البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

كتاب (هكذا ظهر جيل صلاح الدين) لماجد الكيلاني.. مناقشة أبو قتادة الفلسطيني

المحتوي الرئيسي


من غلاف كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس من غلاف كتاب هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس
  • عمر محمود أبو قتادة
    24/02/2016 05:30

إنّ الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإياكم منهم، آمين.

أمّا بعد؛

في هذا اللقاء كما أعلنّا في الأسبوع الفائت، ستكون مناقشة كتاب الدكتور ماجد عرسان الكيلاني (هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس). ومن عجائب القدر، أن نؤجل هذا الكتاب وأن نؤجل مناقشته ليلتقي في اليوم الذي توفي فيه هذا الرجل. اليوم أُعلن في الصباح أنّ الدكتور ماجد الكيلاني قد توفي في شمال الأردن، في قريته (الشجرة) وهي من قرى مدينة (الرمثا) رحمه الله -عزَّ وجلَّ-. وأسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يغفر لنا وله.

ولا أدري ماذا يُسمّى هذا؟ وماذا يمكن أن يستخلص منه؟ أو أنّه لا يفيد أيّ شيء. لكن بالنسبة لي تردّدت أن أتابع مناقشة هذا الكتاب في هذا اليوم؛ لأنّني شديد على هذا الكتاب، ولي فيه رأي شديد، ولا أريد أن يشترك في هذا اليوم في ذكر هذا الرجل الطيب وانتشار وفاته ونعيه، مع هذا النقد الذي سيوّجه إلى الكتاب الذي صار بين الناس، وصار له الانتشار وطبع طبعات متعددة، وتبنّته بعض مراكز الفكر، وطبعته طبعات مدعومة.

فهذا الكتاب منتشر، والدكتور تخصّصه التربية لا التاريخ؛ لذلك وقع في أخطاء عليه رحمة الله في تبنّيه لطريقة فيها إعادة نموذج الملك الناصر صلاح الدين في إعادة القدس، مع أنّه يقول في آخر كتابه عن قواعد السنن التاريخية وقواعد الحياة بأنّه: "لا يؤمن بمسمّى العبرة في التاريخ". العبارة كما ترون قاسية، أنّ الرجل لا يؤمن بالعبرة بالتاريخ، وليس المقصود هذا المعنى الظاهر، مقصوده لمّا تُدقّق في كلامه ومفهوم كلامه، تجد أنّه يتحدّث عن شيء آخر، هو لا يؤمن باستنساخ التاريخ. وهناك فرق بين العبرة، أن تأخذ العبرة من التاريخ وبين استنساخ التاريخ، فالعبرة من التاريخ هي أن تدرك سننه وتعرف أنّ هذه السنن، إذا سلكت طريق الحقّ توصلك إلى النجاة، وإذا سلكت طريق السنن القدرية التي خلقها الله في الوجود فستصل إلى مرادك، وإذا خالفت هذه السنن وخالفت القيم الإلهية الحقّة؛ فإنّ النهاية هي الهلكة والدمار. هذه هي القضيّة التي أراد أن يثبتها وأثبتها، ولكن هو قال: "أنا لا أؤمن بالعبرة" وإنّما العبرة التي أرادها هي أن نستحضر حالة من التاريخ ونطبقها تطبيقًا حرفيًا في زماننا، هو يقول هذا لا يجوز. وهذه كلمة حقّ.

ونحن نعلم جميعًا بأنّ هناك من حاول أن يستنسخ أحداث التاريخ وأن يستجلبها لواقعه ففشل. وأكبر دليل قصة الحَرّة: لمّا جاء مسلم بن عقبة من قبل يزيد، وجاء جيش الشام لحصار المدينة وقد ثارت عليه وخرجت عن بيعة يزيد بن معاوية، فعبد الله بن حنظلة الغسّيل كان رجلًا صالحًا، وكان يرفض القبول لأيّ كلمة تُقال في حقّ يزيد، حتّى إذا زاره في الشام ورأى منه ما رأى؛ رجع المدينة وحرّض أهل المدينة على الثورة وخلع بيعة يزيد. فلمّا خلعوه، أرسل يزيد لهم جيشًا بقيادة رجل يُسمّى مسلم بن عقبة، وسمّاه أهل الإسلام مسرف بن عقبة؛ لما أسرف من الدماء ولما صنع.

ما يهمّنا في هذا الشاهد هو أنّ عبد الله بن حنظلة الغسّيل بعقله غير السننيّ، هو متعبّد ولكنّه غير سنني. والإمام مالك -رحمه الله- علّمنا قاعدة عظيمة (أنّ التقوى تتجزأ وأنّه يمكن للمرء أن يكون تقيًّا في شيء وجاهلًا في شيء)، وقال: "لقد طفت على كذا وكذا -ألف من المحدثين- في هذه الأساطين -يعني هذه الأعمدة- في المسجد أتقرّب إلى الله بدعائهم ولا أقبل حديثهم". يتقرب إلى الله بدعائهم ولا يقبل حديثهم. هذه قاعدة يجب أن تطّرد الحياة، هناك عابد وهناك عاقل وعالم. والعبادة بمعناها النسكي وإلا فالعبادة بمعناها القرآني يجب أن تكون شاملة لإعمال العقل لأولي الألباب ولقوم يعقلون. لكن يمكن للعقل المسلم أو للإنسان أن يتجزأ، أن يكون صالحًا في شيء ضعيفًا في شيء آخر، كلًّا في شيء عدلًا في شيء آخر، وهكذا.

فمسلم بن عقبة لمّا جاء، قام عبد الله بن حنظلة الغسّيل وأراد أن يصنع صنيع النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة لمّا جاءت إليه الأحزاب في غزوة الأحزاب. هذا نموذج أنا أكرّره كثيرًا لأنّه نموذج حاضر في داخل الشخصية المسلمة غير الواعية. فما الحلّ؟ قال احفروا الخندق كما حفر الصحابة الخندق؛ فنصرهم الله.

النتيجة حفروا الخندق، ولم يصنع خندقهم ما صنع الخندق في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، واجتاحه مسلم بن عقبة ودخل المدينة وأهلك الحرث والنسل وصنع ما ذكرته كتب التاريخ وفيها الكذب وفيها الصحيح. لكن موقعة الحَرّة بقيت عارًا وشنارًا في جبين تاريخ أهل الإسلام لما وقع فيها.

فهذه صورة من صور استنساخ التاريخ، أن تجلب حادثة وتضعها دون مراعاة ظروفها، ودون مراعاة موضوعيتها، يجب أن ترى، اليد هي جزء من الإنسان لكن عليك أن تراعي نوع الدم، عليك أن تراعي الشكل، عليك أن تراعي ملائمة هذه اليد لمكانها، يمكن أن يضعها المرء في رأسه ويقول أليست اليد جزءًا من البدن فها أنا قد وضعتها في البدن، وهو قد وضعها في مكان الرجل، فهذا لا ينفع. فاستنساخ التاريخ لا يجوز. هو يؤمن بهذا.

ولذلك مبعث هذا الكتاب، هو يقول دون أن يصرح ولكن قراءة الكتاب تدل على مراده. ماذا يقصد الدكتور بهذا الكتاب؟ يقول في النتائج المستخلصة من قراءته لقضيّة التاريخ الإسلامي والإنساني بأنّنا يجب علينا حين نعجز عن الوصول بوسيلة ما أن نغيّر ونبدل.

من هنا المنطلق من أجل أن نأخذ فكرته لنهدمها من داخلها للأسف!

هو يقول في القوانين الكونية التي تحكم التاريخ، في القانون الثاني، خلاصة ما يضع من شروح، يقول: "أنّ الفشل يوجب المراجعة". بمعنى أنّك إذا سلكت هذا الطريق ففشلت فيه فيجب عليك أن تبحث عن طريق آخر. يقول لكم بأنّكم: "سلكتم طرقًا متعددة لإعادة فلسطين ولتحرير القدس من اليهود، فلماذا لا تبحثون عن طرق أخرى؟" ذهب هذا الدكتور إلى التاريخ واستدعى صورة مماثلة لسقوط القدس بيد الصليبيين وقرأها -كما يقول هو- قراءة تربوية واستخلص بأنّنا: "لا بدّ أن نعد جيلًا تخرجه المدارس التربوية من أجل أن يحدث به التغيير، ومن أجل أن يحدث بهذا الجيل الانقلاب من الهزيمة إلى النصر." هذا ما يقوله الدكتور.

