم في الإسناد العالي أقل، وقد ذكر الإمام السيوطي في "تدريب الراوي" من المرجّحات بين الأحاديث عند الاختلاف بالنظر إلى حال الراوي؛ أربعين وجهاً، ذكر منها (655/2): "ثانيها: قلَّة الوسائِطِ، أي عُلوّ الإسناد حيث الرجالُ ثقات، لأنّ احتمال الكذب والوهْمِ فيه أقلّ".
ولذلك؛ قال الإمام ابن دقيق العيد في "الاقتراح" (ص266): "ولا أعلم وجهاً جيداً لترجيح العلوّ، إلا أنه أقربُ إلى الصحةِ وقلّةِ الخطأ، فإن الطالبين يتفاوتون في الإتقان، والغالبُ عدم الإتقان في أبناء الزمان. فإذا كثرت الوسائط؛ وقعَ من كل واسطة تساهلٌ ما، فكثر الخطأ والزلل، وإذا قلّت الوسائطُ قلّ"، وهذا يُحمل على تساوي رجال الأسانيد - التي هي محل النظر والترجيح - في المرتبة، ولذلك قال بعدها: "فإنْ كان النزولُ فيه إتقانٌ، والعلوّ بضدِّه؛ فلا تردُّد في أن النزول أولى".
وعليه؛ فإن قول الدكتور الحايك: "هذا والله من عجائب الأمور! فكل حديث خرّجه صاحب كتاب يختلف عن الآخر بحسب ما وقع له الحديث، وليس نازلاً أو عاليا لهذا أو ذاك، وإنما هو إسناد طبيعي لكل واحد منهما" ساقط في ميزان هذا العلم.

حول عروة بن عبدالله القشيري
عاب عليّ الدكتور الحايك أنني قلت في الحلقة الثالثة من ردي عليه، إن عروة بن عبدالله بن قشير "مستور"، قائلاً على قناته في "تلغرام" إن "عروة بن عبدالله بن قشير ثقة ليس بمكثر من الحديث، وإنزاله لمرتبة (مستور) من أجل زيادة في حديث لا يجعله ينزل لهذه المرتبة".
قلت: هل قلتُ إنه "مستور" من أجل زيادة في حديث؟! ولا أدري هل يفهم الحايك ما قلته في حق هذا الراوي، أم أنه يحيد ويدلس؟!
لقد بينت في كلامي حول عروة بن عبدالله أنه أحاديثه المرفوعة لا تتجاوز (11) حديثاً، وأنها "كلها معلولة، وربما دلّس في بعضها، وروى في بعضها عن مجاهيل، وليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث الواحد، وهو كما رأيت يحتوي على زيادات على رواية الثقة الثبت قرة بن خالد، فكيف يصح أن يوصف بأنه (ثقة) هكذا بهذا الإطلاق؟!".
فأنا لم أقل إنه "مستور" لمجرد أنه روى زيادات في هذا الحديث وحسب، وإنما اجتمع هذا مع كون أحاديثه معلولة... إلخ.

ثم قال الدكتور الحايك: "ثم ما هي هذه الزيادات التي من أجلها نزل لهذه المرتبة؟! هي تفصيل في الرواية فقط؛ يدل على ضبطه لحديثه، فهو ذكر في روايته التي هي محل النزاع أن المختلف في صحبته جاء في رهط من قومه بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، في حين الراوي الآخر لم يذكر هذا، وإنما قال بأنه هو من أتى وبايع دون ذكر رهطه، فهل هذه تعد زيادة منكرة على رواية ثقة آخر؟! إن لهذا لأمر عجيب!".
قلت: طالما أن الأمر كذلك؛ فلماذا لم تقل هذا في رواية قرة بن خالد التي رواها الطيالسي بإسناد صحيح، وفيها زيادات لم تأتِ في رواية عروة بن عبدالله؟ أم أنك تتحكم وتتلاعب بهذا العلم لتنصر رأيك، وتنفي سماع قرة بن إياس رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم؟!
أقول هذا مع أنني سلكتُ مسلك الترجيح بين الروايتين تنزلاً، وإلا فإنني بينت وجوه الجمع بينهما في المسلك الثاني الذي ذكرته في الحلقة الثالثة، وهو مسلك الجمع بين الروايتين، ولم أجزم بصحة أحد المسلكين، فكلاهما مؤداه واحدٌ بالنسبة لهذا الحديث. ولا يفهم هذه الطريقة في النقاش إلا من يعرف أساليب المناظرة والمحاججة!

