البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

كيف نصلح الخلل الواقع في حياة الأمة المسلمة ؟!

المحتوي الرئيسي


كيف نصلح الخلل الواقع في حياة الأمة المسلمة ؟!
  • د.صفاء الضوِّي العدوي
    30/01/2019 02:37

أَبِيتُ – والله – مهموماً بأمر أمتي ، أُقَلب النظر في أحوالها ، وأطيل التأمل في ماضيها وحاضرها ، وأستشرف من مستقبلها تارةً أياماً بيضاء تُنعش الأمل الراكد في نفسي وتُحْييه ، وتارة أياماً سوداء تصيبني بالرعب معالمُها ، وأحداثُها المتوقعة .

ولقد أجَلتُ خاطري في الماضي القريب ، وتوقفت عند منعطف حاد في تاريخنا .. هناك ، عند انتصار المسلمين على الغرب الصليبي ، ودحره في كل المعارك ، ورده خاسراً على أعقابه ، وعودة الصليبيين إلى بلادهم منهزمين يلعقون جراحهم.

فماذا كان ؟! هل هدّهم اليأس ، وأقعدهم الإحباط مثلما أفسدتنا نشوة النصر ، فلهوْنا ، وغَشِيتْنا من الغفلة غاشية ثقيلة ؟ كلا . .

يحدثنا التاريخ أن المجتمعات النصرانية قامت آنذاك فتكاتفت تكاتفاً متيناً ؛ الشعب والملوك والرهبان ، وانطلقوا جميعاً في مسيرة واحدة ، يداً واحدة ، كلٌ في مجال ما يُحْسن ، واختاروا وسيلة جديدة لقهر الأمة المسلمة وتمزيقها ، وبدأ العمل لذلك بجد وتصميم وحماس ، وتزامَن هذا النهوض الكبير من قِبل أوروبا الصليبية مع انكسار الأمة المسلمة وهبوطها .

لم تكن معركتهم معنا هذه المرة بالسلاح .. بل كانت بوسائل جديدة، بعدما فشلوا معنا في ميدان القتال والسلاح .

كان سلاحهم الجديد هو اختراق الأمة المسلمة ، وتمزيقها من الداخل بأيدي بعض أبنائها ، ووضعوا خطتهم التي اشتملت على إرسال الوفود الواعية المتحمسة ، لرصد كل أحوالنا ، ومراقبة كافة أمورنا ، وكتابة التقارير الدقيقة عن كل شيء ، وكان من أهم ما رصدوه وراقبوه دور العلماء المخلصين في محاولة إيقاظ الأمة وتبصيرهم بما يحدق بنا من أخطار ، ثم ما كان من تجاوب المسلمين وطلبة العلم لذلك .

وكان من مهامهم الأساسية أيضاً في ديار المسلمين البحث والتنقيب عن كتب المسلمين التي حوت علومهم وسجلت تقدمهم في كل مجال من مجالات العلوم ، سواء كانت علوم الشريعة الإسلامية أو العلوم التجريبية في الطب والكيمياء والفلك والصناعات وغيرها ، فنهبوا كل ما وقعت عليه أيديهم من الكتب والمخطوطات ، ونقلوا هذه النفائس إلى بلادهم ، وعكفوا على دراستها ، بجد ومثابرة .

وعُرفت هذه المجموعات الجوّالة بالمستشرقين ، وكانوا أحد الأجنحة الهامة للغزو الجديد للعالم الإسلامي .

وراح هؤلاء يجوبون ديار الإسلام ، يؤدون عملهم هذا في هدوء وإتقان وأمان ، والمسلمون يرونهم دون أن يفطنوا إلى كيدهم ومكرهم ، ونفذوا فينا كما تنفذ سكين القاتل إلى سويداء القلب .