هذا منطلق من أجل أن نفهم السنن. هو يقول أنّ الفشل يوجب المراجعة. بمعنى أنّكم مثلًا سلكتم طرقًا ما في تحرير فلسطين ففشلتم فابحثوا عن طريق آخر. ما هي الطريق يا دكتور؟ الطريق هي التربية، أن يقوم مربّون في الواقع الإسلامي ويُنشئووا أربطة تعليمية ومراكز تعليمية، ليس مهمًّا الآن الأسماء، هو في التاريخ الإسلامي سمّاها المدارس وسمّاها الزوايا والتكايا، لأنّه لم يستشهد وهذه جريمة -أنا أعتبرها- الّتي مارسها في قضّية من الّذي صنع، إن صُنع جيل صلاح الدين؟ أنّ الذي صنعه هي الأربطة الصوفية.

وسنقرأ بعض من ذكر، هل هؤلاء يستحقّون أن يدخلوا في صناعة تاريخ جيل التغيير؟ هل يستحقّون هذا أم لا يستحقّون؟ هذه مشكلة. كيف نناقش الدكتور في هذه القضيّة، وهي قضيّة ما يدعوننا إليه: أنّ التجارب الفاشلة توجب التغيّير، يعني يجب أن نغيّرها، ونبحث عن طرق أخرى. الدكتور أخطأ في هذا خطئًا جسيمًا.

والسبب هو أنّ الطريقة للتغيير هي طريقة سننية واحدة ولكن قد تفشل؛ لا لخطأ المنهج ولكن لضعف موضوعيته. نحن نرى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وعندنا تجربة وتجارب، -وهذه دائمًا أحتجّ بها واحتجّ به سلفنا- جاءه الرجل وشكا له استطلاق بطن أخيه، هنا معضلة ومشكلة، هنا مرض، قال: "اسقه عسلًا". رجع قال له: "سقيته فازداد استطلاق بطن أخي"، ما قال له غيّر، دعاه أن يعالج موضوعية هذا التغيّير وهو الكمّية، جزء البحث: الكمّية، قال له: "اسقه". لأنّ مجرد وجود العسل لا يحقّق الشفاء، لا بدّ من وجود كمّية مقدّرة سننيًا للتغير.

يعني عندما تقول لرجل: "اشرب كأس ماء من أجل أن تروي عطشك"، فيذهب فيشرب ماءًا مطلقًا، يعني أخذ له مثلًا قطرة ماء وشربها هل يُدفع عنه العطش؟ هل الخطأ في السنّة أم الخطأ في موضوعية التعامل مع هذه السنّة؟ اشرب هذا القرص، هذه المجموعة من الدواء يجب أن تشربها كلّها ليحصل الشفاء.

السؤال يا دكتور ما هي المناهج التي مارسها أهل الإسلام فثبت خطؤها حتى نذهب إلى طريقة أخرى في معالجة حلّ هذه المعضلة التي نزلت بأهل الإسلام -وهي سقوط فلسطين وذهاب بيت المقدس إلى اليهود-؟ ما هي الطرق؟ هذا سؤال، هو يطرحه بعد ذلك وسنتركه نحن يجيب على هذا السؤال. وهذه هي المشكلة، وهي عقدة العقد بيننا وبين الدكتور، عقدة العقد بيننا وبين طريقة التغيّير التي يطرحها العقل غير السنني.

إذًا قضيّة أنّ الفشل يوجب التغيير هذه ليست مطلقة. نضرب مثالًا: عندما يستدعي الدكتور الحروب الصليبيّة، أين الخطأ الذي مارسته أمة الإسلام، وثبت خطؤها في معالجة الصليبيين، وبعد ذلك اكتشفوا الطريق الصحيحة التي أنت تدعو إليه؟ هو يطرح هذه القضيّة، على الرغم أنّ ما يطرحه الدكتور من نماذج للتغيّير هي في الحقيقة من أسباب هلاك الأمة، فجعل الداء هو الدواء. وأنا قلت كنت أتمنّى ألا يناقش هذا الكتاب في يوم وفاة الدكتور -رحمه الله-.

يقول الدكتور هذه خلاصة الكتاب: "في القانون السابع من قوانين التغيّير -التي استفادها من تجربة تحرير القدس من الصليبيين- أنّه لا بدّ من ضرورة التدرج والتخصّص وتوزيع الأدوار". كلّ كلمة من هذه الكلمات يمكن لأيّ أحد أن يستخدمها، يعني يمكن يستخدمها رجل يقول لا ينبغي لك إذا آمن أحد بفكرة الجهاد لديك أن تقذفه إلى الجهاد فلا بدّ من التدرج، هذه ينطبق عليها قانون التدرج. لو أنّ رجلًا قال من التدرج يا شيخ هو أن تأتي بالشخص الواحد والشخص الواحد يأتي بشخصين وثلاث حتى يصبح عندك كمّية كافية، ثمّ يطرح فكرته في قضية الجهاد مثلًا، فهذا شخص آمن بالجهاد وآمن أنّ للوصول لجهاد التمكين لا بدّ من التدرج. ومن التدرج كذلك الذي يريده الدكتور وهو الذي صرّح به: "أنّنا لا ينبغي أن نصل إلى الجهاد حتى نمّر بوسائل أخرى من الإعلان" سمّاها هكذا. يعني هذه الكلمات التربوية والاجتماعية لا يجوز لك أن تفسرها تفسيرًا مطلقًا، ليس لها تفسير مطلق، كل أحد يفسرها بحسبه. مثلما ضربنا مثلًا بكلمة التدرج، رأيناها على جهة، ورآها على جهة مناقضة حين يقول الدكتور: "بأنّنا يجب علينا أن نسلك من أجل عملية التحرير ثلاثة سبل أو ثلاثة مراحل:

المرحلة الأولى هي مرحلة الجهاد التربوي. أولًا علينا أن نربّي مرحلة الجهاد -سمّاه جهادً تربويًا-.

ثم المرحلة الثانية الجهاد التنظيمي الإداري.

وثالثًا مرحلة الجهاد العسكري".

إذًا هو يصرّح أنّ الطريقة التي ينبغي أن تسلكها الأمة من أجل التغيّير ومن أجل إعادة جيل التغيير وجيل التحرير؛ يجب علينا أن نسلك هذه الطريقة. وهو يطرح هذه القضية كمراحل؛ مرحلة، مرحلتين، ثلاث.

هذه كما ترون هي عملية خادعة وإن كانت جميلة. يعني عامّة الجماعات الإسلامية الآن تقبل هذه الفكرة حتّى إنّها تُطرح عندما نرى في سبل التغيّير بعض المعوقات التربوية.

يعني عندنا جماعة من الجماعات، لنفترض أنّها جماعة التبليغ -كونها ضعيفة ويحصل بها المثل وما يصير مشاكل إذا ضربنا لمثل فيها، أمّا مع جماعات أخرى ممكن يصير مشاكل-. إذا صار مشكلة بين اثنين وتخاصما وتسابّا، فورًا ما هي أول كلمة تبرز منهما؟ أنت بحاجة إلى تربية. قبل أن نخرج لندعوا، أنت بحاجة لتربية، نأتي إلى الجهاديين، في الجهاد لو صارت مشكلة بين اثنين وسبّوا بعض ماذا يقول؟ أنت بحاجة إلى تربية.

ولمّا الشيخ ناصر كما يروون عنه -وبعضهم يثبتها وهم الأكثر وبعضهم ينفيها لأنّها فيها اتهام- وهو يدعو إلى التصفية والتربية، تصفية الكتب والعقائد والتربية إلى آخره. وبعد أن استهلك عمره وقارب الوفاة قال: "أنا صفيّت وما ربيّت" لأنّه رأى جموعًا من الأتباع ليس فيهم تربية. فدائمًا نحن نرجع إلى هذه القضية وهي قضية التربية.