ثم قال الدكتور الحايك: "وأما دعوى أنه ربما دلس فهذا كذب!! ولا يوجد في ترجمته أي إشارة لذلك، ولا يوجد ما يدل عليه!".
قلت: لقد حرصت أن أضع كلمة "ربما" التي تفيد الاحتمال؛ إلى جانب كلمة "دلّس" لأن الجزم بذلك يحتاج مني إلى مزيد بحث وتحقيق، وبيانُ ذلك أن الإمام البخاري قال في "التاريخ الكبير" (34/7): "وروى حكّامٌ عن عنبسة الأسدي، عن عروة بن عبدالله، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال أمتي بخير ما لم يصلّوا هذه الصلاة والنجومُ مشتبكة".
وهذا الحديث علّقه البخاري، فإنْ صحّ إسناده إلى عروة بن عبدالله؛ يكون قد دلّسه على عنبسة، إذ إن عروة لم يدرك عنبسة كما قال الإمام الذهبي في "تاريخ الإسلام" (420/7).
قلت: هذا هو سبب قولي: "ربما دلس في بعضها"، فافهم يا من تكذِّب الآخرين بلا بينة!

ثم قال الدكتور الحايك: "وكذلك أنه يروي عن مجاهيل، فهذا كذب أيضا!! فهو يروي عن كبار الأئمة كابن سيرين ومعاوية بن قرة وفاطمة بنت علي بن أبي طالب وابن الزبير وابن أبي مليكة، ويروي عنه الأئمة أيضا كسفيان الثوري وغيره.
فهو لا يروي عن المجاهيل! وكأن قائل هذا الزعم لما وجد رواية له عن رجل - مجهول- ادعى أنه يروي عن مجاهيل!! وهذه الرواية لم تصح عنه! فكيف أنسبها له؟! ولو صح أنه رواها عن مجهول فهذا لا يعني أن ننزل من مرتبته من ثقة إلا مستور! وحتى لو أكثر بعض الرواة عن الرواية عن مجاهيل؛ فهذا لا ينزل من مرتبتهم، فهذا أبو إسحاق السبيعي روى عن كثير من المجاهيل، وهو ثقة ثبت لم ينزله العلماء من مرتبته!".
قلت: أولاً: الدكتور الحايك يدلّس، فقولي: "وروى في بعضها عن مجاهيل"، يلزم منه أنه روى عن غير مجاهيل في بعضها الآخر، ولا ينفي كونه روى عن بعض الثقات، ولا ينفي أيضاً أنه روى عن كذابين. وهذا واضحٌ لا يحتاج إلى عبقري ليفهمه!
ثانياً: قول الدكتور الحايك "هذا كذب أيضاً" هو الكذب؛ لأن عروة بن عبدالله يروي عن مجاهيل كما سأبين في النقطة الآتية، وعُذر الدكتور أنه ليس من أهل التحقيق، كما بينت ذلك سابقاً، وسأبينه لاحقاً إن شاء الله.
ثالثاً: أما قول الدكتور: "فهو لا يروي عن المجاهيل! وكأن قائل هذا الزعم لما وجد رواية له عن رجل - مجهول - ادعى أنه يروي عن مجاهيل!! وهذه الرواية لم تصح عنه! فكيف أنسبها له؟!"؛ فهو أحد الأدلة الكثيرة على أن الرجل لا يوثَق في تحقيقه.
قال الإمام أحمد في مسنده (23155): حدثنا محمد بن جعفرٍ: حدثنا شعبة قال: سمعت عروة بن عبدالله الجعفي يحدث عن أبي حصبة أو ابن حصبة، عن رجل شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: "تدرون ما الرَّقوب؟"، قالوا: الذي لا ولد له، فقال: "الرقوب كل الرقوب، الرقوب كل الرقوب، الرقوب كل الرقوب؛ الذي له ولدٌ فمات، ولم يقدِّم منهم شيئاً"، قال: "تدرون ما الصُعلوك؟"