البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

لماذا الشريعة؟

المحتوي الرئيسي


لماذا الشريعة؟
  • عباس المنوفي
    16/05/2015 10:04

** هذا المقال ترجمة من الإنجليزية لمقال منشور في صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية بتاريخ 16 مارس 2008 (تجد الرابط أسفل المقال) .. والمقال ذاته هو ملخص لكتاب "سقوط وصعود الدولة الإسلامية" للدكتور نوح فيلدمان... وكنا قد قدمنا له من قبل في مقال بعنوان "دستور فيلدمان".

،،،،،،
في الشهر الماضي، ألقى روان ويليامز (رئيس أساقفة كنيسة كانتربري الأنجليكانية-- مايعادل بابا الفاتيكان عند الكاثوليك) محاضرة علمية متميرة في لندن حول ما إذا كان النظام القانوني البريطاني يجب أن يسمح للمحاكم غير المسيحية أن تقضي في مسائل معينة من قانون الأسرة...

فبريطانيا لا يوجد لديها أي فصل دستوري بين الكنيسة والدولة...

وأشار كبير الأساقفة إلى أنه لا يزال "قانون الكنيسة الإنجليكانية هو قانون البلاد"... وفي الواقع فإن المحاكم الكنسية التي كانت تحكم في الماضي في قضايا الزواج والطلاق لا تزال جزء من النظام القانوني البريطاني... ولا تزال لها البت في القضايا المتعلقة بممتلكات الكنيسة وشؤون العقيدة.

فقد كان إقتراحه من حيث المبدأ هو: بشرط موافقة جميع الأطراف ومع إتخاذ تدابير صارمة لحماية حقوق المساواة للمرأة... فإنه قد تكون فكرة جيدة السماح للمحاكم الشرعية الإسلامية واليهودية أن تتعامل مع قضايا الزواج والطلاق.

فإنفتحت كل أبواب جهنم في وجهه.

فمن سياسيين عبر مختلف ألوان الطيف السياسي إلى رموز كبيرة في الكنيسة إلى صحف الإثارة البريطانية... خرج الجميع يطالبون قائد ثاني أكبر مذهب في المسيحية أن يصدر إعلان رسمي بالتراجع عن هذا الكلام... بل وصل الأمر لمطالبته بالإستقالة.

كان وليامز قد أمضي العامين الماضيين في محاولة للحفاظ على تماسك الطائفة الإنجيلية حول العالم في ظل خلافات متواصلة حول أمور مثل الإعتراف بزواج المثليين أو بترسيم قساوسة من الشواذ جنسيا... ومع ذلك فإنه في تلك المعارك المثيرة للجدل لم يتعرض لمثل هذا النوع من الغضب الذي أطلقته إشارته للمحاكم الدينية...

وغني عن الذكر أن هذا الغضب الهائل لم يكن سببه أنه تحدث عن القوانين اليهودية الأصولية... وإنما كانت كلمة "الشريعة" هي مصدر الإشعاع الخطير.

نوعا ما، فإن الغضب العارم ضد إضفاء نوع من الصفة الرسمية على أحكام الشريعة الإسلامة في دولة غربية هو أمر لا يدعو للإستغراب... فلا يوجد أي نظام قانوني في أي وقت مضى حظي بنفس القدر من الدعاية السيئة... فبالنسبة للكثيرين تقترن كلمة "شريعة" بأهوال قطع الأيدي ورجم الزناة بالحجارة وقهر النساء.

وبالمقابل... فمن منا اليوم لازال يذكر ذلك القانون الشعبي الإنجليزي المحبوب جدا الذي كان يأمر بعقوبة الإعدام عقابا على المئات من الجرائم، بما في ذلك سرقة أي شئ تزيد قيمته عن خمسة شلن؟ من منا يعلم أنه حتى القرن الثامن عشر كانت القوانين في معظم الدول الأوروبية تجيز التعذيب باعتباره عنصرا معتمدا في نظام العدالة الجنائية؟ أما بالنسبة للتمييز على أساس النوع، فإن القانون العام الإنجليزي ولعصور طويلة كان يحرم النساء المتزوجات من أي حقوق للملكية الخاصة... بل ولا يمنحهن أي صفة شخصية قانونية مستقلة عن أزواجهن.

وفي بعض المستعمرات، عندما طبق البريطانيون قانونهم على المسلمين بدلا من الشريعة، كانت النتيجة هي حرمان أو تجريد النساء المتزوجات من الممتلكات التي كانت قد منحتها وضمنتها لهن الشريعة الإسلامية... صعب القول أن هذا كان تقدم نحو المساواة بين الجنسين.

في الحقيقة، أنه عبر معظم تاريخها، فإن الشريعة الإسلامية قدمت مبادئ قانونية هي الأكثر ليبرالية وإنسانية مما هو متاح في أي مكان في العالم.

واليوم... فإننا عندما نحتج على بعض العقوبات القاسية التي تنص عليها الشريعة لعدد قليل من الجرائم... فإننا نادرا ما نلاحظ المستويات القياسية العالية من شروط الإثبات اللازمة لتنفيذ هذه العقوبات... فقبل إصدار الحكم بعقوبة الزنا، على سبيل المثال، يجب على المتهم أن يشهد على نفسه بالزنا أربع مرات... أو أن يشهد أربعة شهود ذكور بالغين معروف عنهم حسن الخلق أنهم شاهدوا بأنفسهم مباشرة الفعل الجنسي أثناء وقوعه.

كثيرا ما نتجاهل بشكل روتيني الأحكام المتشددة في نظامنا القانوني لدينا نحن-- مثل عقوبة السجن مدى الحياة في جرائم بسيطة نسبيا كتداول المخدرات... نتجاهل ما قمنا به مؤخرا من تحسينات في قوانين الأسرة العتيقة عندنا...