السؤال الذي يُطرح: هل ما يقوله الدكتور صحيح أم خطأ؟ بمعنى هل التربية هي مرحلة تسبق الفعل أم أنّها موافقة للفعل؟ بمعنى هل أنت تربّي ابنك قبل أن تذهب به إلى المدرسة أم تربّيه خلال نموه وذهابه إلى المدرسة؟ هل أنت تمنع ابنك من الذهاب إلى الحياة والانطلاق إلى الأصدقاء والناس والحياة والزواج حتى تربّيه أم أنّه يُربّى خلالها؟ في كل مرحلة يحتاج إلى تربية وفي كل مرحلة فيها موعظة جديدة وتذكير جديد، وكذلك التربية ليست مرحلة انتهائية.

أكبر جريمة من جرائم الفقه الصوفي، هي وجود طبقة اسمها طبقة الأولياء. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، هناك طبقة، طبقات الصوفية! ماذا يعني هذا؟ يعني أنّك أنت تسلك الصف الأول، الثاني، الثالث، الرابع ثمّ تتخرّج من الجامعة فيصير عندنا خريجي البكالريوس، خريجي الليسانس، تصبح أنت صاحب طبقة ثابت فيها. ليس من الممكن إذا كان الواحد ختم توجيهي أو أخذ البكالريوس أن تقول له ارجع إلى الصف الأول، لأنّه قد انتهت طبقاته المرحلية الأولى فنفذ إلى المستقرّ، لا يوجد في التاريخ الإسلامي هذه الصورة.

لا يوجد عندنا في الإسلام رجل يسلك تربويًا ثم يصل إلى طبقة يستقرّ عليها. هذا مناقض لأكبر عقيدة عندنا وهي أنّ الإيمان يزيد وينقص. النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد طول تربية يقول لأبي ذر: "إنّك امرؤ فيك جاهلية". هل يقول له أوقف الآن كل نشاطاتك يا أبا ذر واذهب وتربّى حتى تزيل هذه النكتة من قلبك؟!

لمّا دخل الناس في دين الله أفواجًا، وعدّه الله نصرًا وبه تحقق نصر الإسلام، هل أراد أن يعيدهم إلى الفترة المكية لأنّهم ما تربوها وما مرّوا فيها؟ إذًا ما معنى هذه المرحلة؟ ما الذي يريد الناس وهؤلاء المربّون أن يقولوه في هذه المسألة؟ هل علينا أن نتربّى، حتّى بعد ذلك، بعد أن تنتهي المرحلة التربوية نقول هيّا بعد أن تربينا وأنشأنا المدارس التربوية وغيرها؟ قلنا ما شاء الله متى هذا؟ أعطني مرحلة.

عندما يضع المرء قاعدة ينبغي أن يضع لها أرجلًا تمشي عليها. فقل لنا ما هي المرحلة التي يصل إليها هذا المُرَبّى حتّى ينتهي، ثمّ نقول نبدأ الآن؟

سمعت خطبة لأحد المشايخ قبل أسبوعين لمّا بدأ ضرب السكاكين ضدّ اليهود، تحدّث عن طريقة تحرير فلسطين، ونموذج ما طرحه هذا الخطيب هو نموذج ما طرحه الدكتور في هذا الكتاب. بل صنع أخبارًا من أجل صناعة هذه الفكرة، وهي فكرة جميلة لكن غير واقعية، وغير سننية، ولا وجود لها في التاريخ. قال بأنّ صلاح الدين لمّا جاء قال له العلماء: "لا تجاهد لأنّنا غير جاهزين". وهذا لا وجود له في التاريخ! من قرأ ولو لمّة قليلة من تاريخ الحروب الصليبية لن يجد أن الأمّة توقفت عن الجهاد في لحظة من اللحظات.

منذ أن نزل الصليبيون بلادنا وأقاموا لهم مملكة (الرها) و(أنطاكية)، ثمّ بعد ذلك دخلوا إلى (بيت المقدس) وأوجدوا مملكة بيت المقدس، والأمّة تحارب وتجاهد، وكانت تحقّق انتصارات تعادل انتصارات حطّين، وبعد انتصارات حطّين هُزمت هزائم كما هُزمت في معركة دخول بيت المقدس.

لم يكن هناك العصر الذي نشأ فيه الجيل الذي لا يتحقّق معه إلّا الإنتصارات لما سبقه من جيل لا تتحقّق به إلا الهزائم، هذا غير موجود. في الوقت الذي كان الصليبيون يتقدّمون إلى انتصارات كان أهل الإسلام يتقدّمون إلى انتصارات. وفي الوقت الذي نشأ فيه صلاح الدين ليتقدّم إلى انتصارات كانت تتحقّق منه إخفاقات. فيزعمون أنّ العلماء طلبوا منه التوقف عن الجهاد. من هم هؤلاء العلماء؟! لا وجود لهم إلّا في الذهن، علماء نصحوا صلاح الدين قالوا له: لا تجاهد لأنّ الأمّة غير مستعدّة، ثمّ ربوْها، وأين صناعة التربية؟ لا ندري! ثمّ سألهم الآن نجاهد قالوا: لا ليس بعد الأمور لم تجهز. ثم جاهد فانتصر، كأنّ حطّين هي خروج من الغيب إلى عالم الشهادة في لحظة، كما هو شأن الحلم!

لماذا الحلم جميل؟ الحلم جميل لأنّه اقتطاع فقرة من الحياة بلا مقدمات ولا مآلات. يعني أنت الآن ترى نفسك في الحلم مثلًا أنّك تأكل، فتفرح أنّك أكلت، لكن هذه لا تعيشها أنت في الواقع؛ لأنّ قبل الأكل هناك ألم الطبخ وبعد الأكل هناك ألم الشبع! وأنت صحيح تمتّعت ولكن الحياة ليست كذلك، كل شيء له مقدّمات وله مآلات، والحياة بانتصاراتها فيها مآلات شاقة و بهزائمها فيها مآلات شاقة. والعكس كذلك، بالانتصارات هناك مآلات جميلة وبالهزائم كذلك هناك مآلات جديدة.

فتصوّر وجود مرحلة ثمّ مرحلة، هذه فكرة منتشرة في داخل الصف الإسلامي، وهي فكرة جميلة كما رأينا وكما نقول وكما يبيّن المشايخ في الخطب والدروس والكتب أنّها فكرة جميلة. وهي كذلك تلقي عن كواهلنا عبء المجاهدة الحقيقية. يعني عندما تذهب إلى الجمعة فيأتي الخطيب يقول لك : "أنت عليك الآن أن تجاهد والجهاد في حقّك الآن هو فرض عين، وعدم جهادك الآن هذا فسق وفجور إلّا أن تكون أنت مستضعفًا إلى آخره، لكن عليك أن تجاهد". أنت حملت أمانة، بخلاف ما لو ذهبت إلى خطبة الجمعة وقال لك الشيخ: "إنّ الجهاد لم يحن بعد ولا بدّ له من مرحلة تسبقه وهو أن نتربّى." والكلام غائب طبعًا، كيف نتربّى كلام غائب؛ لأنّها مسألة مختلف فيها.

ولذلك ما يطرحه الدكتور في قضيّة هذه المراحل أنّ هناك مرحلة تربية. نريد أن نسأل تربية لماذا؟ وسنأتي الآن على النماذج التربوية الّتي طرحها الدكتور، وهي نماذج تربوية عجيبة جدًا. يعني الذي يقرأ هذا الكتاب ويعرف التاريخ ويعرف مشكلات الضعف الإسلامي وأسباب الضعف الإسلامي، يتعّجب أنّه يطرح النماذج المعوّقة والنماذج المَرَضِيَةَ، يطرحها نماذج علمية وتربوية وإصلاحية. وهذا من أكبر الأخطار التي يواجهها من يسقط مفاهيمه على التاريخ.