، قالوا: الذي ليس له مالٌ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصعلوك كل الصعلوك، الصعلوك كل الصعلوك؛ الذي له مالٌ فمات، ولم يقدم منه شيئاً"، قال: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما الصرعة؟" قال، قالوا: الصريع، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصرعة كل الصرعة، الصرعة كل الصرعة؛ الرجل يغضب فيشتد غضبه، ويحمر وجهه، ويقشعر شعره، فيَصْرَعُ غضبَه".
قلت: هذا الحديث إسناده صحيح إلى عروة بن عبدالله، وروى عروة هذا الحديث عن أبي حصبة - أو ابن حصبة -، وهو مجهول.
وروى عروة بن عبدالله أيضاً أثراً عن عجوز مجهولة.. قال الدولابي في "الكنى والأسماء" (1081/3): حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا أبو المهل عروة بن عبدالله عن عجوز لهم، عن عائشة قالت: "إذا دخل عليك صبيُّ جارك؛ فضعي في يده شيئاً، فإنه يجرُّ المودّة".
وهذا إسناد صحيح إلى عروة، وعروة رواه عن هذه العجوز المجهولة.
قلت: بناءً على ما سبق؛ يكون قول الدكتور الحايك: "هذا كذب أيضاً... فهو لا يروي عن مجاهيل" مُهدَرٌ ولا كرامة.
رابعا: أما قوله: "ولو صح أنه رواها عن مجهول؛ فهذا لا يعني أن ننزل من مرتبته من ثقة إلا مستور! وحتى لو أكثر بعض الرواة عن الرواية عن مجاهيل؛ فهذا لا ينزل من مرتبتهم، فهذا أبو إسحاق السبيعي روى عن كثير من المجاهيل، وهو ثقة ثبت لم ينزله العلماء من مرتبته!"، فهو قياس فاسد، إذ إننا نتحدث عن راوٍ مقلٍّ جداً في رواية الحديث، بل إن الدكتور الحايك يقرر أنه لم يصح له إلا حديث واحد مرفوع - كما سيأتي - ولم يوثقه من المتقدمين غير أبي زرعة، وإني أميل إلى أنه يقصد بالتوثيق هنا نفي الكذب عنه؛ لأن حكمه عليه إنما كان من خلال النظر في رواياته، ورواياته كما نرى معلولة؛ العلة في بعضها منه، والعلة في بعضها الآخر من غيره، بل إن الرواية التي صحّحها له الدكتور الحايك فيها زيادات ترجّحُ عدم ضبطه، والزيادة ليس دائماً دليلاً على الضبط كما قال الدكتور الحايك، وخصوصاً في هذه الحالة التي نتحدث فيها عن راوٍ أحاديثه معلولة، ولم يصح له إلا هذا الحديث الواحد - كما قال الدكتور -، وزاد في حديثه ألفاظاً ليست موجودة عند ثقة آخر، مع النظر إلى كونه كوفياً، ومن خالفه (قرة بن خالد) بصري، والإسناد بصري كما بينت في الحلقة الثالثة.
أما عمرو بن عبدالله أبو إسحاق السبيعي؛ فهو من المُكثرين، وهو تابعي جليلٌ مشهور، قال عنه البخاري في "التاريخ الكبير" (347/6): "رأى علياً وأسامة بن زيد وابن عباس والبراء وزيد بن أرقم رضي الله عنهم أجمعين"، وقال ابن المديني: "أحصينا مشيخته نحواً من ثلاثمئة شيخ"، وقال مرة: "أربعمئة"، ووثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم وشعبة وغيرهم. فكيف يصح أن يُقاسَ حاله بحال عروة بن عبدالله؟! هذا من أفسد القياس.

