البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..في معاني الحديث

المحتوي الرئيسي


كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته..في معاني الحديث
  • أبو قتادة الفلسطيني (عمر محمود)
    09/09/2015 04:12

الحديث الخامس من كتاب الأربعون الجياد
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). 
هذا دين حق وخير، من أين أتيته وجدته هدى ونوراً، وما أفسد الأمة إلا الأهواء وآراء الباطل التي تحملتها من غير سبيل القرآن والسنة، فهذا الحديث هو باب حقيقة الفاعلية التي يسعى إليها العقلاء لأمتهم فإن فساد الأمم وشعوبها في إلقاء التكاليف والكسل والعجز، والإنكفاء على الذات، وأن حياة الأمم والشعوب في فهم وتحمل المسؤولية، بحيث يرى كل واحد أنه المعنيُّ بالخطاب وأن الأمر له دون بقية أهله، محتقب بالإثم إن فرط فيه أو قصّر عنه، وما حقق الأولون من أعمال عظيمة كانت لها الفرادة في تاريخ البشرية، والصدارة في إنجازات الأمم إلا لهذه العقائد والمفاهيم، وحين دخل النسك العجمي والتعبد الجاهلي على أمتنا وانسحب الناس عن مسؤولياتهم عاد الجَمْرُ حطباً بارداً ورفاتاً هيناً، وحين يحس المرء بأهميته لأمته وأهميةِ أمته له تكتمل دورة الحياة وتحصل المنجزات، أما حين تموت هذه الصلة بين الفرد والأمة، فلا يرى لنفسه شأناً معها ولها، ولا يرى لأمته قيمة فحينها يكون الموت الحقيقي لكل المشاريع التي هي حقيقة حياة الأمم ومقاصدها. 
 
المسؤولية، والفعالية، وصيغة العلاقة بين الأمة وحقيقة الروابط، وتوزيع التكاليف، ومصدر الحق وطبيعته، هذه أسئلة أعيت الأمم وأتعبت عقلاءهم، وسُكب من أجلها آلاف المحابر، وتناطح فيها دعاة الإصلاح، لأنها إن أدركت وخضع الناس لها بتراضٍ ورغبة باطنية تحقق المراد من الفرد باعتباره مستقل الإرادة محترم الاعتبار، وتحقق المراد من الإجتماع بتسمية المجموع أمة تتحقق لها أهدافها ويحصل لها مقصودها، بلا تعارض بين الفرد والأمة، وبلا تفريط في الحقوق، وبلا ضياعٍ للأهداف. 
 
هذا الحديث لوحده كافٍ للإجابة على هذه الأسئلة الأرضية الحائرة، وبكلمات نبوية صادقة حَمَّل الكلَّ التكليف، وأخضع الجميع للواجب، وفرض على الكل الطاعة، وفسَّر مصدر الحق ومنبع قوته. 
 