أحيانا يبدو كما لو أن حاجتنا نحن الغربيين للشريعة هي تماما كحاجتنا لفترة طويلة للإسلام ذاته: حتى تصبح مجرد قماشة نرسم عليها أفكارنا عن كل ما هو مرعب... وتصبح غشاء يجعلنا نبدو شكلنا أفضل.

بالمقابل، فإنه في العالم الإسلامي، شهدت سمعة الشريعة صحوة غير عادية في السنوات الأخيرة... منذ حوالي قرن كان التقدميين المسلمين يعتبرون أن الشريعة قد عفا عليها الزمن أو أنها في حاجة لإصلاح جذري أو ربما التخلي عنها تماما.

اليوم... ٦٦٪ المصريين و ٦٠٪ من الباكستانيين و ٥٤٪من الأردنيين يقولون أن الشريعة يجب أن تكون المصدر الوحيد للتشريع في بلدانهم... الأحزاب السياسية الإسلامية، مثل تلك المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين التي لا تتقيد بحدود دولية، يعتمدون على تطبيق الشريعة كشعار أساسي في برامجهم السياسية...

وقد وصلت الرسالة...

فأينما سُمح للإسلاميين بالترشح للمناصب العامة في البلدان الناطقة بالعربية، فإنهم يفوزون تقريبا بجميع المقاعد التي تسمح لهم الحكومات بالمنافسة عليها... فالحركة الاسلامية بمختلف نسخها--من المعتدلة إلى الأصولية المتشددة--هي وبسهولة الأسرع نموا والأكثر حيوية في العالم الإسلامي... والعودة للشريعة هي رسالتها.

كيف أن ما يعتبره كثير من الغربيين أكثر معالم الإسلام تنفيرا وتخلفا هو ذاته بالنسبة لكثير من المسلمين الأكثر حيوية وجاذبية في حركة الصحوة الإسلامية العالمية؟

التفسير بالتأكيد أننا يجب أن نتجاوز التبسيط المخل الذي يفترض أن المسلمين يريدون إستخدام الشريعة لمقاومة حركات حقوق المرأة أو لمجرد إحكام السيطرة على النساء... خصوصا أن أعدادا كبيرة من النساء تدعم الإسلاميين عموما ويدعمن قيم ونموذج الشريعة على وجه الخصوص.

هل الشريعة هي سيادة القانون؟

أحد أسباب الاختلاف بين وجهات النظر الغربية والإسلامية حول الشريعة هو أننا لسنا جميعا نستخدم الكلمة لنفس المعنى... فرغم أنه من الشائع إستخدام كلمة "الشريعة" وعبارة "القانون الإسلامي" كما لو كانتا مترادفتان... إلا أن هذه الترجمة الإنجليزية ركيكة ولا تستوعب مجموعة كاملة من علاقات التي يستحضرها مصطلح "الشريعة" عند المؤمن...

فالشريعة عندما نفهمها بشكل صحيح ليست مجرد مجموعة من المواد القانونية... فهي عند المسلم المؤمن شيء أعمق وأسمى ومشبع بالغايات الأخلاقية والغيبية... فالشريعة في جوهرها تمثل فكرة أن جميع البشر--و جميع الحكومات البشرية-- تخضع للعدالة بموجب القانون.

في الحقيقة "الشريعة" ليست هي الكلمة المستخدمة تقليديا في اللغة العربية للإشارة إلى المنطق القانوني الإسلامي أو الأحكام الناتجة عنه: هذه الكلمة إسمها "الفقه" والتي تعني شئ أقرب ل "القضاء من منظور إسلامي"... أما كلمة "شريعة" فلها علاقة بما هو مقدس: هي مجموعة من القواعد والمعتقدات التي لا تتغير والتي تنظم الحياة طبقا لإرادة الرب.

عادة يتخيل الغربيين أن دعاة الشريعة يريدون ببساطة إستخدام القرآن كقانون لهم... ولكن الواقع أكثر تعقيدا بكثير من ذلك... فالساسة الاسلاميين عادة ما يميلون للغموض جدا حول ما هو المقصود بالضبط من كون الشريعة هي مصدر القانون في الدولة-- وهذا الغموض له أسباب وجيهة... حيث أن مجرد إعتماد هذه المبادئ في حد ذاته لا يمكن من تحديد طريقة عمل النظام القانوني فعلا.

أفضل طريقة لفهم الشريعة هي أنها نوع من القانون الأسمى [المبادئ فوق دستورية]، وإن كان يتضمن بعض الأوامر الدنيوية المحددة...

فعلى سبيل المثال يتفق جميع المسلمين على تحريم إقراض المال بفائدة [الربا]-- ولكن على عدم تحريم الإستثمار الذي به مشاركة في الربح والخسارة... وكذلك فإن منع شرب الخمر على المسلمين هو من المحرمات التي لا جدال فيها حتى بين أكثر المفسرين ليبرالية...

بعض القواعد المرتبطة بالشريعة الإسلامية هي بلا شك موضة قديمة وقاسية... فالتعامل مع الرجال والنساء غير متكافئ... فعلى على سبيل المثال، من الصعب جدا على المرأة أن تبادر بالطلاق دون أن تضطر للتنازل عن حق النفقة... تحريم اللواط، وإن كان تاريخيا لم يتم تطبيقه، إلا أنه يجعل الاعتراف بالعلاقات بين المثليين أمرا يصعب تخيله...

لكن الشريعة أيضا تحرم الرشوة أو المحسوبية... وتطالب بالمساواة في المعاملة بين الأغنياء والفقراء... وتدين جرائم القتل للشرف العصبية التي لا تزال تحدث في بعض دول الشرق الأوسط... أنها تحمي حقوق الملكية الخاصة وحماية الممتلكات للجميع--بما في ذلك النساء...

