البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

لماذا لا ينسحب السلفيون من المشهد السياسي؟ رؤية سياسية حول الواقع المصري المعاصر

المحتوي الرئيسي


لماذا لا ينسحب السلفيون من المشهد السياسي؟ رؤية سياسية حول الواقع المصري المعاصر
  • م. أحمد الشحات
    07/01/2017 09:22

مقدمة :-

يبدو أن سُحب اليأس والإحباط التى نعيشها في هذه الأيام قد ألقت بظلالها علي بعض شباب الحركة الإسلامية ، مما أدي إلي تعالي نبرة نقدهم للممثل الوحيد للحركة الإسلامية في الحلبة السياسية – حزب النور – علي تفاوت في درجات النقد ما بين الناصح الأمين المشفق علي حاضر الدعوة الإسلامية ومستقبلها ، مروراً بالمغيب عن الواقع الذي يجهل كثيراً من تفاصيله وجزئياته ، وصولاً بالشامت المتشفي الذي يتمني الفشل ويسفه من النجاح ويقلل من قدره وقيمته.

دواعي الإنسحاب من العمل السياسي عند من يطالب به:-

1.    شعور الشباب السلفي بنوع من الظلم أو ربما الغدر بهم وبمؤسستهم الوسطية الوطنية المعتدلة ، فرغم عدم مشاركتهم في أحداث العنف أو تورطهم فيما يضر الدين أو الوطن أو المجتمع ، إلا أن بعض الأجهزة المعنية تعاملهم كما لو كانوا فئة محظورة أو متطرفة ، خصوصاً عندما يتربص لهم البعض ، ويصور لهم أن ما يعانونه من تضييق هو من باب " من أعان ظالماً سلطه الله عليه ".

2.    الخوف من استمرار حالة الإنسداد السياسي ، وما يصاحبها من عمليات الاستحواذ والإقصاء والتهميش التي تؤدي إلي انعدام فاعلية المشاركة السياسية ، مما قد يضع الحزب في خانة التواجد الديكوري في الحياة السياسية ، مع الخوف أكثر من أن يُستخدم الحزب كأداة لتجميل الوجه السياسي للنظام ، وبالتالي تظل مشاركة الحزب محدودة وغير مؤثرة ، ولكنها موجودة بالقدر الذي يحدده مهندس المشهد السياسي ، ولم يغب عن أبناء الحزب ومحبيه حجم الإضطهاد والظلم الذي تعرضوا له في الإنتخابات البرلمانية السابقة.

3.    عودة كثير من ممارسات الدولة المباركية ، التي كانت تعتمد النظرية الأمنية حلاً أساسياً وأولياً لكل مشكلاتها ، رسخ عند كثير من الناس حالة من الزهد والعزوف عن المشاركة السياسية ، ومن ثم يُطالب السلفيين بالعودة إلي موقفهم القديم من المشاركة السياسية قبل الثورة ، والبعض يري أننا وقعنا في عين ما كنا ننتقده علي الإخوان قبل الثورة ، من قبولهم الإستمرار في مشهد عبثي ، سيء الإخراج ، سيء الآداء ، وبالتالي سيء الثمرة والنتيجة.

4.    التضييق علي الجانب الدعوي بقرارات غير مفهومة وغير مبررة ، تثير حفيظة العوام قبل غيرهم ، وتعطي الفرصة للذين يريدون أن يروجوا أن الدولة تحارب الدين لذاته ، لا أنها تحارب بعض الصور التي تراها غير معتدلة ، فقرارات غلق الزوايا الصغيرة التي يعتمد الناس عليها في صلواتهم بنسبة تصل إلي 80% ، وحصر مهمة ممارسة الدعوة فيمن معه تصاريح فقط مع قلة عددهم ، ثم غلق الباب أمام من يريد ممارسة الدعوة تحت المظلة الرسمية ، في تحيز واضح وإقصاء متعمد ، فهل هذا هو الخطاب الديني الجديد التي تتحدث عنه القيادة السياسية ؟!

5.    الإحساس بالعجز عن التأثير في الواقع بالدرجة التي كانت متوقعه ، وأحياناً عن الدرجة المطلوبة ، مما أعطي انطباع عام بإنعدام الفائدة من المشاركة السياسية ، وقد أثمر هذا الأمر زهداً في التواجد في مشهد تقل فيه أدوات التأثير ، مع الاستمرار في دفع ضريبة المشاركة بلا عائد يُذكر.

وبالتالي يمكن إجمال ما سبق في ثلاثة أسباب رئيسة :-

1.    أمور شرعية تتعلق بمدي الحاجة للتواجد في مشهد مليء بالعيوب ، ويغلب علي ظننا عدم إستطاعة تغيير منكراته بالشكل المرجو.

2.    التقييم السلبي للنظام من حيث توجهاته وانحيازاته وآدائه ، مما يُغلب وجهة النظر التي تنادي بالمفاصلة معه وعدم التواجد في نفس صفه.

3.    التذمر الشعبي والاضطراب المجتمعي الذي هو ثمرة اليأس والإحباط من الواقع شديد الصعوبة في كافة النواحي المعيشية والحياتية ، مما يجعل من يشارك سياسياً يتحمل جزء من المسئولية السياسية عن هذا الواقع الأليم ، وربما يدفع ضريبة ذلك خصماً من رصيده الشعبى والجماهيرى.

مبررات ودواعي الاستمرار في العملية السياسية :-

بداية نقرر أن ما سيق من مبررات داعية للإنسحاب من المشهد له حظ من النظر والمعقولية ، ولا يوجد كبير خلاف حول توصيف الواقع ، إنما ربما يقع الخلاف حول الرؤية التي يجب علينا أن نسير وفق ملامحها ، كدعاة في المقام الأول قبل أن نكون حزبيين أو سياسيين ، وحتي تتضح الصورة في هذه المسألة دعونا نتطرق إليها من عدة جوانب.

ما هي الأسباب التي أدت إلي إحجام السلفية">الدعوة السلفية عن المشاركة في الانتخابات في عهد مبارك ؟

يمكن تلخيص أهم الأسباب التي دفعت الدعوة لإتخاذ قرار بعدم المشاركة السياسية ، أو تحديداً بعدم المشاركة في الإنتخابات فيما يلي :-

1. لم يكن يُسمح للإسلاميين بالمشاركة إلا بعد أن يقدموا تنازلات عقدية خطيرة علي الجانب النظري والعملي ، ولم تكن هذه التنازلات لتتوقف عند حد معين بل كانت تتزايد حدتها مع الوقت ، حتي صار عنوان قبول الاسلاميين في اللعبة الديمقراطية هو مدي قدرتهم علي تقديم أكبر قدر من التنازل ، وقد كانت الفتنة الحقيقية في أن الغرب مثل ضاغطاً أساسياً علي حكومات الداخل من أجل قبول الإسلاميين الذين أعلنوا استعدادهم للدخول في مسلسل التماهي مع التوجهات الغربية.

2. كانت المساومة الثانية التي تُعرض علي الاسلاميين وقتها هي الاختيار بين الدعوة والسياسة ، ولم يكن يسمح لأي كيان في الأغلب الأعم أن يجمع بين الوظيفتين ، لذا فلم توافق السلفية">الدعوة السلفية علي أن تضحي بالدعوة وأن تترك هذا الثغر الذي لا يقوم عليه – بهذه الكيفية – غيرها ، ويبدو أن هذا القيد وضعه النظام الحاكم وقتها حتي لا يسمح لكيان أن يجمع بين أكثر من عامل من عوامل القوة.

3. حقيقة المشاركة في الانتخابات قبل الثورة أنها كانت تقوم علي السماح بمعارضة صورية ، بحيث تعمل الأحزاب كديكور بارز في نظام يدعي أنه نزيه وشفاف ، وبالتالي كانت الدعوة تترفع أن تؤدي هذا الدور الوضيع الذي يخدم النظام أكثر مما يساهم في الاصلاح ، وهذا ما يخشاه كثير من المحبين علي مستقبل حزب النور ، ونحن نشاركهم هذا الخوف ، ولكننا نطمئنهم علي هذه الجزئية من واقع آداء نواب الحزب في جلسات دور الإنعقاد الأول بمجلس الشعب.

4. لم يكن هناك انتخابات حقيقية في عهد مبارك ، وإنما كان التزوير هو اللاعب الأساسي في هذه العملية ، وبالتالي كانت المقاعد مجرد حصص يتم الاتفاق عليها بشكل أو بآخر ، أضف إلي ذلك عدم وجود أي إجراءات وقائية تمنع التزوير والفساد بل علي العكس من ذلك كانت المنظومة بكل مراحلها تؤدي لذلك ، وهذه الجزئية وإن كانت مثار قلق مع النظام الحالي ، إلا أن الأمر بالنسبة لنا ما زال فيه قدر من التنفس كما سنبين.

