البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

تابعنا على فيس بوك

كتاب (الحرب العالمية الرابعة) للكونت دي مارنشيز

المحتوي الرئيسي


غلاف كتاب (الحرب العالمية الرابعة) للكونت دي مارنشيز غلاف كتاب (الحرب العالمية الرابعة) للكونت دي مارنشيز
  • عمر محمود أبو قتادة
    07/01/2016 03:16

الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيد الخلق وإمام المتقين محمد بن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ الميامين وعلى من تبعهم بإحسانٍ وهدىً وتقىً إلى  يوم الدين، جعلنا الله وإياكم منهم آمين آمين.

هذا هو الكتاب الثاني عشر من كتب المختارة لمشروع "ألف كتاب قبل الممات"، وهو كتاب (الحرب العالمية الرابعة) للكونت دي مارنشيز الفرنسي، وهو كتاب يخضع -كما يقولون- يخضع إلى كتب المذكرات.

من الأمور التي نشأت في تاريخ العلوم النمطيَّة، ماذا نقصد بالنمطية؟ أنتم تعرفون أن الثقافة في أساسها إنما تكون بحسب الواقع، يعني حتى الأمر التصوُّري لا يمكن أن ينشأ إلا بسبب واقع. والشيخ الجرجاني –رحمه الله- في كتابه (دلائل الإعجاز) يقول: "بأن الإنسان تنشأ معارفه مادية ثم ترتقي إلى التجريب"، ويقول: "وهذا خلاف ما عليه نشأة آدم –عليه السلام-، فإن آدم عُلّم ثم عُرضت عليه الأشياء"، ولا أريد أن أناقش هل حقًا آدم عُلِّم الأسماء قبل أن يدرك الأشياء –عليه السلام-، أم أنه تعلم الأشياء ثم علم أسماءها؟ فالتقى التصور الذهني على اللفظ اللساني؛ لأنه كما يقول علماؤنا: لكل شيء أربعة وجودات؛ الوجود الأول هو الوجود الحقيقي، الوجود الثاني هو الوجود الذهني تصور، الوجود الثالث هو الوجود اللفظي، الوجود الرابع هو الوجود الكتابي.
كل واحد له وجود والأصل أن تتوافق، وبلا شك أن الأغلب فيها هو الوضع الإلهي، هذا الذي نعتقده أنها كلها فيها وضع إلهي. فهل وُجدت الأسماء في ذهن آدم ثم وُجدت الأشياء؟ أم وُجدت الأشياء تحت بصر آدم فحصل لها التصور الذهني الذي ارتبط مع {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} فصار لها وجود لفظي في لسانه؟ هذه قضية نتركها ونؤجل البحث فيها -إذا قدّر الله- إلى شرح سورة البقرة؛ لأن سورة البقرة تعلمنا هذا تعليمًا عظيمًا.

لكن الاتفاق على أن الإنسان تبدأ معارفه بالنظر إلى الأشياء ثم ترتقي إلى الأسماء ثم ترتقي إلى التجريب ومنها التركيب؛ يعني كيف الإنسان صنع الشاي؟ بالتركيب، لا بد أنه أخذ الشاي الذي هو الورقة ثم غلاها بالماء فركبها مع الماء والسكر ثم يمكن أن يضع النعناع وهكذا، لكنه أولًا وُجد الشيء أمامه ثم وُجد الاسم ثانيًا، والأسماء تبع للأشياء، ولذلك القاعدة اللغوية هي قاعدة الأعرابي؛ قيل له: ماذا تُسمُّون ماء الطعام عندكم؟ قال: "السَّخين"، قالوا: وإذا برد ماذا تسمونه؟ قال: "لا ندعه حتى يبرد"؛ فإذًا القاعدة أنه لا ضرورة لوجود لفظٍ اسمي دون وجود حقيقة له.

ومن هنا هذه المسألة هي التي تحل لنا إشكال إذا قال بعض العلماء من قدمائنا -وهم علماء لغة ولا شك- أن "الإستبرق" كلمة أعجمية، وأنا أصدق هذا ولكنها عُرِّبت، لماذا؟ لأن العرب لا يعرفون الإستبرق فلما جاء الإستبرق إليهم خرج اسمه، ومعنى عُرّبت هو كما يُعرِّب الغرب أسمائنا بدل أن يقول: "عمر" يقول: "Omar"،  تشرشل له كلمة يقول: "نحن يحق لنا أن ننطق الأسماء كما نحب"، هذا هو منطق الغالب.

القصد بأن الأشياء تبدأ بالوجود البسيط السهل ثم تبدأ بعد ذلك تُركّب، هذا في كل العلوم. والتجريد الذهني مهم جدًا، لأنه منطلق الصناعات، منطلق التركيب، يعني الذي به يتم الصناعة والاستنتاج والبحث وإدراك حقائق الأشياء ولو اجتمعت ماذا تصنع من التفاعلات، إلى غير ذلك.

فهذا العالم أصلًا هو عالم بسيط، لكنه بعد ذلك يرتقي إلى علوم متعددة، وأريد أن أقول: بأن الأصل هو أن تُجمع الأشياء كلها في سياق واحد ولذلك لو صح –وإن كان لعلمائنا رأي آخر- أن المرء يأكل ويشرب كما قال الله -عز وجل- في سورة طه -حينما جمع العريّ الداخلي بالعريّ الخارجي-: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} فالعلماء وقفوا: لماذا هذا الجمع؟ يمكن أن يُقال بأن القضايا هي بحسب الحاجة، والحاجة هي البساطة في الأمر، فيمكن أن يقال: لا ضرورة لهذا التركيب لأن الحياة هي ببساطتها وكل شيء يكون على جهة واحدة، ويمكن أن يُقال شيء آخر كما قال شاه ولي الله الدهلوي في كتابه (الفوز الكبير في أصول التفسير): "بقي القرآن حيًا في النفوس حتى شُقّت الشعرة شقّين عند المناطقة أهل الكلام فصنعوا تراكيب عقلية أبعدت عنه الوهج الفطري الأوَّلي الذي تُحدثه الكلمة بهزتها في داخل النفس البشرية، عند العرب"؛ أقول هذا لأن العربي حينما كان يقول الشعر لم يكن يهمه بأن يجعلها قصيدة رثاء، ولم يكن يهمه أن يجعلها قصيدة فخر، بحيث نقول: هذه قصيدة فخر أو هذه قصيدة رثاء، وهذه قصيدة مدح، وهذه قصيدة ذكرى، وهذه قصيدة حب وغزل..

فالعربي لم يكن يهمه مثل هذا التبويب، متى تنشأ النمطية؟ بعد أن تكثر العلوم وتبدأ الدراسة للعلوم، أما في لحظة النشوء فهي على حالة واحدة من الاجتماع والانسياب. ولذلك نستعير هنا كلمة للشيخ محمود شاكر في كتابه (نمط صعب ونمط مخيف) لما يأتي إلى قصيدة ابن أخت تأبط شرًا -كما حقق هو وإلا فهي في كتاب (الحماسة) لأبي تمّام يضعها لتأبّط شرًا-، وفيها:

إنَّ بالشِّعْبِ الذي دُونَ سَلْعٍ ... لَقَتِيلًا دَمُهُ مَا يَطِلُّ

يقول: "المشكلة أن البعض أخطأ عندما وضعها ضمن النمطية"؛ والنمطية هي أن تحدد نوعية المقالة أو نوعية الوجود أو نوعية الفكرة، هذه نمطية. ومن هذا الكتب، وأنا ميشتُ معكم كل هذا لأقول: إن كثيرًا من الكتب من الخطأ أن تضعها في نمط، لأنك إن وضعتها في نمط أفسدت جوهرها، كما أنك إذا جئت إلى قصيدة جاهلية تجد فيها الغزل وتجد فيها الرثاء، وتجد فيها التفجُّع، وتجد فيها الوقوف على أطلال الحنين، فأين تضع هذه القصيدة؟ هي خليط إنساني، تعبر عن الإنسان في أشواقه، في ذكرياته، في حنينه، إلى غير ذلك.

لذلك أنتم ستجدون هذا في داخل الكتب، أين تضع هذا الكتاب؟ يعني الآن أين نضع كتاب (الأموال) لأبي عبيد القاسم بن سلَّام، هل نضعه في كتب وزارة المالية؟ أم نضعه في كتب الفقه؟ أم نضعه في كتب السياسة والحكام والسلطة والأعمال السلطانية؟ أين نضعه؟ كتاب فيه كل هذا. وتلك طريقة القرآن وهي الطريقة التي تعالج الإنسان على اعتباره كله من غير هذا التبويب والنمطية.