فهذا الكتاب -مع الاعتذار وأرجو ألّا أضطرّ إلى الاعتذار أكثر من هذا- هو نموذج لهذه الأفكار الّتي هي إسقاطية على التاريخ. التاريخ ليس كذلك. وأنا الآن سأضرب لكم أمثلة كثيرة تبيّن أنّ التاريخ لم يكن بهذه الصيغة، وأنّ الأمّة لما جاها الصليبيون لم تكن بأحسن أو بأسوأ حال ممّا لمّا خرجوا من عندها، كان فيها وفيها. لم يكن الجيل الذي حرّر القدس أحسن حالًا بالمفهوم التربوي، ولكن بلا شكّ أنّ القائد صنع أشياءً كثيرة حتّى حقّق النصر، لكن ليس بالمفهوم الذي يطرح من قبله -وهو التربوي- أنّ الأمة كانت في حال تحريرها القدس أحسن حالًا ممّا لمّا ذهبت القدس منها.

هذا من الأمثلة.

وسنرى أنّ هذا الجيل الذي نريد أن نذهب به إلى الصحراء، أو نذهب به إلى التكايا، أو نذهب به إلى الزوايا من أجل أن نصنعه هذا لا يمكن أن يكون، لماذا؟ لأنّ الحياة أعقد من أن تُغيّر من خلال هذه المدارس، ولصناعة جيل يحقّق النصر لا بدّ أن يُصنع هذا الجيل من خلال محنته ما يحتاجه البلاء. يعني عندما تريد أن تصنع شركة ما، فماهي الطريقة لإحيائها وصناعة جيل؟ من خلال صناعتك لهذه الشركة وأنت تعيش فيها، لا أن تبتعد عنها من أجل أن تخرج من الغيب ومن الظلمة من أجل أن تحقّق هذه الشركة. هذا لا وجود له، التاريخ يبرأ من هذه الأفكار والنظريات براءة عجيبة جدًا.

هذه النقطة التي ننبّه عليها هي عماد الجماعات في انسحابها من الواقع، وهي حجّة الأفراد والعلماء عندما ييأسون من إصلاح الأمة. يقول كلّ الذي عملنا كان خطئًا، بعد ثلاثين سنة وما زال إنّك امرؤ فيك جاهلية! بعد عشرين سنة وما زال يقول: "إنّك امرؤ فيك جاهلية". هو-صلّى الله عليه وسلّم- قال له: "إنّك امرؤ فيك جاهلية" ونبّهه إلى الغلط ولم يوقفه، وقد يبقى مقيمًا على الخطأ لكن امش في سبيل حياتك. لأنّ الإيمان يزيد وينقص، لا يوجد عندنا طبقة أولياء، لا يوجد عندنا طبقة صالحين لا يخطؤون. إنّما نحن نخطئ ونصيب والأمّة تخطئ وتصيب، ولكنّ وجود البلاء؛ لأنّها تخطئ في إصابة السنّة التي بها يتم التغيّير، وليس البحث عن وسائل أخرى!

يعني عندما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ". ما المقصود بدينكم هنا؟ هو الجهاد، وهو تفسير لقوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [سورة الأنفال] هذه حياة. فحين يأتي قوم من الكفار علينا أن نقاتلهم والطريقة هي أن نقاتلهم. اليوم فشلنا وهزمونا أين نذهب؟ مرّة ثانية للقتال، ونحرّض الأمة مرّة ثانية. فشلنا، نعود مرّة ثالثة، مرّة رابعة، مرّة خامسة، وسادسة حتى يتحقّق النصر. فلماذا لم يتحقق النصر من الجهاد أوّل مرة؟ لعدم وجود ظرفه الموضوعي الملائم له.

وليس من ظرفه الموضوعي أنّك تأخذهم إلى الجبال وتدخلهم في أطوار تعليمية هي باطلة ليس لها دور في الجهاد إلّا كعامل مساعد.

أنت ماذا تحتاج الآن في الجهاد؟ تحتاج إلى مقاتل، عامل مساعد وأن يكون صبورًا، عامل مساعد وأن يكون فقيهًا. ولذلك يقول الله -عزَّ وجلَّ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} [سورة الأنفال] ما الذي يعالج زحف الكفار؟ ألا نولّي الأدبار وأن نصبر ونقاتلهم.

لنذهب الآن إلى الصورة التي طرحها والنماذج التربوية التي فرضها علينا. قبل أن نذهب إليها سنعطيكم بعض القضايا التاريخية التي تشكّل معالم قراءتك للحروب الصليبية. الحروب الصليبية تقريبًا خمس حملات صليبية جاءت علينا.

وللذكر فإن آخر حملتين صليبيتين إنّما دُمّرتا من الداخل، يعني الحملة الصليبية الخامسة بادت وانتهت قبل أن تصل إلينا. الحملة الصليبية الرابعة التي جاء فيها ريتشارد قلب الأسد، وهي من أشدّ المراحل، وبعد أن دخل صلاح الدين القدس وبعد أن حرّرها كانت من أشد الحالات بلاءً على أهل الإسلام، ويعترف المؤرخون ومنهم ابن الأثير، أنّه لولا وجود الخصومات والمشاكل بين هذه الحملة لكان الدمار على أهل الإسلام.

يقول ابن الأثير في كتابه الكامل، حتّى تعرفوا الأقدار عندما تجتمع ليكون هناك بداية الصعود وبداية الهبوط. يقول ابن الأثير في الحملة التي أعقبت تحرير القدس وهي سنة 586 من الهجرة، وهي حملة قادها إمبراطور ألماني اسمه "فريدريك بارباروسا"، ولم يظهر الجيل الذي يفتح، يعني مفهوم الجيل الّذي صار مرعب ومستويًا على سوقه وبداية الفتح. الآن سنرى عجائب، وقراءة التاريخ بهذه الصورة قراءة خادعة، وكأنّنا أمام جيل صار جديدًا لا يحقّق إلّا الانتصارات وجيل تربوي فريد، والتاريخ لا يثبت هذا، ليته موجود! لكنّ التاريخ يأباه.

كيف انتهت الحملة الصليبية الثالثة سنة 586 بقيادة الإمبراطور "فريدريك بارباروسا"؟ انتهت أنّ فريدريك بارباروسا ذهب ليسبح فسقط في النهر فمات فاختلفوا ورجعوا، تقاتلوا فيما بينهم ورجعوا. يقول ابن الأثير: "لولا لطف الله بالمسلمين، وتخليصهم من ملك الألمان في الوقت الذي كان يريد فيه اختراق أراضي سوريا، لكان قيل اليوم كانت سوريا ومصر من ممتلكات المسلمين."

الصليبيون دخلوا القدس سنة 492ه، أوّل ممالك صليبية أنُشأت في بلادنا في الرها في الشمال وفي أنطاكيا. حطّين كانت سنة 583ه، يعني 91 سنة تقريبًا. بلاد الشام كانت محكومة من السلاجقة، جاء الفاطميون أخذوها، أنا أتكلم عن القدس وإلا فالحروب بينهم دائمة والمناطق تتساقط مثل لعبة الدومينو، يعني أنت لا تعرف أين يستقرّ ملك أي أحد منهم.

فبعد ذلك لمّا جاء الصليبيون ودخلوا بيت المقدس، لم تؤخذ من السلاجقة بل أُخذت من العبيديين؛ لأنّهم كانوا يحكمون مصر وكانت الخلافة العبيدية مستقرّة فيها.

الآن ما هي الأحداث لنرى أنّ الأحداث متضاربة، الأحداث بعد فتح بيت المقدس على ما ذكرنا، 583 فُتحت بيت المقدس على يد صلاح الدين، سنة 586 جاءت حملة جديدة، وواقع الأمر من كلام ابن الأثير يدلّ على أنّ الأمّة ليس عندها قدرة على دفعهم. أنا أريد أن أسقط صنم الجيل بالمفهوم المطروح، يعني لو كان مفهوم الجيل الّذي طرحه موجود، فسنوات بعد استرداد القدس ماذا سيقول؟ أهلًا وسهلًا بهم بل سنلاقيهم، ولكن هو يقول: "لولا لطف الله -عزَّ وجلَّ- بالمسلمين وغرق هذا الخبيث الإمبراطور الألماني؛ لكانت النتيجة أن صارت مصر وسوريا من تركات المسلمين."

هذه واحدة.

