البريد الالكترونى

Delivered by FeedBurner

قطر وباكستان.. الرمضاء والنار

المحتوي الرئيسي


قطر وباكستان.. الرمضاء والنار
  • مصطفي حامد ابو الوليد المصري
    05/09/2015 04:44

للمرة الثانية سقط المجاهدون الأفغان فى البئر الباكستانى ، لتجد حركة طالبان نفسها فى موقف مشابه للأحزاب الجهادية السبعة فى الحقبة السوفيتية ، حيث سيطرت عليها باكستان تماما وأصبحت مجرد أداة لا حول لها ولا قوة . 
 
ثم جاء درس تاريخى لا يمكن تجاوزه على لسان الطيب أغا رئيس المكتب السياسى ،ومقرة الدوحة فى قطر ، والذى إستقال طالبا من جميع القيادات الأفغانية العودة إلى أفغانستان ، للتخلص من التأثير الباكستانى ، وهناك يتخذون القرارات الهامة ومنها إختيار الأمير الجديد . 
 
ربما جاءت النصيحة متأخرة كثيرا ، لكن مازالت هناك فرصة لتلافى التداعيات الخطرة . فما كان ينبغى مغادرة أفغانستان منذ البداية . وقد إتخذ الملا عمر القرار الصحيح بالبقاء فى الميدان ، لكن عدد من كبار القادة كان لهم رأى آخر . وبدلا من القيام بمهام مؤقته فى باكستان ثم العودة ، تحولت باكستان إلى مقر دائم لمجلس الشورى ( أهل الحل والعقد !!) حيث كانت مخالب باكستان جاهزة للإفتراس والسيطرة . 
 
عنوان اللعبة كان هو المصالحة ، أى إستيعاب حركة طالبان ضمن حكومة كابول ، وفق النظام السياسى والعسكرى والأمنى والدستورى الذى أرساه الإحتلال الأمريكى . 
لا يخفى أن الموافقه على ذلك يعنى إنتهاء حركة طالبان كما عرفها الأفغان . لأنها سوف تنشق ، فالقطاع الذى سيلتحق بالنظام سيصبح جزء منه ، كما حدث لتنظيمات الإخوان المسلمين الذين حاربوا إلى جانب الإحتلال وشاركوا فى نظامه الجديد . أما القطاع الآخر من طالبان فسوف يقاتل ضد النظام القائم وجميع المشاركين فيه . داعش ستكون فارس الميدان وسينضم إليها من طالبان القطاع الأكثر غضبا . وستقاتل داعش ما تبقى من طالبان متهمين إياهم بالردة ، وهذا يحدث الآن فى عدة مناطق خاصة فى ننجرهار ، بدعم من المخابرات الباكستانية . وستقاتل داعش الشيعة فهذا تخصصها الأساسى ، ثم سنقاتل جميع الشعب بتهمة الشرك وممارسة التصوف ، ثم ستنطلق إلى ميادين العمل الخارجى التى تشمل جميع المحيط الأفغانى خاصة إيران والصين وآسيا الوسطى وصولا إلى الهند وروسيا . 
 
داعش ومعها العشرات من الميليشيات الوهابية المسلحة سوف تجعل من أفغانستان أخطر ميادين "الفوضى الخلاقة " التى منها سوف تنتشر على نطاق شاسع الأبعاد جغرافيا وبشريا . بإختصار ستكون أفغانستان هى مركز إدارة الحرب الأمريكية على قارة آسيا ، لإغراقها فى الدم والفوضى ."الإرهاب الإسلامى" سيكون عنوان ذلك الإعصار ، وداعش أنجح أدواته ومعها تنظيمات "الوهابية القتالية" التى تبيض وتفقس وتنتشر إلى ما لا نهاية طالما توفر لها الدعم اللوجستى المناسب . 
= أفغانستان واليمن من أسرع المناطق التى ظهر فيها تأثير الإتفاق (النووى!!) بين الدول الغربية وإيران كقوة إقليمية كبرى فى الشرق الأوسط الكبير . فى اليمن أطلقت يد السعودية لتعديل الموازين الداخلية لمصلحة أتباعها هناك ، على إعتبار أن اليمن هى حديقتها الخلفية . ونفس الشئ يحدث بين باكستان وأفغانستان حيث كشفت باكستان عن سيطرتها على قيادات من حركة طالبان "مجلس شورى كويتا " ، وتمهد للإنطلاق بهم كجواد يحقق أمنيتها فى جعل أفغانستان حديقة خلفية لها . وعلى أضعف الإيمان فإن الجنوب الأفغانى والذى يسكنه البشتون والبلوش سيكون تحت التبعية الباكستانية تديره وتموله وترشده فى متاهة الحرب الأهلية . 
 