ثم عاب الدكتور الحايك عليّ قولي: "ولقد سبرتُ حديث عروة كلَّه، في كتب السنة والتاريخ والرجال والتفاسير المسندة؛ فوجدتُ له من الأحاديث المرفوعة أحد عشر حديثاً غير حديثنا هذا (حديث قرة بن إياس)"، قائلا: "والسبر المزعوم ليس بصحيح، فهو لا يوجد له من المرفوع هذا العدد! وربما لا يزيد ما روي عنه من الأحاديث المرفوعة إلا أربعة، ولم يصح عنه إلا حديث خاتم النبوة الذي في كتب السنن، وبقيتها معلولة لأنها لم تثبت عنه - يعني هو لم يروها كما هو ظاهر كلام المدعي!! فقد أوهم أنه رواها وأنها معلولة بسبب أنه يدلس ويروي عن مجاهيل!! وهذا افتراء بين!! فاثبت العرش ثم انقش".
قلت: أولاً: قول الدكتور الحايك: "والسبر المزعوم ليس بصحيح، فهو لا يوجد له من المرفوع هذا العدد! وربما لا يزيد ما روي عنه من الأحاديث المرفوعة إلا أربعة" فإنْ كان يقصدُ ما صحّ إليه منها؛ فقوله صحيح، وإنْ كان يقصد ما رُوي عنه مما صحّ ومما لم يصحّ؛ فليس بصحيح، وهي بهذا المعنى الأخير (11) حديثاً، بما فيها حديث قرة بن إياس، لا كما قلت سابقاً إنه ليس من ضمنها، وقد ذكرتُ فيما مضى حديثين منها، فصاروا ثلاثة، وبقي ثمانية.
وكنتُ سقتها بأسانيدها هنا، ثم ارتأيت أن أكتفي بالإحالة إلى مظانها طلباً للاختصار، وهي: (1) مسند أحمد (45/14) (2) "المعجم الأوسط" للطبراني (369/2) و"البعث والنشور" للبيهقي (ص95). (3) "المعجم الأوسط" (91/6). (4) "الخلعيات" للخلعي (ص431). (5) "تاريخ دمشق" لابن عساكر (36/70). (6) "موضح أوهام الجمع والتفريق" للخطيب البغدادي (541/1). (7) "الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك" لابن شاهين (ص131). (8) تفسير الإمام الطبري (193/1).
ثانياً: أما قول الدكتور الحايك: "وبقيّتها معلولة لأنها لم تثبت عنه - يعني هو لم يروها كما هو ظاهر كلام المدعي!! فقد أوهم أنه رواها، وأنها معلولة بسبب أنه يدلّس ويروي عن مجاهيل!! وهذا افتراء بيِّن!"، فلا أدري كيف يستقيم أن يقول: "أوهم أنه رواها"، ثم يقول بعدها: "وهذا افتراءٌ بيِّن"، فهل ذلك موهِمٌ أم بيِّن؟ الحقيقة أن الوهم في رأس الدكتور فقط، فأنا أتحدث عن الروايات التي ذكر اسمه في أسانيدها، بدليل أنني قلت إنها إحدى عشرة رواية.
وطالما أن الدكتور يقول إن رواياته التي صحّت إليه أربعة، وإنه لم يصح منها إلا حديث واحد، فتكون العلة في الثلاثة المتبقية إما منه، وإما ممن فوقه، فيا حبذا لو أتى بها الدكتور وبيّن علتها.
فائدة: يَعُدّ الشيعة في كتبهم عروة بن عبدالله واحداً من رجالهم.. جاء في كتاب "معجم أنصار الحسين" للدكتور محمد صادق الكرباسي (39/3): "عروة بن عبدالله الجعفي، من أصحاب الصادقين عليهم السلام".
ثم قال في الحاشية: "هو حفيد قشير الكوفي - تهذيب التهذيب 120/4، من أصحاب الباقر عليه السلام كما في التهذيب، وجاء في رجال الطوسي 264 في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، ويُكنى عروة بأبي مهل".
ثالثاً: شنّع الدكتور الحايك على العبد الفقير؛ لأنه قال في عروة بن عبدالله إنه "مستور"، مع إقراره بأنه لم يصحّ له إلا حديثٌ واحد، وعدم تمكنه من إتيان أقوال للمتقدمين في توثيقه غير ما ذكرت من قول أبي زرعة، لكن العجيب أن الدكتور في بحثه الأخير المعنون بـ"التبيان في نكارة زيادة (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)" يصف راوياً وثقه جمع من الأئمة بقوله: "مستور"!!
قال: "وهذا الزيادة تفرّد بها مدرك بن سعد، وهو قليل الحديث، وهو مستور الحال، وإن وثقه بعض أهل العلم.
قال يزيد بن محمد بن عبدالصمد وعثمان الدارمي وأبو حاتم الرازي: "ثقة".
وقال أبو حاتم أيضاً وأبو داود: "لا بأس به".
وقال أبو زرعة الدمشقي عن أبي مُسهر: "صالح".
وقال أيضاً: سألت أبا مسهر عنه؟ فقال: "لا بأس به، يؤخذ من حديثه المعروف".
قلت: أبو مسهر عالِم الشام ولم يوثقه التوثيق المعتبَر عند أهل النقد، ومن أطلق التوثيق فيه ليس من أهل الشام العارفين بحديث الرجل، وهو كما ذكرت مستور الحال، ولهذا قال أبو مسهر: "صالح"، أي يُعتبر بحديثه ويُكتب، ويحتاج لمُتابِع، وقال: "يؤخذ من حديثه المعروف"، أي الحديث الذي يُتابع عليه، ويُردّ ما تفرد به.
ونحن لا نشك أنه سمع هذا الحديث من أبي النضر بحسب القصة التي ساقها ابن عساكر، ولكنه زاد في الحديث لفظة تفرد بها عن أبي النضر، وغير أبي النضر لا يذكر هذه الزيادة.
وقد خالفه في هذا أيضاً سعيد بن عبدالعزيز عن أبي النضر كما سيأتي".
قلت: وثق مُدركاً أيضاً ممن لم يذكرهم الدكتور الحايك: ابن معين كما في "تاريخه" من رواية الدارمي (ص212)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (505/7)، وقال الذهبي في "الكاشف" (250/2): "ثقة".
ومع أن كل هؤلاء وثقوه؛ ومنهم من نزل به إلى مرتبة من يكتب حديثه للاعتبار؛ إلا أن الدكتور الحايك يصفه بقوله: "مستور"، فيا لله العجب!