قلنا 583 دخل بيت المقدس، بعد سنتين خسر المسلمون خسارة عظيمة جدًا وهي سقوط عكّا. وعكّا لم تسقط في التاريخ قط إلّا مرّتين بيد المسلمين عندما دخلوا بلاد الشام، والمرّة الثانية، هذه بيد الصليبيين. واضطرّ صلاح الدين أن يرحل عنها، حاصرها الصليبيون من البحر ومن البر حصارًا شديدًا وفي النهاية لم يجد صلاح الدين إلّا أن ينسحب ولم يستطع أن يدافع عنها، ودخل الصليبيون عكّا بعد سنتين من دخول القدس، أين الجيل؟! الحياة دول وليس الجيل يظهر ليغيّر.

وسنرى أكثر من هذا، بعض الملوك عرض أن يعطي الصليبيين القدس مقابل بعض الممالك. سنرى هذا!

سنة 588 هاجم الصليبيون مرة أخرى بيت المقدس من قبل ريتشارد قلب الأسد. هنا حدثت مشكلة، سنة 588 جاء ريتشارد الذي يسمّيه المسلمون ريتشارد "قلب الأسد" وهو من بريطانيا، هو فرنسي ولكن كان يحكم بريطانيا كذلك. وإلى وقت قريب كان القصر الملكي البريطاني الإنجليزي لا يتكلّم أبناؤه -ولا واحد فيهم- الإنجليزية وإنّما يتكلمون الفرنسية.

جاء ريتشارد "قلب الأسد" وجاء بحملته وحاصرهم ليستعيد القدس. تعرفون ما الذي حصل في الداخل مع المسلمين؟ جلس معهم صلاح الدين وقال لهم ماذا نفعل؟ فاختلفوا، شجّعهم، قالوا ندافع عنها حتّى الموت واتفقوا على ذلك، ثم أتاه جماعة قالوا له: "من أولى القدس أم الرجال"؟ جاء إليه مجموعة من القادة العسكريين. هذا هو الجيل!

شيخ الإسلام اضطرّ مرّة في منهاج السنة النبوية أن يظهر ما يُنقد على عليّ –رضي الله عنه-، ليقول للشيعة إذا نقدتم أبا بكر –رضي الله عنه- بهذه فعليّ –رضي الله عنه- أولى بالنقد. هو أراد أن يسقط نقدهم.

فأرجو أن تفهموها ليس باعتبار سبّ المسلمين، هم مجاهدون عظماء، ولكن هذه هي الأمّة، هذا هو الجيل الذي يحقّق النصر، وهو الجيل الذي يحقّق هزائم، وجيل آخر يتحقّق به نصر وتمضي الأمة، وحينئذ يتمّ التوازن. الانتصار يدفع الانتصار. الانتصار النهائي هو مجموعة انتصارات نهائية، وهذا الذي حدث في الحروب الصليبية.

فيمكن أن يأتي الخصم بقوة الثور فينطح ويُهلك، ماذا أنت فاعل؟ تبني وتقاتله وتضربه. ثور هائج وجموع قاتلة كبيرة جدّا، ماذا تفعل؟ تضربه مثل ما يفعلون في مصارعة الثيران حتى تُستنزف قوته فيَهلك. وعلينا أن نفهم أنّ آخر قلعة خرج منها الصليبيون في عكّا خرجوا منها من غير قتال. قالوا ما عندنا قدرة نبقى؛ لأنّ -وهذه قاعدة من القواعد كنت أتمنى للدكتور أن يذكرها- الصليبيين جسم غريب يجب في يوم من الأيام أن يخرج من داخل الجسد، ويفنى الجسم الغريب هذا. هذه هي القاعدة الأهمّ، القاعدة الأهمّ التي ينبغي أن تُفهم في الحروب الصليبية أنّ الجسم الغريب سيزول وإسرائيل ستزول لأنها جسم غريب، لكن ما هو الشرط؟ هو بقاء ووجود المقاومة في داخل الجسم حتّى يموت هذا الجسم الغريب.

وأيّ إيقاف للحظة من لحظات مقاومة الجسد لهذا الجسم الغريب هو موت لهذا الجسم، هو إعطاء الخصم فرصة للتمكين. إذا سكنت عنه وتركته، أنت تعطيه فرصة للتجذّر، وبجيل واحد تنتهي الأمم وبجيل واحد تزول. أنت تتحدّث عن تشكيل جيل وإيجاد جيل، معنى ذلك أنّك تركت هذا الخصم يتحرك بحريّة خلال هذا الجيل، ويصنع القلاع ويصنع الرجال ويأتي بالأذناب واللصوص حتى تصبح هذه المملكة له خاصّة. الطريقة السننية تفرض أنّ الجسم الغريب يجب أن يزول ولكن بشرط وجود المقاومة في هذا الجسم الذي غُرس فيه.

نكمل حتى نرى النماذج البطولية. وأنا مضطرّ أن أذكر النماذج الأخرى حتى لا يُفهم من كلامه أنّ هناك جيلًا غيّر الأمّة الإسلامية. قلنا أنّه لمّا اختلفوا ثاني يوم، جاءت الجموع لصلاح الدين قالوا له: "من أولى القدس أم البشر"؟ فعلينا أن ننسحب، فجعل يرقّقهم. الغريب في هذا الأمر أنّ ريتشارد قلب الأسد انسحب قبل أن يصلوا إلى جواب؛ لأنّه كان عنده مشاكل داخلية، فانسحب. ولو هاجم القدس في مثل هذه الظروف من الاختلافات لعادت القدس بعد سنتين فقط إلى الصليبيين.

سنة 588 ذهب صلاح الدين ودخل يافا، وهذا جيل نصر وهو بلا شكّ حقّق انتصارات عظيمة وأخذ صلاح الدين من الصليبيين بلادًا كثيرة -وصار عليها التفاوض من قبل أحد أبنائه على فكرة، وسنرى هذه المشاكل-، الدكتور يقول: "أنّ الوجود بشر وأفكار وأشياء -مثلما طرحنا في قضيّة الحضارة-. فإذا غلبت صورة الشخص تمّت الهلكة. والأمّة التي تحيا هي التي تعيش أمام نماذج فكرية." الدكتور للأسف غرّر -مع الاعتذار-، يقول بأنّ: "أول مصائب حدثت في الأمّة في قضيّة -هكذا يقدّر وهو تقدير خطأ مائة بالمائة- ظهور الشخصانية مقابل الفكرة وأوّل حالة لهذا الظهور هو نموذج معاوية -رضي الله عنه-". وهي كلمة مرفوضة منه، لا أريد أن أناقشها ولكن مرفوضة تمامًا، وأنا تكلّمت عليها مرّة.

لأنّه في الحقيقة حالة العصبة هي التي تهدم، العصبة وليس الشخص، هي عصبة بمعنى أهل الشام فيهم عصبة يريدون وليس لها شخص معاوية ولا شخص ابنه، وإنّما هي العصبة التي احتاجتها الأمّة بعد أن أصبح هناك طوائف في داخل المجتمع الإسلامي.

القصد أنّه يقول بأنّ أوّل ضربة تحققت لظهور الشخص أمام الفكرة هو نموذج معاوية لتوليته يزيد.

كم ولد أنجب صلاح الدين؟ سبعة عشر ولدًا! كل مملكته تقاسمها أبناؤه. لم يترك وراءه فكرة، أين الجيل هذا؟! يعني السنة ما زالت جارية ما رأيناها تخلّفت. مات صلاح الدين وقد خلّف سبعة عشر ولدًا -أظنّ تسعة أو ثمانية ذكور والبقية إناث- فقُسّمت مملكته على أبنائه. ولا يوم من الأيام واحد منهم قال: تعالوا نعطي هذه الأرض للفكرة وليس للشخص! أبناؤه تنازعوها على طريقة السلاجقة.

قلنا أنّ صلاح الدين دخل يافا سنة 589، وجاءه ريتشارد ولاحقه ولم يقع قتال ولكن وقع الصلح على أن يترك صلاح الدين يافا ويخرج منها، صالحه؛ لأنّه لم يجد عنده القدرة الكافية لقتال ريتشارد قلب الأسد. وللأسف عندما نقرأ هذه الشخصية ريتشارد قلب الأسد في كتبنا وفي كتب النصارى، نجد رعبًا عجيبًا جدًا يعتري المسلمين من هذه الشخصية. حتى إنّهم يذكرونه في كتب العرب الذين يروون هذه الحروب الإفرنجية -نحن ليس عندنا كلمة الصليبيين، كلمة الصليبين لم تظهر في كتب العرب أبدًا هذه من كتب النصارى والأوربيين، يسمّيها المؤرخون بحروب الفرنجة-. يقولون: "كان بسيفه يقدّ الجندي أمامه ويقدّ درعه!" إذا ضربه يقسمه نصفين ما يقسم جسمه فقط بل يقسم الدرع الذي عليه! فكان الرعب شديدًا منه هذا ريتشارد قلب الأسد. فهنا إخفاق.

