البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

كيف يفكر العقل الإسلامي في المستقبل؟..بين السلفيتين العلمية والمدخلية المصرية (1)

المحتوي الرئيسي


كيف يفكر العقل الإسلامي في المستقبل؟..بين السلفيتين العلمية والمدخلية المصرية (1)
  • محمد بشندي
    29/07/2021 05:21

الأحزاب الدينية هي تنظيمات تتنافس في الانتخابات عبر حشد الدين من خلال ثلاثة أبعاد للتعبئة: مناشدة الهوية الدينية عبر استخدام الشعارات الدينية، وجود روابط مع الحركات الدينية، ودمج العقيدة في البرامج الحزبية لإسباغ الشرعية الدينية على أهداف سياسية.

ولا يعتبر استخدام الحجج الدينية عمومًا غير شرعي في حد ذاته، فغالبًا ما تستخدم الأحزاب المحافظة المسيحية الحجج الدينية في مسائل مثل الإجهاض أو القتل الرحيم ، وظهرت الأحزاب الدينية في بلجيكا وهولندا في القرن التاسع عشر، وكانوا ملتزمين بالعمل داخل الأنظمة الدستورية لبلدانهم ، وهناك “الحزب الديمقراطي المسيحي الإيطالي”، وهو حزب ديني أُسس بمساعدة الكنيسة الكاثوليكية، وسعى لجعل نفسه حزب الكاثوليك، وهيمن لخمسين عامًا على جهاز الدولة. على هذا النسق ظهر الوجود السياسي للسلفية المصرية.

 

تحاول السلفية خلق هوية جديدة لأتباعها. توفر لأولئك الذين تُشوِّشهم الحداثة إحساسًا جديدًا بتعريف الذات والانتماء في شكل عضوية في كيان فوق وطني، لتُقدِّم إجابات بسيطة للذين يواجهون أزمات الهوية والاغتراب.

 

يناقش هذا المقال، والذي سينشر على حلقتين، سلفيتين: السلفية العلمية، والسلفية المدخلية؛ في محاولة لفهم نماذجهما الفكرية والتنظيمية، وأفق التطور المستقبلي لهما.

 

أولًا: السلفية العلمية

 

كان السلفيون ناشطون في المجال الاجتماعي والثقافي إلا أن السلفية">الدعوة السلفية لم تتحول لتيار عريض إلا في بداية السبعينيات مع ظهور السلفية">الدعوة السلفية بالإسكندرية، التي أنشأها مجموعة من قادة الحركة الطلابية ، وتأسست على يد قيادات مثل “محمد إسماعيل المقدم”، و”سعيد عبد العظيم”، و”أحمد فريد”، ثم “ياسر البرهامي”، وبدأت تتوسع فقامت بتأسيس “معهد الفرقان” لإعداد الدعاة، وإصدار مجلة صوت الدعوة، وأصبح لها مؤيدون ونشاطات علمية ودعوية وإغاثية وخيرية، وفضّلت الابتعاد عن الشأن السياسي، والتركيز على الجانب الدعوي.

هي تيار يهتم بتنشئة جيل جديد من الشباب الملتزم دينيًا، ويُطلِقون على ذلك المنهج اسم “التصفية والتربية”، وتعد القضية الرئيسة هي تحقيق التوحيد قبل تأسيس الدولة الإسلامية، والتشديد على عدم خوض غمار السياسة، بدعوى أنّ صلاح الأمة يسبق صلاح الدولة.

 

البناء الفكري: ماذا تغيّر بعد الثورة؟

اتسم بنائهم الفكري في مرحلة ما قبل الثورة في أن ولي الأمر هو من له الشوكة أو الغلبة حتى ولو كان فاسدًا، فالقضية هي وجود ولي الأمر في الحكم، لأن عدم وجوده قد يؤدي إلى مفسدة أكبر، كما رفضوا الانخراط في العمل السياسي ورأت السياسة بدعة تقوم على مبادئ كفرية، وررفضوا الديمقراطية لأن فالديمقراطية والإسلام نقيضان لا يجتمعان، كما رفضوا التعددية السياسية، والانتخابات لمساواتها بين المسلم وغيره، واعتبروا المجالس النيابية مجالس طاغوتية.

