البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

كيف عبرنا محنة السجون ؟

المحتوي الرئيسي


عبود الزمر قيادي كبير في الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية في مصر عبود الزمر قيادي كبير في الجماعة الإسلامية وحزب البناء والتنمية في مصر
  • عبود الزمر
    30/11/2015 09:39

السجن ابتلاء من الله عز وجل قد يكون عقوبة , وقد يكون لرفع الدرجة, وعندما ينظر السجين إلى نفسه ينبغي أن يكون ذلك في إطار إساءة الظن بنفسه , بمعنى أنه يُرجع ما هو فيه إلى ذنوبه وتقصيره في جنب الله , أما إذا نظر إلى حاله فظن أنه كابتلاء الأنبياء لرفع الدرجات وجني الحسنات فهو على خطر عظيم , إذ أنه لن يستفيد من تجربته ولن يتعلم من دروس الحياة , فهو كما هو يعيش في الأوهام ولا يصحو من الأحلام , 
 
وقد يشعر السجين أنه لم يرتكب جرماً مباشراً يستحق العقوبة التي نالها , لكونه لم يفتش في ماضيه فالعقوبة الإلهية ربما تكون مؤجلة , فالباغي مثلاً في بداية حياته قد ينسى ما جنته يداه , ولكن الله أمهله ليتوب ويرد الحقوق إلى أهلها , فلما لم يصنع سلط الله عليه من يعاقبه بعد حين فسبحان الملك العدل , 
 
ولقد عشنا محنة السجون في مطلع الثمانينيات ونحن في حالة تدبر لما كنا عليه ومراجعة لما صنعناه , فبالرغم من حسن النوايا فهي لا تشفع لنا تعجل قطف الثمرة قبل النضج أو الحركة قبل تمام الاستعداد , ولكننا في النهاية رضينا بما قسم الله لنا فكان في الرضا راحة نفسية جعلتنا نرتب أحوالنا كي نستفيد من وقتنا.. 
 
ومضت بنا الأيام فتعلم منا في مراحل التعليم المختلفة كثيرون وصل بعضهم إلى درجة الماجستير والدكتوراة , واكتفى آخرون بمطالعة ما يفيده , كما وحفظ الغالبية القرآن الكريم , وكثيراً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . 
 
ولقد كان من بين الأمور التي ساعدت على تجاوز المحنة التعاون فيما بينهم كفريق واحد بالرغم من بعض الخلافات الفكرية إلا أن وجود نظام عام موحد جعل الكلمة واحدة فتخطينا العقبات واجتزنا المحن بوحدة الصف والتآزر فيما بيننا , كما أن التكافل بين الجميع كان سمة مميزة لمجموعتنا فكنا نأكل سوياً , فطعام الزيارات يوزع على الجميع فبرز الإيثار واختفت الأثرة , وازدادت نعم الله علينا بالشكر , 
 
كما أن الذي ساهم في تجاوز المحنة الانشغال بالدروس العلمية التي كان البعض يلقيها علينا فنتعلم منهم , ونجتهد في أن نعمل بما تعلمناه فزادت الثقافة وسمت القلوب بالتربية ونضجت العقول بالتوعية , 
 
ومما حافظ على سلامة موقفنا الداخلي مبدأ المساواة بين الجميع في الحقوق , فلم نكن نسمح بظلم أحد لأخيه بل كنا ننصف المظلوم ونصلح بين المتخاصمين ونرد الحقوق إلى أهلها , ولقد ساعد على ذلك أن القيادات التاريخية كانت أول من ينصف من نفسه ويعترف بخطئه ويعتذر عما بدر منه فترك ذلك أثراً حسناً في نفوس الجميع , 
 
ومما كان له أكبر الأثر في عبور المحنة التحلي بالصبر {استعينوا بالصبر والصلاة} وكنا نواسي بعضنا بعضا ونبشر بقرب الفرج من خلال بعض الرؤى التي كان يراها إخواننا , فكان ذلك يسري عنا ويعطينا الأمل المتجدد , 
 
وكنا نتريض ونروّح عن أنفسنا بالأيام الرياضية وبعض الفقرات الترفيهية التي كان يروي فيها بعض إخواننا المواقف الطريفة التي حدثت له في حياته , كما أننا تركنا الحديث في مواضع الخلاف , واجتمعنا على أعمال الخير مثل الصيام والقيام والدعاء فكان لذلك الأثر الكبير في التماسك والتحاب في الله , ولقد تركنا كثرة العتاب التي تورث البغضاء ولكن بقي التناصح بيننا مع الرفق بالمخطئ والمسيئ وفتح الطريق أمامه ليصلح من شأنه , كما كنا نرأف بالحيوان الأليف {القطط} فكان بعضنا يقوم على رعايتهم {في كل كبد رطبة أجر} . 
 