الآن بعد أن مات صلاح الدين، الوقت طويل طبعا لكن في النهاية ما زال الجيل قائمًا. في سنة 616، أحد أبناء صلاح الدين كان قد أخذ مصر، وأُرسلت الحملة الصليبية الخامسة الشهيرة ودخلوا الإسكندرية ومشى الجيش إلى دمياط من أجل أن يدخلوا القاهرة -وحدثت معهم مهلكة عجيبة جدًا-، قبل الدخول، -و هذه الحملة كانت عظيمة وكبيرة جدًا- كانوا يقولون في ذلك الوقت -وأرجو أن تكون هي نبوءة لما في هذا الزمان-: "مفاتيح القدس بيد مصر"، هذه كلمة كانت تُشاع بينهم. فلمّا دخلت الحملة الصليبية الإسكندرية أَهلكوا فيها وبقي الجيش. نصحوهم أن يتوقفوا قليلًا فأبوا، فدخلوا حتى وصلوا إلى دمياط، وفي دمياط، قبل الذي سيحدث أرسل ابن صلاح الدين -تربية الجيل! أرسل لقادة الصليبيين هذا العرض، اسمعوا ما هو هذا العرض.

طبعًا دخلوا دمياط أخذوها واستحلّوها، وحينئذ أرسل لهم ابن صلاح الدين هذا العرض: يقول ابن الأثير: "إنّ المسلمين عرضوا على الإفرنج تسليمهم القدس وعسقلان -وعسقلان من أوائل المدن التي دخلها صلاح الدين، لكن الآن سنذكر مسألة مهمة في العسكرية- وطبرية وصيدة واللّاذقية –ومدينة أخرى نسيتها- وجميع ما افتتحه صلاح الدين في سوريا من مدن ما عدا الكرت وذلك مقابل إعادة دمياط للمسلمين." السبب لم يقولوه.

جاء ابن صلاح الدين -أحد الملوك من أبناء صلاح الدين- إلى عسقلان وهدم أسوارها فانتهت قيمة عسقلان عسكريًا، وجاء إلى القدس وهدم أسوارها، أوّل فعل فعله صلاح الدين لمّا دخل بيت المقدس منّع أسوارها. لمّا جاء ابنه قال: "تغالبونا على بيت المقدس اهدموا الأسوار!"، هدموا الأسوار فصار كلا الجيشين لا يطمع في دخولها؛ لأنّها لا تشكل أيّ منعة عسكرية لهم.

أنا لا أستطيع أن أحكم عليه في الوقت، لكن واضح أنه ستنتهي حجة الصليبيين فيها. هذا التحريض الّذي يقوم في أوروبا لإنقاذ قبر المسيح وإخراجه من بين يدي الوثنيين سينتهي. تفضلوا خذوه وينتهي الأمر.

فلمّا سقطت قيمة هذه المدن عسكريًا، وقال لهم هذه المدن مقابل دمياط رفض الصليبيون هذا العرض. وكانت النتيجة أنّ الله -عزَّ وجلَّ- أهلكهم لمّا دخلوا في بعض المناطق السبخة هناك، فأطلق عليهم أهل البلد المياه فأهلكوهم. يعني ذهب العرض وذهب الطمع وهلك منهم عشرات الآلاف، وحينئذ تداعوا للصلح، فصالحهم على أن يعيدوا له دمياط مقابل أن يطعم وألّا يقتل بقايا الناجين من هذه المهلكة التي وقعت فيها.

لمّا نقرأ تاريخ الحروب الصليبية نجد أنّ صلاح الدين لا يوجد عنده هذه الفكرة أصلًا، يعني هو بلا شكّ، الّذي نراه أنّ الرجل ربّما يكون عاديًا، ذكيٌ لكنّه عاديٌ قبل الملك، والملك يفتح له الآفاق، هذه قضيّة موجودة في التاريخ. يعني رجل يكون عاديًا لكن تُفتح له روزنة وطاقة من الملك والسلطان، ويكون ذكيًا فيدخل فيها ويلجها، وحينئذ تكبر آلامه وتكبر أحلامه وتكبر آماله بالسيطرة، ومن هؤلاء صلاح الدين.

القارئ لشخصية صلاح الدين، يرى أنّه لم يكن لديه أيّ حلم ولا أمل بأن يكون سلطانًا أو ملكًا أو أن يكون قائدًا. كيف بدأ صلاح الدين وعاش ضمن الظرف الموضوعي الذي هو فيه؟ كان هناك عماد الدين من السلاجقة، بعد أن مات "بركياروق" ولم يخلّف أولادًا فظهرت شخصية عظيم وهو عماد الدين زنكي، عماد الدين زنكي جاهد الصليبيين مجاهدة شديدة وعظيمة، وهو مشهور بالتقوى والصلاح، ومات شهيدًا ويسمّونه عماد الدين زنكي الشهيد؛ لأنّه قُتل من قبل عبيده، دخلوا عليه وقتلوه نائمًا قرب صلاة الفجر. فعُيّن ابنه محمود نور الدين، لأنّه لمّا مات كان له ولدان أحدهما نور الدين محمود زنكي. وهذا بلا شكّ شخصية عظيمة ورثها من أبيه وبدأ كذلك عملية الجهاد ضدّ الصليبيين.

حتّى نعرف كيف ظهرت شخصية صلاح الدين، يعني ليس عندنا هذا الحلم الذي يُغذّى من قبل بعض الناس، أنّ هناك شخصية كانت تخطّط منذ الأوّل: كيف تصنع النصر وكيف تصل للقيادة؟ هذا لا وجود له. لأنّ هناك من يريد أن يوهمنا بأنّ صلاح الدين، كان يحلم أن يحقّق هذا الملك والسلطان ويجمع الأمّة منذ طفولته، وواقع الأمر ليس كذلك. والدليل كالتالي: كانت مصر محكومة من العبيدين، والعبيديون كان لهم وزير خبيث اسمه شاور، يتّفق مرّات مع الصليبيين ويحالفهم فيقاتل المسلمين -وهو عبيدي-، ومرّات الصليبيون يطمعون به فيريدون أخذه.

حدث أن استنجد بنور الدين، قال له: "يا نور الدين قد جاء الصليبيون يريدون أخذ مصر"، فأرسل له جيشًا بقيادة قائد عسكري عظيم اسمه أسد الدين شيركوه وهو عمّ صلاح الدين شقيق والده. وكان أسد الدين قائدًا عسكريا، والظاهر أنّ والد صلاح الدين لم يكن بمثل الخبرة العسكرية، لكن كان حكيمًا؛ لأنّه من القادة المعتبرين عندهم ولكن ليس كقائد عسكري. الظاهر هذا.

فأرسله وأرسل معه أخاه وأرسل معه ابن أخيه، أرسل معه نجم الدين والد صلاح الدين وأرسل معه صلاح الدين وكان شابًا، وبالفعل حدثت معركة عظيمة بين المسلمين وبين الصليبين انتهت بالصلح. انتصر فيها أسد الدين لكن في النهاية لم تُحسم المعركة، وتمّ الرجوع واصطلحوا ورجعوا ورجع الجيش؛ لأنّه قال له: "أنا طلبتك من أجل مهمة دفع الصليبيين" فخوفًا منهم أرجعه إلى الشام. وصلاح الدين كان شخصا واحدًا داخل الجيش.

ثمّ حدثت غزوة أخرى من قبل الصليبيين فطلب من نور الدين أن أرسل لي الجيش، فأرسله حتى إذا اقترب سمع الصليبيون بقدومهم إلى مصر فتولّوا ولم يحدث قتال، فرجع أسد الدين إلى الشام عند قائده نور الدين.