 

تسبّبت ثورة يناير في إظهار الحضور السياسي للجماعات الدينية داخل المجال العام ، فرغم رفض السلفية">الدعوة السلفية تأييد ثورة يناير، إلا أنها وقّعت على بيان اللجنة الشرعية الأول بتأييد المظاهرات، وحاول الشيخ برهامي تفادي اللغط بقوله إن المشاركة في المظاهرات غير تأييدها، فهم يؤيدون المطالب ولكنهم يرون حرمة المشاركة للفتن المصاحبة لها ، وأن الدعوة لم ترفض المشاركة ولكن رأت عدم فاعليتها، وأنهم رغم رفضهم للديمقراطية، إلا أنهم سيشاركون للحفاظ على هوية مصر الإسلامية.

هذا التناقض الضمني يبرز وجود عدة إشكاليات في الإطار الفكري للدعوة السلفية امتدت إلى ظهيرها السياسي، منها:

 

مركزية النص والاجتهادات التاريخية:

رفض الاكتفاء بالاحتكام للشريعة فيما هو قطعي الثبوت فقط، بل وجوب الاحتكام إلى القطعي والظني. حتى يُمنَع البرلمان من الاختيار من خارج اجتهادات الفقهاء السالفين، فضلًا عن مركزية مفهوم “البدعة”، باعتباره تجريم الجديد طالما لا يجد تأييدًا من نصًا دينيًا مباشرًا، ونفي الاعتماد على التفكير العقلي المجرد.

 

التصور الآلي للتغيير:

الشخصية السلفية مرتبكة عمومًا، وتبتعد عن الأسئلة الفلسفية، حيث يقع جوهر الاهتمام في العلم الشرعي، نتيجة الشعور الدائم بتهديد هويتها الذاتية فتتصدي لا شعوريًا لمهمة الدفاع عن الذات، فالسلفي لا يحاول تطوير هويته لتكون قادرة على مواجهة الواقع بل هو يدين الواقع ، فتحاول السلفية أسلمة المجتمع عبر تربية أفراده بافتراض أن هذا سوف يفضي لمجتمع إسلامي، هذا التصور الآلي، ضيق وجودها العام، وحصره في نطاق الأسرة والمسجد.

 

الانتقائية في التعامل مع المرجعيات:

ابن تيمية هو أحد أهم المرجعيات المعاصرة للسلفية، ومع ذلك فقد خضع لقراءة انتقائية تجزيئية أولت الجانب العملي الفقهي اهتمامًا على حساب الجانب المعرفي الفلسفي، بحيث أصبح الحديث عن العقل والعقلانية موجبًا للتبديع والتكفير، فتحوّلت لجماعات نصوصية ظاهرية جامدة ترى إمكانية قراءة النص بدون تأويل، في حين أن هذا يخالف طبيعة الخطاب اللغوي، فالناظر إليه مُحمَّل بمقومات ذاتية ومعرفية تسبقه إلى النص.

 

فقر المرجعيات:

المرجعيات السلفية شرعية المحتوى فقط، ما أدى إلى عدم اضطراد الفعل السلفي؛ وتضييق مساحة تواجده في الحياة العامة؛ فالسلفية في حاجة لنوعية جديدة من المرجعيات المتخصصة في مجالات أخرى غير شرعية.