إذا كنتم تنتقدون الإخوان بسبب مشاركتهم الديكورية في عهد مبارك ، فلماذا تشاركون الآن ، رغم أن كثيراً من ملامح العصر المباركي قد عادت كما كانت ، خصوصاً في الملف السياسي ؟

قد يبدو للبعض أن القياس متحقق ظاهرياً في هذه المسألة ، لكن عند التدقيق سنجد فروقا جوهرية مؤثرة كما يلي :-

1.    كان بيننا وبين جماعة الإخوان قبل الثورة خلاف سائغ حول المشاركة السياسية ، لكن مالم نكن نسوغ فيه الخلاف وكان هو موضع اشتداد النقد ما كان يقدمه الإخوان من تنازلات ارتبطت ارتباطا شرطيا بالمشاركة السياسية ، فأصبح هناك إنكار للصورة الكلية بكل جزئياتها ، لأننا كنا نتكلم تحديدا عن الواقع المصري ، وفي المقابل كانت هناك فتاوي لكبار علماء السلفية بجواز وأحيانا بوجوب المشاركة في أماكن أخري ، وعلي سبيل المثال كان السلفيون في الكويت يشاركون في انتخابات مجلس الأمة الكويتي ، ولم نكن ننكر عليهم مثل هذه المشاركات.

2.    كانت السلفية">الدعوة السلفية تتعجب من ترك الاخوان لساحة الدعوة رغم شدة احتياج المجتمع لذلك ، وتفضيلهم ساحة السياسية التي كانت مليئة بأنواع فجة من المفاسد ، ولم تكن تحقق أي نوع من التقدم في بند الشريعة أو الاسلام ، بل علي العكس كانت تقدم التنازلات ، فكان المشهد أمامنا يتبلور أن هناك جماعة اسلامية تركت الدعوة وفضلت السياسية ، ولم تكتفي بذلك بل تخلت عن كثير من الثوابت ، لذا كان النقد في هذه الجزئية نقداً مركباً.

3.    ينسي البعض أن فترة حكم مبارك استمرت لمدة 30 سنة ، فعندما جاء مبارك إلي الحكم كانت جماعة الإخوان موجودة بالفعل ، وبينها وبين النظام صولات وجولات كثيرة ، بينما كانت السلفية">الدعوة السلفية ما زالت وليدة ، وكانت ثوابتها الدعوية تحتم عليها بذل كل الجهد في ساحة العلم والدعوة ، ولم يتغير النظام السياسي طوال 30 سنة حتي يستلزم أن تغير الدعوة من اجتهادها ، ولما تغيرت الظروف والأحوال تغير تبعاً لها اجتهاد الدعوة.

الخلاصة أننا لم نكن – فقط - ننتقد الإخوان لمجرد أنهم يشاركون سياسيا ، ولا لأجل أن وجودهم السياسي ديكوري ، ولا لأجل أن هناك مفاسد تترتب علي المشاركة ، وإنما لأجل كل هذه الأسباب مجتمعة ، وبالتالي كان الحكم علي الصورة الكلية ، وعند التفصيل يتم إفراد كل عنصر من هذه العناصر بما له وما عليه ، فليس ثمة تناقضاً بين رفضنا لمشاركة الإخوان في مجلس تشريعي يظهرون فيه بمظهر هزيل ، وبين مشاركتنا الآن في مجلس النواب ، مع ظهورنا فيه بمظهر ضعيف.

إذاً ما هي المصالح المترتبة علي تواجدكم في العمل السياسي ، في ظل الظروف الراهنة ؟

من خلال العرض السابق يتضح أننا نجحنا بعد الثورة في حفر قناة سياسية نتواجد من خلالها ، هذه القناة كانت غير موجودة من قبل ، وبالتالي لم ننشغل إلا بالحكم الإجمالي علي المشهد وقتها ، ولكن بعد أن صار لنا فيه حظ ونصيب فليس من الحكمة التراجع إلي مربع الحرمان والإقصاء مرة أخري.

والحقيقة أن العمل السياسي جزء لا يتجزأ من منهج السلفية">الدعوة السلفية في التغيير ، والسلفية">الدعوة السلفية بفضل الله تستطيع توظيف العمل السياسي في خدمة الأهداف الدعوية وتكميلها ، والمنطلق المنهجي الذي ينظم فكر الدعوة في هذه المسألة أن " الله يزغ بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن " ، وهذا يدل علي أن في العمل السياسي أمر إضافي أكثر من كونه مكملاً للعمل الدعوي ، وهو أنه ربما نستطيع من خلاله تحقيق نوعية من الأهداف تعجز الدعوة المجردة عن تحقيقها ، لذا فإن تواجد الدعوة في الهيئات التشريعية أو التنفيذية أو الاستشارية من أوكد ما يكون في هذه الأزمنة ، والتي تعد أحد الطرق الأساسية في إصلاح الدولة .

أما من يظن أنه بإمكانه إصلاح الدولة عن طريق إعلان الحرب عليها والسعي لهدمها فهو إما جاهل غارق في إحلامه ، وإما مخرب مطعون في أمانته ، لأن الشرع يمنع من ذلك ، وأهل السياسة أيضاً يتكلمون علي أن إصلاح المؤسسات في الأغلب الأعم لا يكون إلا من داخلها وأن محاولات اختراق المؤسسات من الخارج وحقنها بالوافدين عليها ، والغير مؤهلين لتولي شئونها يعد نوعاً من تدميرها.

أما من يظن أن الانعزال أوالاعتزال يحقق مصالح أكثر من ما يتحقق من المشاركة ، فالواقع يقول أن انسحاب التيار الاسلامي من المشهد يزيده فساداً ، ويعطي الفرصة لأهل الشر أن ينطلقوا بفسادهم بلا أدني ممانعة ، لأن وجود الجانب الاسلامي يمثل عقبة حقيقية أمامهم ، فكثير من الناس ربما لا يقوي علي الانفراد بمواجهة الباطل ، ولا يقوي علي تحمل ضريبة المبادئة بمواجهته ، ويتمني لو كفاه غير هذه المؤنة ويكون هو في ركابه.

ووفقا لنظرية الضغط والضغط المضاد ، ونظرية الحلول الوسط التي يلجأ إليها البعض في إدارة الأزمات ، فإن وجود طرف راديكالي أصولي مهم لضبط إيقاع المعادلة ، حتي لا تجنح الأمور إلي الناحية المقابلة ، وتعتبر المشاركة في هذه الحالة من الشر الذي يرجي تقليله والفساد الذي يجب السعي إلي تقييده وتحجيمه ، حتي ولو كان هذا الأمر يصب في مصلحة النظام ، أو يتوافق مع رغبته ، فالقاعدة المعروفة في ذلك " ما يسألونني خطة يعظمون بها أمر الله إلا أجبتهم إليها ".

أما التواجد الديكوري ، فلو كان المقصود به قلة عدد نوابنا داخل المجلس ، فهذا أمر لسنا مسئولين عنه ، فجزء منه بسبب احجام الناس عن المشاركة ، وبالتالي هم أحد الأسباب التي تسببت في ضعفنا العددي ، وجزء منه بسبب ما تم معنا من إقصاء بقصد اضعاف قوتنا داخل المجلس ، وهذا يستلزم منا الاستمرار في الدعوة ، والتواصل مع الجماهير ، لتمتين القاعدة الشعبية المؤيدة لنا .

أما إذا كان المقصود بالتواجد الديكوري هو ضعف التأثير ، فإن كان المراد بالتأثير هو العدد ، فنعم ، فعدد نوابنا داخل البرلمان أقل بكثير من أن يكون رقماً مؤثراً ، أما إذا كان المقصود هو الفاعلية ، فلا ، فالحزب له مواقف واضحة تجاه كل ما يمس الدين ، والمواطن ، ويسعي الحزب داخل المجلس لعرض وجهة نظره بالشرح والبيان ، ويسجل موقفه الذي يمليه عليه دينه ووطنيته ، فقد قام الحزب بالتعليق علي بيان الحكومة ولم يقبله قبولاً مطلقاً ، وقام برفض قانون القيمة المضافة ، وقانون الخدمة المدنية ، وقانون تجريم الختان ، وقانون بناء الكنائس ، فضلاً عن عشرات البيانات ، ومئات التصريحات في المواقف المختلفة.

وبالتالي فالضابط في هذا الأمر ليس مجرد العدد ، وإنما الفاعلية لها أهمية قد تفوق أهمية العدد ، وإنما يصبح تواجد الحزب ديكورياً إذا تحول لآداة يمرر من خلاله النظام ما يريد أن يمرره ، وهذا لم يحدث ، أو أن يتخلي عن دوره في بيان الحق من الباطل فيما يمس الشرع والدين ، أو أن لا يكون صوتاً للمواطنين البسطاء داخل المجلس ويصم آذانه عن سماعهم ، وكل هذا لم يحدث ولن يحدث بإذن الله.