ثم بعد ذلك اختصم شاور هذا الوزير مع الصليبيين، فهددوا بدخول القاهرة، فأرسل لنور الدين: أرسل لي جيشًا، فأرسل له أسد الدين مرّة ثالثة؛ لأنّه صارت عنده خبرة، وأرسل معه والد صلاح الدين وأمّا صلاح الدين فرفض أن يذهب، ليس عنده خطة. الّذين يزعمون أنّه كان مخططًا وذهب إلى مصر وكان هناك تخطيط، لا، بل ولم يكن لديه هذا الحلم أن يكون ملكًا ليصنع شيئًا. هو جزء من منظومة المجتمع الذي يعيش فيه، بصلاحهم وتقواهم وإخفاقاتهم وأخطائهم فرفض أن يذهب، فأجبره عمّه على الذهاب معه، فذهب إلى مصر مجبرًا. سيق إلى قدره العظيم رغم أنفه. المهمّ ذهبوا وبعد أن انتصروا على الصليبيين بقوا هناك ومات عمّه.

وحدثت خصومة قبل وفاة عمّه، وشاور كان خبيثًا ويتآمر عليهم، حتّى أنّه فكر في قتل أسد الدين شيركوه –شيركوه معناها أسد الجبال-، فبعضهم اتصل بأسد الدين قالوا: يخطط لك شاور بالقتل. ومع ذلك رفض أسد الدين أن يقتله، فخرج يومًا للصيد أسد الدين، ولمّا رجع قال له صلاح الدين بأنّ لديه هدية رائعة، قال: "ما هي؟"، فأتى بالأواني معبأ فيها رأس شاور ومن معه من جنوده قال له: تفضل. غضب عليه أسد الدين، ولكنّه قال: خيرًا حصل.

وبعد ذلك مات أسد الدين موتًا طبيعيًا، وصلاح الدين واضح أنّه كان بلا شك ككلّ كردستان">الأكراد والمقاتلين في تلك المرحلة من اختيار هؤلاء، وظهر كقائد وحينئذ اختير فعُيّن وزيرًا بدل شاور عند الملك العبيدي. وأرسل له الخليفة المسترشد يقول له بقطع الخطبة عن الخلفاء العبيدين -وهذه مظاهر فقط- وإحيائها للخلافة العباسية، رفض في الابتداء، وبعد ذلك أعلن وأرسل شارة بإسقاط العبيديين وإعلان الخلافة الإسلامية.

ولأنّه في الحقيقة يريد كذلك الشرعية، صلاح الدين يبحث عن الشرعية، وانتشر صيته وصارت له قوّة وصار له اسم حتى غار منه نور الدين. وحدثت بينهم مناوشات لا أريد أن أمرّ عليها، ولكن لأدلّكم على أنّ المعركة لم تكن بذلك الصفاء. هي معارك بشر وفيها أخطاء، وفيها إنسانية، وهم عظماء بلا شكّ. وما أذكر هذا إلّا من أجل إخراج فكرة الجيل النقيّ الذي يطلبه هؤلاء لتحرير القدس أو لتغيير مزاج التاريخ. وبعد ذلك صلاح الدين بزغ نجمه، ونور الدين أرسل له رسائل، وهو كان يرضيه ببعض المال والهدايا وطلب منه بعض الطلبات، ينفذ بعضها والبعض لا ينفذه حتّى مات نور الدين.

فجاء واقتطع كالعادة المملكة أبناء نور الدين. فجاء صلاح الدين وبدأت اتفاقات مع هذا ضد هذا، أخ ضدّ أخيه وهكذا حتّى انتظم له الأمر، وأخذ دمشق وصارت له ثمّ حدث ما حدث. والقتال المتتالي لم يتوقف حتّى تحررت القدس.

القدس سقطت مرّة أخرى كما قلنا لكم بعد صلاح الدين. كيف سقطت؟ حتّى نواصل هذه القضيّة، قضيّة القدس كأنّها معضلة، انتهت كمعضلة عسكرية. في سنة 627، دخل الصليبيون القدس وأخذوها بماذا؟ سلّم الملك الكامل ابن صلاح الدين بيت المقدس للإمبراطور الألماني فريدريك الثاني سِلمًا. قال له: "خذها من غير شيء ومن غير قتال على شرط فقط ألا تجدد أسوارها". يعني انتهت، ولذلك الصليبيون خرجوا منها بعد أن لم تشكل لديهم قوّة. خرجوا منها بإرادتهم بعد ذلك؛ لأنّها لم تعد تشكل لديهم مركزَ ثقلٍ. هم عسكر وهم جنود، الذين كانوا يأتون من الغرب إلى بلادنا جنود معهم عائلاتهم، نعم! وأرادوا الاستيطان. ومن دلائل الاستيطان، أنّ حملة من الحملات الصليبية الكبيرة جدًا، جاءت من أجل أن تدخل مصر فمرّت على القسطنطينية -والقسطنطينية الروم وهؤلاء صليبيون أتوا من ألمانيا ومن فرنسا-، فوجدوا أنّ بلاد القسطنطينية أجمل ممّا حلموا به في مصر فتركوا أمل الذهاب في مصر، واستقرّوا في القسطنطينية وقاتلوا أهلها حتى أُبيدوا.

يعني قضية الدين وبيت المقدس وكذا هي مقاصد معلنة فقط، يستخدمها الدهاقنة وبطرس النّاسك وبطرس الأعرج وغيره؛ من أجل تهييج الناس، وإلّا فالمقصد غير ذلك كما هو بيّن.

نمرّ على بعض الأمور المهمّة في الكتاب -بعضهم طلب الاختصار اليوم لكن ضروري هذا-. الشيخ الدكتور للأسف، وهذه خطيئة كبرى في الكتاب، يعرض نماذج المدارس الإصلاحية بنماذج مَرَضِيَةٍ. يأخذ المدرسة القادرية باعتبارها مركزًا للثقل والتغيّير -باعتبار الشيخ المربّي عبد القادر الجيلاني-، وباعتبارها مركزًا للتغيير؛ لأنّها كانت في بغداد وهي أوسع، ثم يعرض نماذج لمشايخ آخرين فرعيين تمّ بهم الإصلاح.

وللأسف ابتداءً نشدّد على التنبيه على خطيئة كبرى، أنّه لم يذكر لنا عالمًا في مدرسة الإصلاح الّتي زعم وجودها ليظهر جيل صلاح الدين، وكلّ النماذج الّتي ذكرها هي نماذج صوفية. أبرز دور الشيخ أبي حامد الغزالي ولنا معه وقفات، وأبرز دور عبد القادر الجيلاني ولنا معه وقفات، وأبرز أدوار مشايخ هم من أسباب هلكة الأمّة، وجعل لهم أدوارً ولم يأت للعظماء. يعني المقادسة، سواء الشيخ الموفّق أو أبناء عمّه، هؤلاء عظماء في تلك الفترة، ولهم جهود عظيمة في نشر العلم وتحقيق المسائل والدعوة للتوحيد ومقارعة الباطنية إلى آخره، والشيخ لم يأت عليهم قط.

وأبرز مدرسة أبي حامد الغزالي على ما فيها من كلام، لا أريد أن أفتح الباب ولكن إذا قُدّر لنا يمكن في الدرس القادم نقف عندها وقفات. أبرز مدرسة عبد القادر وفي الحقيقة عليه من الكلام ما عليه، وليس هو مدرسة إصلاحية، عبد القادر جزء من الإرث الذي كان فيه من أسباب الفساد.

من النماذج الفرعية يكفي أن أضرب لكم بنموذج من النماذج، الشيخ عديّ بن مسافر، المدرسة البطائحية أحمد الرفاعي، المدد والغوث! هذه نماذج في الحقيقة، لمّا ترجع إلى كتب الرجال لتبحث عن شخصيتها تجدها نماذج فيها مرض، لم يكن لها أيّ دور لا في الجهاد ولا في العلم ولا في تنقية عقائد الأمة ولا يوجد لهم أيّ وجود.