متى تنشأ النمطية؟ تنشأ بعد استقرار العلوم من أجل دراستها ومن أجل تسهيل العلوم. لكننا يجب أن نعلم ونتعلم أن النمطية ليست دقيقة، نضطر إليها كما نضطر إلى القواعد الفقهية لأننا نريد أن نعرف ما هي ضوابط الشرع، ويبقى هناك ما يخرج عنها، ولكننا في النهاية نضطر إليها. ولكنك حين تحتاج إلى الدراسة لا بد أن تدرس الفرع ولا تخدعك القاعدة بحيث تُلغي ذاتية هذا الفرع، وما فيه من خصائص.

يعني عندما تقول: هذا كتاب ذكريات في فن القراءة، عندما تقول هذا كتاب ذكريات أو مذكرات عليك أن لا تلغي أنه كتاب يدخل في علم النفس أيضًا، عليك أن لا تلغي أن الرجل وهو في الذكريات يُقعِّد قواعد علمية في المسألة التي شغلت حياته وجعلته مختصًا فيها، هذا لا ينبغي أن يُعميك عن هذا. وهذا يعيدنا إلى نقطة -تقدَّم الكلام حولها- وهي: أن النص ينتج نصوصًا، وبالتالي هذا الكتاب أين تضعه؟ تضعه في المذكرات، تضعه كما وضعنا كتاب (الاعتبار) لأسامة بن منقذ ضمن الدراسة الاجتماعية لحالة المسلمين زمن الحروب الصليبية، وهو كتاب مذكرات –كتاب أسامة بن المنقذ-، لكننا وضعناه ضمن هذا الإطار، ويمكن أن يُنتج معارف أخرى؛ كطرق تربوية، ويمكن أن ينتج حالة نفسية، كيف يتعامل الناس مع الآخر، ما هي نظرة المسلمين إلى الآخر الصليبي.

بالتالي إياك أن تقرأ النقد قبل أن تقرأ الكتاب، وبالتالي إياك أن تنظر إلى العنوان العام قبل أن تقرأ الكتاب، اقرأ الكتاب كما هو، كما كتبه صاحبه على الأمر الذي كتبه. وصدقوني في الأغلب أن القلم يغلب صاحبه، -وهذه ضرورة في فن القراءة-، القلم يغلب صاحبه بأن ما يكتبه المرء تنفلت منه ما لا يحب، مثال ذلك: أنت تستطيع أن تدرك أن هذا الكاتب مغرور مع أنه يريد أن يتخفّى وراء التواضع، هو لا يريد أن يظهر غروره، لا يريد أن يظهر حقده، هو يريد أن يُظهر نفسه بمظهر العادل المنصف، والقلم يغلبه ويُفرز كلامًا تعرف منه دلالة الحقد ودلالة الغيظ، أو دلالة الحسد، أو دلالة محبة الذات والأنانية.

وهذا مما قالوه: "الناقد أحيانًا يكتشف نَفْسَ الكاتب أكثر من الكاتب نفسه"، وهم يمثلون قصة لهذا بقصة أبي النوّاس، يقال: أن رجلًا كان يجلس لنقد شعر أبي النوّاس محبًا له، فمرّ عليه أبو النوّاس ووقف عنده وهو يقرأ بيت شعر لأبي نوّاس ويتذوَّقه، وبيت الشعر يقول:

ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمرُ ... ولا تسقني سرًّا إن أمكن الجهرُ

فقال الناقد: هذا كلام جميل من أبي النوّاس، أراد أن يجمع بين الـمُتَع كلها، وهي متعة النظر ومتعة الذوق ومتعة السماع، لما يشرب الإنسان كأس الخمر متعة السمع لا تحصل، قال: فأراد أن يجمع متعة السماع بقوله: هو الخمر، حتى يتلذذ باسمها، فهذا الناقد يفصّل كلام أبي النوّاس، فقال له أبو النواس: قبّحك الله، والله ما خطرت على بالي!

فتستطيع أن تنفذ إلى ما يريد أن يخبئه الكاتب، الكلام يَبين، يفضح. ولذلك كلمة أبي العلاء المعرّي مهمة جدًا: "تكلم حتى أراك"، أنا ألج في نفسك وأدخل في غمراتها وفي لولبها وفي خفائها من خلال كلامك، والناس ربما لا يعرفون مقاماتهم، بل في الحقيقة الناس لا يعرفون الكثير من أنفسهم، ويأتي الآخر فيكشف له عمّا نفسه، يضعه أمام المرآة، وكيف يتم هذا؟ يتم من خلال كلامه. لذلك لا تذهب إلى الكتاب برؤية غيرك له، وإياك والتقييمات، اذهب إلى الكتاب وخذه، وهذه نقطة مهمة.

النقطة الثانية التي تهمّنا في هذا الكتاب، وهو إذا وضعنا الكتب ضمن نمطية فهناك كتب المذكرات، وهذه كتب مهمة لكنها حقل ألغام وأشواك، كتب الذكريات والمذكرات كتب مهمة، وعلماؤنا قالوا كلمة عظيمة، قالوا: لا تُصنع الحكمة إلا بأمرين، الأمر الأول: هو الأخذ بمواعظ الكتاب والسنة؛ عليك أن تقرأ الكتاب والسنة وأن تتشبّع وأن تتلقّى ما فيهما من مواعظ وهداية، الأمر الثاني: لا بد من قراءة التاريخ وملاحظة صيرورة التاريخ، هذا كلام الأقدمين. ومن هنا فإن القرآن اهتم كثيرًا بالقَصّ؛ لأن القَصَّ شيء عظيم في صناعة الإنسان، والكلام المجرّد يؤثر في الإنسان ولكن الصورة الذهنية التي تُصنع من خلال الذكريات تصنع أثرًا أعظم.

ومن هنا فلا بد من قراءة المذكرات وهي جزء من التاريخ، وبالرغم من أن التاريخ هو صناعة أمم متعددة، تعرفون أن أول كتاب في التاريخ هو كتاب هوميروس، وهو أول مؤرخ في التاريخ البشري، ولكن لا يُعرف عن أمة من الأمم البشرية اعتنت بتاريخها كما اعتنت هذه الأمة؛ حدّثونا عن كل صغيرة، وذلك من تربية القرآن.

القرآن هو الذي علَّم هذه الأمة علومها كلها، علمها كل العلوم، ما من علم في هذه الأمة إلا وهو إنتاج قرآني بأصله وبوصفه، ليس فقط في أصله أنه يقول لك: ابحث في كذا، بل يعطيك المنهج في قراءة هذا العلم، وفي كتابته وفي دراسته وفي التطلع إليه، وفي إنشائه وفي بنائه.

وبالتالي الاهتمام بالتاريخ هو صناعة هذه الأمة، وتكلمنا أن ميزة كتابة التاريخ في أمتنا أنهم لم يتدخلوا في كتابته، بل ينقلون كما يصل إليهم، وتركوا لك التحليل، قالوا: اذهب أنت حلّل وناقش، لكن هذا هو النص فحافظ عليه.

وبالتالي المذكرات شيء مهم جدًا، وحيث وجدت مذكرات فاقرأها، مهما بدت لك سخيفة. وأرجع لقضية قلتها سابقًا لأنها مهمة، وهي أن القراءة تصنع لك صورة العبودية؛ اللوحة العظيمة (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، وأنا لم أجد بعد الكتاب والسنة أعظم تشكيلًا لهذه اللوحة من قراءة التاريخ، ومن التاريخ قراءة المذكرات، وإياك أن تتردّد في قراءة أي مذكرات فكلها نافعة، والشيء إذا وصل لهذه الدرجة من الانتفاع تكثر خطورته، وخاصة بسبب البيئات المعينة يختار الكاتب ما يُرضي القارئ، ولا يستطيع كاتب الذكريات أن يكتب عنه كل شيء، وإنما هو يختار الصور وأحيانًا يكذب، ومن هنا فأنت لقراءة حقبة تاريخية ما لا بد أن تقرأ المذكرات جميعها حتى تتكون لك الصورة كاملة.

فهو يقدِّم لك جزءًا، ويأتي الآخر الخصم يقدم لك جزءًا آخر، وهذا يفوّت، وهذا يقول عن هذا، في النهاية أنت تستطيع أن تفهم الصورة كاملة وشاملة من خلال القراءة المتعددة، فلا تُسرَق، ولا تعظِّم من لا يستحق التعظيم، ولا يُكذب عليك في الروايات، وخاصة بالنسبة للزمن المتأخر وهو وجود الكذب الكثير في داخل مؤرخي زماننا، لأن المؤرخين في زماننا إنما هم أبناء الدرهم والدينار، والعمالة والكذب لمن يدفع لهم، الطواغيت يصنعون حولهم السحرة، ليُسوِّقوا لهم أنهم عظماء، تجد مثلًا حاكمًا يعجز عن قراءة صفحة واحدة وحين تقرأ ترجمته يُقال: "وقد تلقّى العلم على يد كبار العلماء"!، أي علم كانوا يُعطونه وهو لا يستطيع القراءة؟ هذا موجود، ولذلك عليك أن تقرأ المذكرات فحينئذ تستطيع أن تعرف الصورة كاملة، والحق أن الغربي حين يكتب مذكراته في هذا الزمن المعاصر يكتب بصدق أكثر مما يكتبه الشرقي؛ لأن الشرقي محكوم ببيئته ويريد أن يبرّء نفسه، وإن كانت هذه الخصلة موجودة كذلك في داخل الغرب، مثلًا لما كتب (ووليم كاسي) مذكراته -الذي ذكره (مارين شيز)- إنما كتبها لأنه كان متهمًا في قضية (watergate)، لما تجسس الحزب الجمهوري بقيادة (نيكسون) على خصومه الديمقراطيين، في فترة الولاية الثانية وكشفها الصحفي المشهور (بوب وورد)، فأراد أن يقول أنه لا علاقة له، فكتب المذكرات، وفيها فوائد، وأنا أقول لكم هذا كتاب مهم.

