البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

كتاب (نذر العولمة) لعبد الحي زلوم.. مناقشة بقلم أبو قتادة الفلسطيني

المحتوي الرئيسي


كتاب (نذر العولمة) لعبد الحي زلوم.. مناقشة بقلم أبو قتادة الفلسطيني
  • أبو قتادة الفلسطيني
    18/02/2016 06:39

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين حبيبنا وإمامنا وسيدنا وقائدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحبه الغرّ الميامين وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإياكم منهم، آمين.

أيها الإخوة الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا هو الكتاب الحادي عشر من مختارات ألف كتاب قبل الممات. وهذا الكتاب لا أريد أن أفصّل كثيرًا في فوائده كمنهج في موضوع فنّ القراءة؛ ولكن أريد أن أنبّه على قضية بنيتها بالاستقراء في موضوع المعالجات العلمية للواقع والأخبار التاريخية.

ابتداءً هذه قاعدة خذوها منّي: لا تثقوا بأي كتاب ألّفه عربي، أتكلّم عن العلوم المعاصرة والتحقيقات التاريخية، فعامّة ما يُقال فيها إنّما هو من سبيل التأملات، والتأملات تكون بعد التجميعات -إن صحت العبارة-، بعد التجميع يكون التأمل، الجماعة عندنا على خلاف ذلك؛ يبدأ التأمل من لا شيء، يبدأ التخيل، ثم بعد ذلك ينشئون القصص أو يلتقطون القصص.

لذلك إذا أردت أن تقرأ كتابًا علميًا بخصوص العلوم المعاصرة والأرشيف المعاصر؛ فلا تُقبل على الكتاب العربي ابتداءً. وتجد كثيرًا من الكتب العربية المعاصرة تسرق فكرة ما أو خبرًا من جريدة أجنبية أو من كتاب أجنبي ويبدأ الكاتب بمزج الرؤى والأوهام والتأملات حول هذه القصة، فتجد أنّ الكتاب ضخمٌ جدًا ولكنّ الفكرة صغيرة! تستطيع أن تستخلصها من المقدمة وانتهى الموضوع، وهذه مشكلة، ولذلك أنت تُضيّع الكثير من وقتك. وتجد هذا حتّى في كتب الثقافة؛ فمن يسمون بالعلمانيين يضخّمون الكتب تضخيمًا مع أنها تراب لا قيمة له ليقولوا بعد ذلك: "أنا ألّفت كتابًا من ثلاثمائة ورقة من القطع المتوسّط" إلى غير ذلك مما يُقال ليفتخر بكثرة عدد أوراق الكتاب.

ولذلك في الموضوع الاقتصادي خاصة والموضوع السياسي التاريخي المعاصر لا بدّ أن ترجع إلى الأرشيف. والعربية">الدول العربية ليس فيها أرشيف. " آفي شليم" كان له كتابين: الكتاب الأول: (التواطؤ عبر الأردن)، والكتاب الثاني: (الملك حسين أسد الأردن). قال أنه لما أراد أن يقرأ تاريخ الصراع في المنطقة؛ زار العربية">الدول العربية وزار دار الأرشيف هنا في الأردن، فلم أجد أرشيفًا البتة! يعني لما جلس الوزراء؛ عن ماذا تحدثوا؟ لمّا تقابلت الشخصية الكبيرة المسؤولة الفلانية مع الشخصية الفلانية الكبيرة الأخرى في بلد آخر؛ عن ماذا تكلموا وماذا قالوا وماذا أثبتوا في محاضر الجلسات؟ قال -وهو مؤرخ-: "لم أجد شيئًا، فاضطررت أن أختصر"، وهو يعتذر أنه اقتصر في قراءته لتاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على ما هو موجود في أرشيف اليهود في الدولة الإسرائيلية اليهودية، فلا يوجد عندنا أرشيف، والناس مضطرون أن يذهبوا إلى كتب وأرشيف الدول التي تحترم نفسها فتثبت كل واقع وبعد ذلك تبدأ القراءة.

كتاب (نذر العولمة) هو ضمن نظرية المؤامرة-، فأنت إذا ذهبت إلى كتاب من الكتب المعاصرة ممّا يؤلّفه العرب تجد النقول والنقول، والكثير منها مكذوب، والكثير منها مُؤوّل، والكثير منها يخدم فكرة –يختار، وهو ما سمّيناه بالقراءة الانتقائية، وهذا باطل-. ولو أردت أن تقرأ تاريخ حكوماتنا المعاصرة منذ أن تشكلت الدولة القطرية بعد الحرب العالمية الثانية وقبلها؛ لا تجد لماذا هذه الدولة تخاصم هذه الدولة؟ من الذي قتل فلان؟ لماذا قام الانقلاب؟ بل تجد كلامًا عامًا.

نحن خسرنا حرب 48 وإلى الآن لم يُكتب في العالم العربي أيّ كتاب ليشرح المعركة أو يقول أيّ شيء عنها، ليشرحها من خلال أرقام. شخصية مثل عبد القادر الحسيني كيف تلتقط أنت معالم حركته الّتي هي جيش الإنقاذ؟ لا تجد. وأنت تعيش في نفس المعركة وتريد أن تعرف كيفية حركة الشخوص في داخلها. الانقلابات في العالم العربي، في سوريا كانت الانقلابات أكثر من الجرائد اليومية -يعني في كل يوم-،كيف هي؟ كيف تنشأ؟ كيف تكوّنت هذه الصيغة لوصول عائلة أو طائفة؟ فمن هنا تبدأ القراءة الضعيفة والقراءة الذاتية، يعني عندما نقرأ (سقوط الجولان) لمصطفى خليل -وهو كتاب مهمّ-؛ ما يرصد فيه الرّجل إلّا المنطقة التي هو فيها، كيف سقطت الجولان من خلال المنطقة التي يعيشها وليس من خلال قراءة كلية للحدث.

نحن، عندما خسروا في 67 وأُخذت سيناء كاملة والتي تعادل ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين؛ الناس يقولون أنها خيانة، لكن ما هي أدوات الخيانة؟ الناس يقولون أنهم ضحكوا عليهم في وقت من الأوقات وقالوا أنها الأسلحة الفاسدة. هل هذا كلام صحيح أو غير صحيح؟ لا تجد.

لو ذهبت إلى المكتبة الأجنبية الغربية لا تجد مفردة واحدة غائبة عن الذهن والبيان والتفصيل والشرح، فالعلم مبذول، والمتخصص يستطيع أن يصل إلى المعلومة بسهولة. وبعد ذلك تبدأ القراءة الذاتية لهم، ولا يعني هذا أنّهم قد وصلوا إلى درجة النزاهة التي وصل إليها المؤرخ الإسلامي، ولكن في النهاية تستطيع من خلال النقل والنقل المضاد والرأي والرأي المخالف أن تستخلص الصواب، ونحن لا يوجد عندنا هذا.

أنا قرأت عن العولمة، ومرة أعطيت محاضرة عن العولمة والجهاد -ومناقشة كتاب اليوم (نذر العولمة) لعبد الحي يحي زلوم لن يخرج عن هذا الإيقاع-، فواحد استمع إلى الشريط واستهزأ بما قلت وقال: "أستطيع أن أقدم أكثر"، فالأخ الجالس سأله كم قرأ عن العولمة؛: فقال "قرأت كتابًا أو كتابين"، قال له: "انتظر"، واتصل بي قال: "يا شيخ، أسألك سؤالًا: قبل المحاضرة؛ قرأت كم كتاب عن العولمة؟"، قلت له: "ممكن أحد عشر تقريبا"، لكن في الحقيقة لا أعرف كتابًا مهمًّا تقرؤه عن العولمة بالعربية إلّا هذا الكتاب، وبقية الكتب مترجمة.

كل الكتب التي كتبت عن العولمة بالعربية">اللغة العربية كلها كلام منثور؛ تدخل في الكتاب وتخرج من الكتاب فكأنك دخلت خطبة جمعة على طريقة الشيخ "الزَّناطِم والرّباعِم"، تعرفون قصتها؟ الزنا طمّ والربا عمّ"، هو يقرؤها: "الزناطِم والرَّباعم"!

والغرب تكلّم عن العولمة مادحًا، تكلّم عنها ذامًا، تكلّم عنها تقويمًا، تكلّم عنها تأريخًا، إلى غير ذلك. وهذا الكتاب (نذر العولمة) هو الكتاب الوحيد الذي ألّفه عربي ويستحق عندي أن يُقرأ، وقبل مدة اشتريت كتابًا عن العولمة بالعربية">اللغة العربية ونفس الشيء: ليس فيه أي شيء يُذكر.

فالقصد؛ اقرؤوا الكتب المحكَّمة، ما المقصود بالكتب المُحَكّمة؟ الكتب التي فُرّغ أصحابها من جامعات محترمة، -وأقول جامعات محترمة من جهة علمية لا من جهة مقاصدية-، فُرّغوا ودُفعت لهم الأموال وأنتجوا هذه الكتب؛ ككتاب (الاستشراق) لإدورد سعيد، هذا دفعوا له مالًا، تفرغ سنتين في أكبر مكتبة في العالم -وهي مكتبة الكونجرس-، لا تجد كتابًا في العالم إلا وهو فيها، أيّ كتاب يصدر لا بد أن تشتريه وتضعه هناك وتؤرشفه. فهذه تُسمى الكتب المُحكَّمة.

وكذلك الأبحاث الْمُحكَّمة من جهات محترمة، لأنّ هناك جهات غير محترمة. وأنا أقول أنها جهات محترمة لأنّها في النهاية تُبنى عليها سياسات؛ يعني هذا الذي يكتب هذا الكتاب سيصبح مرجعًا في جامعته، وهذه الجامعة يتخرّج منها قُوّاد هذه البلد. ومنذ وقت طويل جدًا لم يستلم رئيس وزراء في بريطانيا إلا وهو خرّيج جامعة (كامبريدج)، متخصصون وخرّيجو جامعة ولهم مساقات خاصة بهم، يُحضرون لهم كبار الخبراء والدّارسين ليعطوهم أسبوعًا فقط فيه مساق معين ويقدم فيه امتحان وينجح -لأنّه فصل كامل-، فلهم طريقة تشبه طريقة أسلافنا في تعليم الأشخاص، ليست كطريقة (البقر) عندنا، والطالب المسكين يدخل الصف الأول الابتدائي وينهي التوجيهي وهو فارغ إلّا من كلام عام كبير وفي النهاية هو كلام صغير لا قيمة له، هذا لا يوجد عندهم، يدرس ليصبح قائدًا. وعلى قاعدة "قطرة عرق في التدريب تغني عن إزهاق روح في الميدان"؛ فهو يعلم أن كلمةً خاطئة في داخل قاعة الدرس تعني قرارًا خاطئا غدًا في داوننج ستريت (Downing street ) أو داخل وزارة المالية. من هنا أقول هي محترمة، يعني هي محترمة لأن لها فعاليتها بعد ذلك في الواقع.

