البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

كيف يطرح موضوع تغير الحال وقلة العلم وفساد الناس؟

المحتوي الرئيسي


كيف يطرح موضوع تغير الحال وقلة العلم وفساد الناس؟
  • أبو قتادة الفلسطينى
    02/10/2019 11:09

لا يخلو كلام عالم من علمائنا، مهتم بشأن أمته والدعوة لإصلاحها، من الشكوى من زمانه. وهذا أمر يكاد يتواتر في الخطاب؛ لأنه حقيقة قدرية، فكل زمان يأتي أقل في الخير من زمانه المتقدم، وهذا في العموم وليس في الأشخاص، إلا ما تعلق بأفراد الصحابة رضي الله عنهم.

                        

وحضور هذا المعنى في قلوب هؤلاء المصلحين يكون لمعان، منها:

⁃ دعوة للصبر والتحمل؛ فمن عرف هذا القدر السنني لم يكثر التألم على معنى الجزع، بل يصبر ويتحمل، لأنه يعلم الحال، فلا يضطرب، ولا يفاجأ بعجائب ما يأتي الناس فيه من غرائب ومصائب.

ومنشأ هذا الصبر وترك الجزع هو علمه ببعد الحال والزمان عن زمن النبوة والراشدين، فالعلم يقل، والفهم كذلك، والنسيان يحل ويطرأ.

ومن حضرت هذه المعاني في قلبه صبر وثبت، فإن توقع الشيء من العبد لا يتعبه ما لو حضر، وإنما يتعبه أن يرجو الشيء فيأتي ضده.

ولهذا بشر رسول الله صلى الله عبيه وسلم الغرباء في الغربة الثانية؛ وذلك ليحصل لهم التستعداد، وليصبروا رجاء الآجر.

وهكذا قال أنس رضي الله عنه، لما شكى الناس له الحجاج، فصبرهم بتغير الحال كلما طال الزمان عن زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والراشدين.

 

⁃ إعذار الناس، وعدم تكليفهم ما يقدر عليه بنفسه مستقلاً؛ فمعرفة حال الناس، وعلمهم، وفهمهم، مهم للداعي إلى الله تعالى، وذلك ليعذرهم، ويرحمهم، ويحملهم ما يعلم قدرتهم عليه.

وبعض الناس لجهله بهذا الأمر يكلف الناس ما لا يطيقون، ولا هو من علمهم وفهمهم، ولذلك تجد أهل العلم يضطرون لأمور لو استقلت بلا ظروفها الخاصة لما قالوها، كطلب بعض أهل العلم من تلاميذهم تعلم مذهب بلدته، وهو على خلاف هذا المذهب، وذلك ليقع النفع لهذه البلدة، وهذا كالدواء، ولو لم يوجد المرض لنصح بالغذاء، وفرق بين معالجة مريض بدواء، وإطعام سليم بغذاء، ومن لم يفرق بينهما في كلام أهل العلم أفسد وفسد عليه نصحه وفهمه.

 

وكلام أهل العلم في الإعذار بحسب الناس ومراتبهم أكثر من أن يحصى، ولذلك يقبل من الناس في حال ما لا يقبل في حال آخر.

 

⁃ يقال هذا لتحقيق معانٍ إيمانية منصوص عليها في الآثار؛ وذلك لمعرفة فضل السابقين، علماً وعملاً، للالتزام بنهجهم، وذلك مهم لدين المرء، فجهل المرء بمراتب السابقين يؤدي لمفاسد، كلها تصدر من الغرور والجهل، فهو معظم لما هو عليه غروراً، مسقط لما عليه السلف جهلاً وظلماً، فكل ظن أنه أتى بما لم يأت به الأوائل يدخله في البدعة والضلالة، ويفقده مظان الجواهر والحكم، ويبعده عن تأمل الحق والعلم.

العلم يبدأ في كل زمان بعد عصر النبوة والراشدين بتعلم طرق السابقين، والتزام غرزهم، وكلما ارتقى المرء في الأخذ صفى علمه، وكثر خيره، واهتدى ورشد، وكلما نزل في الأخذ دخله الزوان والغلط، وإن كان كل زمان يصلح درجة للارتقاء إلى زمان أعلى منه، فالوصول للقمة يحتاج إلى بناء ترتقيه درجة درجة، فلا تسب زمناً مضى، ولا تسقط درجة ارتقيت عليها لتصل إلى ما هو أعلى منها، حتى لو كان فيها بعض الغلط، فهذا شأن كل زمان بعد عصر النبوة والراشدين.

 

هذا بعض ما ينتفع به المرء مدركاً فساد زمانه، وتغيره عن عهد الصالحين السابقين، ومع ذلك ففي كل زمن سابقون، بهم تقع الحجة، وتتحقق بهم خيرية الأمة، ففي الحديث: (في كل عهد سابقون).