 حالات المشاركة السياسية :-

الحديث عن المشاركة السياسية في النظم الغير ديموقراطية لا يخلو من عدة حالات :-

1.    الحالة الأولي : حالة القوة ، وتكون عند من يمتلك أدوات الحكم على تنوع مستوياتها ودرجات تأثيرها وفاعليتها .

2.    الحالة الثانية : حالة الضعف ، وتكون عند من لا يملك هذه الأدوات ، وهو ما اصطلح عليه بإسم جماعات الضغط ، أو أحزاب المعارضة ، وليس معنى أنها ليست ضمن جماعة الحكم ، أنها مفتقدة لكل وسائل القوة أو التأثير ، ولكن المقصود أن ما تمتلكه السلطة من قوة يفوق ما يمكن أن تمتلكه المعارضة أضعاف مضاعفة ، خصوصا وأن السلطة تمتلك القوة العسكرية ، ويسمح لها القانون بإحتكار أدوات العنف والقهر ، وهي حالة أغلب الأحزاب والهيئات في كثير من الدول.

3.    الحالة الثالثة : أحيانا يكون هناك مكون قوي من مكونات المشهد السياسي في الحالة الثانية ، فيقوم النظام بمعاملته معاملة خاصة ، في وضعية وسط بين حالة الشراكة وحالة العداوة ، وهو ما يمكن التمثيل له بعلاقة حزب النور مع النظام بعد ٣٠/٦.

4.    الحالة الرابعة : وهذه الحالة وجودها في عالم السياسة يكون مؤقتا - للأسف الشديد - وهذا يرجع للعديد من الأسباب سنذكرها لاحقا ، وهي حالة الشراكة في الحكم ، حدث هذا في تركيا بين أردوغان وجماعة عبدالله غولن ، وحدث بين الملك عبدالعزيز وإخوان الوفاء في السعودية ، وحدث بين محمد علي ومشايخ الأزهر في مصر، وحدث بين عبدالناصر وجماعة الإخوان في الخمسينيات ، وكان مأمولاً أن يتم بعد الثورة بين جماعة الإخوان وحزب النور ، ولكنه لم يحدث.

ملاحظات علي التقسيمات السابقة :-

الحالة الأولي :-

من يمتلك أدوات الحكم - الا من رحم الله - يميل الي الانفراد والاستحواذ علي الملك لأطول فترة ممكنة ، ويسعي لإقصاء وتهميش ومحاربة كل من ينافسه ، لأن الملك عقيم ، والحكام عادة ما يُحاطون بمجموعات من أصحاب المصالح الخاصة ممن يدفعون الحكام للتشبث بالحكم ضمانا لإستمرار مصالحهم ، ونهاية هذه الطريقة من الحكم نهاية مآساوية ، وإن طال بها العمر ، لأنها تخالف سنن الله الشرعية والكونية.

وعلاج هذا الأمر من الناحية الشرعية هو الالتزام بقوانين الحكم العادل ، وقواعد الشورى المنضبطة ، وعلاجه من الناحية السياسية بتطبيق قوانين الحكم الرشيد من التداول السلمي للسلطة ، وشفافية الانتخابات ، والتوازن بين السلطات وغيرها من الملامح والسمات المعروفة ، والأهم من ذلك هو تطبيق العدالة بكافة أنواعها ، وتحقيق التنمية بمختلف مجالاتها ، ومحاربة الفساد بكل صوره.

الحالة الثانية :-

كل من هو خارج السلطة فهو ضعيف بدرجة من الدرجات ، وبمعني من المعاني ، وفي ظل الأنظمة السلطوية فإن هذه الكيانات لا تتواجد إلا بالقدر الذى يُسمح لها به ، ووفق المعادلة الأمنية لكل فترة من فترات الحكم ، وأدوات السلطة الشمولية في تقليم أظافر هذه الكيانات معروفة ومجربة مرات كثيرة ، وهي تدور غالبا حول الوسائل الأمنية.

ولا يكون أمام هذه الكيانات إلا اللجوء لوسائل الإستقواء وهى :-

1.    النظام ذاته ، فتلجأ بعض هذه الكيانات إلي الإرتماء في أحضان النظام طلبا للسلامة ، ورغبة في المحافظة علي التواجد في المشهد السياسي ، ومن ثم تنفذ ما يطلبه منها النظام.

2.    اللجوء للخارج ، فتلجأ بعض الأحزاب للتواصل مع بعض الدول التي تكون في خصومة مع النظام السياسي ، فتنال الدعم المالي والإعلامي والسياسي من هذه الدول في مقابل أن تكون حليفتها في الداخل في علاقة أشبه ما تكون بالعمالة المقنعة.

3.    اللجوء للجمهور ، فتتوجه بعض الكيانات للجماهير لتنال ثقتها ، وتحوز علي رضاها ، فتتبني أجندة الشعب ومطالبه ، وتلتحم مع صفوفه وتستقوي به في الفاعليات الرسمية والشعبية.

الحالة الثالثة :-

وهي حالة وسط بين المناوئة والمشاركة ، وهي الحالة التي يتعامل فيها النظام مع كيانات الحالة الثانية بعدما يكونوا حصلوا وسيلة من وسائل القوة المذكورة في الحالة الثانية ، وبالتالي يضطر النظام إلي التعامل معهم معاملة خاصة ، مع إضمار الرغبة في التخلص من هذه الحالة في أقرب فرصة متاحة.

الحالة الرابعة :-

حالة الشراكة المؤقتة ، ورغم أن هذه الحالة تعد فرصة ممتازة لأى نظام حكم ، إلا أن عادة الحكام الطمع ، والرغبة في الإستحواذ والانفراد ، فإن النظام يظل معتمداً عليهم لفترة معينة ، ويحرص علي التخلص منهم عندما يتمكن من ذلك ، بل أحياناً يكون الهدف الأول لبعض الحكام هو التخلص من شركاء النجاح قبل تحقيق أي أهداف أو نجاحات أخري ، وأحيانا يطمع الشريك الآخر في الحكم ، فيدير مؤامرة لإزاحة الحاكم عن الحكم لكي يجلس مكانه ، والتاريخ القديم والحديث زاخر بهذه التجارب المؤسفة.

من هذا العرض نستخلص نتيجة محددة ، وهي أننا طالما لم نكن في الحكم ، فالوضع الطبيعي أننا في حالة ضعف ، ويمكن للحاكم أو النظام - إذا أراد - أن يمارس ما يمارسه من وسائل الإبعاد والإقصاء ، ويتوقف هذا الأمر علي  القوة النسبية للكيان ، وعلي حجم المصالح التبادلية بين النظام والكيان ، وهذه قاعدة مهمة من قواعد السياسة لا يجوز إغفالها.

ولكن النظام قام بتوظيفكم لصالحه ، واستغلالكم لتحقيق مآربه ، ثم لفظكم وضيق عليكم ، ولم تستفيدوا شيئا من مساندتكم له ، رغم نصح الكثيرين لكم بإعتزال المشهد ، وعدم الركون لهم ، خصوصا مع ظهور ظلمهم وتعديهم ؟!

من يُقدر الله عليه أن يكون متصدراً في الشأن العام ، فعليه أن يوطن نفسه لتحمل أنواع من الضرائب ، إن لم تصبه من النظام ، فستلحق به من الناس ، وإن سلم من هذا وذاك ، فربما ذاق مرارة ظلم ذوي القربي وهكذا.

وقد قررنا فيما سبق أننا فعلنا ما فعلناه ديانة لله عزوجل ، ورغبة في نجاة وطننا وأبناءنا من الدخول في نفق مظلم ، أصر طرفا الصراع وقتها أن يصلوا فيه لنقطة اللاعودة ، وكان هذا صراعاً لا ناقة لنا فيه ولا جمل ، وقد كان شغلنا الشاغل هو الخروج من تلك الفتنة بأقل خسائر ممكنة ، وإلا فالخسائر قد طالت الجميع ، وكنا نجتهد في إدارة تلك الخسائر وفق ضوابط الشرع ، وقواعد السياسة.

ونحن – بفضل الله -  لم يوظفنا أحد ، ولم ننفذ أجندة فلان أو علان ، وإنما سعينا لأجل حقن دماء أبناء وطننا ، والحفاظ علي مكتسباتنا ، وكون أن اجتهادنا المنضبط شرعاً وواقعاً ، قد وافق مصلحة ما عند النظام ، فهذا لا يعنينا في شيء ، ولا يجوز شرعاً أن نغير اجتهادنا المبني علي أسس شرعية بزعم أن الطرف الآخر سيستفيد منه ، فقد آل اجتهدنا إلي التواجد في مشهد 3/7 ، علي الرغم من أن النظام سيستفيد من وجودنا في المشهد ، لكي يقرر حقيقة أن الصراع بينهم وبين الاخوان لم يكن من أجل الدين ، وأنهم ليس لديهم نية في إقصاء التيار الاسلامي إلي غير ذلك من فوائد ، ولكننا أعملنا موازين المصالح والمفاسد بمعزل عن هذه الفوائد.