القصد ألا تهتم كثيرًا بكتب المعاصرين، القليل منها فيه الفائدة. والكتب المترجمة مع أنّ الكثير منها سيء؛ لكن لأنّ اللغة تكون مرّات عالية، وبعض الناس لا يتقن اللغة الأجنبية فيضطر أن يقرأ الكتب المترجمة لا بد.

وللذكر، أضعف أمة الآن بأعدادها نسبةً إلى الكتب المترجمة هي الأمّة العربية. دولة يهود (إسرائيل) العدد فيها خمسة ملايين وهي تترجم أكثر من الوطن العربي كله! يعني الجامعة العبرية في دولة إسرائيل المجرمة تترجم أكثر من الوطن العربي كله؛ كتب علمية، ووثائقية، وأبحاث مُحَكَّمة، إلى غير ذلك، إسبانيا لوحدها تترجم أكثر من ثلاثة أضعاف العربية">الدول العربية.

هذا لتعرفوا مقدار كم نقرأ وكم يقرؤون، كم يهتمون بملاحقة الإنتاج العلمي. وبالتالي عندما تأتي دولة عربية تريد أن تعلّم الطب بالعربية">اللغة العربية؛ الكلمة صحيحة والشعار جيد، لكن الواقع بلا أرجل. لمّا تُدرّس في جامعة عربية الطب بالعربية">اللغة العربية؛ كيف سيلاحق الإنتاج العلمي؟ اليوم تخرج الإصدارات ومن لا يعرف اللغة الإنجليزية لا يستطيع أن يكون شيئًا، مجرد ورّاق. كلمة ورّاق: فقط هو يكتب على الكمبيوتر للدور الفلاني، وانحلت المشكلة.

فهذا ينبّهنا إلى أنّنا إذا أردنا أن نقرأ التاريخ المعاصر فلنبتعد عن كُتابنا العرب فأغلبهم دجالون كذبة انتقائيون. حتى في حروبنا التي عانينا منها وانتصرنا انتصارًا مبهدلا -انتصارًا بخزي يعني-. أحد القواد قديمًا دخل معركة انتصر فيها، أفنى جيش خصمه لكن قُتل نصف جيشه، جاؤوا يهنئونه قال لهم: "انتصار آخر ويفنى الجيش كله!"، فهذا انتصار مبهدل. إلى الآن جيوشنا تحتفل بحرب 67! اخجل! جيوشنا الآن تحتفل بانتصارنا العظيم في 48، يعني مهزلة.

فتصور مقدار الدجل وتغييب العقل بالنسبة لتاريخنا المعاصر. والقضية طبعًا تطول في هذا الباب ولكني أريد أن أنبه بألّا تضيّع وقتك بالبحث عن الكتب المعاصرة. وهذا ليس هذا مطلقًا؛ بل يوجد نماذج جيّدة ويوجد اختراقات ممتازة لا شك، ولكن هذا الاختراق الممتاز كذلك يكون "طالب لجوء"، هذا الإنتاج يكون كالطيور المهاجرة، طالب لجوء للخارج، لا يستطيع أن يكتب في داخل البلد وإلّا يُلقي بنفسه إلى التّهلكة إذا فعل!

وحتّى التاريخ يُزوّر إرضاءً للضلال، والفساد، والكذب، والدجل.

يكفي هذا ابتداءً لأبدأ معكم في قضية مهمة جدًا. انتهينا من هذه القراءة وهي نصيحة عامة نستطيع أن نضعها في فنّ القراءة، وهي نصيحة لكم حتّى تهتموا بأوقاتكم وتبحثوا عن القراءة النافعة لكم في مسائل العلوم وفي مسائل التاريخ المعاصر.

الآن نأتي إلى نقطة تتعلق بهذا الكتاب (نذر العولمة).

أول قضية من لم يفهمها لا يستطيع أن يشتغل ولا يعمل، ونحن حين نقرأ إنّما نقرأ لنتعبد، لنتقرب إلى الله ولندرك حكمة الوجود ونرى يد الله النافذة في الكون والمحركة لكل شيء بحكمة وعدل ورحمة. وكذلك من أقسام التعبد الذي يعنينا وهو أن نتعلم لنغيّر، لنعرف سنن الوجود. نحن نعلم أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- كانوا عقلاء، وهم إناء الخير، فلا يمكن لهذا الإناء أن يُفعّل الخير الذي هو فيه إلا بعقل سديد، فلا بدّ من العقل السديد، هذا العقل السديد ليس إنتاجًا ذاتيًا وإنّما هو معرفة، هذه المعرفة كانت متاحة لدى الصحابة بحسب أدواتها ووسائلها في عصرهم، وبالتالي نحن عندما نقرأ نريد أن نغيّر. ولا يمكن أن نغير دون أن ندرك ما هو الواقع، ما هي أدوات الصراع، لا بد أن نعرف خصومنا.

القرآن يكشف هذه القضية: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ}، يفصلها لماذا؟ {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ} [سورة الأنعام]. فلا يُعرف الشيء إلا بضدّه، وكلّما كان الضدّ مميّزًا كان ما يقابله مميّزًا -هذه انتهينا منها-. متى يظهر الشيطان ويغضب؟ عندما يكون الحق قوّيًا، ومتى يظهر الباطل بكلّ أفقه وبكل قوته؟ عندما يكون الحقّ قويًا. فلو أن الحقّ تنازل عن بعض حقّه؛ فالباطل كذلك يتنازل عن هذا الباطل الذي لديه، ومن هنا من مهمة الدعاة إلى الله ومهمة العلماء كشف الواقع، وكشف الواقع لا يكون فقط بالكتابة، ولا يكون بالكلمة، ولكن حين نفهم هذه السنّة التي تقدمت وهو أنّه كلما علا صوت الحقّ قابله ظهور الباطل، فكان ينبغي على الحقّ أن يفرض نفسه بأساليب متعددة من أجل أن يُظهر الباطلُ نفسَه ويخرج من جحره إلى الظهور والبيان والوضوح.

هذه نقطة مهمّة وأنا الآن سآتي إليها.

أقول: كشفُ الباطل لا يكون فقط بالطّريقة الّتي يظنّها البعض بأن نتكلم عنه، دورة من أجل أن نكشف الدور الأمريكي في القضية الفلسطينية، ثم ماذا بعد؟! دورة من أجل أن نبيّن اللعبة الاقتصادية التي تُدار حولنا، جزاك الله خيرًا، ثمّ ماذا بعد؟! هذا دور مهم، لكن الدور الأعظم هو تجلية الحق واظهاره، ونحن قلنا أنها القاعدة الأولى وقد أظهرتها السنة النبوية، متى ظهر الشيطان إلى عالم التّأنّس والظهور؟ عندما كانت شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم- بكل الحقّ الذي تحمله قد تألّقت وظهرت؛ فالشيطان اشتدّ غضبه من الحق فقام بإظهار نفسه وهجم على النبي ليحرقه، فمتى يظهر الشيطان ظهورًا كاملًا؟ عندما يتجلى الحق بكل ظهوره وقوّته ويطرح نفسه مصارعًا على أرض الواقع للباطل، الباطل هنا يميط اللّثام ويكشف عن وجهه القبيح وينتهي دور الإنسان ليبدأ دور الذئب.

إذًا المطلوب هو أن تقوم أنت بفرض نفسك على أرض الواقع في معركة حقيقية واضحة من أجل أن يسارع رغم أنفه لإظهار حقيقته. ولذلك لما جاء شيخ الإسلام إلى قوله: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} كما في سورة الفرقان؛ قال بأن مِن نصر الله لأنبيائه وجود الأعداء، ما معناه؟ معناه أنّ الحق يظهر ويبين وتبين معالمه إذا وُجد الباطل، وكلّما فرضت نفسك واقعًا ومقاتلًا للباطل؛ كلّما كشف عن نفسه وتعرّى. في الأول يدعوك للمهاودة والتنازل، لكن كلّما رفعت صوت الحق لديك وفرضت نفسك على أرض الواقع ودخلت في المعركة الحقيقية معه؛ كلما جلّى عن نفسه وانكشف، يضع الشيطان العمامة ويبين عن نفسه.

هذه نقطة مهمة يجب أن نتذكّرها في صراعنا مع الجاهلية، لأن العولمة هي مادّة ووسيلة من وسائل الجاهلية ضدّ الأمم وضدّ البشرية. ونحن من الكتب التي تقدّمت -وهي مهمة جدًا- وهي كلمة أبي الحسن الندوي (ماذا خسر العالم)؛ هل خسر المسلمون فقط أم العالم خسر؟ لمّا الطاغوت الأوربي والأمريكي قام؛ هل خسر الإنسان الإفريقي أم لا؟ مع أنّه غير مسلم لكن خسر. فالعالم خسر بانحطاط المسلمين، المدافع الحقيقي عن العالم هو المسلم، وحين يخرج المسلم من معادلة الصراع؛ فإنّ الشيطان يرعى الغنم -على قاعدة الأستاذ رفاعي سرور (عندما ترعى الذئاب)-، العالم يصبح مجرد غنم وتأتي الذئاب فتفترسه، وهو ما ذكره عبد الحي يحي زلوم في كتابه، العالم يصبح ثمانين بالمائة مقابل عشرين بالمائة، وهذه في الحقيقة نسبة خاطئة، هي ثمانية وتسعين مقابل اثنين في المائة، والاثنان في المائة بدأت تتقلص.

يعني تصور الذي يتحكم في أكثر من تسعين في المائة من نقد العالم وأموال العالم وثروات العالم فقط اثنان في المائة، ليس من كل العالم، اثنان في المائة من الأثرياء ومن نسبة الدول الغنية الثرية، وإلا فبقية الدول ما فيها، ولكن النسبة موجودة، يعني في الأردن الاثنان في المائة موجودة، بالرغم من ذلك أقول هذه النسبة بدأت تتقلص، يعني الآن يمكن نصف في المائة والبقية مجرد غنم على قاعدة اليهود.