ملخص لـ"أبرز" أخطاء الدكتور الحايك
استمسك الدكتور الحايك ببعض الأخطاء التي وقعت في ملاحظاتي حول المناظرة التي حصلت بينه وبين الشيخ أبي قتادة عمر محمود، ومع أن بعضها شكلي، وبعضها الآخر مفترى، ولكنه لا يفرق بين خطأ وآخر، فكان في كل مرة يرميني بالجهل في علم الحديث، وأنا لستُ حريصاً على أن يُقال عني إنني "محدِّث" كما يحرص الدكتور أن يضع بجانب اسمه، ولا حريصاً على تزكية الدكتور لي، ولا حريصاً حتى أن يُقال فيَّ إنني طالبُ علم.. يكفيني أن أكون عبداً من عباد الله، يرجو رحمة الله، ويخشى عذابه.
وطالما أن الدكتور يرى أنني جاهلٌ، ويكرر ذلك مراراً، فأقول له: هذا "الجاهل" بيّن العديد من أخطائك الواقعة في بعض أبحاثك، وأنت "الدكتور المحدث"، فكيف لو أن "دكتوراً محدّثاً" وقفَ على أبحاثك كلها، فكم من الأخطاء سيكتشف؟!
أعلم أن الدكتور سيستغل كلامي ليقول: أرأيتم؟ ها هو يشهد على نفسه بالجهل، كما فعل من قبله "الشيخ علي الحلبي"، فأقول: لا بأس.. فليقل ما شاء، وسأذكر آتياً "أبرز" الأخطاء التي بيّنها هذا "الجاهل" البتيري؛ مما وقع في بعض أبحاث هذا "المحدث!":