أفغانستان أكثر أهمية لإيران من اليمن ، ولن تغض الطرف عن الإختراق الباكستانى الذى يتم فى اللحظات الأخيرة والحرجة ، كما غضت الطرف عن سحق السعودية للحوثيين فى اليمن . فالمنظمات الشيعية المسلحة فى أفغانستان ، القديم منها والحديث ، جاهزة للإنضمام إلى مائدة العنف . فمشاركتهم فى قمة هرم السلطة لمدة أربعة عشر عاما إلى جانب الإحتلال أعطاهم فرصة تمكين ذهبية ، سيظهر عائدها فى الحرب الأهلية المرتقبة . ولا تجهل إيران خطر داعش المتحفز فى أفغانستان ، والزاحف بعناد فى العراق . لذا فمن وجهة نظر"دفاعية/هجومية" لابد أن تتواجد إيران عسكريا بشكل مباشر أو من خلف ستار الميليشيات الحليفة فى كلا البلدين . وهكذا تستعر الفتنة المذهبية بين الشيعة والسنة لتسحب العالم الإسلامى خلفها نحو مستنقعات العفن والدم . 
 
= حركة طالبان كانت هى أمل شعب أفغانستان فى الخلاص من الإحتلال وفى بناء نظام حكم إسلامى عادل ومستقل ، وذلك تغيير جذرى فى "قواعد اللعبة" فى أفغانستان والمنطقة والعالم . لأن أفغانستان المسلحة بحركة طالبان لا يمكن إخضاعها ، كما ثبت من تجربة الغزو الأمريكى المدعوم بحلف الناتو . 
 
فكان الحل هو محاولة فصل طالبان عن شعبها ، وتلك خبره باكستانية تاريخية ، خبرة إتلاف القيادات الأفغانية ، وإخضاعها ثم الدخول بها فى اللعبة الإقليمية / الدولية ، كما حدث فى الثمانينات حين أحرزت باكستان نجاحاً باهرا ، الذى بعد خصم عمولتها منه ، سلمته بالكامل إلى اليد الأمريكية التى أعلنت فوزها فى الحرب الباردة ـ وأنها أصبحت منذ تلك اللحظة قوة عظمى وحيدة فى العالم . وصنفت "الأدوات " التى أحرزت النصر فى الميدان ، قوى إرهاب دولى . والإسلام المنتصر تحول إلى عدو خطير أعلن حلف الناتو الحرب عليه حتى قبل أن يحسم مصير الشيوعيين الحاكمين فى كابول . 
 
الرمضاء والنار .. قطر وباكستان : 
 
هل شهدت حركة طالبان إنقلابا ؟؟ . فالأمير المؤسس يموت وحيدا مريضا ، وربما معزولا عن مجريات الأمور التى إستفرد بها بعض رجاله الأقربون ممن هاجروا الى باكستان ، فوجدوا مصالحهم فى التحالف معها . الصحفى الباكستانى رحيم الله يوسف زاى ـ قال بأن مهندس التحالف الطالبانى مع باكستان كان هو الملا جليل أخوند ، المساعد السابق للملا عمر . وحول جليل تجمع لوبى من الأقوياء فى شورى طالبان ، أسفر تحالفهم وتعاونهم الوثيق مع باكستان عن إختيار طريق المصالحة والإندماج ـ مع نظام كابول تحت إشراف وتوجيه باكستان . توفى الملا عمر فى منتصف عام 2013 ، وحتى ذلك التاريخ لم يجد وسيلة لتنفيذ سياسة خارجية نشطة توازى مستوى النجاح فى الجهاد المسلح فى الداخل ، رغم تكلفته العالية التى تكفل بها شعب يقدس الإسلام والحرية معاً. 
 
"مجلس شورى كويتا" يمكن تسميته بحركة طالبان المهاجرة ، والتى بالتدريج أصبحت إختراقا باكستانيا للحركة الفخورة باستقلاليتها ، على الأقل على مستوى قيادتها العليا المتمثلة بالملا عمر . وبينما مجلس شورى كويتا يسعى نحو خط سياسى تمليه باكستان ، فإن الملا عمر والدائرة الضيقة التى يمكنها الوصول إليه ولو عبر وسيط ، كان مصراً على رؤية سياسة خارجية مستقلة ، مثلما أن جهاده يدور فى الداخل مستقلا عن أى قوى دعم خارجية . كان الحل الذى تصوره شباب متحمسون هو إنشاء مكتب سياسى للحركة ، والبحث عن مقر له فى قطر ، التى كان لها علاقات حسنة مع حكم طالبان منذ عملت قناة الجزيرة هناك فى آخر عامين من حكم الإمارة الإسلامية . 
 