وخلافا لما حدث في إيران، حيث إرتداء المرأة للحجاب إلزامي قانونا وتحافظ على الإلتزام به الشرطة الدينية... فإن وجهة نظر الإسلاميين في كثير من البلاد الإسلامية الأخرى هي أن الحجاب هو مجرد أحد السبل لتنفيذ الإلتزام الديني بارتداء ملابس محتشمة-- فهو عادة إجتماعية أكثر منه قاعدة ملزمة بقوة القانون... كما أن تطبيق عقوبة الإعدام على كل من يرتد [حد الردة] لا تبدو في أجندة أو جدول إولويات معظم الإسلاميين.

بالنسبة لكثير من المسلمين اليوم، الذين يعيشون تحت أنظمة حكم إستبدادية فاسدة، فإن الدعوة لتطبيق الشريعة ليست دعوة للتمييز الجنسي [ضد المرأة] أو الظلامية أو العقوبات الوحشية... وإنما هي من أجل إصدار نسخة إسلامية لما نعتبره نحن في الغرب أغلى مبادئ العدالة السياسية... ألا وهو: سيادة القانون.

هيبة العلماء

لفهم ما للشريعة من جاذبية عميقة نحتاج أن نسأل سؤال محوري نادرا ما يتم تداوله في الغرب: ما هو في الحقيقة نظام القانون الإسلامي؟

في حياته، وكان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هو القيادة الدينية والزعيم السياسي على حد سواء لجماعة المؤمنين... الوحي الذي معه، القرآن، يتضمن بعض القوانين المتعلقة بالطقوس التعبدية ومسائل الميراث... لكنه لم يكن كتاب قانوني في المقام الأول... ولم يتضمن نصوص قانونية مطولة مفصلة مثل تلك الموجودة في بعض أجزاء من التلمود... فعندما كان الجيل الأول من المؤمنين يحتاج توجيهات بشأن أي من المواضيع التي لم تعالج عن طريق الوحي، كانوا يذهبون مباشرة إلى محمد... فكان إما يجيبهم من تلقاء نفسه، أو إذا كان غير متأكد، ينتظر التوجيه الإلهي في صورة وحي جديد.

مع وفاة محمد، إنقطع الوحي الإلهي عن المجتمع الإسلامي... وإنتقل دور الزعيم السياسي-الديني من بعده إلى سلسلة من الخلفاء الذين وقفوا في منصبه.. لكن هذا جعل الخليفة في موقف معقد جدا عندما يتعلق الأمر بحل المسائل القانونية الصعبة... فالخليفة صحيح أنه في نفس منصب القيادة مثل النبي لكنه ليس مثله في الإعتماد على الوحي... كما أن وضع المجتمع أيضا أصبح في مأزق... إذا كان القرآن لم يتحدث بوضوح للإجابة على سؤال معين، فكيف يمكن تحديد القانون؟

كانت الإجابة التي تطورت خلال القرنين الأول من الإسلام هي أنه يمكن تكميل ما تركه القرآن بالرجوع إلى حياة النبي-- "سنته"... (وكلمة "السنة" هي مصدر تسمية "السني"-- أي الذي يتبع هدي حياة النبي)... كانت أقواله وأفعاله محفوظة شفاهيا: من المفترض نقلا عن الشخص الذي شهد الفعل أو سمع الكلام بنفسه... وكانت هناك حاجة لتمييز الروايات الصحيحة من الزائفة...

ولكن بطبيعة الحال فإنه حتى الرواية الصحيحة التي تعالج موقف محدد لم يكن في مقدورها أن تعالج مشاكل قانونية أخرى تظهر فيما بعد... ولمعالجة هذه المشاكل كان من الضروري الإعتماد على القياس العقلي من حالة إلى أخرى...

كان هناك أيضا احتمال حدوث إجماع أو إتفاق جمعي حول ما يجب فعله في بعض الحالات، وكان هذا الإجماع أيضا يحتاج لأخذه بعين الإعتبار.

هذا التركيبة الرباعية [القرآن-- سنة النبي كما تسجلها الروايات-- التفكير القياسي-- الإجماع] تعتبر الأسس لنظام قانوني... لكن من الذي ستكون له صلاحية القول بكيفية تركيب هذه العوامل الأربعة؟ بل والأهم، من الذي ستكون له سلطة تقرير ما إذا كانت هذه العوامل الأربعة دون غيرها هي مصدر القانون؟

الخلفاء الأربعة الأول، الذين كانوا يعرفون النبي شخصيا، ربما كانت لديهم القدرة على إدعاء هذه الصلاحية لأنفسهم... لكن من بعدهم، واجه الخلفاء مجموعة متنامية من المتخصصين الذين أكدوا أنهم وحدهم--بشكل جماعي-- من يمكنهم تأصيل القانون من المصادر الأربعة المتاحة... وهذه المجموعة الذين نصبوا أنفسهم لهذا الدور أصبحوا معروفين بإسم "العلماء"... وعلى مدى بضعة أجيال تمكنوا من إنتزاع إعتراف من الخلفاء أنهم وحدهم هم حماة القانون...

فعبر صلاحية تفسير القانون الذي يستمد أصوله من الرب، إستطاعوا السيطرة على النظام القانوني كما كان قائما فعلا... وهذا هو ما جعلهم--وليس الخليفة-- هم "ورثة الإنبياء".