وعالم الجاسوسية عالم مهم، ووليم كاسي هو رئيس ال(CIA) في أمريكا، مذكراته قليلة، وهو مطبوع وأظنه موجودًا في الأسواق، وهو مهم جدًا لأن فيه ما يريد أن يقوله في بعض جوانبه هذا الكونت الفرنسي أن أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية نشأت نشأة أمريكية، وأن الصناعات والصحافة وإلخ، مشروع (مارشال) تعرفونه بعد الحرب العالمية الثانية بعد دمار ألمانيا، مارشال كان وزير الخارجية الأمريكي وأنشأ مشروعًا لإعادة بناء ألمانيا، والحق أنهم بنوا ألمانيا وإيطاليا وأنتم تجدوه وهو ويعترف أن الصناعات الكبرى للسيارات والصحافة والمدارس والجامعات إنما أُنشئت بتمويل أمريكي، وضمن خطة استخباراتية لم تكن الحياة الاستخبارية بعيدة، وذلك ضمن ما يُسمى بـ"الحرب الباردة" والصراع مع السوفييت.

هذا كتاب مهم أن يُقرأ كتاب (مذكرات ووليم كاسي) مهم جدًا، وفي عالم الجاسوسية أنصحكم بكتاب آخر مهم، ودعكم من الكتب التأملية والكذب مثل كتاب (أحجار على رقعة الشطرنج)، هذا كتاب يؤمن بالسياسة التنبؤية ليس لنا فيه، أو (لعبة الأمم) لمايلز كوبلاند، فهذه الكتب كلها صناعة لا قيمة لها، وهي كلام ليس معتمدًا قط على الوثائق، والوثائق مهمة حتى في عالم المخابرات، لا يوجد صحفي يتكلم -حتى في التاريخ- حتى يوثّق هذا من خلال الوثائق ويُرجعها، ثم يأتي بعد ذلك بالتحليل، لكن أن يأتي رجل يقول: صار كذا وصار كذا، دون أن يكون هو صاحب الشأن أو يخبرنا من هو، فهي قراءات لا قيمة لها.

الكتاب الثاني من الكتب الجاسوسية المهمة، وهو كتاب لم يؤلَّف لنا، بعض كتب تستطيع أن تعرف أنها سليمة من النوايا السيئة عندما تعرف أنها غير مكتوبة لنا، منها كتاب بيتر رايت (صائد الجواسيس)، هذا كتاب كان بيتر رايت يؤمن أن رئيس وزراء بريطانيا هو الشخصية الخامسة لمجموعة الخمسة جواسيس الروس في داخل حزب العمال.

وفي داخل الاستخبارات الذين منهم ابن محمد فلبي، هذا محمد فلبي الشخصية الجاسوسية الذي أرسلته بريطانيا إلى الجزيرة العربية وبعد ذلك ادعى الإسلام، فهذا حفيده اسمه ووليم فلبي وكان مقدمًا كبيرًا في المخابرات (MI6) البريطانية، وبعد ذلك اكتشفوا مجموعة تسمى "مجموعة الخمسة" واكتشفوا أربعة على الحقيقة، بعضهم حوكم بعضهم هرب، فيلبي هرب إلى الاتحاد السوفييتي، وبقيت الشخصية الخامسة خفية من هي، وبيتر رايت هذا صاحب كتاب (صائد الجواسيس) يعتقد أن رئيس الوزراء البريطاني كان الشخصية الخامسة، وهو كتاب مهم جدًا يبين لك الصراعات الداخلية، وتُرجم إلى العربية ترجمات متعددة. فهذا من الكتب المهمة، وهل اهتمامنا بهذا الكتاب لأن عالم الجاسوسية مثل عالم السحر الخفي الذي تتشوّف النفس للاستطلاع حوله؟

يعني الناس لماذا يحبون كتب السحر؟ لماذا يحبون كتب الغرائب؟ يحبونها لأنها تكشف المخبوء عما يتطلعون إليه من خفاء لا يجدونه في عالم الواقع، واحد يتكلمون له عن الحمص، هو يعلم ما هو الحمص، لكن حين تتكلم له عن وجود الجن وما هو، تتشوّف نفسه إلى هذا العالم الغيبي فيبحث فيه. وعالم الجاسوسية عالم تكمن ثقافة الإنسان فيه على بناء خفي، فيتطلع إلي معرفة ما الذي فيه، ومن هنا تدخل فيه الأساطير والأكاذيب، وهذا جزء من حذرنا من الكتب التي تتحدث عن الجاسوسية.

ولذلك الكتب التي تتكلم عن الجاسوسية في العالم العربي ضعها في الزبالة، ولا تُضيّع وقتك في أي كتاب ألفه عربي عن الجاسوسية وإن كان يتكلم عن الغرب، ألقه في الزبالة بلا تردد، وأنا أطمئنك أنك لن تندم على ضياع شيء مهم، كله كلام فقط إما لأشياء تجارية، وإما من أجل خدمة أفكار ما، وإما تأملات ذاتية وتصورات على طريقة أن الرجل عندما رمى السيجارة المقصود عمل جاسوسي، ولبس نظارات سوداء فهو جاسوس، وتعرفون هذه الطريقة في التحليل العظيم عند أمتنا في اكتشاف الجواسيس!

وهذا الكتاب أين تكمن أهميته؟ تكمن في قضية إدراك هذا الرجل في وقت مبكر جدًا لما يسمى بـ"الخطر الأخضر" يعني الإسلام، وهذه نقطة نريد أن نفصلها، وأين أهمية هذه النقطة بالنسبة إلينا، وما هي الأمارات التي يكتشف فيها الآخر أن هناك خصمًا ينمو في الخفاء يمكن أن يقفز إلى ساحة الصراع ويمكن أن يرثك؟

هناك كتاب -سيكون من الألف كتاب بإذن الله-، وهو كتاب نيكسون (نصر بلا حرب)، وهذا كتاب مهم جدًا؛ لأن هذا الرجل –نيكسون- رجل استراتيجي، ورجل له قيمته وله أهميته، وكتابه هذا مهم جدًا وعنوناه دال عليه؛ كيفية إمكانية النصر بلا حرب؟ كيف يمكن لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن يصنع نصرًا بلا حرب؟ وليس المقصود بلا حرب بلا قتال، بل المقصود شيء آخر الكتاب يشرحه.

والنقطة التي تهمنا هنا هي إدراك قيمة العقائد في عالم الاستخبارات، هذه ربما نحن لا نُقيم لها شأنًا في عالم المخابرات، نحن عندنا عالم المخابرات هو عالم أمني، للأسف في ثقافتنا العربية لضعف الثقافة في هذا الجانب، يغلب علينا قراءة الأفكار من خلال ما تقوله الصحف وما يقوله الإعلام، تغلب علينا الثقافة مما تقوله التمثيليات!، يعني كثير من الناس لا ينتبه إلى أن التمثيليات تنشئ ثقافة، وهذا ليس عندنا فقط هذا في العالم أجمع، فتُنشئ التمثيليات والمسلسلات والأفلام ثقافة، وبلا شك أن عالم الجاسوسية هو عالم له اتجاه، لكن عندنا عالم الجاسوسية لا ارتباط له بالفكر أبدًا، هو عالم رجل يأتي إلى هنا يصل إلى قيادة الجيش يصل إلى قيادة الدولة، يكون ضابط مخابرات، ينقل أخبار سريّة، يحرك قطاعات عسكرية خطأ من أجل الهزيمة، وتمشي الاستخبارات بهذا الاتجاه. لكن هل يمكن لعالم المخابرات أن يكون له دور عظيم في عالم الفكر؟ وأن يكون من المخابرات صحفي فهو ينشر فكرًا، أن يكون دكتور جامعة. فهذا جانب لا اهتمام عندنا فيه، أن الأفكار هي أعظم عملٍ من أعمال الجاسوسية في تاريخ البشرية؛ لأن حركة الشعوب إنما تُنتجها العقائد، هم يقولون الأفكار ونحن نقول العقائد، ولو قلنا الإيمان لصح.