لقد كانت المحنة صعبة بلا شك ولكنها كانت مفيدة بعدد تلك الليالي التي قضاها المسجون خلف القضبان مادام يستثمر وقته ويناجي ربه , ويراجع نفسه , ويتعلم من أخيه خبرة جديدة , أو فكرة سديدة ولكن السهل ما جعله الله سهلا , فبقي الأمل في القلوب منيرا وفي العقول مستقراً حتى جاء الفرج للواحد تلو الآخر وللجمع بعد الجمع وتنفسنا نسيم الحرية وكل منا يحمل بين جنبيه تجربة مفيدة بلا شك . 
والله المستعان
 
2
 
تناولت في مقالي السابق الوضع الداخلي في السجون وكيف عالجنا محنتنا بالطريقة التي وفقنا الله تعالى إلى عبورها بسلام , ولكن في مقالي هذا أستكمل جانباً هاماً لا يقل عن دور المسجون خلف الأسوار , ألا وهو دور المرأة في دعم المعتقلين ومساندتهم , فلقد كانت الأمهات والزوجات والأخوات على المستوى اللائق بالمرأة المسلمة التي تضحي من أجل سعادة أسرتها , إذ تحملت عبئاً كبيراً في توفير احتياجاتنا وتضميد جراحاتنا , ورفع روحنا المعنوية , بل وكانت تمثل النافذة الخارجية التي نتابع من خلالها أحوال أسرنا وأقاربنا , كما ونقلت مطالبنا القانونية إلى جهات الاختصاص كالشكاوى للنائب العام أو مصلحة السجون.
 
كما نثمن دور فريق المحامين الداعم لنا الذي تولى رفع القضايا المختلفة لفتح الزيارات المغلقة في بعض الأحيان , وإلغاء زيارة السلك , والسماح لنا بوسائل الأعلام من الكتب والصحف والمجلات والمذياع , وأداء صلاة الجمعة , ووقف أحكام الجلد بل وإلغائها من لائحة السجون , كما رفعوا عدة قضايا حتى سمحوا لبعض إخواننا بأداء الامتحانات بالجامعات , والتسجيل في الدراسات العليا لنيل درجة الماجستير والدكتوراة , وكانت هذه الكوكبة من المحامين تتحرك لخدمة قضايا الحريات وحقوق الإنسان ورفع المظالم وتطبيق القانون المعطل وراء الأسوار .
 
كما لا يمكن أن ننسى الأثر الفعال لبعض الأقلام الحرة التي كتبت عن محنة السجون في وقت عصيب , كما نظمت نقابة المحامين عدة مؤتمرات لنصرة المظلومين في السجون كان لها الأثر الكبير في رفع الروح المعنوية , وبالرغم من أن نظام مبارك أراد أن يشعرنا بالإحباط ويرسل إلينا رسائل سلبية مفادها أن الاعتقالات مفتوحة وأننا سنخرج على نقالات إلى المقابر إلا أن أملنا في الله لم ينقطع وثقتنا في فرجه كانت أكيدة . 
 
فعلى كل من ابتلاه ربه بمحنة السجن أن يسترشد بخبرة من سبقوه فعسى الله أن يحط عنه خطاياه أو أن يرفع درجاته , فكل ما يصيب المؤمن خير له , فهو ما بين صابر وشاكر . 
 
وأخيراً فإن المحن تصقل الرجال وتقوي العزائم وتكسب الخبرات وتجلو القلب من رانه , وتفتح الآفاق أمام رؤية جديدة بعيون مبصرة , وعقول مستنيرة , هذا وليتق الجميع ربه فقد انصرم من العمر أكثره , ولم يبق إلا القليل , فليس هناك متسع من الوقت , بل ينبغي الاستقامة على أمر الله فوراً , وهجر المعاصي , وترك التنازع , والانشغال بجمع الحسنات , والتعاون على البر والتقوى . 
 
والله المستعان.    

أخبار ذات صلة

يرى قطب -غفر الله له- أن الأحكام الفقهية، خاصة المتعلقة بتنظيم المجتمع الإسلامي، لم تنزل في فراغ، وإنما جاءت لتنظيم الحركة داخل هذا المجتمع ا ... المزيد

لم يعد التباين بين أجندتي الأزهر والحكومة خافياً بعد حفل المولد النبوي !

فحيث يعطي النظام أولوية لمحاربة التطرف "الديني ... المزيد

فرض النظام السوري القمعى ومجموعات إرهابية موالية لإيران، منذ أسبوع، رفع الآذان على المذهب الشيعي، بمناطق سي ... المزيد

تعليقات