عند السنة تم تفعيل هذا النموذج منذ وقت مبكر جدا، واستمر حتى العصر الحديث... أما عند الشيعة، الذين يعتقدون أن إنتقال السلطة يجب أن يكون فقط في نسل النبي، فقد تعاقب على خلافة النبي أناس يدعون سلطات إلهية فوق العادية... لكن عندما إختفى هؤلاء قام علماء الشيعة بإحتلال دور مختلف عن أقرانهم من علماء السنة.

حسب النظرية الدستورية التي طورها العلماء لشرح تقسيم العمل في الدولة الإسلامية،كانت على الخليفة مسؤولية قصوى لتحقيق الحكم الإلهي في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"... لكن هذه المهمة لم تكن قاصرة عليه وحده... وإنما تقتضي أن يفوض بعض مسؤولياته للقضاة العلماء، الذين يقومون هم بتطبيق قانون الرب كما يفسرونه هم... يستطيع الخليفة أن يعين أو يرقي أو يقيل أي منهم، لكنه لا يستطيع فرض أو رفض الأحكام القانونية الصادرة عنهم: السلطة التشريعية مستمدة من الخليفة بينما القانون نفسه صادر عن العلماء.

الخلفاء (ومن بعدهم السلاطين الذين جاءوا للحكم بعد زوال النفوذ المادي للخلافة) كان لديهم فيض من السلطة... كانوا يديرون السياسة الخارجية بصورة أو بأخرى كما يشاؤن... وكان في مقدورهم إصدار اللوائح والقوانين الإدارية--بشرط ألا تتعارض تلك اللوائح مع ما يعتبره العلماء من متطلبات الشريعة... فهذه اللوائح نظريا تتعامل مع الأمور التي سكتت عنها الشريعة...

مكنت هذه اللوائح أيضا الدولة من إدارة شؤون المجتمع دون الحاجة للرجوع للقضاء في كل صغيرة وكبيرة، حيث أن الشروط الصارمة لإثبات الذنب التي تضعها الشريعة تكاد تكون مستحيلة التحقيق فعليا للحصول على حكم إدانة... فكانت نتيجة هذه اللوائح الإدارية أن كثير من (إن لم يكن معظم) المسائل القانونية أصبحت فعلا خارج نطاق القواعد التي تحددها الشريعة.

والنتيجة هي أن نظام الشريعة الإسلامية كما أصبح موجودا يسمح بقدر كبير من المرونة و حرية المناورة...

وهذا هو السبب أن من يدعون اليوم للشريعة الإسلامية كمصدر للقانون لايحبذون فعلا اعتماد منظومة قانونية شاملة مستمدة من أو حسب ما تمليه الشريعة-- لأن هكذا نظام قانوني شامل لم يكن موجودا أبدا عبر التاريخ الإسلامي...

فبالنسبة للسياسيين الاسلاميين الذين ينادون بها أو للجمهور الذي يدعمها... فإن الشريعة تعني شيئا آخر... إنها تعني تأسيس نظام قانوني يكون فيه قانون الرب بمثابة القواعد الأساسية التي تجيز وتحكم وتضفي الشرعية علي قوانين الحياة اليومية التي يصدرها مجلس نواب الشعب المنتخبين... بعبارة أخرى، بالنسبة لهم، يتوقعون من الشريعة أن تقوم بدور مشابه لما يقوم به الدستور في الدولة الحديثة.

حقوق البشر وحقوق الرب

وهكذا في السياسة الإسلامية المعاصرة... فإن المطالبة بتطبيق الشريعة لا تعني فقط وفي المقام الأول إلباس المرأة الحجاب أو تنفيذ العقوبات البدنية القاسية-- وإنما لها بعد دستوري ضروري أيضا... لكن ما هو تحديدا الذي يجعل الشريعة أكثر جاذبية من القانون العادي؟

الجواب يكمن في أن للحكومة الإسلامية التقليدية ميزة قد يصعب ملاحظتها: أن الدولة تحت حكم الشريعة، ولأكثر من ألف سنة، كانت تخضع لنوع من "سيادة القانون"... وكحكومة سيادة القانون فإن الدولة الإسلامية التقليدية كانت تتمتع بميزة ضيعتها الديكتاتوريات والأنظمة الملكية الاستبدادية التي حكمت الكثير من العالم الإسلامي في القرن الماضي.

الحكومة الإسلامية عندها شرعية...

من حيث أنها كانت عموما تحترم الحقوق الفردية القانونية لمواطنيها، وكانوا هم أيضا يرون فيها ذلك... فهذه الحقوق الفردية القانونية، أو ما يعرف ب "حقوق العباد" (مقارنة مع "حق الله"-- كالعبادات والطاعات) كانت تشمل المستلزمات الأساسية للحفاظ على الحياة والممتلكات... وتشمل العملية القانونية [العدل]-- أي نفس ما يتمناه جميع البشر حول العالم وعلى مدار قرون من الحماية من القهر العشوائي للحكومة.

طبعا، مجرد إعلان الحاكم خضوعه للقانون لم يكن كافيا في حد ذاته، وإنما يجب أن يخضع الحاكم فعلا للقانون... ولهذا فإنه يحتاج لحوافز... وكان الحاصل هو أن نظام الحكم يعطيه فعلا حافزا كبيرا، في شكل توازن القوى مع العلماء... قد يكون في مقدور الحاكم ممارسة بعض الضغط من حين لآخر من أجل الحصول على النتائج المرادة في حالات معينة...

لكن لأن العلماء كانوا هم المسؤولين عن القانون، وليس الحاكم، فلم يكن في مقدور الحاكم عرقلة سير العدالة إلا عبر تكلفة عالية وهي أن ينظروا إليه على أنه ينتهك قانون الرب-- مما يقوض ذات الأسس التي يبني عليها شرعية حكمه.