لا يوجد حركة لأمة من الأمم إلا والعقائد هي إما أن تكون حاملة لحاجات لهذه الأمة، وإما أن تكون الدافعة لهذه الأمة؛ نحن نقول بأن الحروب الصليبية منشؤها ليس الدين، منشؤها الهمجية والسيطرة والطعام والأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا في داخل مخيال الإنسان الأوروبي، لكن ما الذي حمل هذه القضايا لأن تبعث الإنسان الأوروبي أن يأتي إلى الشرق؟ هو الدين، فالدين حامل لمحرّك الإنسان في صنع الغزو، فالدين هو حامل لأشواق الإنسان وحاجات الإنسان وشهوات الإنسان، والدين فاعل حقيقي وقد يكون هو السبب في حركة الشعوب.

إذًا لا يوجد حركة لأمة خارج نفسها نحو الآخر إلا بسبب العقائد، هذه قضية يجب أن نحسمها، العقائد هي المحرّك الفعلي للشعوب خارج أرضها، قد يقول قائل: الصليبيون لم يخرجوا من أجل الدين خرجوا من أجل الشهوة، نقول: الذي حمل الشهوة حملها لتنطلق هو الدين، الأفكار مهمة جدًا. إذًا أنت تستطيع أن ترصد هذا الكلام الذي يجب أن نفهمه وفهمه هذا الكونت وفهمه الكثيرون، بأن الإسلام قبل أن تنتج 11 سبتمبر وقبل أن تنتج حركات مناهضة للغرب بالطريقة الصريحة القوية، هؤلاء اكتشفوا أن الإسلام هو الوحيد في عالم الشرق الأوسط، وإن كان هناك قوى صفراء من الصين ومن اليابان، ولكن في هذه المنطقة الإسلام هو الوحيد الذي يدفع صاحبه بسبب عقيدة الاستعلاء.

توينبي في كتابه (قصة الحضارة) وهو مهم جدًا، قال: لا توجد حضارات في أفريقيا، وتوينبي صحيح رجل مؤرخ لكنه في النهاية يلتقي لقاء مع الاستشراق مع الاستعمار، فهو يقول: لا يوجد حركة خارج الأرض إلا بسبب الدين، والإسلام هو الذي به ينطلق العربي خارج أرضه، ويقول: لم يخرج الإفريقي خارج أرضه ليصنع حضارة ولم يخرج الهندي خارج أرضه ليصنع حضارة، والسبب هو فقدان عقيدة الاستعلاء.

يعني الغربي عندما يأتي إلينا، لما يأتي إلى الأفارقة، لما يأتي إلى الصين، ما هو دافعه؟ شعور الاستعلاء لديه، أنه هو الذي يجب أن يحكم، نحن عندنا هذه العقيدة، وهي عقيدة العزة أن العزة لله، -هذه التي يرد أن يدمرها المشايخ-، لا تجد قضية أعظم نَصْبًا للهجوم عليها أعظم من الاستعلاء الإيماني، العزة الإيمانية، يريد المشايخ -قاعدة الاستخبارات صناعة الفكرة- جعل الإنسان المسلم شيئًا مع العالم، متساوقًا مع العالم، مع وجود نظام في العالم فيه الصغير وفيه الكبير، يعني يمكن قبول الدعوة إلى أن يكون المسلم واحدًا من العالم والعالم كله متساوٍ، لكن هذا الاستعلاء الذي يعيشه الغرب من خلال الأمم المتحدة، ومن خلال القوانين الخاصة بهم، ومن خلال القوانين التي يفرضونها على العالم، الاستعلاء موجود، فمن حق الآخر أن يفكر بالاستعلاء.

القصد أريد أن أقول بأنه لا يوجد دافع لأمة من الأمم بالانطلاق نحو الآخر للغلبة عليه إلا بوجود عقيدة الاستعلاء، من هنا العقيدة مهمة، هذه أخذناها باتجاه عكسي لرؤية الفكرة في المرآة؛ اعكس الصورة وانظر إلى الفكرة خارج المرآة تجد أن الغربي الذكي يدرك أن الإسلام هو العدو القادم إليهم قبل حضور الإسلام إلى المعركة، لأنه يعلم هذه القضية.

وهذا جزء مندراستهم وقولهم في قراءة التاريخ، لما تكلم (كولن ولسون) الفيلسوف البريطاني المعروف عن الإنسان اللامنتمي وضع (توينبي) من هؤلاء الذي كونوا الشخصية الغربية اللامنتمية من خلال تكوينه كإمام للعالم، فتوينبي ممن شكل عقدة الرفعة لدى الغربي على العالم التي جعلته يستعمر الآخر.

من أين أدرك هذا الكونت الفرنسي أن الإسلام قادم؟ هذا كتاب متقدم كتبه بعد ظهور ثورة الخميني، وسأذكر لكم قصة انتصار ريغان على كارتر، تعرفون أن كارتر رئيس ديمقراطي وهو من الرؤساء الديمقراطيين الكثير الذين لم ينجحوا، قلما رئيس جمهوري أمريكي إلا وتولى مرتين، والديمقراطيون كثير منهم لم يتولوا إلا مرة واحدة، منهم كارتر وانهزم أمام ريغان. هذا الكتاب كتبه بعد الثورة الإيرانية، وسنتكلم بالإنصاف عن هذا الأمر، وفقط للذكر لتعلموا عالم الجاسوسية وعالم الغرب ما الذي يحكمه، في أواخر عهد كارتر قبل أن يبدأ التصويت للولاية الثانية، نشأت مشكلة الرهائن الأمريكيين في السفارة الإيرانية، فيقول بسام أبو شريف: اتصل ريغان بعرفات، أرسل له مرسالًا، وطلب منه رجاءً خاصًا لأنه علم أن كارتر، سأل مستشاريه: من ممكن أن يحل لنا مشكلة الرهائن؟ قالوا له: ياسر عرفات، رجل قريب من الخميني، وطرد السفارة الإسرائيلية، وأحضر السفارة الفلسطينية، وجلس مع عرفات وأكل معه زيتون وزيت، فلما سمع ريغان بأن كارتر أرسل لعرفات لحل المشكلة ولو حُلّت المشكلة من قبل كارتر لكانت عاملًا مساعدًا لوصول كارتر للحكم مرة أخرى، خاصة أنه سقط الخيار العسكري لما سقطت الطائرات التي ذهبت لاستنقاذهم، ما يهمنا أن ريغان أرسل لعرفات يعده بالمال وبرفع درجة التمثيل والقربى مع المنظمة فقط إن توقفت مساعيه لئلا يطلق الرهائن، تصور الرئيس الأمريكي!

الأصل أن الرئيس الأمريكي يسعى لإطلاق الرهائن، سواء انتُخب أم لا، لكن هو سعى لعدم إطلاق الرهائن، حتى تعلموا أن هؤلاء لا يقف أمام شهواتهم شيء، حتى الشعوب التي يحكمونها.

نرجع لنقطة مهمة جدًا في هذا الباب، أن الغربي يُدرك الإسلام بطبيعته قبل الذي نراه من حضور المسلم لأرض الصراع، وما هي عوامل القوة فيه كما ذكرها الكونت وغيره، لكن السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا: كيف اكتشف الغربي عوامل القوة في هذه الأمة لأن تكون هي المصادمة لحضارة الغربي الحاضرة في التاريخ في هذه الأيام؟ هذا الذي يجب أن نسعى لنعرفه لأننا إن أدركنا هذا، إن علمنا ما هو السبب علمنا ما الذي يقابله من صنع الجواسيس من اللحى والصحفيين وغيرهم، والقوانين التي تُبذل من أجل إماتة هذا العنصر الذي به يتم تشكيل رمح الحضارة الإسلامية المصادمة لحضور الغربية">الحضارة الغربية.

القضية بسيطة رياضية وسهلة، علينا أن نعرف كيف اكتشف الغربي عوامل القوة في أمتنا، حتى نحضر للتاريخ، هذا العربي مُهان لا قيمة له، كيف شقَّت عين هذا الغربي ذكاءً، دراسة، ملاحظة لأن يدرك أن المعركة القادمة مع هؤلاء الهمج الأغبياء الذين ليس لهم قيمة، لكن هذا يمكن أن يشكل المعركة القادمة ضده، ما هي العوامل؟ علينا أن نكتشفها من كلامه، وحين ندرك هذا السبب ندرك أين توجهه في حرب هذه النقطة، هذه البذرة لئلا تقوى وتصعد.

ما هي عامل القوة في هذه الأمة؟

العامل الوحيد ليس هو الصلاة، كنا ونحن في التبليغ نعتقد أنهم يضعون لنا لحم خنزير في الأكل حتى إذا دعونا لا يُستجاب لنا؛ لأن عامل القوة لدينا هو إجابة الدعاء، تصوروا أن الغربي يدرك أن من عوامل القوة لدينا الدعاء! لا قيمة لهذا الكلام، هذا كلام نرضي به أنفسنا، مثل لما رابين قال: "أعدى أعدائنا السلفيين"، وكأن تحقيق الكتب سيصنع زوال إسرائيل!