وعلى إثر هذه التقارير ، اتخذ الغرب قرارهم بانتقاء مئات من أبناء المسلمين لابتعاثهم إلى بلاد الغرب بوهم الدراسة ، بيد أن الهدف كان غير ذلك ، فلم يكن هدف الابتعاث سوى إعداد طلائع مثقفة بعض الثقافة الغربية ، مفتونة بكل ما هو غربي ، كارهة لكل ما يمت بصلة بدين الأمة وأخلاقها وتاريخها ، ولما اطمأنوا إلى أنهم صاروا "جاهزين" أرسلوهم على بلدانهم كما يرسل الجراد على الزرع فيأتي عليه ، وصبّوهم على أمتهم كما تُصَبّ اللعنات . فعاثوا فينا فساداً ، وأقامهم أسيادهم المستعمرون فينا مقام الأساتذة الموجهين ، والعباقرة والمفكرين ، وتبوؤا المناصب العالية ، فكانوا قادةَ الأمة في الفكر والصحافة والسياسة ، وتعاونوا جميعاً ، في دعم ما حَملوا من أفكار ، وما حُمِّلوا من مهام .

واستحكمت غفلة المسلمين فتلقفوا هذه السموم الوافدة ، وابتلعوها كما تبتلع السمكة " الطُّعم " .

وهكذا كان حرص الغرب الصليبي على تنويم المسلمين ، وقطع صلتهم بدينهم وعلمائهم ، وكان سبيلهم إلى ذلك إفساد الناس بالشبهات والشهوات ، وساعدهم على ذلك تلاميذهم وعملاؤهم من بني جلدتنا من الساسة والمثقفين.

تلك هي جذور قضيتنا ، وأُسّ بلائنا ، وأصل حكايتنا .

وكما يُشَخص الطبيب حالة المريض ، ويقف على أسباب علته ، ويصف الدواء ، نحاول أن نشخص حالة الأمة ، بعدما وقفنا على جانب من أسباب علتها .

 

فمن خلال نظرة فاحصة على شعوبنا المسلمة نجدها الآن – في معظمها – شعوباً مخَدَّرة بالجهل ، وحب الدنيا ، والانشغال بالشهوات ، وقد وهن أمر الدين في نفوس أكثر الناس ، وأصبحت تنظر إلى كل شيء من خلال الدنيا ومعانيها وفتنتها وزخرفها ، ولم تعد تبصر وراء ذلك شيئاً ، ففقدت الرؤيا السليمة ، حين أعرضت عن أمر دينها وآخرتها ، فعاقبها الله سبحانه بأن أفسد عليها دنياها ، فلا تستمتع بشيء منها إلا وهي خائفة ذليلة.

كما رخصت عندها الكرامة ، وسهلت عليها المهانة ، فأفقدتها هذه الصفات الدخيلة الإحساس ، وجعلتها تربة مناسبة ينبت فيها القهر والاستبداد ، ويعشش فيها الظلم والفساد .

وتذكرني هذه المعاني بقصة وقعت لأخ من الدعاة في إحدى البلاد العربية الغنية ، كان هذا الأخ يقف في "طابور" يقدم أوراقه لاستخراج بطاقة صحية ، وكان عدد المتقدمين كبيراً ، وكانت عملية فحص الأوراق تتم ببطء شديد ، فتكلم رجل من رعايا إحدى الدول الإسلامية الآسيوية ، محتجاً على انشغال الموظف – وهو وافد أيضاً من إحدى الدول العربية – بأوراق رجل تجاوز دوره في الطابور ، فزجر الموظف هذا الرجل المحتجّ ، فصعّد الرجل من احتجاجه ، فخرج الموظف من وراء الحاجز ، ودفع هذا الرجل دفعة شديدة ، فأمسك الرجل بيدي الموظف مدافعاً عن نفسه ، فقام ذاك الموظف المفتون بصفعه صفعة شديدة على وجهه سقط على إثرها ذلك الرجل المسلم البسيط على الأرض ، فانتفض ذلك الأخ الداعية ، واندفع ثائراً ، وظل ينادي في الناس ويصيح مندداُ بهذا الظلم ، ويخاطب ذلك الموظف بانفعال وغضب ، إنك ظالم ، أين تحسب نفسك ؟ ، وأين نحن ؟ ، هل نحن في "لاظوغلي " أو في السجن الحربي حتى تضرب هذا الإنسان المسلم بهذه الطريقة المهينة ؟! ، أيها الناس : هذا حرام . لكن أحداً من الناس لم يتحرك ، ولم يساند هذا الأخَ الثائر أحدٌ ، بل حافظ كل واحد على مكانه في الطابور ، وراح هذا الأخ الداعية يواسي الرجل المضروب ، ويحثه على أن يرفع ضد هذا الظالم شكوى إلى الشرطة ، ويؤكد له أنه سيذهب معه إلى المحكمة أو إلى أي مكان ليأخذ حقه .