1- زعمَ أن التابعيَّ أبا غالب كذابٌ يصنع الحديث، رغم أن أحداً من أهل العلم لم يتهمه بذلك، ولو أنه أتى بأدلة قوية على زعمه لعذرناه، ولكنه اتكأ على أدلة واهية، متهماً إياه بمقارفة كبيرة من الكبائر، توعد النبي صلى الله عليه وسلم صاحبها بالنار، وهي الكذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومثل هذه التهمة لا تلقى هكذا بلا دلائل قطعية.

2- نفى أن لأبي غالب 70 رواية بالمكرر في "المعجم الكبير" للطبراني، و30 رواية بغير المكرر، قائلاً إنه ليس لأبي غالب سوى 30 رواية دائرة كلها حول حديث "الخوارج كلاب أهل النار"، متحدياً أن يأتي أحدٌ بسواها، وقال في موضع آخر إنه "لم يجد لأبي غالب سوى حديثين أو ثلاثة أحاديث، وقصتين خياليتين، وليس سبعين حديثاً أبداً"، ولما جئت له بـ(11) حديثاً كمثال على أحاديثه الثلاثين المروية في "المعجم الكبير" قال إن هذا خارج سياق البحث، ولم يقرَّ بخطئه في هذه المسألة؛ لأن "مكانته العلمية" تمنعه من ذلك! ولكن العجيب أنه أضاف الثلاثين حديثاً في النسخة المنقحة من بحثه حول حديث "الخوارج كلاب أهل النار"!

3- زعم أن النكارة في أي حديث؛ تُلصق عهدتها بالراوي الأقرب للمصنف، مدعياً أن هذا هو منهج المحدثين، ولم يأتِ على ذلك بدليلٍ واحد، ولم يستطع أن يرد على قولي إن المحدثين ليس لهم في هذا الأمر قاعدة مضطردة، وإنما منهجهم قائم في هذه المسألة على النظر والبحث والتقصي، فمن استحق أن تُلصق به عهدة الحديث؛ ألصقوها به، بغض النظر عن موقعه في الإسناد.

4- زعم أن أهل الحديث والتاريخ متفقون على أن وفاة أبي أمامة الباهلي كانت في سنة (86هـ)، مع أنهم اختلفوا في وفاته على قولين: الأول ما ذكره الدكتور، والثاني أنه توفي سنة 81، وعزاه المزي في "تهذيب الكمال" (163/13) إلى إسماعيل بن عياش، وأبي اليمان الحكم بن نافع، وأحمد بن محمد بن عيسى صاحب كتاب الحمصيين، وقال به ابن الأثير في "أسد الغابة"، والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات"، وابن عبدالبر في "الاستيعاب".

5- نسب إلى الإمام ابن حجر القول في "التهذيب": "هذا يقوي قول من قال إن أبا أمامة مات سنة 96"، وابن حجر لم يقل هذا، وإنما قال: "سنة 6"، وقصد بذلك سنة 86، إذ لم يقل أحدٌ من أهل العلم أن أبا أمامة توفي سنة 96.

والعجيب أن الدكتور الحايك صوّب هذا الخطأ "سراً" بعد أن نبهته عليها، من غير أن يتطرق إليه في ردّه عليّ!

6- زعم أن ما جاء في النسخة المطبوعة من "حلية الأولياء" من قول أبي نعيم في حديث "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم": "مشهور من حديث إياس، غريب من حديث مِسعر!" يقصد به أبو نعيم "شهرته من حديث إياس الجد، فهو معروف به"، وإياسٌ ليس معروفاً به البتة، وكلام الدكتور خطأ بيّن، وفي رده على ملاحظاتي أقر بهذا الخطأ.