كلمة "السلفية" عند رابين يعني بها "الإسلام"، مقابل "الإسلام المعتدل"، تعرفون الإسلام المعتدل يعني إسلام المتعريّات وإسلام شرب الخمور ولعب القمار.. فالسلفية هي الإسلام، فالسلفية عنده هي حماس!، نحن هكذا نفهم الأمور لجهلنا، فعوامل القوة لدينا -كما يطرحها خبراء الغرب من زعماء أمنيين وزعماء سياسيين- أن عامل القوة في نبتة هذه الأمة لتقوى شجرة مصارعة لحضارتهم إنما هي عقيدة العزة والاستعلاء على الغير.

وهذه علمنا في وقت من الأوقات بالرصد بأنها أقوى قضية تُحارب، وأجلى قضية تقاتل في الغرب، ومن ذلك نشوء "الإسلام الوطني"، على الهامش، ماذا يعني "الإسلام الوطني"؟ يعني كما يوجد إسلام مغربي، يوجد إسلام مصري يوجد إسلام أمريكي، يوجد إسلام بريطاني، يوجد إسلام أسترالي، وهذه صراحة تقال! وذلك لتدجين الإسلام ضمن هيكل الجاهلية.

الآن كل الحرب تقوم على هذا: "إياك أن تشعر بالاستعلاء على غيرك"، الاستعلاء هو مادة صناعة الحضارة؛ لأن الحضارة تعني الحضور، وأنت ليس عندك مادة الظهور على الخصم، فأنت تجلس في مكانك، لكن وجود التطلُّع الذي يدفعك به دينك وإيمانك لأن تكون سيدًا على الكون هو الذي يصنع حضورك في العالم.

هذه يجب أن يُقضى عليها، والدولة القُطرية تمهّد، والمشايخ يقومون بالحرب عليها، والإسلام المعتدل والكلام الذي يُقال، كله حرب على هذه النبتة القوية التي كانت من أوائل ما غرسه الإسلام في المسلم الصحابي في مكة، والدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (كلمة تدين لكم بها العرب، ويدفع العجم لكم بها الجزية)، من أول يوم يقول: (لا إله إلا الله) وعينه على أن تصبح حاكمة على العالم.

أعجبني مرة مدرب جزائري، أنا للذكر أسمع كل شيء وأقرأ كل شيء، لا تعيبوا علي، ولما الناس يمدحونني يقولون: ما شاء الله يقرأ كل شيء، لما يذمونني يقولون: ما شاء الله يقرأ الجريدة من الخلف ويقرأ الأخبار الرياضية قبل الأخبار السياسية! مدحًا وذمًا، ومن صور الهالة والتخلف أن يُمدح الشيخ بقول: "وبفضل الله كان لا يقرأ الجرائد" هذه أنا سمعتها عن شيخ، هذا يريد أن يغير العالم دون أن يقرأ الجرائد!

ولذلك تذكرون الصراع على فقه الواقع؟ مرة نشأت في إحدى المعارك في أمتنا، وتعجب أن هناك ثمة أمة من الأمم تؤمن بنشر دينها وبعزة إسلامها، وتبحث في قضية هل نفقه الواقع أو لا نفقهه!، إذا وصل النقاش إلى هذا المستوى دلّ على الانحدار.

المهم في لقاء تلفزيوني مدرب جزائري أحضروه يتلكم عن مشكلتنا، لا أذكر سبب هذا الحوار لكني أذكره تمامًا وأنا في السجن، يقول له: لماذا لا ينتج عندنا فريق دولي من اللاعبين الدوليين في العالم؟ فقال له: الطفل البرازيلي –هذا من الدراسات النفسية- وهو صغير قبل أن يعرف كيف يحرك الكرة يعلمونه أن البرازيليين هم أسياد الكرة في العالم، فهو منذ أن يكون صغيرًا يتعلم أنه سيد العالم في كرة القدم، بعد ذلك خذ الجانب الذي يمكن أن يصل إليه، أما أنت أمك تقول لك: "يا ابني احفظ راسك أنت بدك تجابه دول؟!، يا ابني العين بدها تجاري المخرز، يا ابني هاي قراية عالمية كبيرة ما الك فيها"، ويمسكك مسؤول الأمن يقول لك: أنت رويبضة، من أنت!؟

فبهذا تعرف كيف تنشأ النفوس؛ يقولون لك: أغلق باب بيتك ودعك مما خارجه!، وليتك إذ دخلت بيتك فرغت خصومة الخصم منك، بل هو يلاحقك في بيتك مع زوجتك وابنك وفي عقائدك وفي أفكارك وفي مالك الذي أجهدت نفسك في الحصول عليه، ليته تركك!

ما هو عنصر القوة في الأمم؟ نظرتها أنها لا بد أن تحضر نفسها هذا واحد.

النقطة التي تكشف لنا هذه النقطة، أن النصر حين يأتي رجل شيخ معمّم، قائد، صحفي، مفكر، يقول: "نريد أن نكون كالعالم من غير شعور الاستعلاء والعزة الإيمانية" فاعلم أنه جاسوس؛ لأنه يريد أن يُميت هذه النبتة العظيمة التي بناها الإسلام، ومن أول البناء القرآني للمسلم الصحابي رضي الله عنهم جميعًا.

النقطة التي في هذا الباب وهي مهمة جدًا عبارة صغيرة، وهي كلمة مهمة قالها لينين، أقرأها لكم بلفظها، وكما قال علماؤنا: "الحكمة ضالة المؤمن".
قال: "العنف هو الدَّاية للتاريخ"؛ الداية المرأة التي تقوم بعملية التوليد، العنف هو الداية الذي يكون التاريخ، التاريخ لا يصنعه الفلاسفة وإن كانت أفكارهم لا تُصنع إلا من خلال الآلة العسكرية، والدين لا يصنع الأمم إلا بوجود آلة عسكرية تخدم هذا الدين. فالتاريخ إنما الذي يستولد منه، إذا أردنا أن نصنع التاريخ وأن نولِّد منه الحقائق يجب أن يكون هناك ثمة عنف، والتاريخ شاهد على هذا؛ أمريكا -هذه العظيمة- لم تكن لتكن موحدة إلا بالعنف، أوروبا لم تصل لهذا النظام من العشرية الرابعة من القرن الماضي، -الأستاذ تقي الدين الهلالي -رحمه الله- يقول: "الأربعينيات والخمسينات هذه خطأ لغوي، وإنما الأصل أن تقول العشرية الرابعة العشرية الخامسة من القرن الخامس السادس العاشر"، وهو إمام لغة حجة-.

القصد من العشرية الرابعة من القرن الماضي وأوروبا تمشي ضمن سياق، ما الذي صنعها؟ الحرب. الآن العالم يريد أن يصنع وجوده بالعنف، بعد العنف ينادي بالسلام، دولة إسرائيل قامت بالعنف، بعد الاستقلال تدعو إلى السلام. السلام يكون بعد أن يستقر وضعك أنت، لكن وأنت مسحوق السلام مادة مُحبِطة لك في طلب الحقيقة أو طلب الحقائق أو طلب الحقوق، تُميتك تقول لك اجلس!

ولذلك لا بد من هذا الأمر، وهذا الكاتب يؤكد لنا هذه الحقيقة بأن الأمم لا تُصنع ولا يمكن أن يكون لها حضور إلا من خلال الدبابة، يسمونه ما يسمونه المهم من خلال القوة العسكرية الحاضرة.

النقطة المهمة في هذا الكتاب أن هذا الكونت الفرنسي عندما ذكر لنا قصته مع ريغان، ماذا اقترح له من أجل تدمير الجيش الأحمر الغازي في أفغانستان؟ الأناجيل والمخدرات والصحافة، ألا تجدون هذه المفارقة الغريبة؟ يريد أن يُشربهم المخدرات ويريد أن يعطيهم الأناجيل، وهذا لا يغني فيما يقوله هو من وجود المعركة الحقيقية الأمنية، يريد أن يعطيه الإنجيل أفكار من أجل أن ينشره مقابل الإلحاد الذي عليه الاتحاد السوفييتي، ويريد أن يعطيه المخدرات ليصنع منه عاهة لا قيمة لها، ويريد أن يغير فكره عن قادته ليصنع الثورة بعد ذلك عن طريق الصحافة، ولكن هو ليس بريئًا في المعركة، يعطيه الإنجيل أي الإيمان كما يتصور هذا الكونت صاحب العائلة الارستقراطية ويعطيه كذلك المخدرات!

ولذلك تعجبون جدًا هؤلاء الشعب الأصلي في أستراليا عندما تذهب عندهم، تجدونهم ليل نهار في حالة تحشيش ومخدرات، السؤال من الذي نشرها عندهم؟ هذه تحتاج إلى رصد. ومن غرائب الأمور أن هناك عظيمة أقامتها بريطانيا ضد الصين، حرب معلنة وليست سرية، والإعلان العام لها هو إجبار الصين على فتح أسواقها من أجل الأفيون، وهي حرب تاريخية تسمى (حرب الأفيون)! الأساطيل البريطانية تغزو سواحل الصين من أجل فتح أسواقها من أجل نشر الأفيون والمخدرات!