في الممارسة العملية، كان نفوذ العلماء في المطالبة باحترام القانون تعتمد على حقيقة أن الخلافة ليست حق وراثي... فهذا كان يمنح العلماء قدرة تأثير كبيرة في اللحظات الانتقالية عند إختيار خليفة جديد [البيعة]... فعند توليه منصبه يجد الحاكم الجديد (حتى لو كانت تسميته وليا للعهد من قبل سابقه) أن عليه درء مطالب كثير من المنافسين له على المنصب... فكان أول شيء يحتاجه هو تأكيد شرعيته في تولي السلطة... وكان العلماء على إستعداد أن يمنحوه هذه الشرعية في مقابل وعد الحاكم لهم بإتباع القانون.

حتى بعد توليه منصبه، كان الحاكم يواجه مخاطر الغزو أو الإنقلاب عليه من داخل القصر... فالخليفة يحتاج من العلماء إعلان الجهاد دفاعا عن الدولة كإلتزام ديني وفرض عين... وجود العلماء بجانبه في أوقات الأزمات كان يعتبر رصيدا هائلا للحاكم الذي يزعم أنه يتبع القانون...

وحتى لو كان الحاكم لا يلتزم بالقانون فإن العلماء لم يكونوا يعلنوا فوريا العصيان على الخليفة وأنه لم يعد صالحا للحكم... فقد كان ذلك يعتبر فعل أحمق، خصوصا عند الأخذ في الإعتبار أن العلماء لم تكن عندهم أي قوات مسلحة مثل ما عند الخليفة... لكن مجرد صمتهم كان يمكن تفسيره بسهولة على أنه دعوة لأي منافس للخليفة في طلب المنصب أن يتقدم ويحقق مراده.

كان الدافع وراء إصرار العلماء على ضرورة طاعة الحاكم للشريعة يرجع إلى حد كبير لإعتقادهم أنها إرادة الرب... ولكنها إرادة الرب كما يفسرونها هم بأنفسهم... فنتيجة وجود هذه الطبقة النخبة العارفة والواثقة بنفسها والتي تتحكم وتدير القانون طبقا لقواعد راسخة... فقد كان العلماء هم وكلاء الإستقرار والثقة في الدولة-- ولما لها من دور حاسم أثناء عملية إنتقال السلطة من حاكم للذي يليه وما قصد يصاحب هذا الإنتقال من فوضى أو أعمال عنف.

كما أنه عبر السيطرة على القانون كان في مقدور العلماء تحديد قدرة السلطة التنفيذية في الإستيلاء على أو مصادرة ممتلكات المواطنين... وهذا بدوره أجبر السلطة التنفيذية على الإعتماد على مصادر مشروعة للدخل مثل الضرائب... وهو ما أجبر بدوره الحكام على أن يكونوا أكثر إستجابة لإهتمامات رعاياهم...

وهكذا كان العلماء وقوانينهم ضروريين للغاية في تحقيق النجاح الهائل الذي كان يتمتع به المجتمع الإسلامي منذ نشأته وحتى القرن التاسع عشر... فبدون الشريعة لم يكن ممكنا أن يصبح هناك هارون الرشيد في بغداد ولا العصر الذهبي للمسلمين في اسبانيا، لا عهد سليمان القانوني في اسطنبول.

لأجيال عديدة كان الطلبة الغربيين الذين يدرسون الدستور الإسلامي التقليدي يفترضون أن العلماء لم يمكن لهم أي دور ملحوظ في محاسبة الحاكم... فكما قال أحد المؤرخين مؤخرا أنه على الرغم من أن الشريعة تعمل بمثابة الدستور إلا أنها "كانت دستور غير واجب النفاذ"... لأنه لا العلماء ولا الرعية كان في مقدورهم "إجبار الحاكم على الالتزام بالقانون في ممارسة الحكم"...

ولكن الحقيقة أنه لا يوجد أي دستور تقريبا في أي مكان في العالم يمكن القضاة أو الجهات غير الحكومية من "إجبار" مسؤول تنفيذي على الطاعة بينما هو الذي يسيطر على وسائل القوة... المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة ليس لديها جيش...

فيجب على المؤسسات التي تفتقر إلى قوة السيف إستخدام وسائل أكثر دهاء لتكتيف السلطة التنفيذية... فتماما مثل التوازن بين السلطات في الدستور الأمريكي، فإنه في التقاليد الإسلامية كان هذا التوازن بين السلطات عبر الأفكار والأقوال وليس فقط عن طريق القوة الجبرية.

إذا... فإن المسلمين اليوم ليسوا حالمين تماما عندما يتصرفون ويتحدثون وكأن الشريعة يمكنها إقامة دولة دستورية تخضع لسيادة القانون... فأحد أكبر الأسباب وراء نجاح الأحزاب السياسية الإسلامية هو أن ناخبيهم ومؤيديهم يفهمون جيدا أن الشريعة كانت في وقت سابق تحرك دولة متزنة وكانت فيها إحترام للحقوق القانونية.

من الشريعة إلى الاستبداد

ولكن إذا كانت الشريعة تتمتع بشعبية بين كثير من المسلمين نظرا لإرتباطها تاريخيا بسيادة القانون، فالسؤال هو: هل يمكنها أن تؤدي نفس الوظيفة اليوم؟

هنا لا يوجد ما يدعو للحذر والتشكك... فالمشكلة هي أن الدستور الإسلامي التقليدي كان يقوم على توازن القوى بين حاكم يخضع للقانون وطبقة من العلماء الذين يفسرون ويديرون القانون... ولكن حكومات معظم الدول ذات الأغلبية المسلمة المعاصرة اليوم فقدت هذه المعالم...