إن الحياة لا تستقيم إلا بتنظيم، وهذا التنظيم في ظاهرة يوزع الأمة إلى دوائر، وللوهلة الأولى يحصل الوهم أن هذه الدوائر والمؤسسات هو تفرق وتنازع، كما يحصل الوهم أن هذا التوزع يلغي العلاقة بين أفراد هذه المؤسسسات وبين الآخرين من هذه الأمة، فحين يكلف الشرع الحاكم القيام بالجهاد مثلا فيُظنَّ أن الجهاد هو تكليف لمؤسسة ولدائرة من الأمة هو الدولة وبقية الأمة غير معنية به، ومثل ذلك الحدود، أو حين تنشأ مؤسسة ودائرة للعلماء فينشأ الوهم أن العلم مسؤولية لهذه المؤسسة دون سواها، وبقية الأمة غير مكلفة بهذا الواجب وهذه هي البدعة الكبرى التي تصيب الأمم وتدمرها، وإذا كان للعابدين بدع تفسد عبادتهم، وإذا كان للعلماء بدع تفسد عملهم فإن للأمم بدع تفسد فاعليتها وأهدافها كلها تدور حول المسؤولية. 
الغاية المثلى هي خضوع الأمة للمفاهيم، بحيث تكون السلطة لها، فتكون هذه المفاهيم أعرافاً في حس الناس ومشاعرهم وفي القانون الغالب، يخضع له الناس ويتداولونه كما يتداولون لغتهم، وكما يتداولون مفاهيمهم الفطرية كالعلاقة بين الأب وأبنائه والأم وأبنائها، وكلما رقت المفاهيم الشرعية وخضع الناس لها ببواطنهم كلما اقتربت المفاهيم من كونها فطرة وسجية، ولما كان الإسلام هو الحق وهو الفطرة فإن الأليق به في صورة المثال هو تحققه خلال قانون الفطرة والعرف الباطني، فيستسلم له الناس بلا توزيع ولا تقسيم ولا تقنين لكل فئة دون بقية الأمة، ومن أمثلة ذلك "المؤسسة العلمية"، فهذه في صورتها الصحيحة الأولى كانت موجودة، لها سلطانها، وقوانينها، وضوابطها، وحدودها، وكل ذلك مثبوت في حسّ الأمة ومشاعرها ووجدانها، وهذا الوجود الكامن في داخل الأمة له قوة آسرة، ووضوح بيّن أقوى من أي سلطة مقننة ومُعْلَنٍ عنها ككيان، ولم يكن هذا الوجود يحتاج إلى فرضهِ بقانون يعزله ويفصله عن بقية نشاطات الأمة، فالمسجد بنايته، مفتوحة أبوابه للجميع، وحلقات العلم جزء من نسيج هذا الجميع، فلا طبقية ولا عزل أو استئثار، ولو قارنت هذه "المؤسسة العلمية" في تاريخنا مع أي مؤسسة أخرى في تاريخ الأمم الأخرى كالنشاطات النقابية لوجدت أن الفارق كبير، حيث تتحول "المؤسسة النقابية" إلى عصابة وحزب له رجاله الذين يجعلون "الشخص" أو "العائلة" هو الأصل و"التنظيم" وسيلة للذات لا الفكرة، ولذلك عمدت "الدولة" في تاريخ الأمم دائماً إلى ابتلاع هذه المؤسسات وجعلها قوة لتوحشها ضد فكرة المؤسسة نفسها، فأنشأت ما يسمى بمنصب المفتي العام، أو "هيئة العلماء" وجعلتها مربوطة بنظام "الدولة" وجزءاً منها، وبالتالي تحولت المؤسسة إلى ناب لوحش الدولة تبطش به ضد خصومها، فالمسجد للدولة كما هي حال أي دائرة حكومية، وبالتالي صار العلم نشاط "مؤسسة حكومية" لا حركة أمة ومن ذلك "مؤسسة الجهاد" فالجهاد أمر رباني للمسلمين جميعاً بلا استثناء، حتى العجزة لهم وجود في هذا النشاط الإنساني الإسلامي العظيم، فهو حركة أمة، وليس نشاط دائرة معيّنة به دون غيرها، وكلما كان هذا المفهوم معمماً كلما كانت فاعليته أقوى، وكلما اقترب من تحجيم المؤسسة والتقنين كلما فُقدَت هذه الفاعلية، وذلك لخروج طوائف من المسؤولية، فتعميم المسؤولية هو تحقيق للفاعلية، وتحديد "المؤسسة" هو قصم لهذه المسؤولية وبالتالي إبطال لقوة الفاعلية، فَفَرْق أن يكون الجهاد هو حركة أمة كما كان في صورته الأولى، وبين أن يصبح نشاط "مؤسسة حكومية" فيها أراضها.
 
وهذا لا يلغي مفهوم التنظيم والإدارة، فنظام الدواوين ليس هو "المؤسسة" التي تعزل البعض عن الكل وبالتالي يسهل ابتلاعه من قِبَلِ "الدولة" على حساب "الأمة"، بل هو تنظيم لفعل أمة، وليس صناعة "لمؤسسة" محددة. 
 
