البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

كلمة الحق عندهم أغلى من حياتهم (10)

المحتوي الرئيسي


كلمة الحق عندهم أغلى من حياتهم (10)
  • د. محمد علي دبور
    03/10/2016 05:45

إبراهيم بن ميمون الصائغ كنيته أبو إسحاق من أهل مرو، يروي عن عطاء بن أبي رباح ونافع، وروى عنه حسان بن إبراهيم وداود بن أبي الفرات وأهل بلده، وكان فقيهًا فاضلاًً من الأمارين بالمعروف، وما أجمل ما حلاَّه به صاحب الطبقات السنية في تراجم الحنفية، حيث قال عنه: وبالجملة، فقد كان إبراهيم من العلماء العاملين الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، الذابين عن محارم الله، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم.

إنه الفقيه المجاهد الذي أبى أن يكتم كلمة الحق حين رأى الحقوق تنتهك والدماء تسفك والخوف والعجز يكتسحان القلوب والنفوس، وأصر على أن يكون المؤمن القوي، وأن يجاهد بالمجاهرة بتلك الكلمة في وجه السلطان الجائر رغم إدراكه أن ما سيدفعه من ثمن سيكون غاليًا، فالعقاب الذي عليه أن ينتظره نتيجة لتجرؤه وإصراره على المجاهرة بالحق هو القتل لا محالة، لكنَّ النفوس الأبية التي تذوقت قيم الإيمان وما تحمله من رفض للظلم وكره للظالمين ترى ضآلة التضحية بالحياة في سبيل إعلاء كلمة الحق والدفاع عن الضعفاء والمظلومين.

كان هذا الفقيه العظيم الشجاع صديقًا لأبي مسلم الخراساني القائم بدعوة بني العباس، وكان أبو مسلم هذا قد استغل اشتياق الأمة وعلمائها إلى العدل الذي جاء به الإسلام ودعا إلى نشره، فوعد بتحقيقه وبتخليص الأمة من كل ما تعانيه من ظلم كان قد برز بشكل كبير في أواخر العصر الأموي من بعد أن تولى الخلافة من لا يستحقها، ومن بعد أن برز الشقاق والتناحر داخل البيت الأموي الحاكم، وكانت هذه الوعود هي وسيلة أبي مسلم لجذب العلماء والتقاة إلى دعوته، ومن هؤلاء كان إبراهيم بن ميمون الصائغ، فقد كان هو ومحمد بن ثابت العبدي صديقين لأبي مسلم الداعية بخراسان يجلسان إليه ويسمعان كلامه.

وروي أن أبا مسلم وعده القيامَ بالحق، والذب عن الحرم أيام دولة بني أُمية، لكن أبا مسلم لم يوفِّ بوعده وأظهرت الأيام ـ بعد تمكنه ـ ما يحمله في نفسه من عتو وتكبر وتجبر وطغيان حتى إن المؤرخين يرون فيه مثالاً صارخًا للطاغية المتجبر الذي يستهين أيما استهانة بسفك الدماء وإزهاق الأرواح، يقول الإمام الذهبي: "كان أبو مسلم سفَّاكًا للدماء، يزيد على الحجاج في ذلك".

وما كان لمثل هذا الفقيه الحرّ أن يسكت على هذا الظلم المتفشي وهو يرى تجبر أبي مسلم يزداد يومًا بعد يوم، والحقوق التي وعد بها تُنتهك، والأموال تُنفق في غير حقها،، والأشد والأقسى على النفس أن سفك الدماء على يديه لا يكاد ينتهي، فقرر أن يواجه أبا مسلم وأن يلح عليه في ترك ما هو فيه وإقامة ما اتفقا عليه.

لم يخف إبراهيمُ أبا مسلم رغم قسوته وجبروته واستهانته بسفك الدماء، فتشير بعض الروايات إلى أن أبا مسلم سجن إبراهيم الصائغ بعد أن وعظه، وأصر إبراهيم على أن يجاهده بكلمة الحق التي ظل يكررها غير متوان ولا هائب، ومن ذلك ما يُروى من أنه كلم أبا مسلم بكلام غليظ، فأخذه (اعتقله)، فاجتمع عليه فقهاء خراسان وعبادهم حتى أطلقوه، ثم عاوده، فزجره، ثم عاوده، ثم قال له إبراهيم: ما أجد شيئًا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك، ولأجاهدنَّك بلساني، ليس لي قوة بيدي، ولكن يراني الله وأنا أُبغضك فيه.

كذلك يروي ابن سعد في طبقاته أن إبراهيم الصائغ أتى أبا مسلم فوعظه، فقال له أبو مسلم: انصرف إلى منزلك فقد عرفنا رأيك، فرجع إبراهيم إلى بيته ثم تحنط وتكفن - لأنه كان على يقين أن أبا مسلم قاتله لا محالة - وأتاه وهو في مجمع من الناس فوعظه وكلمه بكلام شديد فأمر به فقُتل وطُرح في بئر، قتله أبو مسلم مظلومًا شهيدًا، سنة 131 هـ/ 748 م، لأن الفقيه إبراهيم أصر على كلمة الحق، وأبا مسلم لم يتحمل هذه الكلمة ولم يتحمل الصوت الحرّ.....رحم الله الفقيه أبا إسحاق إبراهيم الصائغ رحمة واسعة، وجزاه عن الحق وأهله خير الجزاء

 

وكم نحن أحوج إلى مثله في هذا الزمان...أحوج إلى مثله في شجاعته وجرأته وثباته ويقينه وقوته في الحق ولو كان وحده، لا يهاب سجنًا ولا يخشى سيفًا....اللهم ارزق أمتنا بمثله، بل بأمثاله.

أخبار ذات صلة

لا نستعمل على عملنا مَن أراده!

(صحيح البخاري، كتاب الإجارة).

***

قال لي: ... المزيد

لا يخفى على أحد في المجال السياسي والاقتصادي أنه حينما يتحرك مركز الجزيرة للدراسات تتحرك المياه الراكدة، وحينما يسكن تسكن تلك المزيد

قال سعد زغلول:"كيف يكتب عالم ديني بهذا الأسلوب في مثل هذا الموضوع .. لقد قرأت كثيرا للمستشرقين ولسواهم فما وجدت ممن طعن منهم في الإسلام حدة ... المزيد

(أولًا - على مستوى الحلف الأمريكي) :

حلب صارت ورطة، لأن مصير المعركة فيها سيؤثر على مصير الصراع كله في سو ... المزيد

تعليقات