فالحكام يحكمون كما لو كانوا فوق القانون ولا يخضعون له، بينما العلماء الذين كانوا في الماضي لهم مكانة مؤثرة تم إختزال مكانتهم... فحتى لو تولوا مناصب قضائية فإنهم غالبا ما يقتصر دورهم على القضاء فقط في شؤون الأسرة [الأحوال الشخصية].

هناك نموذجان إثنان فقط مهمان حاليا يمارس فيهما العلماء سلطة حقيقية، وفي كلتا الحالتين يمكننا أن نرى إنحرافا عن دورهم التقليدي:

الأول هو إيران، حيث إستطاع آية الله الخميني--شخصيا عالم دين مرموق جدا-- قيادة السلطة التنفيذية وأصبح القائد الأعلى بعد ثورة ١٩٧٩... فأدي ذلك الترتيب الفريد من نوعه في التاريخ الإسلامي أن رجل الدين يحكم بدون أي قوة موازنة له... وهكذا أصبح حاكم غير عادل وبدون أي قيود على سلطته، تماما مثل الحاكم المستبد العلماني...

والآخر هو المملكة العربية السعودية، حيث يحتفظ العلماء بدرجة معينة من السلطة... لكن النتيجة المؤسفة أنهم يستطيعون تعطيل أي مبادرات إصلاحية من قبل الحكومة، مهما كانت بسيطة، لكنهم لا يستطيعون فعل شيئا لجعل الحكومة أكثر إستجابة لمواطنيها... فالدولة الغنية بالنفط لا تحتاج تحصيل ضرائب من مواطنيها، وبالتالي لا يوجد لديها سبب وجيه أن تأخذ مصالحهم بعين الإعتبار.

أما كيف خسر العلماء مكانتهم المرموقة كحماة القانون فهي قصة معقدة، ولكن يمكن تلخيصها في القول المأثور: [الترقيع قد يكون أسوأ من الإهمال] "الإصلاحات الجزئية قد تكون أحيانا أسوأ من عدم الإصلاح إطلاقا"...

ففي أوائل القرن التاسع عشر استجابت الإمبراطورية العثمانية لسلسلة من النكسات عسكرية عبر حركة إصلاح داخلية... وكانت أهم معالم هذا الإصلاح هو محاولة إعادة صياغة الشريعة في صورة نصوص قانونية مكتوبة... وعملية تقليد الغرب هذه--والتي تعتبر بدعة في تقاليد القانون الإسلامي--كان المفترض أن تحول الشريعة من مجموعة من العقائد والمبادئ العامة التي يعمل العلماء علي تفسيرها... تحويلها إلى منظومة من القواعد المكتوبة و المرتبة بنظام في كتاب قانون واحد.

[المترجم: لاحظ أن القوانين المكتوبة لم تكن تخالف الشريعة إطلاقا... وإنما هي فقط كانت مجرد إعادة صياغة لأحكام الشريعة بالإسلوب القانوني الحديث]

لكن بمجرد أن أصبحت أحكام الشريعة ذاتها في صورة نصوص قانونية ثابتة، إنتفت الحاجة لتفسير العلماء، وأصبح القانون يتمتع بمرجعية ذاتية بدون العلماء... عملية تقنين الشريعة هذه سحبت من العلماء الدور الهام جدا في أن تكون لهم الكلمة الأخيرة في مضمون القوانين... ونقلت هذه السلطة للدولة...

ولاسترضاء العلماء أبقت الحكومة على المحاكم الشرعية ولكنها قيدت دورها فقط على التعامل مع مسائل قانون الأسرة... وهذه الاستراتيجية موازية تماما للنهج الذي إتبعه الاستعمار البريطاني مع المستعمرات المسلمة حيث سمح للمحاكم الشرعية بالتعامل مع مسائل الأحوال الشخصية... وحتى اليوم فإن بلدان متباعدة مثل كينيا وباكستان لا تزال فيها محاكم شرعية تدير قانون الأسرة-- والذي هو جزء ضئيل جدا من إختصاصاتهم الأصلية تاريخيا.

لقد كان تدوين أحكام الشريعة في صورة قوانين بمثابة المسمار الأخير في نعش طبقة العلماء، لكنه في حد ذاته لم يدمر موازين القوى...

وإنما في عام ١٨٧٦ أنشأ الدستور العثماني هيئة تشريعية [برلمان] تتكون من غرفتين لصناعة القوانين: واحدة منتخبة، والثانية يعينها السلطان... كان هذا بمثابة أول مؤسسة ديمقراطية في العالم الإسلامي... ولو أنها تمكنت من أداء دورها فقد كان في مقدورها إشاعة مفهوم أن الشعب هو المصدر الأعلى [المرجعية] للسلطة القانونية... ولكان في مقدور هذه الهيئة التشريعية أن تحل محل العلماء في تحقيق التوازن المؤسسي في مواجهة السلطة التنفيذية.

ولكن ذلك لم يكن ليحدث...

ففي أقل من عام على إجتماع المجلس التشريعي الأول، علق السلطان عبد الحميد الثاني أعماله ثم عطل العمل بالدستور ذاته في العام التالي... لكن السلطان لم يُعد علماء الدين لمكانتهم السابقة [في تفسير القانون والرقابة على الحاكم]... ومع خروج العلماء من الطريق وفي غياب هيئة تشريعية تحل محلهم، وجد السلطان نفسه في موقف الحاكم شبه المطلق...

وكان هذا هو النموذج الذي إتبعته الحكومات في جميع العالم الإسلامي بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية... أصبح القانون أداة في يد الحاكم، وليس سلطة عليه... ولا يوجد ما يدعو للعجب أن ما نتج عن ذلك هو أنظمة حكم ديكتاتورية أو غيرها من أشكال هيمنة السلطة التنفيذية-- وهذه هي الحالة التي يريد الإسلاميون اليوم مواجهتها عندما يقولون بالعودة للشريعة.