النشاطات يجب أن تكون تكاليف أمة، وذلك من خلال المفاهيم المسيطرة في المجتمع، وانتقالها إلى تكاليف "مؤسسة" يجعلها محتاجة لتقنين وبالتالي يقع العزل وتدمير الفاعلية، وسهولة قنصها واختطافها لخدمة "الشخص" أو "الدولة" لا الفكرة التي انتصبت من أجلها.
 
في القرآن الكريم والسنة النبوية تكاليف موجهة للأمة، وإذا وجدت أوامر للبعض فهو لاختصاص هذا البعض بالقدرة اللازمة لهذا التكليف، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكلف به كل من رآه (من رأى منكم...) والحكم بما أنزل الله تكليف لأمة (و ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه)، وهكذا جميع النشاطات بلا استثناء، وتكليف الحاكم بإقامة الحدود وإعلان الجهاد هو من قبيل الوكالة عن الأمة، فهو وكيل بعقد بينه وبين الأمة لإقامة أحكام العامة، وسلطانه يستمد من هذا العقد، وقوة هذا السلطان مصدره رضا الأمة، فليست السلطة توكيل إلهي ولا الغلبة والقهر، وإن كان أمر الأمة يعرف بقوة الشوكة والتي تظهر عن طريق الغلبة أحياناً. والعقد طرفاه الأمة من جهة والحاكم من جهة أخرى، والمعقود عليه هو احكام العامة، ويبطل العقد بأمور تصيب العاقدين ككفر الحاكم أو جنونه أو بتخلف مقاصد العقد وهي المعقود عليه كتعطيل الحدود وإبطال الجهاد، وحين يبطلها الحاكم يعود أمرها إلى الأمة ولا تسقط عنها، فالجهاد لا يبطله حاكم، وإن عطله وجب على الأمة أن تقوم به وكذلك الحدود وغيرها. 
 
وهذا الوصف الذي قدمناه يفيد أن دائرة الدولة ضيقة جداً، وهكذا يجب أن تكون، أما ربط التكاليف بالدولة والحاكم وتوسيع ذلك فهو انحراف وبدعة، ومن العجيب أن يوجد بعض الفقهاء من وقع من فتاوى تؤيد هذه البدعة وتنصرها، وذلك مثل ربط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإذن الحاكم أو إقامة الجمعة، بل وصل بعض هذه الأقوال الغريبة إلى دعاء القنوت في النوازل لأمر الحاكم وإذنه، وهذا لعمر الحق إنحراف في تصور حقيقة الأمر الشرعي، وأثره السيّء على الأمة أقوى من أثر البدع الفردية والسلوكية الشخصية. وكما رفع الله بعضاً فوق بعض درجات، كذلك جعل الناس أقساماً من ذكر وأنثى، وأب وأم، وسيد وعبد، وخادم وآمر، وبائع ومشتري، وهكذا تقع نشاطات الحياة باعتبار أمرها القدري الذي فطر الله الخلق عليه، وهذا الأمر الفطري يجب اتباعه والإقرار به، وهو كذلك في حس الناس ووجدانهم إلا ما يقع من إبليس وجنده من (فليغيرن خلق الله)، وبالتالي يؤمر الإبن أن لا يقرّ أباه على طاعة، ولا الزوجة لزوجها، ولا الصغير لكبير وذلك تحت شعارات بهيمية معروفة. 
 