 

وبينما كان الأخ الداعية مذهولاً بتداعيات ذلك الموقف المؤسف ، تقدم موظف آخر زميل ذلك الظالم ، وربّت على كتف المظلوم ، وتناول منه أوراقه ، وسحبه برفق فانسحب معه ، ودخل المكتب ، وجاء موظف آخر ، وتقدم من أخينا الثائر ، ومد يده ليتناول منه أوراقه ليخلص له معاملته ، فرفض الأخ ، وقال له : لماذا تأخذ أوراقي ؟! إن أمامي أربعة أشخاص ، وسأقدم أوراقي في دوري ، ورفض أن يشتروا سكوته بإنهاء معاملته قبل غيره .

ثم بعد قليل خرج الرجل المظلوم ، وقد انتهت معاملته ، ومرّ بجوار الطابور وهو يبتسم لهذا الانتصار ، لقد انتهت أوراقه ، ومضى لحاله ، وبقي الأخ الغاضب لأجل إهانة أخيه المسلم ، وحده ، ليس معه أحد في هذه القضية ، ولا حتى صاحب القضية

تلك هي القصة أذكرها ، فأذكر مأساتنا مع شعوبنا ؛ هذه الشعوب التي صُفِعت ، ورُكِلت ، وأهينت ، وسُلب منها كل شيء ، فما أبقى لها الطغاة ديناً ولا دنيا .

وماذا أيضاً ؟

حرّك الإيمان قلوب بعض المسلمين ، فاستشعروا مسؤليتهم تجاه أمتهم ، فقاموا يوقظون إخوانهم ، ويطالبون بالعدل ، فانقض الظالمون من الحكام على هؤلاء المصلحين ، فسفحوا بكل وحشية دماءهم ، ووقفت الشعوب تتفرّج على هذا "الفيلم" المرعب في برود وهدوء حيث كان الأمر لا يعنيها .

ومع أن هؤلاء الحكام لم يخصوا الدعاة والصالحين ببطشهم وجورهم ، بل ساموا الغافلين من أهل الدنيا سوء العذاب ، ونكدوا عليهم عيشهم ، إلا أن هذه الشعوب ظلت تهتف لجلاديها : بالروح بالدم نفديك يا فلان ، و" أنت القائد ديمة ديمة.. " ، إلى غير ذلك من ألوان البلاهة والذل ، وما أكثرها في شعوبنا .

هذا عن الشعوب فماذا عن الحكام ؟ !

لقد كانوا في معظمهم – وياللحسرة – خدماً مخلصين لأعداء الأمة ، باعوا كل شيء ، الدين ، وعزة الأوطان ، وأحلوا قومهم دار البوار ، فعلوا ذلك أحياناً عن جهل وفساد ، وكثيراً عن نذالة وخيانة .

لقد أفسحوا المجال لكل فاسد ليفسد ، وشجعوه ، وأعلوا شأنه ، وكبلوا العلماء والدعاة والصالحين ، ودوّخوهم ، ونكّلوا بهم قتلاً وسجناً وتضييقاً ، حتى باض الكفر والشر في ديار المسلمين وفرّخ ، وبعد أن كان الشر شرارة صغيرة يسهل إطفاؤها ، أضحت حريقاً هائلاً يصعب محاصرته .

وكان من أعوان الحكام الفاسدين علماء فاسدون ، عاطلون ، شاركوا في الهدم ، وأعانوا على الباطل ، وخذلوا الصالحين من العلماء والدعاة ، وخانوا أمتهم ، ولم يحفظوا للدين حرمة ولا للعلم عهداً ، وهم الذين عرفوا بعلماء السلطة ، وقد سجل التاريخ أسماءهم في أسود صفحاته .

والشيء بالشيء يذكر ، فهذا الأزهر ، ماذا كان منه ؟!