هذا جانب يجب عليك أن تعلمه أن المعركة ليست بريئة في شيء، هذه الصورة الجميلة التي تراها أمامك في التلفزيون لرجل يلبس الجرافة وجيّد ويبتسم أو يقدم لك امرأة، لأنه عادة الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض يكون امرأة وزارة الخارجية امرأة والبنتاغون امرأة، والمتكلم باسم الجيش الإسرائيلي امرأة، والمتكلم باسم الشرطة الإسرائيلي امرأة!، وهم يقولون: هذا مهم جدًا لأن الرجل صورته العنف، لكن كيف تتحدث امرأة عن العنف!؟ لا يُتصوَّر منها إلا الرقة، فحتى الوسيلة التي تستخدم تعطي عبارة الرقة، لذلك يقولون: تكلم بلطف ولكن إذا ضربت اضرب بقوة، وفي الحقيقة هذه طريقة أصحاب الدعوة إلى الله -عز وجل-.

الأمر الآخر في هذا الكتاب وهو قضية الحدائق الخلفية للدول الغربية وأمريكا، وهذه كان يمكن أن تُشرح بمشقة شديدة جدًا قبل الحرب على الإرهاب، كان يمكن أن نبذل جهدًا كبيرًا في شرح ما معنى الحدائق الخلفية؟ الحدائق الخلفية هي كلمة مترجمة عن البريطانية، أنتم تعلمون أن بريطانيا إلى الآن بعض المناطق لا يوجد في البيوت القديمة بيت خلاء! لا تظنوا أنهم متطورون! كانوا يستعملون الآنية بدلًا من بيت الخلاء ثم يُلقون ما فيها في اليوم التالي في الحديقة الخلفية! هذا معنى الحدائق الخلفية.

فكلمة "الحديقة الخلفية" هذا المصطلح الذي يستخدمه الغرب، الغرب لا بد له دومًا من حديقة خلفية يمارس فيها ما لا يستطيع أن يمارسه على شعبه. قديمًا كانت موجودة ولها صورها الكثيرة والفنية الكبيرة، لكنها في هذا الوقت ضرورة من أجل القوانين التي فُرضت في تلك البلدان بعد الحرب العالمية الثانية، من أجل إيقاف الحروب بعد أن دمرهم هتلر، وأدركوا أن التمايز في داخل المجتمع الأوروبي سيصنع ثورات وهتلرًا جديدًا، ويحيي الثارات، فهم قالوا لا بد أن ننهي هذا الأمر، وسيطرت اليهود فدعوا إلى الحرية والمساواة والحقوق العامة، بدأوا يرتبون أوضاعهم الداخلية وكلها إنما صُنعت من أجل الداخل من أجل عيون اليهود.

ثم جاء المسلمون واستفادوا منها فبدأوا ينقلبون كآكلي آلهتهم، كالعربي الذي كان يأكل آلهته حين كان صنع صنمًا من تمر فإذا جاع أكله، فالغربي هو يصنع آلهته فإذا جاع أكل آلهته وانقلب عليها هذا سهل جدًا، لكن القوانين التي صُنعت لهم هي تحدُّهم من أن يبسطوا أرجلهم القذرة في داخل مجتمعاتهم فلا بد من حدائق خلفية. مثال لذلك: (CIA) هذه ممنوع بالقانون أن تعمل داخل أمريكا، ولما أصدروا أمرًا بتكوين (CIA) -وهي وكالة المخابرات الأمريكية- كان بندًا واضحًا صريحًا صارمًا قويًا من قبل الكونجرس ومن الشيوخ: ممنوع أي ممارسة ولو قليلة في داخل الأراضي الأمريكية، لأن عالم الاستخبارات عالم قذر وهم يريدون حماية شعوبهم من هذه القذارة، فلذلك ممنوع أن تعمل في داخل الأراضي الأمريكية، هناك عندهم القوة الفيدرالية، ولما حدثت ما حدثت من أهوال، وجدوا أن الخصومة كبيرة بين الشرطة الفيدرالية، الشرطة الفيدرالية هي الشرطة العامة التي لها سلطة على كل أمريكا، فهناك كل ولاية لها سلطتها، وكانت صراعات بينهم في الداخل والخارج ويخبؤون فاكتشفوا خللًا فأوجدوا ما يسمى بـ(دائرة الأمن الوطني) من أجل التنسيق بينها، ولم يغيروا القانون، إلى الآن ممنوع (CIA) تتجسس داخل أمريكا، يعني لو واحد من (CIA) تجسس داخل أمريكا فهذا ممنوع ويُعاقب عقوبة شديدة، هذا معناه أنه لا بد من الحدائق الخلفية.

تعرفون أن أمريكا بالقانون ممنوع وجود وزارة الإعلام، بمعنى يُمنع أن تتبنى الحكومة الأمريكية أو أن تنتج صحيفة أو تلفزيونًا تابعًا للحكومة، حتى لو كان للدفاع عنها، ولذلك إلى الآن (قناة الحرة) التي تُبث للبقر للأمميين –للجوييم- ممنوع أن تبث داخل التراب الأمريكي. ولذلك الحرة هذه أنشأوها ضد هتلر في الحرب العالمية الثانية، انشأوا قناة إذاعية ضد النازيين والفاشيين وسموها القناة الحرة، ولما البنتاغون قام بدور لعدم وجود وزارة إعلام يمكن أن تنتج قناة الحرة وصحيفة الحرة، وبالتالي يُنشئها البنتاغون فهي جزء من المعركة، فهذا لا بد له من وجود حديقة خلفية.

السجون السرية في الخارج، والاغتيالات في الخارج، حامل الإناء الوسخ يرميه في الحديقة الخلفية!

ولذلك هم يتعاملون مع العالم على هذا الأساس؛ أن الحلفاء هم حدائق خلفية لرمي القاذورات التي ينتجونها ضد خصومهم أو ضد الشعوب الأخرى، لو اكتشفوا أن صحفيًا واحدًا فقط في أمريكا يعمل مع الحكومة الأمريكية فهذا ممنوع، ولذلك هو لما أراد أن ينتج صحفيين ذهب إلى باكستان إحدى الحدائق الخلفية.

يجب أن تفهم هذا في الجاسوسية أنه لا بد من حدائق خلفية لهذه الممارسات، ومن هنا فإن دوائر الأمن بالنسبة لتلك الشعوب لا يُعرف عنها شيء، لا يعيشون معها، لا يعرف معنى (CIA)، ولا تظنوا أن لديهم تلك الثقافة العظيمة، فالإنسان الغربي إنسان جاهل إلا في شيء واحد كيف يأكل ويشرب وينام وما هو الرصيد، صدقوني سألت كثيرًا عن بعض الشخصيات التي صنعت بريطانيا، لا يعرفها البريطاني.

مرة أحد الصحفيين ذهب إلى أناس يقيمون حفلات في العراء، ويظلون يرقصون طوال الليل وينامون في أمكنتهم، لأنها تكون في العراء ومفتوحة والجو حار فبعد أن يسكروا ويحششوا والمخدرات، أغلبهم ينام مكانه في العراء، فذهب صحفي يسأل هؤلاء ما اسم رئيس وزراء بريطانيا؟ لا يعرفون من هو!
هناك نقطة مهمة، ما الذي أحدث بعض الهزّات الغربية؟

هذه للتاريخ ويجب أن ننتبه لها، وتحتاج إلى رصد دقيق. لماذا خرجت هذه الكتب؟ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ما الذي جعلهم يتنبهوا؟ لأن الحرب العالمية الأولى معروفة، والحرب العالمية الثانية معروفة، الحرب العالمية الثالثة هي الباردة الصامتة، الحرب الرابعة هم يتصورونها ضد الإسلام، ما الذي علق الجرس؟ هو الثورة الإيرانية وثانيًا: حادثة جهيمان؛ فإن صعود الخميني باسم الإسلام جعل الغرب –وعلينا أن نعترف بهذا بغض النظر عن قولنا أنها إسلامية حقيقية أو غير ذلك، هذا موضوع آخر نناقشه عقائديًا، ولكن يجب حين قراءة الظاهرة أن نقرأها بتجرد- أن هناك شخصية "شيخ مربي لحية" صعد إلى سدة الحكم وأسقط الخط الأول في الدفاع عن أوروبا ضد روسيا؛ لأن الشاه كان يعتبر خط الدفاع الأول للغرب ضد روسيا، فسقوط الشاه وصعود واحد مربي لحية يدعي الإسلام، ما هو الإسلام؟ ولا شك أنه سواء كان شيعيًا أو كان خارجيًا أو كان سنيًا كلهم يؤمن بعزة الإسلام -إلا مشايخ الجاسوسية-، فلا يوجد مسلم لا يستشعر عزة الإسلام، أو من ينتسب إلى الإسلام حتى لو كان زنديقًا في عقيدته، لكن مجرد الانتماء للإسلام يعطيه شعور العزة، فظهور هذه الظاهرة أحدث ردة فعل كبيرة في داخل الغرب، بأن يرصد فعالية الإسلام في العالم.