أما كونه بعد ذلك مارس معنا الاقصاء ، فعزاؤنا في ذلك أننا لم نكن نفعل ذلك لأجله ، ولا خدمة له ، إنما فعلناه لأجل الله عزوجل ، وإن خدعونا بعد ذلك فإن حسبنا ووكيلنا هو الله ، وقد قمنا بدعم الإخوان قبل ذلك أضعاف مضاعفة ، ومع ذلك لم يوفوا بوعودهم معنا ، وكانت خطواتهم سريعة في طريق تقليم أظافر الدعوة ، وسحب البساط من تحت أقدامها ، وقد قدمنا أن معظم الحكام إلا من رحم الله ، يحرصون علي التخلص من شركاء النجاح بأسرع وسيلة ممكنة.

أما نصيحة الاعتزال فلم تكن في محلها ، فما يُتاح للأفراد أو الكيانات الصغيرة ، لا يكون متاحاً ولا صحيحاً في حق الكيانات الكبيرة ، وقد كانت علينا مسئولية التواجد من أجل حماية وجود التيار الإسلامي برمته ، ومن أجل حماية الشباب من الانزلاق إلي وحل الفتنة ، ومن أجل المشاركة في بناء النظام الجديد تقليلاً للشر ، وتكثيراً للخير ، وقد تحقق لنا كثير مما كنا نطمح إليه بفضل الله ،ووجودنا حتي الآن في المشهد هو استمرار لشوط سياسي بدأناه بالمشاركة في الدستور ، ثم الانتخابات الرئاسية ، ثم الانتخابات البرلمانية ، إلي أن أصبح لدينا ممثلون في البرلمان ، هذا يعتبر شوط سياسي كامل ، لم يكن متاحاً أن ننسحب في منتصفه ، كما أنه ليس متاحاً أن ننسحب قبل اكتماله ، وأي حديث عن الانسحاب في هذا الوقت ستكون خسائره فادحة ، لكن ما ينبغي بذل الوسع في دراسته هو دراسة المستقبل بسيناريوهاته المختلفة ، وتحديد الرؤية الصحيحة للتعامل مع كل صوره من الصور المتوقعة ، مع بذل الجهد في تحصيل أسباب النجاح العلمية والعملية.

ولكن لماذا لا تنتقدون النظام الحالي بنفس الدرجة التي كنتم تنتقدون بها جماعة الإخوان؟

نتيجة لأن هذا السؤال له حظ من الواقعية ، فسيحتاج منا لقدر كبير من الصراحة والموضوعية ؛ أقول : نعم اختلفت نبرة النقد من حيث الكم والكيف ، ولكنها لم تنعدم ، ولم تتوانى عن بيان الحق ، ولم تسكت علي باطل ، إنما تماشت مع القواعد المعروفة في إنكار المنكر والتي تدور مع القوة والضعف ، والقدرة والعجز ، هذا هو البيان الإجمالى وإليك التفاصيل.

فهم النظام الجديد والتأكد من توجهاته وانحيازاته تأخذ قدرا من الوقت ، ولا يمكن بناءها علي مجرد الخرص والظن والتخمين ، وإذا كانت النظم السياسية وضعت مدة زمنية قدرتها بأربع سنوات لتكون مدة كافية لتقييم الحاكم أو الرئيس ، فليس عيبا أن تستغرق جماعة أو مؤسسة سنتين لكي تصل إلي القناعة الكافية بحقيقة النظام ، خصوصا إذا كانت هذه المؤسسة تنتهج نهجا إصلاحيا يميل إلي الهدوء والتأني في تناول القضايا والتعاطي مع الأحداث ، ومن الظلم البين مقارنة جماعة إصلاحية كبيرة الحجم مترامية الأطراف بآحاد من الكتاب ، ممن يقوم عملهم علي إدارة معارضة من أجل المعارضة ، سواء كانت معارضة حقيقية أو شكلية.

بالإضافة إلي أنه لا يمكن الانتقال الحاد من النقيض إلي النقيض ، فهذا الانتقال لا يكون ملائما للأفراد ، فكيف بالجماعات والمؤسسات التي لها أتباع ورواد هنا وهناك ، وإلا فالانتقالات الحادة من شأنها أن تحدث زلزالا داخل الكيان ينتج عنه تصدعات خطيرة وشروخ عميقة ربما لا يمكن علاجها بعد ذلك.

ثم من يعزل الأحداث عن سياقها الزمني وبيئتها السياسية يقع ولابد في التعدي وعدم الإنصاف ، فسياق ما بعد الثورة كانت له ظروفه الخاصة علي الدولة والأفراد والهيئات والأحزاب وكل شيء ، فالحرية والسعة التى كانت متوفرة وقتها أتاحت للجميع أن يعبروا عن آرائهم وتوجهاتهم وأفكارهم بلا خوف ولا تردد ، وبدون حسابات معقدة فيما يتعلق بالضريبة الناتجة عن اتخاذ المواقف عموما.

ومع ذلك فعند التطبيق ، سنجد أن السلفية">الدعوة السلفية كانت من آخر الكيانات انتقادا لجماعة الإخوان ، وكانت من أرقها طريقة وآداءا ، فقد ظلت الدعوة مؤيدة ومدافعة عن الإخوان طيلة ستة أشهر كانت السياط فيها تحمي ظهور الإخوان بالنقد الهدام والسخرية اللاذعة ، ومحاولات التفشيل والتشويه ، وكانت الدعوة خير مدافع عن الإخوان ، وخير معين لهم ، لا من أجلهم ولا من أجل اتفاقنا الكامل معهم ، ولكن من أجل الرغبة في إنجاح التجربة وعدم تعريضها للتعثر ، خصوصا والطرف الآخر كان أكثر سوءا من الإخوان.

ولكن ركوب الإخوان قطار الصدام مع الدولة والمجتمع دفعنا الى ضرورة المفاصلة والمفارقة عن هذا القطار ، لأننا رأينا خطورة هذا المسلك من الناحية الشرعية والسياسية ، ولأننا تضررنا تضررا بالغا من تحالفنا مع الإخوان ، خصوصا وأننا دفعنا ضريبة أخطاءهم أمام المجتمع لأننا من روجنا لهم في انتخابات الرئاسة وكنا سببا رئيسا في وصولهم لكرسى الحكم ، ولأن كثير من الناس لا يفرقون بين الفصائل الإسلامية المختلفة.

ومع ذلك نقول : كيف عارضنا الإخوان وكيف عارض غيرنا ؟

كانت معارضتنا للإخوان معارضة متزنة محتشمة ، لم تتجاوز خانة التصريحات أو البيانات ، بينما كانت معارضة الآخرين معارضة عنيفة تحريضية لجأت الي الميادين والشوارع ، واتخذت خطوات مدروسة في اتجاه الإسقاط إلي أن وصلت ذروتها في ٣٠-٦ ، والتى أسقطت حكم الإخوان بالفعل.

بينما نحن لم نشارك في فاعلية واحدة لإسقاط الإخوان ، بل كان موقفنا ثابتا وصريحا ومعلنا " إسقاط الرئيس خط أحمر " ، إلي أن تجاوز بنا الواقع هذا الكلام وسقط الرئيس شعبيا ومؤسسيا ، فاستقال الوزراء والمحافظون وغيرهم من المسئولين ، وامتلئت الشوارع والميادين بالكتل البشرية المحتقنة ، ولم يعد يجدى الحديث وقتها عن خطوط حمراء ولا خضراء.

والجدير بالذكر أن مشاركتنا فى مشهد ٣-٧ وإن كانت لا تروق للبعض لأنها وضعتنا في موضع شبهة ، إلا أنها لم يكن منها مفر ، فقد كانت هذه الجلسة إعلان إسقاط نظام قديم ، وإعلان تولي نظام جديد هو قائم بالفعل ، ولم يكن اللقاء سوي كشف لصورته الأخيرة ، ولم يكن يسعنا ونحن متورطون ضمنا في تأييد الإخوان والتواجد في زورقهم الغارق ، أن نغيب عن المشهد ، حيث يعني ذلك أننا نجهز علي مستقبلنا الدعوي والسياسي ونحكم علي أنفسنا بنفس مصير الإخوان من الناحية الرسمية - مع أننا لم نرتكب مثلما ارتكبوا- كما أن غيابنا قد يرسخ لدي بعض الناس أن كل فصائل التيار الإسلامي علي نفس موقف الإخوان.