7- زعم أن قرة بن إياس رضي الله عنه، ليست له صحبة، وإنْ كانت له رؤية، مدعياً أن الأئمة الذين قالوا إن لقرة صحبة؛ قصدوا بذلك أن له رؤية!

8- قال في بحثه حول حديث: "إذا فسد أهل الشام...": "ومن صحح الحديث؛ فقد اعتمد على إثبات صحبة قرّة والد معاوية. فإن ثبتت صحبته فالحديث صحيح لا شك فيه"، ثم حين انتقدت قوله هذا، وبينت تناقضه مع ما قاله في المناظرة؛ حذفه من بحثه، وكتم ذلك.

9- قال إن عبارة "طوبى لمن قتلهم وقتلوه" منكرة، ثم قال: "لعن الله واضعها على رسول الله"، وهذا لا يستقيم، فهو يضعفها ولا يقول إنها مكذوبة، ثم يقول يقول: واضعها!
ولا يلزم من وهم الراوي أو خطئه في لفظة؛ أن تكون هذه اللفظة موضوعة حتى يقال: لعن الله واضعها، إلا أن يكون هناك راوٍ كذابٌ أسقط من الإسناد، ولكن الدكتور لم يثبت ذلك!

10- رد قولي إنني لم أقف لأبي عبدالله محمد بن عبد الله بن محمد بن غيث المحتسب الرازي على ترجمة، من غير أن يأتي بأدلة قائمة على ذلك.

11- قال: "وأبو علقمة نصر بن خزيمة بن جنادة لم أجد له ترجمة"، وهو مترجَمٌ في "الجرح والتعديل" (473/8)، وهو من أقرب المراجع إلى يد طالب العلم، وذكره الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (2204/4) وغيرهما.

12- في معرض رده عليّ، ونصرته لقوله؛ قال في جعفر بن سليمان الضبعي البصري: "الثقة المعروف" كذا بإطلاق، وغفل عن أنه قال في بحث "التّنقيح والتّرجيح للاختلاف الواقع في صلاة التّسبيح": "وأما جعفر بن سليمان؛ فكان من العبّاد المتقشفين، جالس زهاد البصرة، فحفظ عنهم الكلام الرقيق في الزهد، وجمع الرقاق، وله إفرادات ومناكير، وهو صالح الحديث" إي إذا توبع.

13- زعم أن قول الإمام البزار: "هذا الحديث لا نعلمُ رواه بهذا اللفظ إلا فلان" تعليل، مع أنه خالف ذلك في مواضع أخرى من أبحاثه فقال في "مِنح الوَدُود في بيان طُرق أحاديث الرايات السّود": "تصحيح البزار والحاكم لحديث ثَوبان! قال البزار في "مسنده" (100/10): (وهذا الحديث قد روي نحو كلامه من غير هذا الوجه بهذا اللفظ، وهذا اللفظ لا نعلمه إلا في هذا الحديث، وإن كان قد روي أكثر معنى هذا الحديث فإنا اخترنا هذا الحديث لصحّته وجلالة ثوبان وإسناده إسنادٌ صحيحٌ)" اهـ كلام الأخ الحايك.
وقد بينت أن للبزار عدة استخدامات في هذه العبارة، وليس بالضرورة أن يقصد بها التعليل.

14- نقل في كتابه "تنبيه المعتبر" (ص50) عن إسماعيل بن أبي خالد قوله: "كان أبو صالح جاراً لنا، فكنتُ لا أسأله عن شيءٍ من التفسير إلا فسّره"، ذاهباً إلى أن هذا جرحٌ لأبي صالح، ثم قال: "ثم رأيت الذهبي في الميزان (296/1) يذكر قولَ إسماعيل هذا بالمعنى، فيقول: (وقال إسماعيلُ بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب، فما سألتُه عن شيءٍ إلا فسّره لي".