وبالتالي الذي يجب أن نفهمه هو: ما هي الطريقة المثلى لضرب نظام الجاهلية؟ تبدأ هذه المسألة عندما نفهم الجاهلية على حقيقتها. وهذا الكتاب لم يستطع أن يصل عبد الحي زلوم فيه إلى هذه الأفق من هذه المسألة، وهو ظنّ أن مسألة الصراع بين النّظم هي في طرحها على الواقع؛ فمن ينجح هو الذي يبقى، وهذا غير صحيح. هل هناك صراع عادل وحلبة عادلة بين ما هو صحيح وبين ما هو خطأ في العالم؟ إذًا لماذا ينتصر الباطل كثيرًا في تاريخ البشرية؟ إذًا الصراع لا يقوم في قضية مناظرة الصراع بين الحق والباطل وبين ما هو حسن وبين ما هو سيّء، ليست معادلة كلامية، ولا صراعًا على من يستطيع أن يثبت نفسه، لا، بل هي صراع بين ذئب يشتهي الدماء، وبين ضعيف! حمل لا يقوى على الدّفع عن نفسه ولا يستطيع دفع الشّر عنها.

وبالتالي علينا أن نعرف الواقع حتى نفككه. وبهذا نكتشف خطأ كثير من الذين يريدون أن يبنوا دولة الإسلام في واقع جاهلي ترتبط هذه الدولة الإسلامية بشرايين حياتها مع الجاهلية. هذا لا وجود له.

تبدأ القصة كالتالي:

أولًا بمعرفة تراكمية، والعالم يتقن هذا، يعني أنه في أساليب الشر تتراكم المعرفة، الأخلاق لا تتراكم، لأنّ التراكم المعرفي الأخلاقي لا يوجد، ويوجد تراكم معرفي تقني، كل زمن تتقدم فيه الصناعات، لكن الأخلاق لا تتقدم. قيم الأخلاق لها معيار واحد مثل المتر لا يزيد ولا ينقص؛ فالصدق هو الصدق والكذب هو الكذب والأمانة هي الأمانة إلى آخره. فالعالم لا يتقدم في معاييره الأخلاقية ولكن هناك تراكم معرفي تقني، ومن التقنية أن تكتشف كل يوم طريقة جيدة في هزيمة عدوك، كما أنك تكتشف الأسلحة المادية، تكتشف طرق إذلال عدوك وهزيمته.

ونحن تكلمنا في كتاب (سيكولوجية الجماهير) عن كتاب (الأمير)؛ فهي جزء من التراكم المعرفي في إذلال الشعوب وإخضاعها، فهذه الجاهلية قرّرت بأنّ حكمها يجب أن يكون هو العالم.

وذلك الصراع الذي دار في أوربا ليس فقط صراعًا على أوربا؛ هو صراع على العالم. حركة الاستكشاف هي لأنّ الجيب الأوربي لم يعد يكفيه الخيرات التي تأتي من العالم القديم، استنزف طاقات وقدرات وثروات العالم القديم فبحث عن عالم جديد ليستنزف ثرواته، ومن هنا كان لا بد أن نقرأ كتاب (المسيحية والسيف) لنرى كيف اكتشف العالم أرضًا جديدة لأنّ الجيب والنّهم الإنساني لا ينتهي: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا)، وهكذا النهم البشري نهم ذئبي لا يشبع من الدماء، هذه قضية بشرية، وهذا الأمر من طبيعة الشر ومن طبيعة الإنسان ومن طبيعة حركة التاريخ.

وبالتالي العالم اكتشف أنّه لا بد أن يُصيغ نظمًا متكاملة من أجل أن يبسط سلطانه على العالم، لا نستطيع أن نقول أبديًا وإن كانوا قد ظنّوها في وقت من الأوقات. كيف ظنّوا أن الصراع قد حُسم إلى أبد الآباد؟ ذلك تجده في كتاب (نهاية التاريخ) لفوكوياما؛ ظنّ أنّ المعركة انتهت وأنّ أمريكا هي وارثة حضارات البشرية جميعًا ولا توجد فيها عوامل الاندثار التي وُجدت في الحضارات السابقة فانتهى الصراع وأُغلق كتاب التاريخ وهذه نهاية التاريخ، أُغلق كتاب التاريخ وانتهى الصراع وبقيت فقط مناوشات من المسلمين والبعض من العرق الأصفر وجماعة عندهم نظرية البناء الحضاري والنزوع نحو الآخر والغزو، ولكنّها تحت السيطرة! ظنّوا هذا، ولكنّهم في الأساس أقاموا نظمهم لعدم فتح باب من أبواب النفاذ لخصوم الجاهلية ليخترقوها.

ومن هنا فكل ما يُقال لكم عن أنّ الديمقراطية تستطيع بها التغيير هذه "حمرنة" -كلمة "حمرنة" الكل صار يستخدمها-. الجاهلية لا تعطيك السلاح لتذبحها، الديمقراطية وُضعت من أجل صراع أهل البيت الواحد، وليس من أجل صراع خارج البيت مع أهل البيت فيعطيك بيته! الديمقراطية من أجل ترتيب صراع أهل البيت الواحد؛ صراع (conservative) الكونسارفاتيف مع العمال، يعني المحافظين مع العمال، الديمقراطيين مع الجمهوريين، أهل بيت واحد. لكن يأتي شيوعي يحكم أمريكا بالديمقراطية؟ ويأتي مسلم من خلال النظام الديمقراطي ليزيل نظام الجاهلية؟! يعني أنا أعجب لمن يفكر هذا التفكير.

ولأنّ الجاهلية ذكيّة لن تعطيك إلا ما يحقق من دمك أسباب قوتها ومناعتها ودوامها، والأمثلة كثيرة لكن كما قالت الضُبّع: "إنّ في فمي ماءً وهل يتكلّم من في فيه ماءٌ؟"، فالبقية عندكم، أنه لم تُفتح الديمقراطية في بلد عربي، الديمقراطية هناك، مأسورة للشعب في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، هي مأسورة بمجتمعاتها لا يستطيع المسلم أن يصنع شيئًا، لكن فُتحت الديمقراطية في بلاد المسلمين من أجل أن تحقق مقاصد الجاهلية. وإذا قيل: هل دخول المسلمين في اللعبة الديمقراطية يقوّي الجاهلية؟ فالجواب أن هذا من أسس الجاهلية، الناس يجهلون أنّ الديمقراطية من أسسها وجود الأغلبية والأكثرية، لا وجود لنظام أو شيء اسمه ديمقراطي إلا بوجود هذا التقسيم: أكثرية وأقلية، لا تُسمّى ديمقراطية دونه؛ فوجودك أنت المسلم المعارض في نظام جاهلي قائم، وجود مسلم مصارع يحقق معنى الديمقراطية التي صارت إلهًا يُعبد ومجرد ذمّه يُعتبر قدحًا.

ويكفي هذا.

فلذلك نقول إن الجاهلية -وهذا الكتاب يثبت ذلك- بسطت سلطانها في كل جوانب الحياة على أسس عالمية -انتبه هذا مهمّ جدًّا-. التفكير الذرّي الذي يعيشه الفقيه لا يصلح لمعالجة مشكلة عالمية، عندما تذهب لشيخ مشغول بمشكلة الفرد المسلم في أداء زكاته؛ هذا لا يصلح لحلّ المشكلة الإسلامية، هذا يُسمى تفكير ذرّي. ولذلك إذا سألت الشيخ عن نظام بلد أنه يطبّق الإسلام؛ لا يوجد شيخ مسلم على ظهر الأرض يستطيع أن يحاكم بلده بالنسبة للعلاقات والنظم الخارجية. يعني فقط أنا أسألكم: أعطوني كتابًا واحدًا أو فتوى سمعتموها في حكم الانضمام إلى الأمم المتحدة؟ هل سمعتم شيخًا يتكلم عن هذا الأمر؟ لا يوجد. العقل الذرّي الذي يعيشه الفقيه لم يستوعب الإسلام في حركة الوجود المعاصرة، إنّما كل الكلام عن الإنسان الفردي، فإذا زاد قليلًا تكلم عن الأسرة، إذا زاد قليلًا تكلم عن المجتمع في داخله ضمن الإطار الذاتي البسيط الذي يعيشه، والغرب والجاهلية هذه قضيةٌ تبعيةٌ وليست أصلية.

يعني الحديث أن تكون أنت مسلمًا صالحًا؛ هذا من ضمن صلاحية ومن ضمن الأفعال الجاهلية التي تسمح ببقاء الجاهلي، أن تكون أنت موظفًا صادقًا، موظفًا نظيفًا، تذهب إلى دوامك في وقت الدوام وترجع وتصلي ويدك أمينة من أجل تقوية الهيكل الجاهلي، ولذلك هو جيد، نعم هو عمل إسلامي؛ لكن هو في النهاية خادمٌ للجاهلية. ولذلك هذا الجانب الفردي الذي يطالب به المشايخ هو في الحقيقة "برديش" يمد الجلوكوز والكلوكوز للجاهلية.

فالنقطة التي يجب أن نفهمها في هذا الكتاب هي أن الجاهلية كيان دوليّ عالميّ، ما الّذي صنعه؟ صنع من المؤسسات ما يحقق السيّطرة على العالم ليضبط حركة الوجود ضمن حركة الجاهلية. أريد أن أستعير كلمة لواحد مكث خمسة وثلاثين سنة، وهذا الكتاب تضعونه، وهو الكتاب القادم اسمه (الحرب العالمية الرابعة) لدي مارينشز الفرنسي، هذا الرجل خمسة وثلاثون سنة وهو رئيس المخابرات الفرنسية من زمن ديجول حتى استقال في زمن صديقه ميتران الرئيس الفرنسي.

يقول هذا الخبير –وكتاب (الحرب العالمية الرّابعة) ضروري وواجبةٌ قراءته: جاء خورتشوف على رأس النّظام الشيوعي -وهو ثالث زعيم لهذا النّظام بعد لينين وستالين-، ثمّ أزالوه -وسنتكلم عن سبب إزالته وهي قصّة رائعة-، المهمّ أنّه في يوم من الأيام ذهب لزيارة أمريكا وكانت زيارته لها لضرب النظام الشيوعي في الأرض، وهو كان نكتيًّا وإنسانًا فلاحًا بسيطا ونظيفا، وآمن بالشيوعية إيمانًا حقيقيًّا وليس مثل غيره، لأنّه فلاح! فلمّا رأى الأمم المتحدة؛ خطب فتناول حذاءه، وحاول القذافي أن يقلده، أراد أن يمسك الأمم المتحدة ويرميها. لكن كيف المقارنة بين رئيس الاتحاد السوفيتي -الذي هو قطب العالم الثاني في ذلك الوقت-، وبين واحد صايع، يعني أكبر ألقابه "ملك ملوك إفريقيا"، "ملك ملوك القبائل المنتهية في إفريقيا"، انتهت صلاحيتها.