 

عدم وجود إطار نظري وسياسي متماسك:

يتضمن الرؤية السلفية للدولة وعلاقتها بالشريعة؛ فالتبس برنامجها السياسي، ولم يكن توافقهم الشكلي مع الآليات الديمقراطية الإجرائية، نتيجة لمراجعات فكرية، بقدر ما كان حالة من الانتهازية. فعندما قدّموا نساء للترشح، وضعوا وردة لحجب صورهن على لافتات الدعاية، وطالبوا في برلمان 2011 بتدشين مجلس فقهي تُحاَل إليه القوانين ليفصل في شرعيتها الدينية، واقترحوا إلغاء منع إقامة الحزب على أساس الدين، ونادى بعضهم بتعطيل آلية الانتخاب، لأنها تمنح حق الاختيار للمسلم والكافر بدلًا من أهل الحل والعقد، بل واقترح بعضهم أن يتم الاختيار على مرحلتين: مرحلة يتاح فيها لكل المواطنين اختيار خمسة أشخاص مثلًا، والمرحلة الثانية تقوم لجنة أهل الحل والعقد باختيار واحد من الخمسة.

 

ورفضوا مشاركة غير المسلم في البرلمان ترشحًا وانتخابًا، ورأى بعضهم أن يقوم المسلمون باختيار المسلمين وأهل الملل الأخرى باختيار أهل ملتهم للتخلص من مشاركة “الذميين” في اختيار المسلمين. فالسلفية">الدعوة السلفية دخلت العمل السياسي دون تنظير سياسي ([xi])، ما جعل خطابها يتصارع مع فكرة الدولة الحديثة.

 

تأرجح الموقف من العنف:

تؤكد السلفية">الدعوة السلفية أنها تسعي للتغيير بطريقة متدرجة، وترفض العنف، ورغم هذا يعتبر ياسر برهامي أن الاختلاف مع بن لادن والقاعدة هو اختلاف حول أولويات العمل، زاعمًا أنه كان يعمل لخدمة الإسلام.

 

الموقف من الأقباط:

تأثر موقفهم من الأقباط بضعف الممارسة الاجتهادية لهم. فيرى برهامي أن الكافر لا يجوز أن يتولى الولايات العامة؛ وأنه يجب أن يؤدِّي كل الكفار الجزية، لهم كامل الحقوق الشرعية، ولا مساواة لهم مع المسلمين.

 

رؤيتهم للعمل العام والديمقراطية:

دعا سعيد عبد العظيم أبناء السلفية">الدعوة السلفية أن يتركوا السياسة الحزبية الميكيافيللية، وأن يعودوا إلى مساجدهم، فالدعوة هي الأصل والحزب هو الفرع، وحذّر من أن تصبح المواءمات السياسية منهج مسخ الدعوة. وكان الرد بأن الوقوف مع استقرار الدولة لم يكن تأييدًا لظلم، بل الحفاظ على الاستقرار، وأن العمل السياسي جزءً لا يتجزأ من منهج السلفية">الدعوة السلفية في التغيير، وأن انسحاب التيار الاسلامي من المشهد يزيده فسادًا.

 

رغم هذا لا يزال السلفيون يرفضون الديمقراطية، بدءً من رفض مبدأ سيادة الشعب على اعتبار أنه مصدر كل السلطات، بدعوى أن المُشرِّع هو الله وليس الشعب، ويرفضون عدم التفريق بين الأشخاص بحسب معتقداتهم، ولا يعترفون بمبدأ ممارسة السلطة باسم الأغلبية لأن الحق لا يعرف بكثرة مؤيديه، ويرون أن التصويت تعبير عن الصراع من أجل السلطة، بينما القرار في الشورى ثمرة تشاور بين أهل الاختصاص. كما يُعارضون إطلاق الحريات بلا ضوابط. ويهاجمون التعددية الأيديولوجية والحزبية، بدعوى أن تعدد الأحزاب يُولِّد الصراع، والاقتتال على السلطة، أما الإسلام فيأبى التحزب.