شريعة ديمقراطية؟

إن الإسلاميين اليوم-- من ناحية لأنهم أكثر واقعية ومن ناحية لأنهم نادرا ما يكونوا هم أنفسهم علماء دين-- يبدو أنهم يعطون قليلا من الاهتمام لفكرة استعادة العلماء لدورهم التقليدي في إحداث توازن دستوري في مواجهة السلطة التنفيذية...

الحركة الإسلامية، مثلها مثل كثير من الأيديولوجيات الحديثة الأخرى، تسعى للسيطرة على الدولة بوضعها الحالي... ثم تغيير المجتمع من الداخل بإستخدام ذات أدوات الحكم الحديثة... لذلك فإنهم في رؤيتهم لعودة الشريعة للقيادة يتصورونها في صورة علمين من معالم الحكومة الحديثة: السلطة التشريعية والدستور.

أن الموقف العام عند الإسلاميين السنة--كما نجده مثلا في البرامج الإنتخابية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر أو حزب العدالة والتنمية في المغرب-- هو أن الهيئة التشريعية المنتخبة يجب عليها صياغة وإصدار القوانين التي تنسجم مع روح الشريعة الإسلامية... أما في حالة المسائل التي لا تقدم فيها الشريعة الإسلامية اتجاه واضح، فإنه من المفترض أن تستخدم السلطة التشريعية صلاحياتها التقديرية في اعتماد قوانين مشبعة بالقيم الإسلامية [ذات نكهة إسلامية].

والنتيجة هي تغيير جوهري في البنية النظرية للقانون الإسلامي الأساسي:

"دمقرطة الشريعة" Shariah is democratized

حيث تصبح الشريعة نفسها ديموقراطية: من حيث أن الإختصاص برعايتها وحمايتها ينتقل للهيئة التشريعية المنتخبة شعبيا... ففي العراق، مثلا، حيث ينص الدستور على أن الشريعة الإسلامية "مصدر التشريع"، فإنه من حيث المبدأ يرجع الأمر للجمعية الوطنية في إصدار القوانين التي تعكس روحها.

[المترجم: لاحظ أن هذا هو تماما ما حاوله دستور الغرياني ٢٠١٢ في مصر: أن تصبح مهمة حماية الشريعة ليست في يد الحاكم ولا في يد علماء الدين وإنما في يد مجلس نواب منتخب شعبيا]
.
أما في حالة لو أخطأت السلطة التشريعية، فإن الإسلاميين عادة ما يحبذون مراجعة قضائية للإجراءات التشريعية بما يضمن أنها لا تنتهك القانون أو القيم الإسلامية... إن ما يطلق عليها أحيانا "مادة التبغيض"-- والتي تعطي لهيئة قضائية محددة حق إلغاء القوانين البغيضة إلى الإسلام-- قد شقت طريقها بالفعل لعدد من الدساتير الصادرة مؤخرا التي تسعى للتوفيق بين الإسلام والديمقراطية...

ويمكن الاطلاع على ذلك مثلا في الدستور الأفغاني لعام ٢٠٠٤ والدستور العراقي لعام ٢٠٠٥ (وقد كان لي دور إستشاري صغير عند واضعي الدستور العراقي).

إن إستحداث نظام المراجعة القضائية الإسلامية يحول أعلى هيئة قضائية في الدولة إلى ضامن على إنسجام كل القوانين مع الشريعة الاسلامية... عندها يكون في مقدور المحكمة العليا إستخدام سلطاتها للدفع بالبلاد نحو رؤية محافظة، كما هو الحال في أفغانستان، أو نحو نموذج أكثر اعتدالا، كما هو الحال في باكستان.

إن المراجعة القضائية الإسلامية تضع المحكمة العليا في موقف أشبه بذلك الذي كان يحتله العلماء من قبل... فمثل العلماء في الماضي يقدم قضاة المحكمة قرارتهم على أنها تفسيرات للشريعة الإسلامية... ولكن بالطبع فإن القضاة الذين يقومون بمراجعة إسلامية للقوانين هم أنفسهم ليسوا علماء وإنما قضاة عاديين (كما في العراق) أو ربما مزيج من القضاة والعلماء (كما في أفغانستان)...

ولكن بخلاف النظام التقليدي، فإن القضاة لا يستمدون مرجعيتهم من الشريعة ذاتها وإنما من الدستور المكتوب الذي يمنحهم سلطة المراجعة القضائية.

[المترجم: لاحظ أن حق تفسير الشريعة هكذا إنتقل من علماء الدين إلى قضاة قد لا يكون عندهم علم بالدين!!! كما في العراق وأفغانستان وباكستان]

أن هذا التجسيد الحديث للشريعة جذاب من حيث أنه يستعيد دولة سيادة القانون... ولكنه أيضا تقدمي من حيث كيفية تحقيق هذه النتيجة... ولكن ما يعجز الإسلاميين عموما عن الإعتراف به هو أن هذه المؤسسات من تلقاء نفسها لا يمكنها أن تحقق سيادة القانون...

السلطة التنفيذية أيضا يجب عليها أن تقرر الإلتزام بطاعة الأحكام القانونية والدستورية... وفي ذلك فإنها تحتاج لحوافز مادية دنيوية حقيقية، وليس مجرد مشاعر دافئة حول القيم المعنوية المصاحبة للشريعة.

أما عن كيف يمكن فعل ذلك-- كيف لإدارة تنفيذية اعتادت على ممارسة القوة المفرطة أنك تعطيها من الحوافز ما يجعلها تخضع نفسها لسيادة القانون-- فهذا هو واحد من أعظم الألغاز في مجال التطور الدستوري على مستوى العالم كله...

