البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

لماذا لا نختلف

المحتوي الرئيسي


لماذا لا نختلف
  • الشيخ أسامة حافظ
    11/12/2015 02:13

كنت أقوم على باب الفتوي في موقعنا الإلكتروني أرسل إلي أحدهم يسأل عن حكم الموسيقي والغناء . . وقد أجبت بشئ من التفصيل إن الموسيقي لم يرد دليل جازم بحرمتها فتبقي علي أصل الحل وانها لا تحرم إلا إذا دخل عليها من خارجها ما يحرمها كأن تكون وسيلة لنشر الفسق أو لنشر المباديء المخالفة للدين أو ما شابه ذلك.
 
أرسلت الفتوي إلي الموقع فاحتجز الأخوة القائمون علي الموقع الفتوي ولم ينشروها .. وأخذت ألح عليهم في نشرها وهم مترددون لأن أكثر الأخوة يرون في هذه المسألة رأياً اخر- هو نفس الرأي الذي كنت أراه من قبل – وأن هذه المسألة ستثير المخالف وتسبب فرقة بين الأخوة وتشعر الناس أننا لسنا علي رأي واحد وأننا لسنا نسيجاً متجانساً إلي غير ذلك من العبارات التي تدور حول هذا المعني.
 
فقلت لهم لماذا كل هذا وماذا يضير أن نختلف حول مسائل الفروع التي اختلف فيها أهل العلم منذ عصور الإسلام الأولي . . وما الذي يزعج ويقلق في مثل هذا الخلاف .
 
وإذا كانت مسألة في الفروع قال فيها العز بن عبد السلام " انها حتي لو كانت حراما فهي من الصغائر " يثير الإختلاف حولها مثل هذا القلق فكيف لو اختلفنا حول ما هو أهم وأشد .
 
وهب أنني كنت مخطئا في هذه المسألة ألم يذكر الحديث أن للمخطئ أجر إن صحت نيته واستفرغ وسعه مع وجود أدوات الفتوي ، وأجمل من ذلك أن يفتح هذا الخلاف حوارا يحيط بجنبات المسألة ويستخرج خباياها فنستفيد جميعا وقد نتفق أو لا نتفق ولكننا نكسب ثمرة الحوار ومتعة العقل والإجتهاد في إطار من التقدير والإحترام والرغبة في الوصول للحق .
 
وقد نشرت الفتوي بعد ذلك ولكن الحادثة أثارت بعض تأملات أحببت أن أشرك إخوتي فيها .
 
الحقيقة أن ثقافة الإنزعاج من الرأي المخالف ليست مشكلة الإسلاميين فقط بل أزعم أنها عندهم أقل كثيرا من غيرهم . . بل أنها ثقافة العالم الثالث المتخلف كله بتنطيماته الشرعية وغير الشرعية وكياناته من أول الأسرة وحتي أعلي مؤسسات في الدولة .
 
الكل يعتبر الرأي الاخر خطرا يهدد وحدة وكيان المجتمع والكل يعتبر أن الأصلح للمجتمع والمؤسسات أن يردد الناس رأيا واحدا وأن يسيروا كقطيع واحد لا يغرد أحدهم خارج سربه .
 
وأسوأ ما في الأمر هو الريبة التي ينطر بها للرأي الأخر فيتهم في نيته أو في دينه أو في انتمائه لمجرد أن يقول برأي اخر .
 
وهذه الطريقة في التفسير هي سر تخلف أمتنا ومعاناتها إذ أنها تقتل في المجتمع روح الإبتكار والإجتهاد وتجبر الجميع علي السير مع الخطأ خوفا من الإتهام في حالة الخلاف .
 
وهذه الطريقة تضفي علي المجتمع سطحية ناتجة عن فقد الحوار الذي يستخرج الدقائق والتفاصيل ويعمق النظرة إلي الأمور .
 
وأخطر ما في ذلك أن فقدان الخلاف والحوار يضفي علي الاراء المتداولة قدسية تخيف الناس من معارضتهاأو مناقشتها ونقضها ولا يخفي كم عاني مجتمعنا من مثل هذه الطريقة في التفكير . . بل كم عانت الحركة الإسلامية بفصائلها المختلفة من ذلك وكم من الأخطاء اضطررنا للسكوت عنها بل والدفاع والتماس المعاذير حتي لا نظهر مختلفين وكم من اراء أضفي عليها الإلف وعدم المناقشة قدسية لو تركت للحوار ما صمدت قليلا ولا كثيرا .
 
بل وكم من الأعمال صارت جزءا من تاريخنا وتراثنا نحميها وندافع عنها وهي أعمال في ميزان الصواب والخطأ لا وزن لها ولا قيمة .
 
نعم هناك أمور من الثوابت الي لا يجوز الإختلاف حولها وهي أصول الدين وقطعيات الشريعة إلا أن الطنيات وهي أكثر ما نعرفه من فروع الدين لا حرج من الإختلاف حولها بشروطه .
 
وبقدر ما اتسعت صدور المسلمين للإختلاف والحوار والتنوع وتعدد الأراء بقدر ما ازدهرت دولتهم وتقدمت حضارتهم .
 
وبقدر ما ضاقت صدورهم بذلك بقدر ما تراجعت واضمحلت .
 
في عصور الإزدهار رأينا إمامنا أحمد بن حنبل وقد سئل عن الصلاة خلف من احتجم ولم يتوضأ – وهو في عرف مذهبه باطل الوضوء والصلاة – فقال أحمد كيف لا أصلي خلف سعيد بن المسيب ومالك بن أنس .
 
ورأينا الشافعي يمتنع عن قنوت الفجر – وهوعنده سنة ابعاض يسجد لها سهوا – لما نزل ببلدة أبي حنيفة تكريما له .
 
ورأينا محمد بن الحسن يتوضأ من بئر فيها فأر ميت ويقول نأخذ بقول إخواننا من أهل الحجاز .
 
لقد ألف الشافعي كتابا في أخطاء مالك مع أنه أستاذه الذي يحبه ويقدره ولم يطعن ذلك في علاقة الود والحب بينهما وبقي لكل منهما اجتهاده .
 
وكان العلماء يناطرون بعضهم البعض ويردون علي بعضهم البعض مع كامل الإحترام .
 
هكذا كان تقدير ائمتنا في عصور الإزدهار للرأي الاخر واتساع صدورهم له دون اساءة أو اتهام أو تحقير وكان هذا أهم أسباب تقدمهم وازدهار حضارتهم .
 
بل أن الإمام أحمد وصف فقه الإختلاف بأنه فقه السعة والف العلماء في الإختلاف وادابه وأسبابه اعترافا به وتقعيدا لأصوله .
 
ثم جاءت أيام التخلف فكان المسجد تقام فيه أربع جماعات لكل مذهب جماعة لضيق صدورهم بالمخالف وشكهم في دينه وصلاته .
 
هذا هو نهج سلفنا الصالح واسلوبهم في هذه المسألة الذي تعلموه في مدرسة النبوة وعلموه لنا لخصه الإمام الشافعي رضوان الله عليه
 
"رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

أخبار ذات صلة

قال حساب معتقلي الرأي المختص بمتابعة أخبار المعتقلين في السعودية إن الداعية السعودي سليمان الدويش "قتل تح ... المزيد

في لغتنا العربية المعاصرة نقول مثلا :

جاء سعادة المدير وصافحته.

ولا نقول:

< ... المزيد

تعليقات