 

ثنائية الاستعلاء الذاتي وعدم التسامح:

مفهوم “الفرقة الناجية” محوري كأحد المكوّنات الرئيسة للهوية السلفية، فالسلفي يرى بأنّه الوريث الشرعي لأهل السنة والجماعة. وهي هوية غير متسامحة متّجهة إلى الداخل تبحث عن النقاء والطهورة، لا تعتراف بالآخر، بل تتجه نحو الاختزال والتسطيح والانقسام لا التوسّع والاجتماع.

 

نجح السلفيين في تحويل رأسمالهم الإجتماعي والدعوي، المعتمد على شبكاتهم الاجتماعية الدعوية إلى رأسمال سياسي تمثل في نجاحات إنتخابية مُلفتة، لكن المشكلة المنهجية تبرز في التوسع في مفهوم الضرورة لإباحة مايرونه مُخالفًا للإسلام، لأن هذا لم يكن نتيجة مراجعات فكرية فهي لا تزال مُحرّمات تُستباح باسم الضرورة. فافتقر الجانب التطبيقي في مشروعهم السياسي.

 

الجانب التنظيمي

السلفيّة حالة وليس تنظيم، تيار جامع لعدد من الشيوخ، انشطرت إلى سلفية علمية دعوية كسلفية الإسكندرية والتي انبثق عنها حزب النور، وسلفية جهادية مسلحة، وسلفية حركية ترى أهمية الانشغال بالشرعية">السياسة الشرعية كسلفية القاهرة والتي انبثق عنها حزب الأصالة ثم الفضيلة، ثم هناك الرموز السلفية المستقلة والمشايخ الذين ابتعدوا عن العمل التنظيمي، ولم يتناولوا الواقع، واكتسب تلاميذهم سلبيتهم، وبعد تنحي مبارك احتفوا بالثورة، وشكّلوا مجلس شورى العلماء.

 

نشأت السلفية بالإسكندرية في سبعينيات القرن الماضي، تحت اسم “المدرسة السلفية“، عام 1977 بعد انسحاب الطلاب المتأثرين بالمنهج السلفي من الجماعة الإسلامية، الذي هيّمن عليها طلاب الإخوان. يؤكد السلفيون على الأثر الذي كان لجماعةالسنة المحمدية” في نشأة دعوتهم تاريخيًا، إلا أن ضيق المساحة المتاحة للعمل ضمن “أنصار السنة“، كجمعية مُعترف بها قانونًا، وتشرف عليها وزارة الشئون الاجتماعية، وتتلقى مساعدات الدولة، إلى جانب رغبة السلفيين في مساحة أكبر للعمل دون قيود جعلهم لا يعملون في إطارها.

 

وخلال مرحلة التوسع، منذ منتصف الثمانينسات، أسّسوا معهد “الفرقان لإعداد الدعاة” في الإسكندرية عام 1986 لتخريج الدعاة، وأنشأوا “المجلس التنفيذي” و”لجنة المحافظات”، و”اللجنة الاجتماعية”، و”لجنة الشباب” خلال السنوات مِن 1986 إلى 1992، وتم تكوين أول جمعية عمومية للدعاة، ثم اختارت الجمعية “القيّم” -وهو المسئول الأول عن الدعوة- ومجلس الإدارة بالاقتراع السري المباشر. استفز هذا الأجهزة الأمنية، فتم وقف المجلة، وإغلاق المعهد، كما جرى حل الهيئات واللجان التنظيمية.

 

ثم أعادت تشكيل لجانها التنظيمية بعد ثورة يناير 2011. فتم تشكيل “مجلس أمناء” من الشيوخ المؤسسين للجماعة. الذين اختاروا رئيسًا لمجلس الشورى العام و”مجلس إدارة” جديد. وفي مارس2011 أعلنت انخراطها في العملية السياسية. وفي يونيو أعلنت دعمها لحزب “النور”. واتسم نموذج السلفية السكندرية الحركي بالسمات التالية:

 

النموذج التنظيمي المغلق لا الجامع:

بظهور فكرة الدخول لساحة العمل السياسي، كان هناك رؤيتين حول طبيعة الحزب: الرؤية الأولي ترى التمدد الأفقي لاستيعاب جميع الاتجاهات السلفية، والابتعاد عن التنظيم المغلق، والفصل المؤسسي بين الحزب كمؤسسة تتعامل مع مجال سياسي متأوِّل بطبيعته، والسلفية">الدعوة السلفية بإلتزاماتها الصارمة وبقائها كحاضنة اجتماعية ودعوية.