فهذا خورتشوف خلع حذاءَه وضرب الطاولة في الأمم المتحدة وهو يخطب، قال لهم: "كل كلامكم فارغ وأنتم آتون لتضييع الوقت وتتكلمون بكلام ليس له قيمة وهذا لا يساوي ضربة حذائي هنا"، وترك الجلسة ورجع إلى روسيا. هذه إهانة للنظام العالمي.

ماذا يقول دي مارنشيز في كتاب (الحرب العالمية الرابعة)؟ قال: "حتى وهو يفعل ذلك هو يتعامل مع العالم ضمن خطوطه، ولم يخرج عن خطوط الصراع". يعني العالم يصارع ضمن موازين وضمن خطوط"، فلو افترضنا أنّ العالم يقاتل من خلال خطوط الطول؛ فخورتشوف لم يكن يقاتل ضمن خطوط العرض، هو لا زال يقاتل ضمن الخطوط العالمية، ضمن نظام الجاهلية، يعني لم ينسحب من الأمم المتحدة، لم ينسحب من بنك النقد الدولي، إلى آخره. قال: "حتّى وهو يضرب الحذاء على طاولة الأمم المتحدة لم يخرج عن النظام الدولي، ما نخاف منه هو ظهور رجل في العالم العربي الإسلامي يخرج ويقاتلنا ضمن خطوط مختلفة عن خطوطنا".

هذا الرجل، الذي أصلًا لما استقال لم يكن للإسلام وجود في فاعلية مثل اليوم، ومع ذلك كان يرى بأنّ الخوف الأعظم أن الأمّة الوحيدة القادرة على أن تنجب رجلًا يخالف الخطوط التي يمشي بها العالم هي الأمّة المسلمة، ورأى أنّ الإسلام قادم ولكن ينقصه رجل قائد يقود ليقاتل العالم ضمن خطوط مختلفة عن خطوط القتال المتعارف عليها ضمن النظام العالمي والنظام الدولي.

ما يهمّنا في الأمر أن نعرف بأنّ العالم مرسوم، هذا ليس من نظرية المؤامرة، هذا شيء متفق عليه.

الآن نصل إلى نقطة ما هو التمثيل؟

الأستاذ عبد الحي لا يتكلم عن الجانب السياسي، ويقول بأنّ الجانب الاقتصادي يخدم السياسي. أين النظام السياسي الذي فُرض على العالم؟ هو الأمم المتحدة، والخمس دول أو الأربعة دول غير أمريكا رفضت أن تدخل في الأمم المتحدة حتى يُكوّن مجلس الأمن وتوضع في عضويتها الدائمة حقّ الفيتو. فالعالم مرسوم في نظامه السياسي، والآن أيّ دولة تريد أن تخرج عن النظام يجتمع مجلس الأمن فورًا ويضعونها تحت المادة السابعة وكذا ويفرضون عليها وانتهى؛ فالعالم لا يخرج على النظام السياسي الذي بُني خلال هيكلية الجاهلية الكليّة.

فإذًا ضُبط العالم سياسيًا من خلال الأمم المتحدة وأنظمتها ولا يستطيع أحد أن يخرج منها إذا أراد أن يخرج منفردًا. لو أراد أيّ نظام أن يخرج منفردًا لا يستطيع، هم يسمحون له ولكن لا يستطيع أن يعيش، الكلاب تبدأ بالنبح عليه ثم بعد ذلك يُلجؤونه كما تفعل الأنظمة: يذهب الوزير أو رئيس المخابرات -موكب واحد- ويلتجئون إلى الرئيس الأكبر. الطريقة: يضربونه، لأنّ الرجل لا أحد يحتاجه فلا بد للناس أن يحتاجونه، يشغل كلابه في الخارج فيعضّون ويهربون، وأين يهربون؟ يهربون إلى بيت الزعيم، هذه هي الطريقة. يعني سهل جدًا في النظم، هناك أساليب كثيرة لإلجائك رغم أنفك إلى الحظيرة، فهو نظام مرسوم.

ما الذي أعطى أمريكا حق الفيتو، ما الذي أعطى الصين حق الفيتو؟ النظام والجاهلية الوقحة. بعض الناس يظنّ أن الجاهلية أديبة محترمة، يعني يخرج الناطق الرسمي لوزارة الخارجية لدولة محترمة تدعو للسلام والعدل والمساواة فيتكلم كلامًا أديبًا، وهذا لا يعنيه، هو يخرج ليتكلم على قاعدة ستالين؛ قيل لستالين: "البابا زعلان منك" -وهذه حقيقة-، قال لهم: "البابا كم دبابة عنده؟"، يعني يخوّف أو لا يخوّف؟

فالعالم ليس له منطق الأدب والعدل والأخلاق، هذا لا وجود له، هذا فقط من أجل الكلام، وإلا فالعالم كلّه يعرف، وهم يعرفون، وشعوبهم تعرف، وأصغر "زبّال" في العالم يعرف بأنّ الأخلاق لا وجود لها في هذا العالم المتوّحش، فقط مساكين جماعتنا ومشايخنا، وأنا لم أجد في الوجود أغبى منهم، كذلك الحركات الإسلامية التي تقول وتناشد مؤسسات المجتمع المدني والعالم المتمدن! لا إله إلا الله، هل له عقل هذا الرجل أم لا؟!

فضُبط العالم سياسيًا من خلال الأمم المتحدة، وضُبط العالم اقتصاديًا من خلال بنك النقد الدولي، والكتاب كله يدور على هذا.

النقد الدولي شعاره في الابتداء هو ضبط أسعار المال وإعطاء النصائح للحكومات كيف تخرج من الأزمات الاقتصادية، إعطاء المال للدول الفقيرة، وكلّها شعارات جميلة. والواقع أنّه لا يوجد مرة واحدة أنقذ فيها بنك النقد الدولي دولة، هو مجرّد سلاح فتّاك في يد الطاغوت الأكبر، دائمًا هم يضعون موزعيهم.

بنك النقد الدولي أعطوه لرئاسة أوربية، والبنك الدولي معطى لأمريكا، هذا هو التقسيم. وبنك النّقد الدولي -وهو الأخطر والأشرس- هو الّذي له السيطرة على النظام المالي في العالم.

وهنا السؤال: كيف نشأ النظام المالي؟ وكيف هو مضبوط؟ لأن هذا يحلّ لنا مشكلة غباء جماعتنا الذين أخرجوا لنا دنانير ذهبية قبل مدة!

القصة بسيطة في ظهور ما يُسمى بنظام النقد الجديد الذي بدأت تسميته ب"البنكنوت" حتّى نفهم الأسس ونعرف كيف نحمل، وهذا الذي يهمنّي في الكتاب، الكتاب كلّه مليء بالأخبار والقصص ليمثلّ لك بأنّ ما تراه صراعًا على المبادئ والحقوق هو صراعٌ بين الذئب والحمل. وقصة الذئب والحمل تعرفونها، والدي حكاها لي من ثلاثين أو خمسة وثلاثين سنة، قال: "يا بنيّ، الذئب أتى للخروف الصغير الطليق قال له أريد أن آكلك، قال له: لماذا؟ قال: لأنك تعكر عليّ الماء، قال: أنا أشرب من ورائك ولا أشرب من أمامك، قال له: لكن يمكن أبوك هو الّذي يعكّر عليّ الماء، قال له: أبي مات من زمان، قال له: لا يهمّ مات أبوك، تشرب من ورائي، قرّرت أكلك".

فهو نظام متوحش، لكن كيف نفهم هذا النظام؟ هناك كتاب (الربا) للأستاذ أبي الأعلى المودودي كشف فيه هذا، والكتب كثيرة، لكن هذا كتاب عربي موجود يشرح الطريقة بطريقة سهلة ووسيلة جميلة. أنتم تعرفون أنّ الربويين في العالم هم اليهود، وتعرفون قصة تاجر البندقية لشكسبير، شخصية "شارلوك" مشهورة وهذه الشخصية هي شخصية تبيّن أنّ الأوربي يعرف أن الربوي شرّيب الدم، الذئب المتوحش هو اليهودي، وهذه قضيّة معروفة، -سنناقش نحن هذا إن شاء الله ببعض الكتب التي تشرح النفسية اليهودية-.

هذا الربوي اليهودي يقترض النّاس منه الذهب فيعطيهم ذهبًا، يأتي واحد يقول له أريد مائة دينار من الذهب فيعطيه المائة دينار -وللذكر فإنّ كلمتي دينار ودرهم من أصول غير عربية، هي مترجمة من لغات يونانية قديمة ولكنها عُربت-، فيأتي إليه يقول أريد خمسين دينار يقول له الخمسين ترجع لي مائة. اليهودي تفتّق ذهنه، قال لماذا أعطيه ذهبًا ويرجع لي ذهبًا أنا سأعطيه ورقة تثبت أن له عندي مائة دينار ذهب أو خمسين دينار ذهب، فماذا تريد بالخمسين دينار؟ قال أريد أن أشتري هذ البيت، قال له سهل اذهب إليه بهذه الورقة ككمبيالة مثلًا أو وثيقة ديْن أنّ لك عندي خمسين دينار. وأنا أعرف أنّ هذا الرجل يقبل ورقتي لأنّه يعرف أنّه إذا جاء بهذه الورقة يطلب مني خمسين دينار سأعطيه إيّاها.

ولوجود الثقة والمعاملة الطويلة اكتسب هؤلاء الربويون العتاة المجرمون ثقة شعوبهم من خلال التعامل المالي، فيعطونهم الورقة فيأخذونها، يقول: أنا أتيت لأشتري هذا البيت ولكن معي هذه الورقة تثبت أنّ لي خمسين دينار عند الربوي، وهو أعطاني بدل الذهب هذه الورقة، فيقول له: نعم صحيح. فبدأ يوزّع أوراقًا. ماذا استفاد؟

كان الأول عندما يعطي الذهب -وهذه الذي اجتنبها الإسلام أعظمَ اجتناب-، هذه الورقة (البنكنوت) – تركيب انكليزي مكوّن من كلمتين: بنك ونوت- أعطت قوّة للربوي بأن استخدم أموالًا أكثر من الحقيقة. لأنّنا لو افترضنا أنّ للربوي مائة ألف دينار ذهبي وجاء عليه عشرة كل واحد يطلب ألف إن كان يعطيهم الألف سينتهي ما عنده، وإذا أتى له واحد آخر قال له أعطيني ألف يقول ما عندي.