وهنا نقول بمسألة ربما يُسأل عنها البعض؛ لماذا نرى البعض ممن انتسب للجهاد -بين قوسين مع التنبيه عليها بعلامات تعجب كثيرة وراء كلمة الجهاد- ينقلبون إلى كونهم شيعة؟ يعني نحن نرى مثلًا جماعة الجهاد الإسلامي نجد أن كثيرًا منهم قد تشيع، وأن انضمامهم إلى إيران، ونجد أن كثيرًا ممن يؤمن بالجهاد باعتباره حركة ثورية لا باعتباره عقيدة إسلامية، ولا باعتباره عملًا تعبديًا نريد أن نبسط به الإسلام وأن نعيش به الإسلام وأن نحيي به الكلمة التي أمر الله -عز وجل- بإحيائها، لماذا ينقلبون في ظروف ما؟ السبب أن الكثير منهم أتى للحركات الجهادية من منطق الثورة لا من منطق التعبّد.

مثال ذلك أنتم تعرفون شخصية موجودة اسمه منير شفيق، هذا رجل كان نصرانيًا دخل مع عرفات فصار شيوعيًا، ثم صار مسلمًا، عندما تسأل مثله ما يسمى بكتيبة (الجرمق) التي عملت عمليات ضد اليهود واغتيل قادتها، فلماذا جاؤوا إلى الإسلام من أي منطق؟ من منطق كونه عامل قوة ومؤثرًا في إيجاد ثورة الإنسان ضد واقعه، لا من المنطق التعبد؛ ولذلك هم لا يعيشون الجهاد بمفهومه الإسلامي الصافي، يعيشونه على ما تقدم من كونه الإسلام النافع، فكثير منهم جاء إلى الإسلام من هذا المنطلق، والكثير ممن رأى في الخميني عامل ثورة وهؤلاء عادة يسقطون في منتصف الطريق، فنحن رأينا من أيد حسن نصرالله باعتباره معارضًا لليهود وهذا السبب.

هذا يجب علينا أن نرصده وكذلك نهتم له؛ لأن الإسلام له قادة على صورة من والوضوح والدين والتعبد والإخبات لله، ومن هذا المنطلق ينطلقون في جهادهم ودعوتهم وأعمالهم وصراعهم وإحسانهم للناس وتغييرهم للواقع، ولكن لا يمكن أن ينزل الإسلام إلى عمق الشعوب حتى ترى هذه الشعوب أن الإسلام يحقق أشواقهم في حياة صحيحة. انتبهوا للفرق بينهما؛ لأن على العلماء والقادة والذين يسيّرون حركة الإسلام في الدعوة والجهاد والإصلاح، يجب أن يكون المنطلق لهم التعبد لله رب العالمين، نحن عبيد لله نمارس عبادة ونحتاج إلى عونه ودينه، حيث أمرنا نأتمر حيث نهانا ننتهي، هؤلاء يجب أن يكون الأمر لديهم واضحًا بهذا الاتجاه، لكن لا يمكن لهذا الدين أن يُحدث أثره في عالم الجموع حتى تفهم هذه الجموع أن هذا الدين يحقق لهم أشواقهم ويحقق لهم مطالبهم في الحياة.

ليس مطلوبًا أن يأتي إليك كل الناس من منطق التوحيد، وبالتالي تخلّيك عن قضايا الإسلام وقضايا الأمة هو تخليك عن الإسلام، لأنه سيملؤها غيرك، لأنه لو جاء للأمة من يملأ هذه الحاجات من غير الإسلام سينطلقون إليه حتى لو كان شيوعيًا، وأكبر دليل القضية الفلسطينية، الفلسطينيون صاروا شيوعيين وعلمانيين أغلبهم؛ لأن الحركات الإسلامية تخلّت عن القضية، فهو يريد أن يعود إلى أرضه ويريد أن يقاتل، لو حمله إسلامي لذهب معه وارتفع وخلال مسيرة الحركة أنت تسيّره إسلاميًا وترفع درجته، كما فعل الصحابة –رضوان الله عليهم- حين دخل الناس في دين الله أفواجًا؛ فإنهم ارتفعوا بإسلامهم خلال مسيرة الإسلام، ولم يقولوا لهم: لا تأتوا إلينا ونحن فقط من أجل الدعوة إلى الله ولا يهمنا أن نعيش أشواق هذه الشعوب ولا متطلباتها ولا حياتها!

وأكبر دليل يوسف –عليه السلام- فإنه دخل إلى قيادة مصر من خلال استجابته لحاجة الشعب المصري وهو الرؤيا وكيف يصلح الحال، فعلموا قدرته على الإصلاح فصار إمامًا، وقال الله -عز وجل-: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} قال ابن كثير: "فإنهم أسلموا مع يوسف –عليه السلام- إسلامًا فيه ما فيه وذلك لأنه كان ملكًا عليهم".

هذه نقطة ننتبه لها فإن كثيرًا ممن جاؤوا إلى الإسلام، صاروا ما صاروا بعد ذلك ولكن جاءوا من خلال رؤيتهم لهذه الثورة، وللأسف نحن رأينا الناس كيف رموا أنفسهم في أحضانه، ما هو السبب؟ السبب أن هذا الخميني يتكلم عن القضية الفلسطينية، أن حسن نصر الله يتكلم عن القضية الفلسطينية، تذهب للشيخ ماذا يقول لك؟ يقول لك أول شيء يا ابني اذهب وأصلح نفسك، قم الليل ثم فكر في القضية الفلسطينية، وهذا صحيح ولكن هذه التقدمة والتأخير هذا باطل.

النقطة الثانية -وهو يشير إلى قضية الخميني- التي جعلت الغرب يهتم لقضية فاعلية الإسلام هي حركة جهيمان، وهذه تحتاج إلى دراسة وكلام، وربما نتكلم وأحد الكتب التي يجب نقرأها من الألف كتاب هو (رسائل جهيمان) المنشورة، ولكن هذه الثورة وهذه الحركة في داخل المسجد جعلت الغرب يقرع طبول الخطر بأن هناك قوى إسلامية يمكن أن تخرج إلى الصراع.

طبعًا هناك رصد لقضية الإخوان-المسلمين">الإخوان المسلمين في زمن جمال عبد الناصر موجودة، لكنها كنت على استحياء ولم تكن ظاهرة في قضية الصراع مع الغرب، ليس فقط الأفكار لكن رؤية الجماعات، من هنا نشأت فكرة "النبي المسلح".

النقطة التي ربما نختم بها، ما الذي يخوّف هذا الرجل؟ ما الذي ينقص هذه الجموع المسلمة؟ ما الذي يخوف هذا الكونت الفرنسي الارستقراطي الخبيث من هذه الأمة من أن تعود إلى فاعليتها؟ وجود القائد، وشرط هذا القائد هو الإبداع وهذا معنى كلامه.

أهل دراسات الحضارات الإنسانية يقولون: هناك تبادل، كما يقول الله -عز وجل-: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} تداول وهم يرصدون هذا، يقولون الأمة الآن تتداول، فسنة التداول قائمة، أهل دراسة الحضارات يقولون: هناك تداول حضاري بين دول الجنوب والشمال، فهم يعرفون أن التداول الحضاري سيقع.

فيقول باللفظ: "إن الجنوب اليوم يقوم بصنع قائد يعوزه التفكير السليم، لسنا معتادين على التعامل معه"[ص 35].

إذًا الذي ينقص هذه الجموع؟ هو قائد، هذا القائد أنا أراه دائمًا في آية وأرجو أن تُفهم على حقيقتها، ماذا يقول المؤمن في دعائه في سورة الفرقان؟ هذا القائد في المفهوم القرآني، موجود ملامح عظيمة لكن هذه الآية أعظم وضوحًا في صناعة القائد القرآني؛ {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} متى يكون المرء إمامًا للمتقين؟ حين يكون هو إمامًا في التقوى؛ أن يبرز بتقوى الله، والتقوى بالمفهوم السني وليس بالمفهوم الصوفي، المفهوم السني الصحيح الكامل لشروط ما قاله القرآن عن الإنسان التقي.

فإذًا المطلوب من هذا الإمام أن يكون تقيًّا بل إمامًا في التقوى ليحصل به تغيير حركة التاريخ حول مركزية الإيمان ومركزية التقوى، حتى يكون الصراع عليها كما قال الله في سورة الحج: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}؛ فلا بد أن يكون بجلاء التقوى التي يطرحها من أجل أن يصنع معركة الإيمان، معركة التقوى.