هذا التوزيع الفطري مع الحكم الشرعي هو الذي يحقق الفاعلية الحقيقية للأمم ويديمها، وكلما حصل فساد في أحدهما تعوقت الأمم وسارع فيها الفساد وبالتالي حقت كلمة الله بالعذاب والإهلاك والدمار، وهذا التوزيع هو مصدر من مصادر المسؤولية والتكليف، خلقه الله وأقره شرعه، وهو عقد فطري، والفطرة هي أقوى أدلة الشرائع والأحكام بلا خلاف بين عقلاء البشر. 
هذا الحديث يحمّل المسؤولية لكل من كلف رعاية حق، فالرعاية تعطى في بعض جوانبها مفهوم التقدم على الغير، فتُنشِئ وَهمَ الطاعة دون السؤال والمراجعة، ومع التقادم وضياع البعد الأخلاقي يحصل الاستعلاء وهي أسُّ الفساد والخراب كما هو في كتاب الله تعالى، فحين تحصل الإمارة مع فقدان مفهوم المساءلة والمراجعة لا يبقى من الإمارة إلا مفهوم الطاعة، أي طاعة المأمور وخضوعه للأمير، والمفاهيم الباطلة تنتج الإنحراف السلوكي، وأعظم ما يصيب البشر هو الطغيان الذي أساسه الكبر، وفي الحديث: (سبحانك يا ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة) وهذه هي التي نازعَه سبحانَه الخلقُ فيها، وهي أساس كل فساد في الدنيا والآخرة. 
 
المفهوم الشرعي للملك هو رعايته، أي قيام بأداء الواجبات والحقوق، ومساءلة في الدنيا والآخرة، كما هي في حس الناس طاعة وامتثال، مع أن القاعدة الفقهية المقررة: الواجبات قبل الحقوق. 
 
وفي الحديث إطلاق لمفهوم المسؤولية وبالتالي لا يجوز قصرها على الإثم الآخروي، بل هي كذلك في الدنيا، وهذا الذي طبقه الجيل الأول وأتمروا به كما قال الصديق: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم) وهذه الكلمات ليست مواعظ إرشادية بل هي دستور وعقد ملزم للطرفين، وحين جاع الموالي عام الرمادة وسرقوا من مال سيدهم لم يقتص منهم عمر رضي الله عنه لأنهم أخذوا ما هو حق لهم من مال سيدهم الذي منعهم إياه، وحين استفتت هند بنت عتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تأخذ من مال زوجها الذي منعها لشحٍّ منه أجاز لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (خذي ما يكفيك وولدَك بالمعروف) وهذا الحديث أصل في مسألة "استيفاء الحقوق بغير إذن صاحبها إن جحدها أو منعها"، فما قررت الفطرة والشرع من حقوق فالمساءلة حق لا يجوز لأحد أن يعطلها. 
 
فمن الواجبات الملقاة على أمتنا ولا سعادة إلا بها، وهي باب فاعلية الأمة بين الأمم، كما هي أساس نقاء الأمة وبراءتها من الفساد الداخلي: " إقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن ذلك الحسبة والجهاد في سبيل الله " وهذه هي خصائص هذه الأمة التي تجعل لها حق قيادة الغير، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة تراجع في فطانها، وهذه يجب عل الأمة القيام بها، توكل غيرها من الأمراء وغيرهم لمباشرتهها، فإن قصّرت فيها أو عطلها الوكلاء أثمت الأمة جميعاً، ولا يسقط الإثم عن الواحد إلا بالأداء بحسب الوسع والاستطاعة.

أخبار ذات صلة

قالت حركة النهضة الإسلامية، أكبر حزب في تونس، يوم الخميس إنها ستدعم أستاذ القانون السابق قيس سعيد في جولة الإعادة با ... المزيد

مما ينكر من التشديد أن يكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير دار الإسلام وبلاده الأصلية، أو مع قوم حديثي عهد بإسلام، أو حديثي عهد بتوبة.

المزيد

المقال السابق دار الحديث حول نقطتين " الهجرة قمة التضحية بالدنيا من أجل الآخرة وذروة إيثار الحق على الباطل" و " صعاب الهجرة لا يطيقها إلا مؤمن يخا ... المزيد

إستكمالاً للمقال السابق المعنون " السياحة الإسلامية.. الواقع والمستقبل"، نواصل الحديث عن أسواق الحلال.

ولعل الشيء اللافت للنظر ... المزيد

** مهما كانت احتمالات تطورات الأحوال في مصر وما حولها من بلاد المسلمين..فإنها تؤذن بمرحلة جديدة..

نرجو أن تكون عاقبتهاخيرا.. وسبحان من ... المزيد