يقول البعض : إذا كنت تشتكون من نظم الحكم الغيرديموقراطية ، فلماذا ترفضون تأييد أصحاب الحل الليبرالي الذين يتبنون نظرية الانفتاح للجميع ، فالحرية عندهم مكفولة لأصحاب الدعوات كما هى مضمونة لأهل الإلحاد ، وليأخذ الجميع فرصته في عرض أفكاره ، وعلي الناس أن تختار لنفسها ما تشاء ، حيث أن الدولة في هذه الحالة لا تتبني موقفا محددا ، فليست هي مع العفاف ، ولا مع العهر ، فالكل لديها سواء ، ولكن ثقة الاسلاميين في شعوبهم المسلمة أنهم سينحازوا للعفاف ويرفضوا العهر ، وبذلك تكون ربحت الحركة الإسلامية حرية التحرك والدعوة ، التي لا تحلم بها في ظل الأنظمة الديكتاتورية القمعية؟

هذا الكلام المنمق الذي يبدو منه السماحة والمرونة ، لا أبالغ إذا قلت أنه لم يصدر عن رمز ليبرالي حتي الآن ، بل غالب من نعرفهم من رواد هذه المدرسة يرفعون شعار لا ليبرالية مع أعداء الليبرالية ، وتجد السماحة التي يتشدقون بها تتحول عند الحديث علي الإسلاميين إلي شراسة وبغض وكراهية ، بل تجد عداءا فكريا وأصوليا واضحا علي الألفاظ والكلمات فضلا عما تكنه الصدور ، أو ما يفصح عنه اللسان في الجلسات الخاصة والغرف المغلقة ، ولعلنا نذكر كلمة حلمي النمنم المسربة من أحد هذه الاجتماعات قبل أن يكون وزيرا.

فضلا عن أن هذا الكلام لم يطبق في أعتي وأعرق الدول الليبرالية ، فها هي فرنسا تحارب الحجاب">الحجاب ، وسويسرا تهدم المآذن ، والدنمارك تنشر الرسوم المسيئة للرسول ، مع أنهم لا يعاملون الديانات الأخري بنفس الطريقة ، ولكن القاعدة المعروفة في ذلك أن الإسلام مستثني من هذه الحسبة ، والغرب فُضح عدة مرات ، بل ويفضح كل يوم ، فما بين حملات عسكرية تمتليء بالوحشية والبربرية علي بلاد المسلمين ، وما بين سرق ونهب لثروات وخيرات البلاد الأخري ، وما بين وسائل ثقافية واجتماعية لسحق عقول الأمم وتخريبها وفصلها عن قيمها وتقاليدها ونظمها المحلية ، ولا يماري عاقل منصف أن هذه النظم تتجمل بمظاهر خلابة جميلة ، لتغطي بها جوهرا قبيحا وقحا ، يبذلون وسعهم وطاقتهم لإخفاءه ، ويعجزون عن ذلك في كثير من الأحيان.

ويخطئ من يظن أن الليبرالين إذا تولوا الحكم سيطبقون قواعد السماحة التي ينادون بها ، ويخطئ من يظن أنهم يقفون في منطقة وسطي بين الأديان والمذاهب والأفكار ، لأن انحيازاتهم في هذه الأبواب واضحة ، فبعضهم يري أن الإسلاميبن لا يستحقون الحياة ، وبعضهم يري أن المكان الطبيعي للإسلاميين هو السجون والمعتقلات ، وأحسنهم طريقة من يري لهم حقا منقوصا في الحياة المدنية ، فلا يتمتعون بكافة الحقوق والحريات التي يتمتع بها غيرهم ، فتجد بعض النظم الليبرالية تسمح للمرآة بإرتداء ملابس البحر في الطريق العام ، بينما لا تسمح بالنقاب ، فتري العري تحضرا ورقيا ومدنية، وتري الستر رجعية وجمود وتخلف ، أليست هذه انحيازات فكرية؟!

وتظهر هذه الانحيازات بشكل أكثر تبجحا في باب الفكر والدعوة والثقافة ، فبينما تسمح النظم الليبرالية بكتب الجنس وروايات غرف النوم ، وروايات سب الأنبياء والإنتقاص من المقدسات ، إذ بها تصادر وتمنع وتجرم كتب الفكر الإسلامي علي اعتبار أنها ألغام فكرية تدمر العقول وتفسد المجتمعات ، أليست هذه انحيازات فكرية؟!

وإذا نظرنا إلي مواد الدستور الذي يطمح إليه اليبراليون ليكون معبرا عن الحضارة والتقدم في زعمهم ، ستجد أن الدولة فيه تقف راعية أو علي الأقل حارسة لكل ما يهدم الأخلاق والقيم والدين ، فضلا عن ذوبان الهوية ، وضعف الولاء للدين والوطن.

بالإضافة إلي أن المدرسة الليبرالية من الناحية السياسية لا تتعامل مع مكونات مجتمعية متباينة ، فتسعي إلي إحداث أنواع من التوازن بينهم ضمانا لإستمرار الحياة ، وحفاظا علي الثوابت الوطنية والقومية والقيمية ، لأنها ليس عندها هذه الثوابت ، ولا تنشغل بإحداث هذه التوازنات ، هي فقط تنشغل بشيطنة الإسلاميين ، وما سواهم لا تجد بينهم خصومة فكرية حقيقية ، فيتفرغ الجميع لتقسيم المصالح بينهم ، ويجتمعون علي عداوة التيار الإسلامي.

والعجيب أن الليبراليين لم يتورطوا في وعود مطمئنة فيما يخص نواياهم تجاه التيار الاسلامي ، وإنما من يُجمل وجه هذه النظم بعض ممن حسنت نواياهم ، فخدعوا بالشعارات البراقة ، واللافتات الجميلة ، وغفلوا عن حقيقة الفكر في أصوله النظرية وتطبيقاته الواقعية.

أما كون أن النظم الليبرالية تتيح للناس فرصة الاختيار ، وبالتالي فالشعوب المسلمة لن تتضرر من وجود هذا النمط من الحكم ، لأنهم سيختارون النموذج الاسلامي بلا تردد ، فهذه خديعة كبري ، قد ثبت فشلها من عدة جهات ، أولها أن هذه الأنظمة تسعي جاهدة لنشر الفساد وتخريب الأخلاق ، وبالتالي يتحول قطاع من الشعب ويتأثر بذلك علي الحقيقة ، ثانيها أن هذه الأنظمة تسعي جاهدة لتشويه صورة النموذج الاسلامي بالبغي والتجني في كثير من الأحيان ، وبتقديم صور منحرفة ، وتجارب فاشلة عن النماذج التي تدعي نسبتها إلي الاسلام ، سواء التي تنتهج العنف والقتل والتدمير ، أو التي فشلت في التعامل مع أنظمة الدولة ووسائل الحكم ، بالاضافة إلي أن هذه الأنظمة لا تتحمل اعلان خسارتها ، واذا وجدت نفسها خارج المنافسة تتحول من السماحة الي الشراسة ، ومن الديمقراطية إلي الديكتاتورية ، ومن ثم نقع فيما كنا منه نحذر.

ويبقي البعد الأكثر خطورة فيما يخص المدرسة الليبرالية هو ما يتعلق بمسألة الولاء القومي ، فنتيجة لأن الفكر الليبرالي غربي المنشأ ، فإن رعايته ودعمه ومساندته تأتي من الخارج أيضا ، وهذا يشكل خطرا بالغا علي الأمن القومي ، وقد رأينا أمثلة حية لدول وأنظمة تدين بالولاء والطاعة لدول غربية ، بدرجة تقارب كونها مستعمرة من مستعمراتها ، أو ولاية من ولاياتها.

بالطبع ليس ما سبق اتهام بالجملة لشريحة من الناس يحملون فكرا معينا ، وقد عانينا كثيرا من مرارة التعميم ، ولكن ما تم عرضه يمثل القدر المعلن من أفكار الذين يظهرون في وسائل الإعلام ، ومن يضعون أنفسهم موضع الصدارة والريادة في هذا الفكر.

إذا كنتم ترفضون الحكم المدني " الليبرالي " ، فهل معني ذلك أنكم تؤيدون الحكم العسكري ، فمع تآكل وجود المدرسة القومية ، وتعثر وجود النموذج الإسلامي ، يبدو للناظر أن الاختيار ينحصر ما بين الحكم العسكري ، أو الحكم الليبرالي؟

في البداية ، متي يمكن أن نسمي حكم البلاد أنه حكما عسكريا أو أن الدوله يحكمها العسكر؟ والجواب أن ذلك يتم في إحدي الصور التالية:

1.    إما أن يكون رئيس الدولة قائد عسكري محتفظ بزيه العسكري ورتبته العسكرية.

2.    إما أن يكون رئيس الدولة قائد عسكري ولكنه خلع الزي العسكري ، وارتدي البدلة المدنية قبيل ترشحه أو توليه للرئاسة.

