البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

كتاب (فن القراءة) الذي ألفه (أبو قَتادة) في سجن بلمارش البريطاني

المحتوي الرئيسي


كتاب (فن القراءة) الذي ألفه (أبو قَتادة) في سجن بلمارش البريطاني
  • أبو قتادة الفلسطيني (عمر محمود)
    20/09/2015 05:23

مقدمة الكتاب
إن الحمد لله الذي خلق فسوّى، وعلم فهدى، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلى الله على المبعوث بالسيف الحامي والكتاب الهادي محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين، وعلى صحبه الغرِّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
 
لقد منّ الله عليَّ بكرامة الابتلاء في سبيله، وما زلتُ أَرفل بها وأنا أكتب هذه الكلمات مع إخوة طيبِي الخُلق والدِّين، نلتقي فيها لحظاتٍ كحَسواتِ الطائر ثم يأوي كل واحد منا إلى غرفة عارية من كل شيء، هي ولا شك أوسع من القبر، وعيش آلاف السنين فيها ولا ذِلّة غمسة عذاب في جهنم.
 
مع هذه الغرفة العارية كان الامتحان لي في رهاني الطويل على "القراءة" وهل هي نافعة بعد فقد أداتها من الكتب؛ إذ اعتدت لزمن طويل أن أعيش بينها، أتأملها، أداعب أوراقها، أحل عنها ثياب العذار، وأكشف معها ستر الغائبين، وأَخلص في ثناياها إلى شهقات المحبين، ودموع الجبابرة الذاهبين، وأبني مع حروفها نَفْسًا عصيّة عليَّ في البناء، وأقوّم بها عقلي الذي دمرته الصور الخادعة.
 
مع الكتب عشتُ شقيًا وطبول الخداع تصم أذني لتصرفني عن حقائق ما أعلم، وتعبت مع الحرف إذ تعاملت معه تعامل المحارب مع السيف الصقيل، فطاحنت، وأعترف أني طحنت كثيرًا وما زلت، ولا أدري هل أصبتُ من غيري مَقتلًا أم لا، إلا أنني سمعت لهم بعض أنين خلص إليّ خلال ضحكهم ورقصهم.
 
كانت أحبُّ أوضاع النوم عندي –شهد الله- أن أحشر نفسي بين صفوف الكتب، أضيقها عليَّ حتى إذا نمت كانت في عيني صورتها وتحت يدي بشرتها الفاتنة، لا أكتفي منها بالنظر بل بكلّي، كما لم يكتفِ النواسي بلذة مذاق شرابه عن عند سماع اسمه:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرًا إن أمكن الجهرُ
 
مع الكتب كنت أعيد الظامئين إلى مواردها، إذ أَضن أن يرد الناس السراب دونها، فإن سألني سائل قلت له: هنا مبتغاك، انظر، اقرأ، لتعرف الفرق بين ما يغريك من صور خادعة وبين ما هو نهر يفيض بالحياة.
 
كان أول الفرح في حياتي أن سمعني أحدهم فقال: أنت صناعة الرافعي، فطارت نفسي، وكان أولَّ ما فهمت كيف صنعتني القراءة. 
وكان ثاني الفرح أن أرسل أحدهم لي رسالة وقال: أنت رجل ولا بدّ صناعة ابن حزم، فطارت نفسي.
وكان ثالث الفرح أن عيّرني أحدهم –وعيّرني الواشون أني أحبه- بأني تيميّ؛ أي ظلًا لابن تيمية، ولم يدرِ أن النفس تطرب لهذا.
حينها أدرك هذا الذي هو أمامي في المرآة، والذي هو ابن الغربة التي أتت على كل نشب وتلاد كان يمكن أن تكون لديه لو لم يُطرد من أرض أقسم له أبوه –وهو البَرُّ الصادق- أنها جبال زيتون مباركة، إذ كان جده بعد صلاة الصبح يحمل مسبحته ذاهبًا إليها ذاكرًا ربه يمسح عن وجهها كل ما يشينها لتبتسم خُضرةً وجمالًا وعطاءً، لكن هذا الجد مات غريبًا تحت غار يحفره ليقتات من عمله فيه.
 