نحن نرى أبا حامد الغزالي قبل أن يتصوف يعيش بين الناس. يعني كان رجلا أشعريا فقيها شافعيا، وهو مرجع، له ثلاثة كتب هي مرجع من مذهب الشافعية: الوجيز، والوسيط، والبسيط، هذه مراجع. وكان الناس يأتون إليه، عامّة من تعرفون من ابن العربي المالكي وغيره حتّى المهدي بن تومرت. وفي الحقيقة الدكتور واضح أنّه حتّى المفهوم التربوي ضعيف عنده، يعني عندما يجعل المهدي بن تومرت وهو زعيم دولة الموحدين نموذجا إصلاحيا، هذه طامّة! علمت أنّ قراءته للتاريخ وإلى الرجال تحتاج إلى مراجعة. وكنت أتمنّى ألّا أقول هذا الكلام، ولكن هو من باب الأمانة العلمية ولا بدّ منه؛ لأنّ هذا الكتاب الآن مات صاحبه وبقي الكتاب بين الناس، ويشكل فرحًا ورغبة ومحبة أن يُدرس بين الناس.

انظر إلى كلامه، له كلام خطير جدًا في أبي حامد. يقول أنّ أبا حامد الغزالي كان قبل التصوّف في مدرسة الأشعرية الشافعية فلم يجن منها إلا أن يكون آخذًا لبعض ثروات السلاطين بأن عُيّن مدرسًا في النظامية. وكأنّ النظامية وزارة أوقاف، النظامية هي مدرسة أنشاها "نظام الملك"، ولها جهودها العظيمة في الردّ على الخوارج وعلى الباطنية. الذي دمّر القرامطة هي المدارس النظامية الّتي أنشأها نظام الملك السنّي. فكون دخول أبي حامد الغزالي في هذه منقبة له، وليست نتاج الفقه الذي جعله يجني دنيا من الملوك، ثمّ لمّا تصوّف خرج من هذا المستنقع.

ممّا ينبغي أن ننبّه عليه، أنّك إذا قارنت بين عبد القادر الجيلاني وبين الغزالي، فتصوّف الغزالي تصوّف كلامي. هذا حتّى من جهة علمية بعيدة عما نحن فيه، الغزالي لم ينشئ بعد أن تصوف مدرسة تربوية أو رباط صوفي أو تكيّة صوفية أو زاوية صوفية كما أنشأها مثلًا عبد القادر. عبد القادر الجيلاني كان له زاوية في بغداد، حتّى إنّ المقادسة لما جاؤوا من دمشق وذهبوا إلى بغداد باتوا عنده، وبقوا عنده خمسة شهور حتّى مات.

وابن الجوزي ذهب إليها وكان سبط ابن الجوزي كما ذكر في (مرآة الجنان) ذهب وعاش فيها. فكان هناك حضور للشيخ -سواء صح أو خطأ هذا موضوع ثاني-، لكن كان يعيش تربية. الغزالي من كبار المتصوّفة الذين لم يعيشوا بين الناس في تصوّفهم. يعني تصوفه كان كلاميًا، كتابة.

لكن هل أنشأ كما يشرح هذا الطول هل كان الغزالي يخرج الأمّة من واقع سيء إلى واقع جيّد؟ هو ترك مواقع الحروب، ترك الحروب مع الباطنية والضلالات إلى الانعزال، ذهب ثلاث سنوات يذكر اسم الله المفرد في داخل منارة المسجد الأقصى، ثلاث سنوات يقول الله الله الله فقط. حتّى فتح عليه وتركه وذهب فألّف كتاب (إحياء علوم الدين). ولمّا ألّفه كفّره العلماء وهذا ليس كلامي بل كلامه هو. أنا لا أنفي سبب الخوض هذا صح أم خطأ، لكن هو لم يقم بعملية الإحياء بل كفّره العلماء لعقيدته فيه، واضطرّ أن يؤلف كتاب الإملاء على كتاب الإحياء، وهو ردّ على من كفّره لمّا أخرج الكتاب. وهو كان يعيش لوحده لم يعش مع الأمة في جهادها ولا في حسبتها ولا في تربيتها، هذا واقعه. نحن نتكلّم عن الواقع.

وإنّما عاش لوحده يريد أن يصفي نفسه، وألّف كتابه ونشره في الناس، والكتب لا تصنع هذا الصنيع في التربية. نحن نتحدث عن رجل يعيش بينهم. ولمّا وصل كتابه في حياته إلى المغرب، حرقه أهل المغرب. حرقوه ودعا عليهم، وبعد ذلك، المهدي بن تومرت تلميذه ذهب إلى المغرب وأنشأ دولة الموحدين، وأراد أن يذهب عنده. لأنّه بعد أن كان متصوّفًا، يعني أنّه كان منهم، ولكن مات المهدي بن تومرت قبل أن يذهب إليه.

فهذا الآن نموذج ليس هو النموذج الذي أنت تريده لصناعة أمّة جديدة.

نموذج عبد القادر الجيلاني، اقرؤوا ترجمته في سير أعلام النبلاء، له ما يُقال. نعم هو يحتج لأنّ شيخ الإسلام يقول -طبعًا هي ليست لشيخ الإسلام هي مأخوذة من كلام للعز عبد السلام: إنّ كرامات عبد القادر الجيلاني منقولة إلينا بالتواتر-. نحن لا نتحدث عن شخصيته وعلاقته مع الله، نتكلّم كم أحيا في الأمّة وماذا تكلّم فيها؟ ما مقدار العلم الذي يملكه؟ هو لما سُلّم مدارس ليعلّم قال: وقام فيها مقام الوعظ، هكذا يضبطونها، يعني ليس مقام التعليم ولا التغيّير ولا التبديل بل مقام الوعظ. والوعظ مسألة عند علمائنا من القصص التي لا تحدث التغيّير. لمّا يتحدث العلماء يجدّد لها دينها، أيكون التجديد بالوعظ؟

الشخصية الثالثة التي بين أيدينا نمرّ عليها عديّ بن المسافر. عدي بن المسافر تعرفون هو إمام من؟ هو إمام اليزيديين. نعم شيخ الإسلام يمدحه، وأنا أعتقد، وهذا من زمان أقوله قبل هذا الكتاب، لأنّي عجبت من هذا المدح الشديد من شيخ الإسلام لعدي بن المسافر، فوقع في قلبي وأنا أقرأ رسالته إلى أتباع عديّ بن المسافر في زمانه؛ أنّه يريد أن يستخدم صلاحهم في ردّهم عن ضلالهم. يعني يقول لك أبوك كان جيدًا وصالحًا، وإلّا فعدي بن المسافر رجل ذهب إلى الجبال وعاش فيها، ولم يخرج منها حتّى تسعين سنة، ولا يُعرف عنه كتب ولا يُعرف عنه وعظ، له كلمات حتّى قلقة.

وللأسف الدكتور وهذا من أخطائه يحتج بكتاب (قلائد الجواهر) للتادفي، وهذا أصله صوفي، مثل كتاب طبقات الأولياء ومثل كتاب جامع كرامات الأولياء للنبهاني، يعني فيه طامّات ومصائب. فحين يأتي على كرامات عدي بن المسافر نأتي إلى كرامات الصوفية المخزية. يعني هناك من الكرامات ما تُذكر من الصوفية معيبة وهذا منها. فالنماذج التربوية التي تُطرح من أجل إحياء الأمة هذه نماذج تحتاج إلى مراجعة.

ويكفي إلى هنا.

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا.

وأسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن ينفعنا وإياكم.

الكتاب القادم هو ما وعدناكم به قديمًا، وهو كتاب (موقف العقل والعلم والدين من رب العالمين) للشيخ مصطفى صبري شيخ الدولة الإسلامية الدولة العثمانية، آخر شيخ من الإسلام فيها. نعم كتاب كبير لكن أخذتم وقتًا للقراءة أرجو أن نوفّق في عرضه في الدرس القادم.

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرًا.

والحمد لله رب العالمين.

أخبار ذات صلة

أشاد البعض بمرونة حركة النهضة التونسية، واعتبروا تحالف النهضة مع رموز العهد البائد كان حماية للثورة التونسية من انقلاب عسكري مثلما حدث في مصر!! كما ... المزيد

أكد عضو المكتب السياسي لتجمع فاستقم "زكريا ملاحفجي" بأن رئيس الجناح السياسي لجيش الإسلام "محمد علو ... المزيد

تعليقات