انتبه هذا مهم جدًا، لا أنّه سيبيّن لك فساد اليهودي ولكن سيبيّن لك بعد ذلك فساد الحياة الاقتصادية المعاصرة. هو يستطيع الآن أن يعطيه ورقات أكثر، عنده مائة ألف دينار يستطيع أن ينفق مليونًا! والناس لا يعرفون عدم وجودها إلّا عند وقوع الإفلاس أو الدعاية الكاذبة أو يقع قدر ما فيذهبون كلّهم مرة واحدة فيكتشفون أنّه ما عنده. نزول الأموال الكثيرة تحيلنا إلى المساوئ التي نعيشها في هذه العصر.

بعد ذلك هؤلاء الربويون انتشرت أوراقهم، وكالعادة الدولة طاغوت في كل أدوار البشرية وأطوارها، الدولة دائمًا تريد أن تلتهم وتبتلع مثل النار، في كل زمان، حتّى إنّها تبتلع العلماء وتدخلهم في الحظيرة. حالة الدولة شيء وجودي ضروري لكن من طبيعتها أن تغتال المجتمع مع أنّ المجتمع هو الذي ينشئها. وهذه سنشرحها إن شاء الله في الصراع التاريخي في تاريخ إسلامنا بين الدولة والعلماء؛ العلماء هم الذين يعطون شرعية الدولة، لكن الدولة بعد ذلك تحاول أن تبلعهم. من هنا؛ الصراع منذ عصر التابعين بعد أن انتهت الخلافة الراشدة إلى يومنا هذا هو صراع بين الدولة والعالِم، من الذي انتصر؟ الدولة طبعًا، والعلماء كلهم صاروا في الحظيرة. طبعًا إذا قلت كلمة الحظيرة فورًا تتذكرون كلمة أحمد مطر "الثور فرّ من الحظيرة".

فالدولة لما رأت هذا تدخّلت وأرادت أن تنفخ النفخة المباركة! فجاءت لأنّها رأت هذا فتغوّلت وأعجبها هذا النظام فأخرجت ورقًا ونفخت عليه فصار له قوة النقد، وهي في الابتداء أعطته ما أعطى الربوي من قوة. كيف اكتسبت ورقات الربوي القوة؟ من خلال الذهب بين يديه، والدولة كذلك لأنّها تعطي الأجور للناس فتقول لهم: خذوا وإذا تريدون الذهب نعطيكم، وبقيت أمريكا للسبعين حتى جاء نيكسون وهي تقول: أي واحد يريد الدولار مقابل دولار ذهب نعطيه، ثم قالوا: لهم انتهى. هذا أول المكر، في السبعين نيكسون قال: أنهينا ارتباط الدولار بالذهب، لا أحد يطالب بالذهب، لماذا؟ نتكلم عنهم إذا معنا وقت، كيف تكتسب العملة القطرية قوتها.

فإذًا الدولة دخلت في هذا النظام وصارت تعطي أوراقًا مثلهم، وسحبت أوراق الربويين وأعطت مقابلها الذهب للربويين وأخذتهم وأصدرت بدلًا عنها ورقًا جديدًا وبهذا انتشر الورق النقدي. هذه الدولة ليس لها ضابط.

طبعًا الذهب قديمًا الذي تتعامل به الشعوب حتى الطاغوت دخل فيه وأزال بسبب فسادِه معياريَّتَهُ. صارت كل دولة لها دار ضرب، تُسمى في العربي دار الضرب -أي التي تطبع الذهب والفضة-، فيأتي الحاكم حتى يكتسب قوة أكثر يخرج ذهبًا مغشوشًا، الدينار الخاص به يكون مغشوشًا، يضع فيه أربعين في المائة أو خمسين في المائة من النحاس فيأمر ويجبر كل تاجر وكل إنسان دخل بلاده أن يستبدل الذهب الذي جاء به من الخارج نقيًّا بالذهب الذي يعطيه إيّاه، فيخرج وقد أعطاه نصف الذهب فقط! يعني حتى الذهب تلاعبوا به. الإنسان شرير وصراع الحق مع الباطل لا ينتهي، وهذا للأسف موجود في العالم.

وللأسف في تاريخ أمتنا أيضا موجود، وأكثر من فعلها مماليك مصر، كانوا من أفسد الناس في هذا الباب، ويجبرون الناس، ممنوع البيع والشراء في داخل القطر إلا بالذهب الذي يخرجونه، فيضطر الرجل ليبدل الذهب الذي معه بالذهب الخاص بهم حتى تتمّ اللعبة وتبقى وتستمر.

هذا البنكنوت -أي الورق النقدي- في العالم قلنا أنه كان من فساده أن انتشر النقد أكثر من الذهب والفضة. وهذه نقطة أرجو أن تنتبهوا لها، من أين اكتسب الذهب والفضة معياريتهما؟ من فطرة الخلق الإلهي. البشرية كلها مجمعة على الذهب والفضة، فدلّ على أن الذهب والفضة فيهما معيارية النقد في الوجود بوضع الخلق الإلهي.

الله خلق الوجود متناسبًا، والإنسان يدمّره. كيف؟ الفيلة في العالم ضرورة، فيذهب ويقتلها. وقد نهى رسول الله عن قتل الأمم، فقد كان أمر بقتل الكلاب ثم نهى عنه، وعلّل المنع بأنها أمّة من الأمم. يعني أن الوضع القدري في الوجود متوازن، يأمرك بقتل الأفعى لكن لا تستطيع أن تقتلها كلّها؛ فإنك لو أفنيت أمّة من الأمم لاختلّ التوازن في الوجود، إفناء أمّة من الأمم يصنع الاضطراب في الوجود، والاضطراب ممنوع، يجب أن يكون الكون متوازنًا. ولَمَّا تذهب تقضي على الفيلة في العالم يصير اختلال في الوجود، مثل الذي أتى ب"الزقير" ووضعه في داخل المطار حتى يطرد الحمام. وفي بلاد قضوا على الحشرات الزواحف فنتجت مصيبة أخرى بدلًا منها؛ فالعالم متوازن والقضاء على أمة من الأمم يصنع الاضطراب.

فالله -عزَّ وجلَّ- لمّا وضع فطرة الذهب والفضة معيارًا نقديًا في العالم؛ أوجد التوازن، والعالم لا يصير فيه اضطرابات. من أجل ذلك -وهذا يتكلم عنه يحي زلوم- منع الشارع اتّخاذ الذهب والفضة تجارةً وبضاعة؛ لأنّ المعيار سيكون متقلبًا يطلع وينزل. الباذنجان يطلع وينزل على قاعدة آدم سميث: دعه يعمل دعه يمر. نهى رسول الله عن تلقّي السلع، نهى عن بيع بادٍ لحاضر، قاعدة الإسلام: دع الناس ينفع بعضهم بعضًا، ارم في السوق واترك العالم متوازن.

ولكن لا يجوز أبدًا أن يُتاجر في الذهب والفضة، من أجل هذا لمّا تباع؛ يجب أن تباع يدًا بيد، لكن ما دام يدًا بيد ومتماثل؛ فلماذا أبيع؟ خمسين كيلو ذهب بخمسين كيلو ذهب، لماذا أبيع؟ لأنّه لو دخل هذا المعيار ميزان البيع والشراء لاختلّ الوجود. مثل ما ذكرنا: لو ذهبت أمّة من الأمم يختل الوجود. ولو صار الذهب والفضة -وهو معيار السلع في الوجود ومعيار النقدية- لو دخل فيه الفساد لفسد الوجود.

هذا ماذا نستفيد منه؟

النقد الآن بسبب العولمة فتحوا لكم ما يُسمى بسوق الأوراق النقدية، وحتى تصبح أنت دولة رأسمالية ويأتي عليك المتنافسون والاقتصاديون؛ لا بد أن يكون مالك عرضة للنقد الذي تتعامل به، الدينار والريال والدولار يجب أن يكون بضاعةً داخل سوق النقد الذي يُباع في بلدك، ويدخل عليه الآخرون يشترونه ويبيعونه حتى يحافظوا على توازنه. في الحقيقة حتّى يُدمّروا الاقتصاد متى شاؤوا!

كيف يُدمرون الاقتصاد متى شاؤوا؟ تصوّر بلدًا مثل السودان، لو أراد رجلٌ أن يستثمر في السودان، والسودان من أعظم بلاد العالم إنتاجًا للمواد الغذائية -وهذه سنأتي إليها وهي دائرة الاستهلاك والإنتاج-، لو جاء رجل بخمسة ملايين دولار، ولا بدّ إذا دخل السودان من أجل أن يستأجر ويستثمر في أراضيها أن يحوّل أمواله للدينار السوداني، فلمّا يزرع مساحات شاسعة من الأراضي ذُرَةً يربح، يعني نفترض أنّ الخمس ملايين دينار تحولت إلى نصف مليار دينار سوداني، لمّا ربح وكان له مائة بالمائة، إذا باعها يكون له مليار دينار سوداني. ربح أم لم يربح؟ في سنة واحدة مائة بالمائة. لكن في النتيجة سيخرج خسرانًا. لماذا؟

لأنه خلال هذا العام الموسم الذي زُرعت فيه الذُرَة يكون الدينار السوداني مضروب في العالم بحيث لمّا يريد أن يرجعها للدولار كما دخل خمسة مليون تأتي له بثلاثة مليون!

هو ربح ولكن لأنّ الدينار عرضة للصعود والهبوط؛ فهو أحضر مليار دينار سوداني لكن خلال المضاربة المليار دولار أصبحت قيمته أقلّ ممّا كان يستطيع أن يحضره قبل الموسم (خمسمائة مليون). يعني هو خرج خسرانًا لأنه سيعطي حقّ المال، لأنّه استثمر وعاش ودفع للناس وشغل الأرض ودفع لهم الأموال؛ يريد أن يخرج بأرباح ويحولها للدولار ويرحل، ولكن إذا خرج لا يخرج بخمسة مليون دولار التي أحضرها ولكن يخرج بثلاثة مليون، هو ربح ولكن خسر، ربح بالسوداني وخسر بالدولار.

إذًا هذا العالم كيف فسد؟ هم وضعوا هذا النظام ليسيطروا على حركة النقد في العالم، بنك النقد الدولي يضبط سعر الصرف.

إحدى الشركات "ستاندرد" أو غيرها منشركات تقويم الديون، قبل السنة الّتي مضت أو السنتين نظام المال الأمريكي اهتزّ، فعادة يعطون قوّة سندات الخزينة الأمريكية AA، فبسبب الظروف الاقتصادية الشركة هذه أعطت أمريكا AA- خففتها درجة، فأمريكا أقامت دعوة قضائية على الشركة. يعني هذه لا تُطبق علينا، على قاعدة العجائز في بلادنا نحن الذين صنعنا النظام تريد تطبقه علينا!