إذًا هو يقول: الأول أن يكون إمامًا، ويقول: "لسنا معتادين في التعامل معه"، يعني رجل مبدع، يطرح هذا الكونت أنهم يمتلكون قوى وبوارج وحرب وسلاح وجنود وتكنولوجيا إلخ، هذا فهمك؛ يجب أن تقرأ الكلمة باعتبار واقعها، ما هي عوامل القوة ما دام كل هذا موجود عند الغرب؟ ما هي عوامل القوة التي يمكن أن تنشئ هذا القائد من أجل مكافأة هذه القوى التي لا يمكن في زمن قصير أن تبرز فيها؟

هو يؤمن أن طريقة الصراع هي العنف، ويؤمن بأن الجاسوسية هي كما يقول: "ميادين القتال الخاصة بالعقل"، هو يتكلم في كتابه عن ميادين القتال وهو قتال الخاصة بالعقل، إذًا هي حرب العقول، قتال ومعركة، وأنا أحتج دائمًا بقوله "حرب الدعاية"، يقول الله -عز وجل-: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، ما سبب نزول هذه الآية؟

هذه الآية نزلت في صراع المسلمين أمام دعاية قريش عندما قتل الصحابة رجلًا قرشيًا في الشهر الحرام، القرآن استخدم لفظ القتال، حرب قريش في الدعاية ضد النبي –صلى الله عليه وسلم- في المدينة، لفظ القتال في معركة الدعاية ضدهم، وذلك بضربهم في شيء تقدسه العرب وهو الأشهر الحرم، أن هذا رجل يهين الأشهر الحرام فسماه القرآن: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ}؛ لأنه في الحقيقة إذا خسرت معركة الدعاية خسرت معركة الحرب، وإذا ربحت معركة الدعاية ربحت معركة الحرب، ولا يمكن أن تقوم بالحرب حتى تجيِّش، ولا يمكن أن تصنع التجييش من غير دعاية ومن غير إعلام، فمعركة الإعلام معركة مهمة.

الآن نعود إلى السؤال الذي طرحته وهو مهم جدًا، ماذا يمكن لهذا القائد الفذ الذي ينتظره الجنوب؟ ماذا يُنتظر منه وهو يعيش معركة العقل –كما يسميها- التي بها سيفرض نفسه مقاتلًا في المعركة أمام قوى لا يمكن اللحاق بها في الغرب؟ هذه النقطة البحث عنها .....[انقطاع في التسجيل].

هذا ليس تحقيرًا للعقيدة الواسطية ولا التدمرية ولا الأصول الثلاثة، لكن هذه لا تصنع ما نريده من هذا الرجل، هذه الشخصية التي تستطيع أن تثوِّر قوى تفرض عالم الجنوب –المسلمين- في الصراع ضد الخصم لصنع درجة المكافأة في القتال بعوامل إبداعية تكافئ ما يملك الغرب من قوى وأدوات من الصعب جدًا أن نلحقه بها ما لو سرنا معه سيرًا معتدلًا.

هنا يأتي دورك، حتى يوجد هذا القائد، وقد وُجد من يقوم بذلك، ويمك أن نعتبر بصراحة عسكريًا –لا مدحًا ولا ذمًا أنا فقط أرصد-، الحقيقة أن ضربة 11 سبتمبر هي جزء من الإبداع، والغرب لم يتصور أبدًا ولا يوجد في ذهن أي عاقل مبدع أن يحول طائرة مدنية إلى قذيفة تدمّر برجًا. يعني الآن لو أردنا صاروخ بمفهوم الصواريخ الموجودة في روسيا أو أمريكا، ما هو الصاروخ الذي يمكن أن يدمر هذين البرجين؟ ماذا نحتاج؟ أنا لست خبيرًا في هذا البتة، لا أعرف في هذه العسكرية شيئًا، لو قيل لخبير عسكري يريد أن يسقط هذا بآر بي جي، فأن يأتي رجل ليبدع هذا الذي نحتاجه، فما يحتاجه العالم الإسلامي هو هذا الجانب من الصراع، هذا هو الإبداع الذي نحتاجه.

الأمة جاهزة، عملية التربية الداخلية؛ تنفي البدعة وتنشر السنة، وأنّ هذا زمن الدولة العثمانية ونعلّم الناس الدين ونردهم عن الشرك، هذا كله موجود في داخل حركة الأمة، لكن لصنع الأمة الوارثة هذا الذي نحتاجه وهذا الذي نريده فقط، هذا هو الإبداع، وهذه النقطة هي التي بها -إن فهمناها على صورتها وحقيقتها- نعرف أي نوع من الجيل الوارث القائد الذي يمكن أن ينطلق بالأمة، لأنه في الحقيقة لا يمكن أن يكون شخصًا واحدًا.

يعني من هو العالم الذي يعين هذا العالم؟ من هو العالم الذي يعيد هذا القائد؟ من تحتاج الفتوى لصناعة الأمة الوارثة؟ ماذا نحتاج من خطاب في دروسنا أي خطاب نتكلم فيه؟ أي عقل نصيغه؟ هناك شخصيات وراثة تكون هي القائد لهذه الأمة، بفرض نفسها لوراثة هذه الحضارة المتساقطة المتهالكة حتى في داخلها.

فيمكن أن نقول ممكن واحد هكذا يصنع هكذا صناعات، يبدع هكذا إبداعًا، ومن ذلك مثلًا العمليات الاستشهادية، لا نسميها عمليات انتحارية على طريقة الخصوم ولا استشهادية على طريقة الموافقين –لأننا راصدون لا دخل لنا في الموضوع-، نسميها "القنبلة البشرية"، هذا جزء من المعركة، من الإبداع الذي وُجِد وعاد للصراع.

نقطة على الزيادة، من فرضيات نيكسون في (نصر بلا حرب) هو نشوء المعركة في أرض الخصم، هذه لا يطرحها هذا الرجل لكنها جزء من الكلمة التي قلتها وهي "الحدائق الخلفية"، فيمكن أن توضع في هذا الإطار، ولكنها مهمة جدًا وهي جزء من إبداع القائد القادم لهذا الجنوب ليصنع الأمة الوارثة أي الحضارة الوارثة لهذه الأمة، وبهذا نختم إن شاء الله.

هذا الكتاب خاتمة يصلح كما قلنا في (نذر العولمة) أن هذا الكتاب فيها الأخبار والأحداث لقضية العولمة الاقتصادية الخادمة للحروب إلى غير ذلك. هذا الكتاب نموذج لأحداث متعددة يطرحها هذا الرجل، يمكن أن تشكّل هذه الرؤية العامة في صراعنا مع الآخر، يمكن أن نرصد نظرة الأوروبي والفرنسي أن عندهم شعور الافتخار والعزة، والاحتقار للأمريكي، كون الأمريكي لا عِرق له، ويمكن أن نرصد هذا الافتخار الفرنسي ضد الأمريكي، كيف يتعامل مع الأمريكان تعامل احتقار أنهم لا يقدرون، وخصوصية  وكيفية التعامل مهمة جدًا؛ الغرب في تعامله معنا تعامل أوروبا غير عن تعامل أمريكا، أمريكا إلى الآن لا تشعر بالخطورة منا، يقولون لك اقطع الحبل الواصل للطائرات القادمة، ضع أرقامًا وأسماءً وتنتهي المشكلة، لكن نحن جيران للأوروبيين، يوجد خمس ملايين تركي في ألمانيا، أكثر من خمس ملايين جزائري في فرنسا، وأكثر من خمس ملايين أو أكثر أو عشر ملايين مسلم في بريطانيا، هذا بخلاف أمريكا فهي بعيدة، فالغربي له حساسيته في هذا الموضوع ويحب أن يتعامل سرًّا، بخلاف المؤسسة الأمريكية فلها أساليبها ويمكن أن نستطلع هذا من خلال هذا الكتاب.

وبهذا أختم، وجزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم، والحمد لله رب العالمين.

أخبار ذات صلة

أعلنت حركة طلابية بارزة بجامعات مصر، السبت، تجميد نشاطها لأجل غير مسمى، إثر وضع أمينها العام و3 رؤساء اتحادات طلاب ... المزيد

خلال السنوات الأخيرة شهدت مصر تحولات لذوي توجهات عديدة نحو تنظيمات إرهابية، ما تسبب في خسائر بشرية وأضرار مادية، ... المزيد

انسحب تنظيم "القاعدة" مساء الجمعة، من الأطراف الشرقية لمديرية "حجر" بمحافظة حضرموت شرقي المزيد

حذرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، اليوم الجمعة، من أن خطوة نقل السفارة الأمريكية في المزيد

مشروع الدولة الدينية اليهودية على أرض بيت المقدس بُني بأموال اليهود، وهو يقفز اليوم قفزات نوعية على طريق مشروعهم الأكبر والأخطر ( إسرائيل الكبرى) ال ... المزيد

تعليقات