3.    إما أن يسيطر الجيش علي مؤسسات الدوله ويقوم بعسكرتها عن طريق إستحواذه علي المناصب الهامة والحساسة والتحكم في إقتصاد البلاد ومراقبة ملفات الأمن الداخلي عن قرب مع أن رئيس الدولة يكون مدنيا تماما ولكنه يدار من خلال الجيش في الباطن.

كل هذه الصور السابقة يمكن أن يطلق عليها حكما عسكريا وإن كانت الصورة الأولي أقل تواجدا ، والصورة الثانية والثالثة هي الأكثر شيوعا حيث تتماشي مع الشكل الخارجي للحكم الديمقراطي وفي نفس الوقت تحقق مطالب الجيش وأهدافه.

مبررات من يعارضون تدخل الجيش في الحياة السياسية ويرون في ذلك خطراً علي الجيش وعلي مؤسسات الدولة الأخري علي حد سواء :-

1.    نظام الحكم وفق المنظور الغربي الحديث ينقسم إلي ثلاث سلطات متكافئة هي السلطه التنفيذية والتشريعية والقضائية وبالتالي فمؤسسة الجيش تندرج هيكليا تحت السلطة التنفيذية فلا يجوز إذن – وفق هذا المنظور - أن تتغول فتصير سلطة فوق السلطة ودولة داخل الدولة.

2.    لا يعترف الجيش غالبا بما يسمي الفصل بين السلطات وتوزيع السلطة والتكافؤ بين القوي داخل الدولة.

3.    عبر تجارب التاريخ تزامن مع الحكم العسكري أنواع من القهر وكبت الحريات والتعدي علي حقوق المواطنين وفرض الإجراءات الإستثنائية وكل ذلك بدعوي فرض الأمن والحفاظ علي الإستقرار وصيانة هيبة الدولة.

4.    لا يؤمن الجيش بمسألة تداول السلطة والتناوب علي الحكم بل يري لنفسه الحق المطلق في قيادة الدولة لأنه هو حاميها والقادر بما معه من قوة علي الحفاظ عليها داخليا وخارجيا.

5.    يري الجيش في قادته أنهم الأقدر علي حكم البلاد من غيرهم لأنهم علي طوال تاريخهم العسكري يكونوا قد جمعوا من العلوم والمعارف والخبرات العامة والخاصة ما لا يتاح لغيرهم ، وبالتالي فيقتصر اعتمادهم علي من يرونهم أهل الثقة والكفاءة ، وهم بالطبع من العسكريين ، ويُحرم الوطن بأكمله من باقي كفائات أبناءه ومواهبهم.

6.    يميل الجيش إلي تفضيل الحكم الشمولي ويري أن الديموقراطية دمية وصنم عجوي وأنها مجرد قناع جمالي لحقيقة ديكتاتورية متخفية وبالتالي فلا داعي للتزويق والخداع.

7.    في ظل وجود الرئيس من داخل القوات المسلحة فلا يمكن أن يحلم أحد بالتغيير إذا كان هناك ضرورة له ، فالدولة وقتها تتعامل من وجهة نظر عسكرية محضة وتنظر للمعارض أيا ما كان أنه يهدف إلي زعزعة الأمن والتأمر علي مصلحة البلاد وبالتالي تصنفه في خانه العميل والخائن.

مبررات من لا يمانعون تدخل الجيش في الحياة السياسية :-

يستند البعض على ما يسمى بخصوصية التجربة المصرية ، فإذا نظرنا إلى الحالة المصرية علي وجه التحديد سنجد أن تاريخها كله يؤكد أن معظم حكامها كانوا عسكريين سواء الذين رضي الشعب عنهم أم الذين سخطوا عليهم ، وعند دراسة وتشريح حالة الشعب المصري سنجد أن الغالبية العظمي لا تتوقف كثيرا أمام نوعية الحاكم هل هو مدنيا أم عسكريا ولكنها تنظر لما يقدمه لها الحاكم من خدمات وما يتحقق علي يديه من مصالح.

 بل والأغرب من ذلك أن نسبه لا يستهان بها من الشعب تري أن الحكم العسكري هو أنسب نظام حكم يتلاءم مع طبيعة الشعب المصري وقد هام الشعب حبا في "عبدالناصر" ولقبوه ب "الزعيم" وهتفوا بإسمه في كل وادي وعلقوا صوره في كل مكان مع أنه كان عسكريا وقبله "محمد علي" مؤسس مصر الحديثة كان أيضا قائدا عسكريا لذا فإن الحالة المصرية ينطبق عليها الصورة الثانية  من صور الحكم العسكري وهو الحاكم الذي يخلع بدلته العسكرية ويرتدي الزي المدني ويتعهد للمؤسسة العسكرية أن تظل في الصداره ولو من وراء ستار.

والناظر في تجارب الماضى وشواهد الحاضر ربما يبدو له أن واقع العربية">الدول العربية وما يتهددها من أخطار في الداخل والخارج قد يفرض عليها أن يكون للمؤسسة العسكرية وضع خاص بين مؤسسات الدولة ، لكن أن تشارك بنفسها أو ببعض أفرادها في الحكم ، فهذا من شأنه تعطيل الجيش عن مهمته الأساسية في حماية الحدود ، والحفاظ علي الدولة ، ويكون له تداعياته الخطيرة علي كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية علي حد سواء.

بمناسبة أحداث 11/11/2016 وعدم مشاركة أبناء السلفية">الدعوة السلفية فيها ، وقد كان المعلن أن الدافع الرئيسي وراء هذه الدعوات هو تردي الأوضاع المعيشية ، وسوء الأحوال الاقتصادية ، فمتي يمكن أن نري أبناء السلفية">الدعوة السلفية مشتركون في هذه الفاعليات ؟

بداية نؤكد أن أبناء السلفية">الدعوة السلفية في كافة أنحاء القطر المصري متلاحمون مع صفوف الشعب في كافة النواحي الدعوية والاجتماعية والخدمية [1]، فهم جزء رئيسي من نسيج هذا الوطن ، ولا يمكن أن تنفك لحمتهم عنه ، وهم من أشد الناس شعوراً بما يعانيه المواطن من آلام ، ويسعون بما يتوفر لهم من طاقات وإمكانيات أن يخففوا المعاناة عن المواطنين ، وأن يساهموا في حل مشكلاتهم ، كما أنهم علي المستوي الرسمي يحاولون تقديم النصح والمساعدة للقادة والمسئولين ، إتماماً لواجب النصيحة ، وإبراءاً للذمة ، وقد أكد البيان الصادر عن حزب النور بتاريخ 8/11/2016 علي هذه الجزئية ، وكذلك نص عليه صراحة الدكتور ياسر برهامي في مقاله " الأزمة الاقتصادية.. ودعوات 11 – 11" المنشور بتاريخ 28/10/2016.

أما موقفنا من الثورات وما يشابهها من وسائل ، فالسلفية">الدعوة السلفية مؤسسة إصلاحية سلمية ، تسعي للتغيير بطريقة هادئة متدرجة تراعي فيها كافة السنن الشرعية والكونية ، كما تراعي فيها قواعد المصالح والمفاسد ، والنظر في المآلات والنهايات ، وتعتبر الدعوة هذا النهج مساراً استراتيجياً ثابتاً لا تحيد عنه ولا تتخلي.

وبوجه عام ، وبغض النظر عن التسميات المحددة ، فإن هناك مجموعة من الثوابت في هذا الباب ، لا تخرج عنها الدعوة في مثل هذه الحالات :-

ترفض الدعوة الفاعليات مجهولة المصدر ، مجهولة الأهداف والتحركات ، فما أسهل أن تثور الفتن ، وتنشب الفوضي من مثل هذه الأساليب ، علي فرض تنحية عامل وقوف أهل الشر والفساد من الداخل والخارج وراء مثل هذه الأعمال ، والخديعة الكبري المعروفة في مثل هذه الحالات أنهم يرفعون شعارات عادلة وبراقة ليستنهضوا بها عزيمة أكبر عدد ممكن من الناس ليثوروا ويتحركوا خلف بريق هذه الشعارات ، بينما مصمموا الحدث لهم أهدافهم الخاصة ، ومصالحهم الخاصة ، هم فقط يستخدموا الجمهور كوقود يشعلوا به شرارة الحدث ، ثم ينصرفون عنهم بعد ذلك.