فهمتم القاعدة؟ الذي وضع النظام لا يجوز أن تطبقه عليه، هو وضعه من أجل أن يستثمر العالم، يستغفل، يستحمر العالم.

الآن أنتم أدركتم قليلًا كيف أنّ العالم من خلال ورق البنكنوت هذا دمّر العالم وجعله كلّه مكانًا لتجارة الأقوياء، يعني البلد يُباع ويُشترى.

هناك شيخ لا نريد أن نذكر اسمه حضرت له خطبة يتكلم عن الاقتصاد، فوجد المشكلة تُحلّ، إذا تريدون أن تضربوا الجشعين لا تشتروا البندورة! المشكلة في عالمنا هنا هي هؤلاء الشّيوخ على قاعدة القدماء: اللحم غلى، كيف تنزل سعره؟ لا تشتريه، دعه مرمي ثم سينزل من سعره رغمًا عنه.

كنت أمشي مع رجل شيبة كبير هنا محترم والله رأيت أنه رجل فقيه ومثقف، أمطرت السماء ونحن نمشي فقلت: "الحمد لله أنّها تمطر"، فقال: "اسمع لا تجنني، لنا خمسين سنة في هذه البلد تمطر أو لم تمطر ندفع السعر"، ينزل مطر أو لا ينزل المطر يقطعون الماء علينا، والله احترمت كلامه، لأنّ معنى كلامه أنّه في الحقيقة هذا لا قيمة له، لست أنت من يضبط حركة العالم، يعني الآن والحمد لله نزل المطر، دمّر رجلًا طيبًا في المسجد هنا -أنا أضرب العالم بالحالة التي يعيشها الفرد-. أُسلّم عليه -رجل طيّب- أقول له: "أين أنت؟" قال: "أنا الحمد لله لي أرض زرعتها بازلاء". فقلت له: "أين البازلاء؟"، قال: "والله خسرنا، أنا عندي الأرض وفي نهاية الموسم خسرنا مائة دينار". نزول المطر كان مصيبة عليه! قال أنّ جاره من عشيرة فلان والله ما قطفها.

المطر في داخل البلد مصيبة؛ لأنّ المسألة لا تتعلق بإصلاح داخلي. يعني يمكن في لحظة -وهذا صار عندنا في بلدنا هنا- من اللحظات الدينار ينزل إلى النصف! لماذا؟

في كتاب أظنّ اسمه (أزمة آسيا) حوار بين مهاتير محمّد وصحفي ياباني، فضحكوا عليهم. مساكين يظنون أنّ العالم بريء. فبدأت النمور الآسيوية، كل شيء موجود، الصناعة موجودة، والشركات موجودة، ولكن لأنّ الدينار صار تجارة؛ في لحظة من اللحظات انتهت البلد وسقطت اقتصاديًا. يا جماعة، المصنع موجود؛ كيف سقطت اقتصاديًا؟! المصنع موجود، والناس يعملون، والتجارة شغالة، ما الذي حدث؟

بسيطة: أضرب مثلا "سورس" هذا ديمقراطي وهو شيخ المضاربين، ليس أكثر واحد في العالم ولكن هو شيخ المضاربين، وهو يهودي، هذا دخل على بريطانيا خسّرها مليارين وخرج، عن طريق "الديجيتال"، يعني أدخل رقمًا ماليًا (ديجيتال) في بريطانيا وسحب معه مليارين! ثم بعد ذلك ذهب إلى فرنسا ولم يكمل القصة، في الحقيقة اتصل رئيس وزراء بريطانيا بالرئيس الأمريكي وترجّاه أن يرحل "سورس" هذا لأنّه سيدمّرهم. لماذا؟ تصور لعبة الكبار، لمّا يكون أنت معك أموال؛ الدول تنهار. رأس مال الدول خمسة مليار، خمسة مليار بالنسبة لشركة عابرة للقارات لا قيمة لها يعني عادية جدًا. فلمّا يصير الصراع بين دولة رأس مالها السنوي خمسة مليار يعني شحاذة متسوّلة، خمسة مليار متوقعة من التسوّل، يعني لا يوجد خمسة مليار، يوجد مليار أو ملياران في الخزينة والباقي ينتظرون من يعطيهم إياهم! فيدخل واحد أو شركة عابرة للقارات تعمل هذا النظام المالي الذي ذكرنا لكم وتسحب هذا المبلغ فيصبح لا شيء.

فلذلك كل شيء موجود، الأرض موجودة، وما شاء الله على قاعدة الدنيا تمطر، خير ما شاء الله، والناس في خير حال والدنيا ماشية، وبعد ذلك تكتشف أنّك خسرت كل شيء: الوظيفة، وخسرت الشركة، وانتهى كل شيء، وذهبت لبيتك! لماذا؟ لهذا الفساد.

النقطة الثانية التي أريد أن أقولها بعد ذلك هي أنّ المؤلف يضع قضية مهمة جدًا وهي صراع -ولَيْتَهُ فسّرها بغير النفط، لأنه هو أصلًا متخصص لشركات النفط- بين دول الإنتاج ودول المعلومالية. هكذا سماها: معلومات+ مال= معلومالية.

سؤال: قوة المال بم اكتُسبت؟ ليس هناك استثمار، إذًا هي قوة أخرى. ومن هنا صارت قوة عملة البلد ليس الذهب والفضة بل قوة أخرى منها القوة العسكرية، منها رضى العالم عليك، ساكتين عليك، لأنّه بلحظة أنت تتعجب، يقولون اليوم انتخبوا كاميرون فارتفعت الأسهم! ما دخل هذا بهذا؟ أعطى ثقة للمستثمر أنّ البلد مستقر ولن تتغيّر سياسته وكذا، فالمستثمر يأتي ويضع ماله. ووضع المال في الدولة ماذا يفعل؟ يرفع قيمة المال. فلمّا يخرج فقط بخبر بسيط جدًا تنقلب الأمور.

وهذا الذي أسقط ما يُسمى بنك (أنترا). بنك (أنترا) أنشأه واحد فلسطيني في لبنان، وكاد أن يقضي على بنوك كثيرة دولية، ولكن أخرجوا دعاية بسيطة جدًا أن البنك قد أفلس! صفّت مئات بل آلاف الطوابير على البنك يسحبون المال فانتهى البنك وسُمي بنك الإفلاس.

وهذا العالم عالم قذر. أنتم لعلكم تابعتم -وأرجو أن تكونوا قد تابعتم- أخبار تجسس أمريكا على أصدقائها البريطانيين وعلى ألمانيا وفرنسا، أصدقاؤها تتجسس عليهم لسرقة المناقصات، يعني تعرفون الدولة الّتي ضربت برجلها فأخرجت ذهبًا، لأنّ العالم لا يحترم أموالنا، هو يعتبر أنّ حمارًا يمشي فضرب برجله فأخرج ذهبًا، بخلاف الإنسان الذي أنتج فأوجد قوة مالية من خلال عقله.

فيكتشفون مثلًا أنّ هناك مفاوضات من أجل شراء طيارات، دبابات، فهذه المعلومات لها قيمة ولها ثمن، فيبدأ الصراع من خلال المعلومة والمال.

أرجو أن تكونوا قد استوعبتم النظرية العالمية في قضية عولمة الاقتصاد، أن يصبح الاقتصاد مربوطًا من خلال حركة النظام القطبي الذي يحرك البقية ولا قيمة للإنتاج فيه.

يعني اليونان ما زال إلى الآن بلدًا منتجا وبلدا زراعيا، لا يعتبرونه مثل بريطانيا مثلًا بلدًا صناعيًا، ومع ذلك لماذا يُدمَّر بلدُ تاريخ الزراعة؟ لأنّ المزارع في بريطانيا عندما ينتج لتر حليب واحد تعطيه الدولة، يعني لو افترضنا أنّ سعر لتر الحليب دينار، تعرفون كم يأخذ المزارع؟ يأخذ دينارًا ثمن لتر الحليب ويشتريه الزبون العميل من السوق بثلاثين قرشا، السبعين قرش دفعتهم الدولة، وهذا لا تستطيع الدولة اليونانية أن تصنعه؛ فبالتالي المزارع في بريطانيا هو مزارع ثريّ والمزارع داخل اليونان مزارع فقير لا يجد لأنّ الدولة لا تستطيع أن تعطيه.

ومن هنا فإن قضيّة الزراعة هي أضعف ما يكون، بالرغم من أنّها هي الّتي تستحق أن تُسمّى استثمارًا وإنتاجًا،

دورة الحياة، وننتهي بهذا حتى نصل إلى النقطة الأخيرة.

دورة الحياة الاقتصادية دورة متكاملة، ليتمّ الرخاء في العالم لا بد أن يكون الإنتاج أكثر من الاستهلاك: تصدّر، تأتيك الأموال، تنتشر الخيرات، الناس لا تجوع، فتصير دورة الحياة، الإنتاج أكثر والاستهلاك قليل فبالتالي يصير فائض ويصير رخاء.

الآن؛ كرة القدم من الاستهلاك أم من الإنتاج؟ الممثل من الإنتاج أم من الاستهلاك؟ تحدّث هو وضرب مثالًا أظنّ عن "مايكل جوردن" أنّه في لحظة دعائية واحدة أخذ أكثر من (كذا شيء)، إذًا صار الرخاء -الذي هو الاستهلاك- مضخّمًا كثيرًا جدًا مقابل الإنتاج. ما الذي ملأ هذه الدائرة أن تصبح رخاء أكثر؟ وهي قضية انتهاء عصر الدينار الذهبي، لأنه لو هناك دينار ذهبي تنضبط الحياة، لكن الآن الدينار ليس مربوطًا بالذهب؛ فصار قادرًا -على طريقة الربوي- أن يصدر أوراقًا كثيرة: معه سبعة عشر مليون دينار أو دولار -سمّه ما شئت- ولكن لا يستطيع أن يشتري به ذهبًا مقابل ما كان يشتري به ذهبًا لو ارتبط حقيقة الدينار بالذهب.

فلمّا كثرت الأوراق النقدية توسعت دائرة الاستهلاك على دائرة الإنتاج فحصل التبخّر. الهزّات العالمية التي ترونها هي بسبب هذه المشكلة، وهي أن انتهاء ارتباط العملة بالذهب وسّع دائرة الرخاء والاستهلاك، من أين يأتون به؟ من أين يصير الواحد عنده ملايين؟ لا بد أن تكثر الأوراق، فكثرة الأوراق هذه مقابل عدم مقابلها بالدينار الذهبي هو الذي يصنع هذه الهزّات التي ترونها في العالم.