لقد أدرك حفيد "الغريب" وهو "الغريب" أن القراءة بدأت تتسلل إليه وتصنعه وتنسبه لعالم جديد هو العلم والتاريخ والكلمة، هذا العالم الذي كان يحضّه عليه أبوه، هذا الأب بائع القهوة والشاي، والابن اللابس لنعل مصنوع من عجلات السيارات، ولباسه الداخلي مأخوذ من قماش غلالات الطحين الآتي ليكمل المأساة وصفقة الغَصب وشهادة الزور ووعد الرذيلة. وكيف لا يحض عليه وهو الذي قاسى الألم وهو يترك حقيبة الدراسة في بيته في قرية (دار الشيخ)، تلك القرية التي كان يفطر أهلها على صوت المدفع –مدفع رمضان- القادم من مدينة القدس، ولما حطوا رحالهم –ويا لها من رحال هي الأبدان فقط!- في مدينة (بيت ساحور)؛ طلب من أبيه أن يشتري له حقيبة دراسة جديدة، فرد عليه: "يا ولدي، إنما هي أيام ونعود لقريتا، وهناك حقيبتك، ولا ضرورة لحقيبتين".
 
ورمحت الأيام تطوي العمر ولا تقدر أن تُذهب الأسى، فما إن أعطته إفاقة حتى فرغ لحفظ كتاب الله تعالى، ومع الشيخوخة حاز مراده، ولما اتصل به الابن من سجنه ليفاخره أنه حفظ كتاب الله مثله، رد عليه بكلمات ما كان يلقيها لوحدها لأُذن هذا الابن المشاغب بل مع سياط يده القوية مؤدِّبًا، فقال: "وها أنا يا غُدر أتعلم النحو".
 
مع الغرفة العارية كان لا بد من التأمل: من أنا؟ فكان الجواب قاطعًا لا لبس فيه: أنت ابن القراءة، وقد صدق ابن القيم حين قال: "أب للبدن وأب للروح".
 
هذا الأب لا بد من بعض الوفاء له؛ لأنه أعطاني الكثير، بل أعطاني وجودي، والذي لا ينفك والدي –بائع الشاي والقهوة- مذكرًا لي في كل مكالمة –شهد الله- بقوله: "يا بني ما أنت إلا ابن قهوجيّ، وما حصل لك من خير إنما هو بالعلم، فإياك وخيانته".
فليس الخصوم فقط من يذكرني بمن أنا بل إنه أبي كذلك، ولكن هذا الابن لا ينفك يصيح: ليت فلسطين لم تضِع!
 
مع الغرفة العارية بدأ "الغريب" يكتب بلا تحفُّظ، فهو ليس على استعداد أن يجمع بين أسوار الإسمنت حوله مع أسوار الوهم والخوف في داخله، وليخطئ ما شاء الله له أن يخطئ، فحجّته حاضرة أنه سجين ولا يملك مراجعًا ولا كتبًا، فهو لا يكتب علمًا بل يكتب عن نفسه.
 
كتب السجين قصائد الحب ففضحته وأضحكت عليه إخوانه:
تُسائلني ظبيتي ماذا تريدْ ... أما يكفيك بسمتها الخدودْ؟
تُسائلني وقلبها تاللهِ يعلم ... بأن القلب أضناهُ الصدودْ
لماذا ظبيتي دل وغدر ... لماذا قِسمتي منكِ الوعودْ؟
أرشِفُ حبهم روحًا وشهدًا ... وعندي خفقةً نارٌ تقيدْ
وتضحك زمرة الأصحاب مني ... فأسترُ ما علا منه السهودْ
فليت قسمة الأرباع فينا ... على قدر حرقتها الكبودْ
وكتب قصائد غربة الزمان وألق الأولياء فيه: 
بكت الصور الجميلة مني يا ابنتي ... والحكمة الأولى بحزنٍ تهاوَت من علِ
والحزن مال مع الرياح مهادنًا ... طمعًا بكسبِ لُعاعةٍ من حنظلِ
ورفيق دربٍ خانَ أعرضَ نائيًا ... من أن يفي بحقوقِ عهدي الأولِ
وبقيتُ وحدي لا ألوم معاتِبًا ... بل أكتسي حبًا بأغلى الحُللِ
يا شامخًا في النور إليكَ مطية ... يمشي الهُوينا رِكابها بتمهُّلِ
 