إن نموذج "الثورة الشاملة" غالبا ما كان يؤدي لنتائج سيئة جدا في العقود الأخيرة، على الأقل في الدول ذات الغالبية المسلمة... فالثورة التي حلت محل الشاه في إيران خلقت هيكل دستوري قمعي ثقيل جدا... وبالمثل فإن الأحلام الثورية التي راودت البعض في العراق--سواء أحلام الدولة الليبرالية العلمانية أو أحلام ديموقراطية إسلامية فعالة-- جميعها لا تزال بعيدة جدا أن تؤتي ثمارها.

لذلك فإن التغيير التدريجي يبدو على أنه الخيار الأفضل بين بدائل كلها سيئة...

ومعظم الإسلاميين اليوم-- أولئك الذين ينافسون على السلطة في المغرب أو الأردن أو مصر وحتى العراق-- هم جميعهم يؤمنون بالتغيير التدريجي... يرغبون في تعديل المؤسسات السياسية القائمة حاليا عبر تشبيعها ببعض القيم الإسلامية والقليل من أحكام الشريعة الإسلامية.

وبطبيعة الحال، فإن هذه الأحزاب أيضا عموما معادية للولايات المتحدة، على الأقل عندما نقوم بما هو ضد مصالحهم. (العراق إستثناء، واضح حيث أن الاسلاميين الشيعة هناك هم أقرب حلفائنا)...

ولكن هذه قضية منفصلة عن كونهم يمكنهم أن يصبحوا قوة في سبيل تعزيز سيادة القانون... فإنه من الممكن تصور أن نجاح الأحزاب الإسلامية في الإنتخابات قد يضغط على السلطة التنفيذية حتى تلتزم بالمطالب نحو حكومة تلتزم بالقانون كما هو منصوص عليه في القرآن...

وهذا قد يؤدي إلى تطور في السلطة القضائية، بحيث يصبح لدى القضاة أنفسهم قناعة أنهم وكلاء لسلطة القانون وليسوا عملاء لسلطة الدولة.

شيء من هذا القبيل يحدث ببطء في تركيا... فالإسلاميون هناك أكثر ليبرالية من أي مكان آخر في العالم الإسلامي: إنهم حتى لا يدعون لتطبيق الشريعة (وهو موقف لو فعلوه لقام الجيش العلماني المتعصب بإغلاق الحكومة من أبوابها)... وإنما يركزون جهودهم على تعزيز سيادة القانون وعلي توسيع رقعة الحقوق الأساسية للمواطنين في مواجهة تقاليد التركية العلمانية المرتكزة على هيمنة الدولة... والقضاء يتعرض لضغط متزايد لمجاراة هذه الرؤية.

هل في مقدور الشريعة توفير الموارد اللازمة لهذا النوع من إعادة التفكير في دور السلطة القضائية؟

في جوهرها، تطمح الشريعة أن تكون القانون الذي ينطبق على كل البشر، عظيمهم وحقيرهم، حاكمهم أو محكومهم... ليس هناك أحد فوقها، والجميع دائما ملزم بها... لكن تاريخ الشريعة أيضا يبين أن هذه المثل العليا لسيادة القانون لا يمكن تطبيقها في الفراغ...

أنها [تطبيق الشريعة] تحتاج لدولة تكون بها مؤسسات فعالة... وهذه المؤسسات يجب تعزيزها من خلال الممارسة الدائمة ومن خلال تفعيل داخل النظام ذاته للعوامل التي تحفز هذه المؤسسات.. بحيث يصبح ما يربحوه من البقاء مخلصين لما تمليه عليهم [سيادة القانون] أكبر مما قد يخسروه لو إنحرفوا عنها.

احتمالات النجاح في المسعى لتحقيق سيادة القانون دائما لا تكون عالية... فلا شئ أصعب من خلق مؤسسات يكون في مقدورها إحداث التوازن في مواجهة هيمنة السلطة التنفيذيه-- إلا ربما نتيجة محاولة [زهد شخصية] لتجنب إغراء تجاوز الحدود بعد الوصول للسلطة... في إيران، تسبب الإسلاميون في إسقاط المصداقية عن عقيدتهم بين كثير من الناس العاديين، والعراق أيضا تسير في نفس الإتجاه.

مع ذلك، ومع كل ما تحفها من مخاطر وأخطار، فإن طموحات الإسلاميين في إحياء الأفكار القديمة لسيادة القانون، بينما يحاولون الوصول لموائمة مع الظروف المعاصرة تظل [طموحات] جريئة ونبيلة-- وربما تمثل طريقا نحو حكومة عادلة وشرعية في كثير من أنحاء العالم الإسلامي .

*المصدر: نيويورك تايمز

أخبار ذات صلة

ما تعرض له أهل الإسلام في مصر وماحولها خلال السنوات العشر الماضية.. لايمكن وصفه إلا بالزلازل ، والمؤمنون يتفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوت صبرهم ع ... المزيد

-قليل من العلماء هم من يصدح بالحق، وقليل من هذا القليل مَن يُقارع الطغاة والظلمة وجها لوجه، وما سمع الناس عن عالِم واجه الباطل بلسانه ويده إلا بما فعله المزيد

ولو نظرت لشخصك أنت ثم سألت نفسك سؤالاً: ماذا قدمت لمن تتعامل معهم حتى يذكرونك عندما يفتقدونك سواء بالغياب أو الوفاة؟!

هل المرح والضحك ... المزيد

- أنهم جزء من الأمة التي تتكون  منهم ومن غيرهم.

..

- أن تنوع الحركة الإسلامية لا يعني انقسامها انقسام  تضاد . المزيد