للذكر فإنّ إسرائيل عندها الشيكل، يشتغل العرب فتعطيهم الشيكل ثم ينزل سعره وفي لحظة من اللحظات يقولون الآن الألف شيكل يساوي شيكل واحد بإنتاج جديد، وهذه حدثت، وصدّام قال: أيّ دينار عراقي خارج الحدود العراقية لا قيمة له، يعني مثل ورق التواليت.

متى حدث أن سمّى الله الفتح لرسوله بالفتح المبين؟ لمّا جلست قريش مع النبي لتفاوضه رأسًا برأس، هناك أمم متحدة قريشية، هناك أمم متحدة محمدية، تعادل الميزان فسمّاه الله فتحًا مبينًا، تعادلت الموازنة. فلمّا تصل أمريكا إلى الحلق ستعلن في لحظة من اللحظات أنّ كلّ الدولارات خارج بلدنا ما لها قيمة، أدخلوها "التواليت" وافعلوا بها ما تريدون، أوراق!

فلمّا توسعت دائرة الاستهلاك على دائرة الإنتاج؛ حينئذ توسع الرخاء ودُمّر الإنتاج، المزارع يشتغل أربعة وعشرين ساعة طوال السنة لا يحصّل ما يحصّله مقدار لعبة لاعب كرة القدم، العالم تدمّر.

لكن هل تقدّم المال؟ اسأل أبوك في البيت. قل له: ي"ا أبي، كم ثمن الخروف قبل خمسين سنة؟"، حتى تعرفوا أنّ العالم بالنسبة لمعيارية الذهب والفضة واحد، والذي تغير هو الورق الذي يكذبون عليكم به. قل لجدّك: "كم ثمن الخروف قبل خمسين سنة؟"؛ يقول لك: "خمسة ليرات". خمسة ليرات كم تُحضر من الذهب؟ يقول كانت تأتي بأربعة أو خمسة جرامات. أربعة جرامات الآن كم تساوي؟ أربع جرامات حقّ الخروف، إذًا الخروف بالذهب قبل خمسين سنة هو الخروف الآن بالسعر الحالي، زائد أو ناقص بحسب الميزان والطلب، العالم متوازن: ضروري وجود الكلاب لا تقتلوها.

الذي صار أن العالم تضخّم في قضية الاستهلاك في اللعب والمسخرة وكذا، والعالم فرحان والعالم يغرق بسبب نظام الجاهلية الربوي وبسبب سيطرة العالم عليه.

وبالتالي نأتي إلى النقطتين الأخيرتين:

النقطة الأولى: كيف تشنّع على هذه الجماعة المحترمة الّتي أصدرت نقد ذهب؟ وأنت تقول المشكلة في الذهب؟ هؤلاء كمن يريد أن يصنع دولة إسلامية في كل شيء في نظام عالمي أنت مربوط به في كلّ شؤون حياتك، لا يمكن. لماذا؟

الآن الدولة الإسلامية المفترضة العتيّة العظيمة التي لم ينشأ في التاريخ مثلُها عظمةً، والحمد لله أنّنا نعيش في ظلّها ونتنسّم أخبارها، أوّل شيء هي تصدر دينارًا مقابل ماذا؟ يعني الناس عندهم دولارات، عندهم جنيه إسترليني، عندهم يان، عندهم دنانير عراقية قديمة، ودنانير سورية وكذا، يريدون أن يتعاملوا بالذهب، يذهبون إلى بنك الدولة الإسلامي الذي جالس وراءه شيخ معمّم عظيم وفقيه من فقهاء الإسلام المعاصرين! فيذهب عنده ويقول له أنا معي خمسة آلاف أو خمسين ألف أو مائتين ألف أو مليون بعد سرقة العراقيين النفط مقابل الغذاء، وكل عراقي حامل شنطة معه أربعة أو خمسة مليون يريد أن يذهب إلى البنك الإسلامي العظيم يقول له: لو سمحت لأنّي مسلم وأكره الدولارات، والدولارات سبب فساد في العالم، فلو سمحت حولّها لي ذهبًا. كم تستطيع الدولة إملاء حاجة الناس ضمن نظام العالم الموجود بالذهب والفضة؟

فلذلك هي دعايات إعلانية، يعني كما تفعل الدول يوم: الذكريات، يخرجون دينارًا بسبب ذكرى تحرير القدس مثلًا، أليسوا يخرجون دنانير، مثل الطوابع أيضًا.

فجيّد أنك تخرج دنانير ذهبية في ذكرى الاحتفال بتنصيب الخليفة العظيم، أو يوم ولادة الخليفة العظيم، أو يوم خطبة الخليفة العظيم الخطبة العصماء العظيمة، فجيّد هذا. إذًا هي عملية تسويقية، وعملية إعلانية، أنّ هذه دولة الإسلام وعندنا ذهب وفضة، لأنّها لا تستطيع أن تستوعب حاجة الناس في هذا الواقع المختلّ.

فلا تستطيع الدولة أن تغطي الدين -ولا دولة في العالم الآن-، أمريكا لا تستطيع، وأكثر دولة في العالم عندها ذهب الآن أمريكا. طبعًا في الموجود، أظنّ كذلك في المخبوء -يعني المدخر في الأرض-، أظنّ أمريكا أيضا، ولكن بعضهم يقول دول أخرى، ولكن أمريكا هي أكثر دولة في العالم عندها ذهب وما تستطيع أن تفي بسدّ ديون الدولار، كيف تسد ديون الإسترليني، كيف تسد الدينار العراقي، وهكذا. فهذه أكاذيب، ودجل.

هذا ليس إهانة للقاعدة بأن الذي يدمّر النظام العالمي هو الذهب والفضة؛ ولكن هذا لعب، هذا كمن يريد أن يقول إن العالم يتحرر بالإسلام ويظنّ الإسلام أن يقوم الليل فيتحرر العالم الإسلامي، هذا دجل.

وطبعًا تستطيعوا كاستطراد ذكر قضية لو الدولة استوردت بضاعة، فإمّا بالمقايضة يعني نفط مقابل طعام، وهذه مصيبة وطامة، وإما نفط مقابل مال، هم يعطوك يقولون ما عندنا إلا دولار، وأنت تقول ما عندي إلا ذهب، فتعطيه ذهب ويعطيك دولار! والعالم يضخ الورق وأنت تضخ لهم الذهب. هذه قضية كبيرة، يعني مهزلة بكل معنى الكلمة.

ماهو الحل الآن؟

أولًا يجب أن تدركوا إدراكًا تامًا وإن لم تفهموا هذه المسألة نبحث عن غيركم للعمل للإسلام، الناس يظنون ويزعمون أنهم يريدون العمل للإسلام بجهل وغباء، هذه نظرية باطلة، حرام عليهم، هم يدمرون أكثر. فإذا أردنا أن نعرف طريقنا لخدمة الإسلام؛ الواجب علينا أن نعرف عدوّنا، أنه شرس، دموي، قاتل، لا يرتاح إلا بمصّ دماء الشعوب.

أضرب لكم مثالًا: ما هي أكثر قارة في العالم فيها الإيدز؟ إفريقيا. تصور في جنوب إفريقيا فقط خمسة عشر مليون مصابون بالإيدز، جنوب إفريقيا فقط وليس كلّ إفريقيا. وشركات معالجة الإيدز الأمريكية ترفض أن تقوم مصانع في إفريقيا لإنتاج دواء الإيدز، لأنّهم في أمريكا عندهم حقوق الإنتاج، حقوق الاختراع، يتبرعون سنويًا بخمسة مليار، يسمحون لأنفسهم بأن يتبرعوا سنويًا بخمسة مليار دولار دواء إيدز لإفريقيا على أن يسمحوا لمصنع واحد بإنتاج دواء الإيدز لإفريقيا. لماذا؟ للفارق بين الأرباح في القضيتين، خمسة مليار لا شيء، هذه هدية. ما مقابلها؟ شيء لا يُطاق.

هذا لتعرفوا أن العالم يموت، وأنا أتكلم إنسانيًا، العالم يموت في إفريقيا من الإيدز، ولكن هذا لا يحرك شعرة رحمة في قلب هؤلاء المجرمين العتاة، بل يفرحون عندما تقوم الحروب!

أحد رؤساء الوزراء الأوربيين قال: "بعض الناس يظنّ أن الرئيس في أوربا رئيس الوزراء أو المنتخب السيء الحظ هو الذي تنشأ في زمنه الحروب مع دولة أخرى"، قال: "هذا خطأ، سعيد الحظ من رؤساء الوزراء في أوربا هو الذي تنشأ في زمنه الحروب؛ لأنّه يستطيع أن يثبت نفسه". والدليل تاتشر، تاتشر كادت أن تسقط، جاءت فوكلاند رحمة لها من السماء لتنقذها من أجل أن تحقق النصر المبهدل، لو أمريكا أو الأرجنتنيين لكانوا رموهم في البحر. مثل جماعتنا يرمون اليهود في البحر، لكن أمريكا تدخلت.

القصد أنّ هذا عالم شرس، قذر، عالم المادّة، العالم الذي تراه، الجندي الذي يقتل مجرم، الذي يقتل برصاصة يقتل رجلا، بالقذيفة يقتل ألفا، يقتل ألفين، الشعوب تموت جوعًا والمئات والآلاف تموت جوعًا فقط بحركة مالية بسيطة في دولة، الناس يقتل بعضهم بعضًا، ينتحرون في الشوارع، يصابون بالجوع، الأراضي تصبح قفراء، لا مزارع يزرعونها.

من أجل أن تعرف أنّ العولمة الآن تدخل حتى في رغيف الخبز.

أنا أذكر وأنا صغير وعمري سبع سنوات كان محل الوالد يقابله محلات تبيع الحبوب، كيلو حبوب القمح الأمريكي بسبع قروش، كيلو حبوب القمح الأردني بخمسة عشر قرشًا، حتّى تعرف العولمة في رغيف الخبز. الدجاج الذي تأكله يأتيه الغذاء من الخارج، عولمة يعني. مسكين هذا المزارع، مسكين هذا الراعي، الآن لا يستطيع أن يأكل ولا أن يعيش، هذه على قاعدة الرجل: "الدنيا أمطرت الحمد لله"، هذه انتهت. إذا لم تمطر عليه صدقة من خارج دولته تعطيه الغذاء لحيواناته والسماد لزراعته لا يستطيع أن يتحرك، ولا يستطيع أن يعيش. هذه هي العولمة، هي سلب القرار.