ثم قال (الحايك): "قلت: وإنْ كان هذا النقلُ من الذهبي بالمعنى؛ إلا أنه يبيّن المقصود بقول إسماعيل، فيرى الذهبي أن قول إسماعيل فيه تكذيبٌ لأبي صالح؛ لأنه ما كان يسأله عن شيء من التفسير إلا فسّره له، وهذا فهمٌ سديدٌ من الذهبيِّ لعبارة إسماعيل، فبقيَ في ذهنه حتى صنّف (الميزان)، فلما احتاج إليه ذكَرَه هكذا، ونسب القول بتكذيب أبي صالح إلى إسماعيل، والله أعلم" اهـ.
فصاغ هذه القصة الخيالية بلا دليل، مع أن العقيلي في الضعفاء (165/1) وابن عدي في "الكامل" (256/2) روياها عن إسماعيل بن أبي خالد بإسنادين مخرجهما مختلف: "وكان أبو صالح يكتب".

15- زعم أن لفظة "يكتب" تحرفت في المطبوع من "ضعفاء العقيلي" و"كامل ابن عدي" من غير أن يأتي على ذلك بدليل، وبينت آنفاً أن في مخطوطتي "الضعفاء" و"الكامل": "يكتب".

16- زعم أن عروة بن عبدالله بن قشير لم يروِ عن مجاهيل، مع أن ذلك ثابت صحيح، وقد بينته آنفاً.

17- زعم أن مدرك بن سعد الفزاري مستور، مع أن عثمان الدارمي، وأبا حاتم الرازي، وابن معين قالوا عنه ثقة، ولم يقل أحدٌ فيه إنه مستور، ولم يأتِ على ادعائه بأي دليل.

18- نسب إلى أبي حاتم الرازي ما لم يقله، فقال في بحثه "كشف الأستار عن حديث الخوارج كلاب النار" في ترجمة قطن بن نُسير البصري: "وكان أبو حاتم يحملُ عليه"، وأبو حاتم لم يحمل عليه، وإنما الذي حمل عليه أبو زرعة، فقد قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل (7/138): "سُئل أبو زرعة عنه، فرأيته يحمل عليه"، ولم ينقل ابن أبي حاتم عن أبيه في ابن نُسير جرحاً ولا تعديلاً. (هذه الإضافة من الحلقة السادسة التي لم تنشر!).

قلت: هذه ليست كل الأخطاء التي وقع فيها الدكتور مما بينته فيما سبق، وإنما هي ما رشحت أن يكون "أبرزها" وحسب، ولا شك أن واحداً منها لو وقع فيها أحدٌ - أي أحد - لسارع الدكتور إلى رميه بالجهل في علم الحديث، ألا يستحق بعد ذلك أن يرميَ نفسه بما رمى به غيره؟!
ثم هو يقول على قناته في "تلغرام" مساء اليوم: "قريباً إن شاء الله؛ نمتعكم ببعض البحوث والدراسات الجديدة التي فتح الله بها علينا، فله الحمد والمنة"..
كفاك غروراً وانتفاخاً يا أخي.. وأذكّرك بتغريدة كتبتها على حسابك في "تويتر" قلت فيها: "قيل: العلم ثلاثة أشبار، فمن دخل في الشبر الأول تكبر، ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل فى الشبر الثالث علم أنه لا يعلم" اهـ.
هدانا الله وإياك، وخلّصك من ألقاب التفخيم والتضخيم التي أهلكتك، ورزقك معرفةً بقدْر نفسك، وتواضعاً يحبِّبُ إليك عباده.. إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين

أخبار ذات صلة

اتهمني الأخ خالد الحايك - غفر الله لنا وله - بأنني أنقل عبارات من الموسوعات من دون أن أحر ... المزيد

"عدم المعرفة بمنهج أهل الحديث"

قال الأخ الحايك: "رابعاً: عدم معرفتك يا أ ... المزيد

بسم الله تعالى.. وبعد:

فقد عُقدت المزيد

• نشوء جماعات الجهاد ضد السلطات والحكومات : ... المزيد

تعليقات