ترفض الدعوة الفاعليات التي يترتب عليها مواجهات بين الشعب وبين الأجهزة التي تحتكر أدوات العنف والقهر ، لأن عواقب هذه المواجهات وخيمة علي مستوي الفرد والمجتمع والدولة ، فالجماهير الزاحفة علي الأرض تكون بلا قيادة ، ولا تسمع لصوت العقل ، إنما تستجيب لعوامل التثوير والتسخين بأسرع ما يكون ، ولا يأمن أحد من تدخل الفوضويين والبلاطجة وأصحاب الأجندات الخاصة ، لكي يوجهوا الجمهور لما فيه حتفهم وهلاكهم فضلاً عن سوء التصرف أو التهور الذي يمكن أن تقوم به بعض الأجهزة مما يمكن أن يشعل فتيل معركة لا يعرف مداها إلا الله.

ومن باب أولي وأوضح فإن الدعوة ترفض الفاعليات المسلحة أو العنيفة التي يتأكد في حقها الصدام والمواجهة ، ويترتب عليها أنواع من التخريب والتدمير والتقتيل ، والتي إذا فشلت فسيكون ضريبة فشلها باهظة من أرواح ودماء الأفراد المشاركين ، وإذا نجحت فستكون بداية لتخريب مؤسسات الوطن وتقسيمها من أجل إضعافها وتفتيتها.

كما ترفض الدعوة طريقة الحشد والحشد المضاد ، حيث يكون من الضرر البالغ أن يتقابل صفان متعارضان في الشارع ، فقد أكدت التجارب العملية أن مثل هذه الحشود تنتهي غالبا بالمواجهات التي قد يسفر عنها انتهاك حرمات أو إراقة دماء ، فضلاً عن أن تكون مقدمة لما هو أكثر فداحة كالحرب الأهلية مثلاً.

إذن فالدعوة لا تُقدم علي أعمال من شأنها أن تؤدي إلي العنف والصدام ، ولا من شأنها أن تسلمنا إلي المجهول ، فضلاً عن الأعمال التي فيها غلبة ظن راجحة بأنها ستوصلنا إلي البديل الأسوأ ، ولكن ربما يكون عامل الإغراء الأول الذي يداعب خيال البعض هو نجاح فاعليات 25 يناير في عزل مبارك ، وكذلك نجاح فاعليات 30يونيه في عزل مرسي ، وبالتالي يطمح في أن تتكرر التجربة مرة أخري.

والحقيقة أن كلا التجربتين كان العنصر الحاسم فيهما منحازاً لخيار الشعب ، ولو لم يكن منحازاً للشعب أو كان منحازاً للجانب الآخر ، فالصورة كانت ستتغير تماماً ، وأمامنا أمثلة حية في دول أخري ممن لم تتحقق عندهم المعادلة بنفس الصورة التي طُبقت بها في بلادنا ، وبالتالي فلا يمكننا أن نغامرلأن هذا النوع من المغامرة أشبه بالمقامرة ، التي تُدفع ضريبتها من أمن الأفراد وسلامة المجتمعات وتماسك الأوطان. والكيانات الكبيرة لا يمكن أن تراهن علي المجهول ، وإلا فهي تضع تاريخها ومستقبلها في مهب الريح.

لذا جاء قرار السلفية">الدعوة السلفية وحزب النور بعدم المشاركة في هذه الفاعليات التي تمت الدعوة إليها تحت عنوان " ثورة الغلابة " ، وجاء هذا القرار بعد دراسة متأنية للواقع والمآل ، وبعد مراجعة دقيقة لثوابت الشرع والمنهج ، مع إعتماد الآلية الشورية المنضبطة التي تجعل المسئولية تضامنية تشاركية ، وتجعل القرار أقرب للدقة والصواب.

جاء في بيان الحزب ما يلي :- " يرى حزب النور أن دعوات التظاهر في "11-11" ربما تقود البلاد إلى مخاطر الفوضى - لا قدَّر الله -، كما يستحيل المحافظة على سلمية هذه المظاهرات في جو يتسم بالانقسام بيْن طبقات المجتمع وقواه السياسية، وفي ظل هذا الخطاب التحريضي مما قد يترتب على ذلك من سفكٍ للدماء، وانتهاك للحرمات، والصدام بيْن أبناء الشعب الواحد، وإتلاف للمنشآت العامة والخاصة؛ مما يؤدي إلى مزيدٍ مِن الفساد والظلم لا لمعالجته، وكذلك مما يترتب على ذلك مِن نتائج كارثية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي يصعب معها أي محاولات إصلاحية حالية أو مستقبلية. ولذا فإن حزب النور يؤكد على عدم المشاركة في هذه التظاهرات، ويدعو الجميع للاجتهاد لنشر روح الجسد الواحد في معالجة الأزمة، والتضحية لرعاية الطبقات الأشد فقرًا."

ماذا تحقق علي أرض الواقع من هذه الدعوات ؟

انتهي اليوم وشهدت غالبية محافظات الجمهورية هدوءاً تاماً ، وخلت الشوارع والميادين من المارة والسيارات ، فقد لزم معظم المواطنين بيوتهم في هذا اليوم ، ولم تخرج مظاهرات إلا في عدة مدن وقري داخل عدد من المحافظات أبرزها البحيرة ، كفرالشيخ ، الإسكندرية ، الجيزة ، دمياط ، وكانت مظاهرات قليلة العدد يغلب عليها النساء ، واستطاعت قوات الأمن تفريقها بإستخدام الغاز المسيل للدموع ، وانتهت الفاعليات سريعاً مع تمكن الشرطة من اعتقال عدد من المشاركين في هذا اليوم ، هم ضحايا لمن حرضهم وزج بهم في هذه المواجهات ، مع أنه سينتقل بعد ذلك للبكاء عليهم والمتاجرة بقضيتهم.

إلا أن المثير للدهشة في هذه الفاعليات أنها لم ترفع شعارات الغلاء ، ولم تطالب بحقوق الغلابة ، كما هو مسمي الدعوة وكما هو معلن من هدفها ، بل رفع المتظاهرون اليافطات الصفراء ، وعلامات رابعة ، وصور الدكتور محمد مرسي ، وهتفوا بهتافات سياسية فئوية محدودة ، من عينة مرسي رئيسي ، مرسي راجع ، وغيرها من الشعارات الإخوانية الخالصة ؟!

أين إذن بيانات الإخوان المتتالية بأنها ستشارك دفاعاً عن الغلابة ، وأنها ستثور ضد الغلاء والظروف المعيشية الصعبة ، فقد أصدرت الجماعة عدة بيانات منذ الإعلان عن هذا الحدث ، فقد جاء البيان الأول بتاريخ 17/10/2016 تحت عنوان " انفروا خفافاً و ثقالاً " رسالة إلى الصف من د.محمد عبد الرحمن مسؤول اللجنة الإدارية ، جاء فيه :-

" أيها الإخوان المسلمون ... أيتها الأخوات المسلمات ... يا من آمنتم بسمو دعوتكم، وقدسية فكرتكم، وعزمتم صادقين على أن تحيوا بها، وتعملوا من أجلها، أو تموتوا فى سبيلها , يا من حملتم دعوة الله، وتجاهدون فى سبيل نصرة دينه : إن من حق المسلم على أخيه ألا يسلمه لظالم , وإن بيعتنا و أخوتنا فى الله لتوجب علينا أن نتحرك لدعم إخواننا وقياداتنا وأن ننزل في كل الميادين لنرفض هذا الظلم وندعم صمودهم الرائع وهم يتعرضون لمؤامرة النظام المجرم لتصفيتهم , ونحن لهم فداء بإذن الله، لن نسلمهم، وسنضحى بكل ما نستطيع لنحميهم وندفع عنهم مكر الظالمين ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (إبراهيم :46) ﴿فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام﴾ (إبراهيم : 47) ,وسنستجيب لنداء الله تعالى﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: 41) ولن نتثاقل بإذن الله تعالى، ونحن على يقين فى نصر الله عز وجل ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ (البقرة : 214).

الأخوة و الأخوات ... إن أول ما نحتاجه في هذه الظروف الصعبة التى تعيشها دعوتنا هو الإيمان واليقين الكامل بالله ونصره لدعوته..... إيمان بالله الواحد القادر الفعال لما يريد ﴿ونريد أن نمن علي الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين . ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾(القصص:5). ايمان بأن ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾(القصص:83).

ايمان بأن المستقبل لهذا الدين ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾(غافر:51). ايمان بأن فكرتنا هي أعظم الفكر، وأن طريقنا هو أفضل الطرق ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾(البقرة:138) ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (الأنعام:153). إيمان بالمبدأ ومعرفة به.. يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره . إيمان يدفع إلي الصبر في مواقف الشدة والتضحية في سبيل المبدأ من غير بخل ولا طمع، والتمسك بحبل الله المتين حين تموج الحياة بالفتن.