 

وأما المعاني الباطلة التي تتخذ من تغير الزمن وفساد الناس؛ فكثيرة، منها:

⁃ جعل هذا حجة لغشيان الباطل، واقتراف السوء؛ وهذا كثير في الناس، فحين تذكرهم بسيرة السلف وصلاحهم يصرخون: زماننا لا يحتمل هذا! وذلك على معنى تسويغ الشر، وائتلافه، حتى يصبح ديناً يتبع، فبدل أن يكون ذكر السلف طريقاً للتوبة، وسبيلاً لإكثار الخير، واتهام النفس، والاعتراف بالتقصير يصبح سبيلاً لاستمراء الباطل، وتمريره وقبوله.

 

بقاء صورة السلف في أذهاننا ضرورة دينية، وسقوطها يعني سقوط المثال، ونزول رتبة الاتباع، ولو حصل هذا لدخل في دين الله ما ليس منه، ولصارت البدعة سنة، والفساد صلاحاً، والغلط صواباً، وهذا شر عظيم يوجب عذاب الله، وسقوط مرتبة الخيرية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

فأي تسويغ للباطل بحجة تغير الزمان غير جائز بل هو الضلالة، وهناك فرق بين إعذار الناس بسبب حالهم، وبين تسويغ الفعل الباطل؛ فكما قال الإمام أحمد رحمه الله: المنكر منكر، والضعيف يحتاج إليه في وقت. فالباطل لا يصبح حقاً أبداً، ولكن نحتاج الناس وهم مقصرون أو مذنبون، ونقبل منهم ما يأتون من حق، رجاء صعودهم لحق آخر جهلوه أو عادوه.

ولذلك فتغير الناس لا يمنع الدعوة للحق المفقود، والنهي عن الباطل الموجود، بل حصول ذلك يزيد مرتبة الوجوب في حق العالم، وإن كان البناء يحتاج إلى حكمة وترقي وتدرج.

 

⁃ يستخدم تغير الزمان سبيلاً لقبول الباطل، وإقراره؛ وذلك بأن ما يلائم الناس هو سياسة جديدة، وهذا ما أشار إليه ابن القيم رحمه الله تعالى في "إعلام الموقعين" حين ندد بافتراق السياسة عن الشريعة، وذلك لانتشار هذا المعنى في زمانه، بل وقبل زمانه، فصار هناك شريعة للسياسيين، يتخذونها من جهة أنفسهم، وشريعة ربانية، يرونها في حقيقة الأمر قاصرة عن بلوغ حالة الناس صلاحا وفساداً، وهذا باطل.

وهذا المعنى موجود في عقول قادة الجماعات الإسلامية على معنى ما؛ حيث يرون مقالات المشايخ والمفتين لا تصلح لحالهم، فيحدثون سياسات خاصة بهم، يلبسونها لباس الحكمة، ويتهمون الدعاة والعلماء بعدم فهمهم سياسة الخلق.

وهذا وإن كان موجوداً في بعض حفظة المتون، لكن يعلم كل مراقب أن عقل الناظر للسنة، والتفسير، وقارئ القرآن أهدى كثيراً منن لم يهتدِ بهذا، بل إن ضلال الناظر لتراجم الغرب، وسير ملوكهم، وحكمتهم المزعومة أكثر بكثير من أخطاء الرجل المهتدي بالكتاب والسنة وتاريخ هذه الأمة.

وما فساد الجماعات الإسلامية في زماننا إلا لتولي دارسي القوانين الطاغوتية في كليات الحقوق، ومثلهم دارسي السياسة والدبلوماسية، ومن تأمل تاريخنا علم هذا الشر.

 

ومن أعجب ما تراه هو كره القادة للشرعيين الملتزمين بالكتاب والسنة. وأما أخدانهم وأصفياؤهم؛ فهم السياسيون والحقوقيون، ومن أتقن فن لي اللسان!!.

 

وللحديث بقية إن شاء الله.

 

أخبار ذات صلة

إن فكرة الاجتراء على العلماء ليست جديدة، وإن كان الجديد فيها الآن اتساعها وكثافتها، فلقد كان في الماضي سابون، وبعض ذوي الألسنة الحادة - حتى بين العلماء ... المزيد

يبدو أن (حرب الفضائح) التي شهدت مؤخرا سباقا غير مسبوق .. بدأت تخرج عن نطاقها المحلي لتشتعل على المستوى الإقليمي ثم العالمي..وليتحول (خريف السقوط) لهذا العا ... المزيد

فمع هذه الحالة من الضعف و عدم الجاهزية ، لا يُشْرَع للإسلاميين لا الثورة المُسَلَّحة و لا حتى السِلْمِية ، فتكلفتها غير محتمله و عواقبها وخيمة .. و صَلِّ ... المزيد

مما ينكر من التشديد أن يكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير دار الإسلام وبلاده الأصلية، أو مع قوم حديثي عهد بإسلام، أو حديثي عهد بتوبة.

المزيد