ففي الوقت الذي كانت أنظار الأمة تتلفت إلى الأزهر ، متوقعة من علمائه وطلابه قَومة شجاعة أبيّة، وانتفاضة واسعة قوية ، يعلنون فيها استنكارهم لكل ما تعجّ به حياتنا من المنكرات والانحرافات والخيانات ، انتفاضة يخاطبون بها الأمة مؤكدين أنهم قادة أمناء ، ورقباء أوفياء ، وحراس أمناء على عقيدة الأمة وشريعتها وأخلاقها ، وأنهم على علم وإدراك لما يجري من مخططات أثيمة تهدف إلى تمزيق أمة الإسلام لتكون فريسة سهلة لأعداء الله من اليهود والنصارى ، في الوقت الذي ننتظر فيه كل هذا ، لا يأتينا من قِبل الأزهر حسٌّ ولا خبر كأنه غير موجود ، ولا يُطِلّ علينا من المنتسبين إليه في الغالب إلا من يزداد بهم بلاؤنا بلاءً .

ألا إنها أغلال شديدة لابد أن تفك . ومعادلة صعبة من اللازم أن تُحَلّ.

شعوب مستغرقة في غفوتها ، وحكام ناهضة بالهدم على قدم وساق ، وعلماء ودعاة يرزحون تحت نير الظلم والقهر ، وعدو قوي ماكر حاقد يدوس كرامتنا ، وينهب ثرواتنا ، ويسلط حكامنا على صالحينا ، ويلتمس قهرنا وذلنا بكل وسيلة ، ويُغرق بلادنا بدنسه وفحشه وباطله ليقطع صلتنا بديننا ، ويجتثّ الشجرة التي نستمدّ منها الحماسة والثبات .

فماذا نعمل ؟ يالها من معضلة ، ليس لها من دون الله كاشفة .

ورغم كل هذا التفريط الذي اقترفته الأمة ، فجنت بسببه ما أشرنا إليه من العلقم ، إلا أن رحمة الله التي وسعت كل شيء تداركتنا ، فإذا بجموع غفيرة من الشباب الطيب يتنبهون ، فتتحرك الدعوة إلى الله في كل أصقاع الأرض ، في عودة صادقة مبصرة إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويتدفق الإيمان مرة أخرى إلى عروق الأمة فيحييها ، ويعود الأمل .

وعلى الرغم من كل الضربات التي تعرضت لها هذه الصحوة المباركة إلا أنها لا تزال قوية صبورة ماضية بالدعوة إلى الله ، هادفة لإيقاظ الأمة كلها ، والعودة بها إلى رحاب الإيمان والعمل الصالح ، وهي بإذن الله تعالى محروسة بعنايته وحفظه على قدر ما في نفوس أبنائها من صدق وثبات .

ألا فلتنهض الهمم ، ولنتحرك بعزم لنوصل الدعوة إلى الكتاب والسنة إلى أبنائنا من شباب الأمة ، لننقذهم من أيدي المفسدين ، والسباق بيننا وبين الأشرار على أشده ، وإذا كانت شياطين الإنس والجن لهم ظهيراً ، فإن مولانا وناصرنا هو رب الأرض والسماء ، ونعم المولى ونعم النصير

 

أخبار ذات صلة

أولا ركز يا ولدي جيدا في أعظم مشروع في حياتك ولتعجل فيه قدر استطاعتك؛ وستاتي زوجتك بأبواب من الرزق لا يمكن تخيلها

ثانيا قب ... المزيد

أطلقت مجموعة متحدثة باسم الإخوان المسلمين مبادرة سياسية لمن أسمتهم "رفقاء الثورة" ، خلاصتها الدعوة لتشكيل هيئة تأسيسية وطنية في الخارج ، مكونة ... المزيد

لم يكن ابن تيمية يبدع التصوف في نفسه ولكن كان يبدع الممارسات والفلسفات الخاطئة التي تسربت للتصوف ،وكان معظما لآئمة التصوف السني وكان ابن القيم رحمه ... المزيد

"الداعية" الإخواني وجدي غنيم (مواليد 1952).. شخصية قد تكون مُثيرة للجدل، ولكنها أيضًا تُثير التساؤلات أكثر من الجدل.

غني ... المزيد