الأخوة و الأخوات ... لا ترهبكم قوة أعدائكم ولو كثرت عددًا وعدة، فالله ولي المؤمنين يمدهم بجنده، ويؤيدهم بنصره. (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ)(الفتح:4)،(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)(النساء:76)،(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ)(الأنفال:12)،(إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ)(آل عمران:160). ونحن في الحقيقة ستار لقدر الله ونصره، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله، ولا تيأسوا (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) فلا وجود لكلمة اليأس في قاموس المسلمين، إنما هي دورات وأيام، وفي كل أحوالنا نحن متفائلون مطمئنون، ونحن سعداء أننا ننتمي لهذا الدين، ونقرأ هذا القرآن، ونتبع هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ونؤمن أن الله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ونعتقد أن الله بالغ أمره، ونتيقن أن العاقبة للمتقين.

الأخوة و الأخوات ... ضعوا أيديكم في يد إخوانكم صفا واحداَ، وارتبطوا معهم بقوة برباط الأخوة الصادقة في الله، لتكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فتفوزوا جميعًا بحب الله ونصره مصداقًا لقول الله:(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ)(الصف:4). وتمثلوا حال المجاهدين الأولين من الأنصار والمهاجرين، وما كان بينهم من حب وأخوة وإيثار ضرب الله بها المثل في قرآنه الكريم:(وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر:9). لا تسمحوا للشيطان أو لأعداء الله أن ينالوا من هذا الحب وهذه الأخوة فتوجدوا لهم بذلك ثغرة إلى الصفوف, واستعينوا بالله ولاتعجزوا، وثقوا في نصر الله تعالى لكم."

كما هو واضح من مفردات البيان وألفاظه ، فهو يخاطب التيار الإسلامي ذو العاطفة الدينية الجياشة ، مستخدماً الآيات والأحاديث ، ومعاني الجهاد ونصرة الدين لتحميس الشباب المتدين من أجل المشاركة والتفاعل ، ورغم أنه موجه لشباب الجماعة رأساً ، إلا أنه يخاطب به أنواع أخري من الشباب المتأثرين بها لكنهم لم ينضوا رسمياً في صفوفها أو هياكلها التنظيمية.

وجاء البيان الثاني بتاريخ 6/11/2016 تحت عنوان " بيان للناس " جاء فيه " أيها المصريون الكرام ... نحن منكم وبكم ، لانعمل إلا لخيركم ، ولانسعى إلا لانتزاع حقوقكم ، نبذل فى سبيل ذلك كل مانملك – حسبة لله عز وجل – فداء لشعبنا ووطننا ، ولم ولن نعمل يوما للإضرار بكم فانشغلوا بقضيتكم الحقيقية ، واعملوا لاستكمال ثورتكم ، وانتزاع حقوقكم ، ونحن معكم لن نقرر بدونكم ، فإن قررتم الخروج والثورة فنحن فى القلب منكم ، وإن رأيتم غير ذلك فنحن فى الميدان ثابتين ننتظر قراركم ، موقنين أن مفتاح التغيير بيدكم أنتم "إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر.....ولابد لليل أن ينجلى ولابد للقيد أن ينكسر".

البيان هنا موجه للشعب بجميع طوائفه وتنوعاته ، وهو خطاب تسامحي احتوائي ، يقول للناس أننا نحمل نفس القضية ولدينا نفس الهدف ، وسوف يكون التحرك مشتركاً ، وبالتالي فهو يعيد تقديم نفسه للجمهور في ثوب جديد ، متخلياً عن الألفاظ الصادمة والتهم القاسية ، والخطاب المنفر ، لذا فهو يريد أن يكون الحراك شعبياً جماهيرياً ، لا فئوياً محدوداً.

إلا أن البيان الأخير الذي أصدرته الجماعة قبل الحدث بيومين كان صادماً لكل متابع للشأن العام ، فقد أثبتت الجماعة امتلاكها قدراً كبيراً من عدم النضج السياسي ، وحب الذات وضيق الأفق ، والإنكفاء علي المصالح الذاتية الضيقة ، أوضح البيان ذلك ثم جاء التطبيق العملي في المظاهرات التي رأيناها ، ونقلتها شاشات التلفاز ، يقول البيان :-

" بعد أربعين شهرًا من الانقلاب">الانقلاب العسكري - الذي اغتال أول تجربة ديمقراطية في مصر- صدرت هذا الأسبوع إجراءات اقتصادية ظالمة للشعب الذي ثار في 25 يناير تحت شعار "عيش حرية عدالة اجتماعية" لتضيف لمعاناته آلامًا جديدة. وبأساليب الطغاة نفسها التي لا تنتهي، نسي هؤلاء أن فسادهم ونفوسهم الخربة التي قبضت ما يقرب من التسعين مليارًا من الدولارات ثمنًا لخيانتهم لإرادة الشعب؛ لن ينساها المصريون.

ووسط حملات التزييف والتضليل الإعلامي المستمر، وأمام هذه اللحظات الفارقة، وكعهد جماعة الإخوان المسلمين طوال تاريخها، ومع كل ما بذلته من دماء الشهداء، وعشرات الآلاف من الأبرياء، رجالاً ونساءً في السجون والمعتقلات بما لم يشهد تاريخ مصر مثيلاً له ، وحراك مستمر في شوارع مدن مصر وقراها، فإنها تؤكد مرة أخرى أنها لن تتخلف عن شعبها، وستظل وفيةً لمبادئه، عاملةً على استرداد الحرية التي سالت في سبيلها الدماء، واسترداد الإرادة الشعبية المغتصبة، وعودة الشرعية المتمثلة في رئيسها الشرعي المنتخب والمختطف، ومؤسساتها التي اختارها الشعب بملء إرادته، وتعيد التأكيد على ضرورة الاصطفاف الوطني وحتميته حول المبادئ المشتركة التي تمت دعوة جميع القوى والرموز السياسية للالتقاء عليها."

تحول الخطاب فجأة إلي خطاب فئوي خاص ، وأصبحت المطالب هي عودة الشرعية وعودة الرئيس المنتخب ، ونسيت الجماعة الأهداف المشتركة والهموم المشتركة ، واللحمة الشعبية وغيرها من الشعارات البراقة التي لم تتحمل الصبر عليها فترة طويلة ، وفاجئتنا المظاهرات بشعارات رابعة ، وهتافات الشرعية!!

وبالتالي أحجم الناس عن المشاركة ، وظهرت للجميع انتهازيتهم الشديدة ، وحرصهم علي مصالحهم الخاصة ، وأنهم يتخذون من آلام الناس قنطرة يعبرون بها للوصول إلي أهدافهم وما يحقق مصالحهم ، بالإضافة إلي أنهم قطعوا الطريق علي من يريد عمل فاعليات حقيقية للإحتجاج علي الأوضاع أو الاعتراض علي السياسات كما كفل له ذلك الدستور والقانون ، لأن من يخرج بعد ذلك من السهل أن يوجه له تهمة أنه من الإخوان.

انتهي اليوم ولكن الحدث لم ينتهي ، هذه حقيقة لابد للنظام أن يعيها جيداً ، قدر الله علينا الإستقرار والهدوء بلطفه وكرمه ، سكنت نفوس الناس خوفاً أو عقلاً ، مع أنها كانت تغلي كالمرجل ، فشلت الدعوات رغم أن أسباب نجاحها كانت متوفرة ، لذا فعلي النظام أن يوجه اهتماماً حقيقياً للشعب ، وألا يتركه فريسة الجوع والغلاء والاحتكار ، فصبر الجماهير له حدود ، ومن المفيد أن تكون قراءتنا للأحداث قراءة منصفة غير مغرورة ، فقد يغتر البعض بفشل هذه المظاهرات ، ليمضي في سياسات غير عادلة تقهر الفقراء وتقضى علي الحقوق وتكبل الحريات المشروعة ، مهملاً سنن الله الشرعية والكونية ، هناك ستكون النتائج كارثية لا قدر الله.

 


[1] مجهودات حملة " جسد واحد " التابعة لحزب النور تعد مجهودات أسطورية ، حيث ضرب شباب الحزب أروع الأمثلة في البذل والعطاء والإخاء والتواضع ، فقد قدموا أموالهم وجهودهم وأوقاتهم في سبيل إغاثة إخوانهم من متضرري السيول في مدينة رأس غارب بالبحر الأحمر ، وهذا قليل من كثير يقدمه أبناء الحزب لبني وطنهم بلا ضجيج ولا ضوضاء ، يبتغون من وراء ذلك رضا الرب ومرضاته.

 

أخبار ذات صلة

حادثة إجرامية وقعت بالاسكندرية قبل عدة أيام ،

عندما قام شخص ملتح بقتل أحد التجار غدرا ذبحا بالسكين أمام المارة وفر هاربا ... المزيد

تمكّنت لجنة تبادل الأسرى من مبادلة المنظّر السلفي حسن صوفان، المقرب من الشا ... المزيد

أعلنت السلطات السعودية، الإثنين، عن عدد مواطنيها المنضمين للتنظيمات المسلحة في مناطق تشهد الأزمات والصراعا ... المزيد

تعليقات