 

بينما ترى الرؤية الثانية الاحتفاظ بهوية عقائدية واضحة تحافظ على تمايز منهج السلفية بالإسكندرية، وبناء الحزب رأسيًا في هيراركية واضحة ونخبوية لصناعة القرار بشكل فوقي عبر أهل الثقة. وهو الاقتراب الذي تم اتباعه.

 

البنية شبه الهرمية:

على عكس الجماعات السلفية الأخرى، امتلكت السلفية">الدعوة السلفية بنية شبه هرمية. ومع ذلك، فهي تواجه تحديات في جعلها فعّالة من حيث صنع القرار والإنفاذ على المستويات الدنيا. ولهذه الغاية، تم إنشاء هيكل ثلاثي المستويات للتداول الداخلي واتخاذ القرار، يُوفِّر درجة معينة من المشاركة والشمول، فيترأس الحركة مجلس أمناء يتألف من ستة مؤسسين لديهم سلطة واسعة على المجالس الدنيا.

 

أمّا المجلس التنفيذي فيتألف من ستة عشر شيخًا يهتمون بالأمور الإدارية ويُشرفون على المجالس التنفيذية المحلية. ثم مجلس الشورى ويتكون من مائتي شيخ وهي الجمعية العمومية للدعوة. يُنتخب المجلس التنفيذي، ويتخذ القرارات النهائية بشأن القضايا الاستراتيجية مثل تأييد مرشح رئاسي بأغلبية الأصوات.

 

على النقيض، تظل القضايا التي تتضمن تفسيرات أو مراجعات جديدة من اختصاص مجلس الأمناء، الذي قد يتخذ هذه القرارات أو يُفوِّضها إلى مجلس الشورى، وهنا يعتبر قرار الأخير نهائيًا، كتأييد المجلس لـ “عبد المنعم أبو الفتوح”. على الرغم من أن بعض الأمناء عارضوا هذا الخيار، إلا أن القرار ظل قائمًا.

 

وهكذا، على الرغم من الدور القوي الذي لعبه المؤسسون، فقد تبنت الحركة عناصر شبه ديمقراطية تقدم درجة من الشمولية في عمليات صنع القرار. ولكن بسبب تراث التنظيم اللامركزي، افتقرت هذه الهياكل للتأثير على الشيوخ الأفراد.

 

الحركة والحزب:

ظهرت التوترات بين الحركة وذراعها السياسي حزب النور في يناير 2012، بسبب اتخاذ زعيم الحزب “عماد عبد الغفور” قرارات دون تنسيق مع شيوخ الدعوة، الذين اعترضوا على انحراف النور عن المسار الصحيح. تصاعد الصراع لأزمة داخلية في سبتمبر 2012، عندما ألغى عبد الغفور الانتخابات الداخلية ونقضت اللجنة العليا قراره، ثم غادر ليشكل حزب الوطن. لتجنب الخلافات المستقبلية، تم إنشاء هيئة تنسيق غير رسمية تضم أعضاء من الحزب والحركة. ومع ذلك، فإن الحركة تهيمن على الحزب على مستوى صنع القرار الاستراتيجي، وتبقى الحكم النهائي في المسائل الفكرية والعقائدية.

 

بناء التحالفات:

تعاون حزب النور مع جبهة الإنقاذ في 2013، كما انضم إلى الأحزاب الاشتراكية لمعارضة قروض صندوق النقد، وهكذا توقّف السلفيون عن اعتبار العلمانيين أعداء وجوديين.