وفيها طارت نفسه إلى الولي الصالح –نحسبه والله حسيبه- مُلا الخير محمد عمر:
يا ناقة العزِّ فلتهنئي فرحًا ... ولتشرقي تيهًا بالرفقة الأَثلِ
إن كان ابن خطاب قد أعقلك زمنًا ... فملا عمر وافاكِ في القللِ
يا ناقة العز ما أدمت نواظرها ... من باع من أجلها سلطانة الدولِ
في قصيدة تقرب من الخمسين بيتًا هي اللامية. 
وكتب "الغريب" بلا تحفظ ولا مواربة انتماءه لأمة الشهادة ورجالها؛ كالشيخ أحمد ياسين:
فأَشهدُ أن سَمْتكَ كان طِبًا ... يداوي كل أدواءِ القلوبِ
وأشهدُ أن موتك يُحيي قلبًا ... تردّد خوضَ أهوالِ الحروبِ
وعن مدن الصمود كالفلوجة:
جبل الصمود يا غرس المآذن تيهي وانشري عبقا
رُدي سلام الرَّاسِفين في قيدِ أعدائهم رهقا
وكتب عن فلسطين أرضِ الزهر والرماح:
هبي يا ريح الجنوب ... واحملي شمس بلادي
أرسلي ذهبًا وتِبرًا ... من ذرى قدس الجهادِ
فيها طفل صار رمحًا ... شق صدرًا للأعادي
يرسل الأحجار نارًا ... من أبابيل الوقادِ
فيها أمٌ تسقي نورًا ... ضاء في كل الوهادِ
فيها نهر الزيت يجري ... من جدود كالعمادِ
فيها نبت الزهر يرسل ... عطره في كل وادِ
أرضها عُجنت بدمٍّ ... فهي حنّاء الودادِ
 
وتأمَّل "الغريب" تأمُّل الجالس على صفيح النار، فأيقن أن الأمة تعيش نصرًا قرآنيًا وتاريخيًا، فكتب (لماذا انتصرنا؟)، وحمد الله أن هذا التأمل لم يكن حلمًا، إذ كيف ينام ويحلم الجالس على صفيح النار؟!
 
وتأمل "الغريب" العقول، فكتب عنها لأنه أيقن أن هناك علة في عقل الأمة حين تتعامل مع الواقع بعقل شعري، وأنه لا حياة إلا بعقل جهادي فاعل، فكتب (الفرق بين العقل الشعري والعقل الجهادي).
 
وتأمل "الغريب" نفسه وإخوانه والحياة، وبدأ يسجل بعض لمحاتها تحت عنوان (شذرات من الحياة).
ولأنه موقن أن المتأخر لا يقل عن المتقدم فضلًا كما قال في لاميته:
دعيني يا ابنتي أحكي إليكِ ... فكم فعل الآخر كالأولِ
 
ولأنه كتب:
وتهل السماء ترسل نورًا ... ما الشموس منها تُميتُ هلالًا
فكتب عن شموس اليوم تحت عنوان: (لمحات جمالية معاصرة).
 