للأسف الكتاب لم يتحدث عن عولمة الأخلاق وأنا وضعتها هنا.

المثال الثاني الّذي كنت أريد أن أضربه "مارلبورو"، تسمعون عن هذه الشركات وفضائحها؟ أكبر تعويض دُفع لأمريكا ودُفع للمستشفيات الأمريكية ووزارة الصحة الأمريكية في التاريخ دفعته شركة مارلبورو، شركات الدخان دفعتها من أجل علاج مرض السرطان الذي تنتجه شركة (مارلبورو) لأنهم اكتشفوا أنّ (مارلبورو) التي تُزرع في أمريكا -طبعًا الآن صاروا لا يزرعونها في أمريكا وصاروا يستأجرون في إفريقيا- يأتون إلى مناطق أكبر ممّا يُسمى بلاد الشام كلّها، فيُزرع فيها الدخان ويلقّحونها بالنيكوتين، لتصبح زائدة حتى يُصاب شارب الدخان بمزيد من الإدمان.

هم دمّروا الأرض في إفريقيا، دفعوا التعويض لمريض السرطان في أمريكا وما دفعوا لمريض السرطان في الأردن! انظروا إلى عالم الأموال ماذا يصنع! دمار عالمي.

الآن عرفتم أن الصراع صراع جيوش تفرض رأيها، لا توافق على كتابة العقد فتكون النتيجة بأن تُهدد بإزالتك.

رئيس (غواتيمالا) جاء إلى الأمم المتحدة وقال لهم أن شراب الكوكا وشجر الكوكا هو مصدر رزق لشعبي، وأتحداكم، أنتم تسمحون بالدخان، وتسمحون بالخمر، نأتي بكل أطباء العالم ويقولون لنا من أكثر فسادًا للإنسان البشري؛ هل هو الدخان الذي تسمحون به أو الخمر الذي تسمحون به أو شراب الكوكا وشجر الكوكا الذي تمنعونه وتجعلونه مخدرًا؟ قال: إذا ذهب ثلث من أطباء العالم إلى أنّ الكوكا أكثر إفسادًا سأمنعه من بلدي، يعني إذا ثلثي أطباء العالم يقولون أن الدخان أكثر إفسادًا من الكوكا، الذي هو أحد مصادر الدخل للإنسان في أمريكا الجنوبية. ومع ذلك بقرار سياسي شراب الكوكا (ليس المقصود البيبسي والكوكا وغيرها، الكوكا أي شجر الكوكا [1])، بغض النظر أنا لا أتكلم هل هو مخدر أو غير مخدر في الإسلام، أنا أتكلم عمّا يفهم العالم الذي يسمح بالدخان المصيبة ويسمح بالخمر المصيبة الأعظم ويمنع هذا الشراب. والسبب أنه يريد أن يدمّر اقتصاد الدول المحيطة به ليبقى هو الثريّ الغني. هذه نظرية الذئب القاتل الذي يشتهي الدماء.

الآن الجانب الذي لم يهتمّ له الكاتب ويهتم له مشايخنا؛ وهو عولمة الأخلاق. يعني يستحق المرء حين يسمع كلامهم أن يضرب على رأسه: لقد ضاع الدين!

رأيتم أنّ العالم هو صراع مال، صراع إرادة، صراع جيوش، صراع قوانين في الأمم المتحدة، وصراع إعلام. ثمّ يأتي الشيخ يقولون: ربوا أولادكم، علموهم الدين، إيّاكم وعولمة الأخلاق، والنتيجة الشيخ عنده تلفزيون، وأنا عندي تلفزيون، وأنت عندك تلفزيون، والولد يذهب إلى المدرسة، والذي يضع المناهج هو العولمة، الذي يجبر المدرّس في التعامل مع التلميذ هو القانون الذي تفرضه العولمة، وقانون الأسرة الموجود. الآن العولمة تدخل معك، مع زوجتك، يعني لو صرخت على زوجتك وذهبت إلى الشرطة يتمّ سجنك، لأنّه ممنوع أن تصرخ على زوجتك.

هذا يقابله دعوة أخلاقية لتقف في وجه هذا "البلدوزر" العظيم بطريقة أخلاقية فقط ودعوية! منتهى الغباء! والنتيجة أنّنا نُهزم، النتيجة أنّ أبناءنا يخرجون من تحت سيطرتنا، أنّ بيوتًا تُهدم، أخلاقنا تتغيّر، الفساد يطغى على الأخلاق في كل مجالها وينتشر الفقر.

من أسباب الزنا، ماذا؟ الفقر، من أسباب السرقة التي انتشرت في بلاد المسلمين؟ الفقر، والحاجة، الرشوة التي تنتشر؛ فالجانب الأخلاقي مرسوم من خلال دولاب المادة، ودولاب الإعلام، ودولاب حركة المال، ونحن نريد أن نجابهه بخطبة يوم الجمعة! ويتبهدل المسكين الفقير.

أحد مشايخنا من إخواننا يتكلم عن بلاد الجزيرة يقول: لا أدري لماذا الشيخ يحمل على البنغالي والهندي. قال: تذهب لمدرّس في دروس الحرم في الحج، يقول: أنت يا بنغالي، لا تحمل في يدك وتقرأ، ولا تمشوا وتهللوا، لا يوجد عنده مسكين غير الفقير، خطابه ليل نهار للفقير، وأنا أقول خطاب القرآن كلّه للملأ، صراع مع الملأ.

صراع القرآن كله مع الملأ، ونحن كل صراعنا مع الفقير ومع المسكين: لا تشتري اللحم حتّى يرخص، ولا تشتري البندورة حتى ترخص. لا إله إلا الله، مسكين الرجل عوض أن يقول له اشتر بندورة حتّى المزارع يظلّ في أرضه واشتروا اللّحم وأكثروا من شراء اللحم البلدي حتّى المسكين قد يقوم يومًا ولا يجد لحمًا في البلد ويضطرّ إلى الاستيراد، ومع ذلك ليس هذا خطاب الصراع. ولكن لتروا العقل الذرّي الذي لا يخرج نطاق نظره عمّا يرى أمامه. هل هذا فقط هو نظر المرء تحت رجليه أم أقل من ذلك؟ أم أنه نظر النعامة؟ بل إنّنا أصبحنا أسوأ من النّعامة.

الآن بقيت النقطة الأخيرة:

لا يمكن إصلاح العالم إلا بضرب أسسه، أسس الجاهلية. وكما تقدم الكلام؛ لا بدّ من إخراج الشرّ من قمقمه ليظهر، وحينئذ يصبح الصراع على المفتوح. العالم كلّه يُظهر أوراقه ويكشف نفسه ويبدأ الألم في الخصم كما هو في داخلك، ويبدأ العالم يظهر كرهه للإسلام، وكرهه للأمم، وكرهه للشعوب. لا بدّ من الإظهار بطرق، هذا دور الحكماء إن كانوا حكماء، لا أن تكلّمونا عن الأخلاق مقابل العولمة! صراع الأخلاق صراع مسكين.

تصور أنهم يوجّهون الخطاب للأب الذي يشتغل اثنتي عشرة ساعة حتّى يأتي بلقمة الخبز في تربية أبنائه ولا يقدرون أبدًا أن يوجهوا خطابهم إلى الملأ، لماذا يغيّرون المناهج استجابة لأمر طاغوت العولمة؟ هذا نموذج طبعًا، والباقي عندكم. المصيبة أعظم من هذا، ولكن أنا أمثّل لتعرفوا ما وراءه.

فلذلك الذي يريد أن يبني هذا الدين لا يمكن أن يُنشئ نظامًا إسلاميًا مع هذا الواقع الذي تسيطر عليه العولمة في كل جوانبه الاقتصادية والسياسية والمعلوماتية والإعلامية إلى آخره من دون أن يُنشئ إسلامًا عظيمًا يواجه قريش. هذه كلمة إن شاء الله تُشرح في دروس قادمة.

وبارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا. وأنا أعرف أن هذا البحث جديد على الطرح الإسلامي، وجديد على طرح إخواننا، وجديدٌ سماعه، وستنشأ منه الكثير من الأسئلة والحوارات. وأنا قلت فقط القواعد العامة لتكون مادة للحوار عند العقلاء والحكماء والمصلحين والدعاة والمجاهدين والعلماء إلى آخره، وعسى أن تكون كلماتي نافعة في هذا الباب. والله يغفر لي ولكم، مع الاعتذار على التطويل.

وبارك الله فيكم.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

_____________________

[1] الكولة أو الكولا (الاسم العلمي: (Cola هو جنس من أشجار تقع في غابات أفريقيا الاستوائية المطيرة، تصنف تحت فصيلة الخبازية، من أسرة البوهنية. أحياناً يطلق على الأنواع من هذا الجنس اسم شجرة الكولا أو جوزة الكولا للفاكهة التي تحتوي على الكافيين التي تنتجها هذه الأشجار، وتستخدم في الغالب كمنكهات للمشروبات. يرتبط هذا الجنس بجنس الثيوبروما، أو الكاكاو في أمريكا الجنوبية. وهي أشجار دائمة الخضرة، يصل طولها إلى 20 متراً (حوالي 60 قدماً)، لها أوراق بيضاوية لامعة يصل طولها إلى 30 سم وفاكهتها على شكل نجمة. [ويكبيديا].

*المصدر: مؤسسة التحايا

أخبار ذات صلة

كشفت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية عن احتجاز نجل الملاكم العالمي الراحل محمد علي كلاي لمدة ساعتين في مطار بولاية فلوريدا.

المزيد

تشير شواهد عديدة إلى أن المنطقة بأسرها تجري تهيئتها منذ سنوات لتجربة جديدة من ضرب أعدائنا لأعدائهم ببعضنا، وبناء المزيد من أمجادهم على أشلائنا وأنق ... المزيد

أكتبُ هذه الكلمات من داخل ظلام الحبس الانفرادي بأشهر سجون مصر، حيث يتم احتجازي منذ أكثر من ثلاثة أعوام. اضطررتُ لكتابة هذه الكلمات بسبب المناقشات ال ... المزيد

ابتُليت الثورة السورية بابتلاءات لا تُحصى، غيرَ أن قادتها هم أكبر ابتلاءاتها على الإطلاق. هذه حقيقةٌ ما عاد يختلف فيها اثنان من أحرار سوريا، فقد علم ... المزيد

قالت المعارضة السورية من جنيف، يوم السبت، إن لديها وثائق تثبت تنسيق النظام مع المزيد

تعليقات