 

ولكنها خسرت الحليف الأقرب لحاضنها الفقهي وهو تيار السلفية الحركية المتحالف مع الإخوان، فصاروا عند حزب النور في خانة التكفيريين وصار حزب النور عندهم في خانة المنافقين.

 

الانشقاقات الداخلية:

شاركت السلفية">الدعوة السلفية وحزب النور في إعلان 3 يوليو 2013 فأدى ذلك إلى انشقاق عدد من القيادات والأعضاء، أبرزهم “سعيد عبد العظيم” نائب رئيس الجماعة، بعد ذلك تراجع نشاط حزب النور، وتراجع ظهور أعضائه الفاعلين، مع اعتزال “محمد إسماعيل المقدم” للمشهد، حيث قيل إنه معترض على سيطرة برهامي على الحزب والجماعة.

 

الأقباط:

تغيرت المواقف السلفية من المسيحيين في مناخ انعدام الأمن الداخلي والتوترات الطائفية، كما يتضح من الأحداث التي وقعت في العامرية في يناير 2012. لعب المشايخ المرتبطين بالسلفية">الدعوة السلفية دورًا حيويًا في تهدئة العائلات المسلمة، وتجنب طرد العائلات، كما اتخذ شيوخ دعوة الإسكندرية خطوة مهمة بإعلان أن المسيحيين مواطنون. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني ضمان المساواة الكاملة.

 

الموقف من السرية والعمل التنظيمي:

يرى السلفيون جواز ومشروعية العمل الجماعي المنظم، بشرط تحقيق المصلحة ودفع المفسدة، والبعد عن السرية حال التمكن من الجهر بالدعوة، وعدم التعصب للجماعة، وأن البيعة ليست شرطًا للعمل الجماعي.

 

الحضور في المجال العام ومعه التحدي المتمثل في التعامل مع قضايا لم يواجهوها من قبل، فضلًا عن ضرورة كسب التأييد بالحجج بدلًا من السلطة الروحية، دفعهم للتمييز بين الأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حيث يتصرفون ببراغماتية ملحوظة، والقضايا العقائدية، حيث يكون هامش التسوية ضئيلًا، كمعارضة إقامة علاقات مع إيران.

 

إن التغييرات المفاجئة في علاقة السلفيين بالسياسة والمأسسة ليست تغييرًا جوهريًا، بقدر كونها مظهر من مظاهر قدرتهم على التكيف مع ظروفهم المتغيرة.

 

سؤال المستقبل

أعتقد أن مستقبل السلفية">الدعوة السلفية في ظل المعطيات الحالية سوف يواجه منعطفات قد تزيد من وضعها سوءً، إننا أمام حركة اجتماعية مأزومة فكريًا وتنظيميًا وسياسيًا، وحزب تابع لن يقوى على البقاء يومًا بدون دعم حاضنته الاجتماعية، وأعتقد أننا أمام عدة معطيات ستتحقق تدريجيًا خلال السنوات القليلة المقبلة:

 

فكريًا:

من المرجح أن تنتقل السلفية">الدعوة السلفية من اليمين إلى أقصى اليمين، أي أنها لن تتطور أيديولوجيًا على الإطلاق، لأنها لا تمتلك أية حوافز داخلية أو خارجية تدفعها لإنتاج اجتهادات فكرية أكثر تقدمية تتصل بالعمل العام، ولعل مرد ذلك إلى سببين.

 

أولها، تضاؤل دورها في النظام السياسي، وهذا الدور مرشح للتآكل خلال كل انتخابات مقبلة، بل ومن المرجح أن يكون تمثيلها البرلماني رمزيًا في أفضل الأحوال، وبالتالي لا يعطيها دورها الحالي في النظام أية حوافز للتطور في اتجاه مزيد من الاعتدال.