ثم آب إلى "القراءة" ليكتب عنها؛ ليفيها بعض حقها وليكشف عنها بعض ستورها، لعلّ أحدهم يعثر بهذا الكتاب فيقع أسر الحب.
ومع هذا الكتاب كانت أسوار السجن تتساقط حقيرة، كما كانت تتساقط وجاري في الزنزانة الحبيب رشيد رمدة يغني وينشد قصائدي فيرحل بي إلى الحب والأمل وعالم المثال: 
تعاظمي يا سياط السجن وارتفعي ... واحجبي النور ما قررت بالفزعِ
وأرسلي همومًا على عين مفتَّحة ... تأبى الهجوع من ذكرى ومن وجعِ
فروحي تأبى أن تُقر مغتصبًا ... أو أن تُقاد لطاغوت من الخلعِ
أو أن تُحد بأسوار منمقة ... أو أن تصيخ لوهم جاء بالجزعِ
هم يقدرون على لحم من البدن ... ولا يلجمون مني طيب مستمعِ
تمنى وأسقط نتن ريحهم ... وأطلق الطين أنوارًا من اللمعِ
فسبحان من صير صوت مبسمه ... روحًا ليملأ كأس العشق بالورعِ
وهكذا كان هذا الكتاب، أصرخ فيه صرخات عنترة بامرئ القيس: 
لك الويلات إنك مُرجِلِي
 
ولكن يأبى إلا أن يفضحني، وكنت أعرضه على أخوين حبيبين حرفًا حرفًا هما رشيد رمدة الجزائري وعادل عبد المجيد المصري، لعلهما يمزقانه خوفًا علي من الفضيحة، فأكتشف أن القوم عشاق "الفضيحة"، وأن السجن علمهما حب الحقيقة وهي عارية، وهكذا كان هذا الكتاب أتحدث فيه عن نفسي، وما من كلمة فيه إلا لي، مع أني أعلم أنه لا يوجد لي فيه حرف واحد، إذ كل ما فيه إنما هي صناعة القراءة، كتبت ما قرأت ورأيت وشعرت وأحسست، فهو لي إن كان غُرمًا، وللقراءة وفضلها إن كان غُنمًا، فلا ينبغي لهذه الصناعة الرائعة أن يُنسب لها ما يشينها.
مع الكتابة عرفت جمال القراءة، ومع معاناتها عرفت قيمة الكلمات، وكُشف لي عن خبيئتها.
 
وفي الختام سألني أحد الإخوان: ماذا تفعل هذه الأيام؟ قلت: أكتب عن "فن القراءة"، فقال لي: لا أعرف أي فن في القراءة، إنما هي فعل واحد، وهو أن أفتح الكتاب وأقرأ فيه.
ولا أدري أأصاب أم لا، فقد تأملت كل ما كتبت فوجدته إنما هو "دندنة" حول ما قال، فخذ هذا الكتاب كتاب "دندنة" لا أكثر ولا أقل؛ فهل كتاب يُؤلف في خمسة أسابيع بلا مراجع ولا استشارات علمية ولا حوار يرقّيه يستحق أكثر من هذا؟!
 
بقيت في النفس آمال وكلمات، وإني أحمد الله أنها بقيت، إذ كنت أظن أني ألقي في هذا الكتاب كل نفسي فأرتاح، وما إن قلت: لن أزيد، حتى رأيت أني كتبت شيئًا آخر غير ما قصدته، وأن كل ما أردت أن أكتبه عن القراءة لم أكتب منه حرفًا، بل كتبت أشياء أخرى لم أرسم لها نية ولم أفطُر لها طريقًا.
والله ولينا ومولانا.
 
عمر بن محمود أبو عمر (أبو قتادة) 
سجن بلمارش البريطاني.
 
 
 

أخبار ذات صلة

مقدمة ونقاط

لطالما احترم المنصف النقد العلمي المبني على وقائع وحقائق لا على جهل وشقاشق ... المزيد

أستاذي الدكتور صلاح الدين سلطان، أحد الدعاة البارزين في هذا العصر، وأحد العلماء العاملين، وصاحب التجربة الثرية والواسعة في الدعوة إلى الله تعالى، ذ ... المزيد

أعلنت جهتان مسؤوليتهما عن الهجوم المسلح على العرض العسكري في مدينة الأحواز جنوب المزيد

تعليقات