 

وثانيها، أن النخبة المسيطرة على التنظيم تتسم بأفق فكري شديد الجمود والنصوصية، ولا يوجد أفق لفصيل سياسي داخلي يستطيع الموازنة، بل إن الفصيل المتنامي داخل الدعوة يدفع باتجاه الخروج من العمل العام والعودة لمنهج السلفية">الدعوة السلفية القديم.

وبالتالي فإن علاقة الدعوة بالحاضنة السلفية ستظل هي المكون الرئيس الذي ينبغي للدعوة أن تحافظ عليه، وهذا سيدفعها دفعًا للإنكفاء على الداخل، والدفاع عن الذات باستخدام الحيلة الأسهل… النصوصية ومكافحة أية تفسيرات بديلة للنص الديني.

 

تنظيميًا:

في حالة استمرار توافق السلفية">الدعوة السلفية مع النظام السياسي المصري، وفي ظل محدودية الفرص السياسية المتاحة لها وتدهورها على الدوام، وفي ضوء تململ الكثير من قياداتها التاريخية من توغل السلفية">الدعوة السلفية في العمل العام، من المرجح أن تشهد الدعوة انشقاقًا ينتهي بعزل الجناح المؤيد للعمل العام، وانضمام الجزء الأكبر من كوادر السلفية">الدعوة السلفية لجناح أكبر ينمو بلا انقطاع يدفع باتجاه القطيعة مع العمل العام.

 

قد ينتهي هذا الأمر بوجود الجناح المرتبط بحزب النور حزبًا ورقيًا هامشيًا بدون دعم تنظيمي أو أيديولوجي من حركة حاضنة أكبر، والنتيجة المنطقية هي: وفاة هذا الجناح/ الحزب إكلينيكيًا، فلا النظام يدعمه ولا الحركة الأم تعترف به.

 

العلاقة بباقي مكونات الحركة الإسلامية:

لن تنسى مكونات الحركة الإسلامية –اليمينية في أغلبها– أن السلفية">الدعوة السلفية اتخذت جانب النظام في لحظة صراع مع حركة إسلامية حاكمة، مهما كانت المبررات السياسية التي يسوقها الدعوة وحزب النور، لسبب بسيط للغاية، وهو غلبة منطق الفتوى داخل كافة جوانب الحركة الإسلامية عمومًا.

 

من الصعب أن تراهن السلفية">الدعوة السلفية على حواضن تنظيمية جديدة من الداخل السلفي، أو من أعضاء الإخوان المسلمين المشوشين التائهين تنظيميًا وفكريًا، ولن تجد أطروحاتها البدائية صدى يُذكر مع معتنقي السلفية الجهادية. وبالتالي فإن معينها التنظيمي الداخلي وحواضنها الخارجية المحتملة قد نضبت.

 

العلاقة بقوى المجتمع المدني الأخرى:

تعادى السلفية">الدعوة السلفية نصف المجتمع مبدئيًا، فإيمانها بأنه لا ولاية إلا لمسلم ذكر، استبعد كل التنظيمات المدنية الأخرى من خريطة ائتلافاتها أو تحالفاتها التكتيكية أو الدائمة، فلن تجد من المعارضة في اليمين أو اليسار داعمًا، ولا من أحزاب النظام حليفًا، ناهيك أنها ترى نفسها أقوى تنظيميًا من كل هذه الكيانات الهشة في الأساس، إنها علاقة لم تبدأ لتتطور… وأظنها لن تبدأ.

 

*المصدر: مؤسسة ذات مصر 

أخبار ذات صلة

مقدمة

مثّل الربيع العربي عامل تحفيز كبير داخل أروقة الأكاديميا المزيد

يخوض حزب النور انتخابات مجلس الشيوخ علي مقاعد الفردي بـ 16 مرشحاً في 9 محافظات هي الإسكندرية، والبحيرة، ومرسي مطر ... المزيد