ترأس "المكتب السياسى للإمارة الإسلامية " فى قطر الشاب المثالى " محمد الطيب أغا " السكرتير الخاص لأمير المؤمنين الملا محمد عمر . وكان الطيب ينظر إلى الملا عمر على أنه أخ أكبر وقدوة ، والملا عمر كان يعتبره إبنا أصغر ، فكان كاتما للأسرار ومبعوثا خاصاً فى العديد من القضايا. 
 
ــ تفتقر حركة طالبان إلى خبراء فى السياسة الخارجية ـ وتلك نقطة نقص خطيرة فى حركة تتصدى لقيادة دولة ، ومع أن حركة طالبان هى الأكثر نجاحا فى قيادة سياسة داخلية أفغانية ، فكان ذلك من أسباب نجاحها فى قيادة مقاومة مسلحة ضد عدو هو الأقوى فى العالم . ولكن تلك الحركة بدت عاجزة عن شق طريقها الخاص فى السياسة الخارجية . فما أن تخرج الحركة من نطاقها الأفغانى المحلى حتى تفقد طريقها فى تعقيدات الدنيا الخارجية . 
 
أضرار قطر على السياسة الخارجية للإمارة لم تكن بأقل من أضرار باكستان . وعند إمعان النظر نجد أن التأثير القطرى يتكامل مع التأثير الباكستانى لإيصال حركة طالبان إلى ذات النقطة التى ترغب فيها الولايات المتحدة . 
 
تصور أمريكا النهائى هو ضم طالبان إلى حكومة أفغانية موالية لها ، ضمن النظام الذى أسسته بعد الإحتلال . بينما طالبان تؤكد فى كل مناسبة على ضرورة طرد قوات الإحتلال وإقامة دولة إسلامية مستقلة غير مرتبطة بمعاهدات أمنية أو دفاعية مع أمريكا. 
 
حسب الطيب أغا فإن إنشاء المكتب السياسى ثم إتخاذ مقر له بالدوحة جاء بعد موافقة الملا عمر عام 2009 على إجراء المفاوضات ، بناء على طلب من الولايات المتحدة ، لإنهاء الإحتلال الأجنبى وحل معضلة أفغانستان بالطرق السلمية . فماذا حدث فى قطر؟؟ ، لقد بدأ العمل السياسى بالحديث عن بدعة (بناء الثقة). وأكل الطالبان الطعم ـ فبناء الثقه كانت أن تبدأ المفاوضات أولا حول ملف الأسرى وليس ملف إنهاء الإحتلال . فتوصل مندوبو الإمارة إلى أسوأ صفقة يمكن تصل اليها مفاوضات مماثلة . ولا شك أن الضغوط أو الإغراءات القطرية كانت وراء الصفقة الجائرة التى بموجبها سلم طالبان الأسير الوحيد الذى إحتفظوا به لمدة خمس سنوات . كان أقل المتوقع من صفقة حول الأسرى أن يتم تبادل جميع الأسرى الأفغان سواء فى جوانتانامو أو المعتقلات الأفغانية مقابل ذلك الأسير . ولكن البصمة القطرية على المفاوضات أدت إلى أكبر فشل تفاوضى يمكن حدوثه ، وهو تبادل الأسير الأمريكى الذى وصل إلى بلاده سالما فى مقابل خمسة أسرى من قادة طالبان أطلق سراحهم من جوانتانامو ليتم إرسالهم إلى قطر قيد الإقامة الجبرية تحت المراقبة الأمريكية ، وعدم السماح لهم بمغادرة البلاد أو المشاركة فى أى نشاط ، على أن يتم بحث أمرهم فى كل عام بين الولايات المتحدة وقطر (وليس الإمارة الإسلامية) . والمفجع هو أن البيانات الرسمية للإمارة إعتبرت الصفقة نجاحا كبيرا لعملها السياسي !! . 
 
عمليا ضاعت أهم ورقة ضغط من يد طالبان فى مقابل لا شئ سوى وهم بناء الثقة !! . وهكذا نبنى الثقة مع الأمريكى المحتل ، نعطيه كل شئ ولا نحصل على أى شئ . 
ربما كانت جائزة تلك المرونة ، وتعبيرا عن الإمتنان وحيازة ثقة الأمريكى ، كانت حضور عدد من المؤتمرات عديمة القيمة والتى شارك فيها أعضاء من المكتب السياسى فى نواحى من العالم . 
فى الجانب الآخر من المجهود السياسى لطالبان ، وعلى الطريق الباكستانى ، حدث تطور إنقلابى بالإعلان فجأة عن وفاة الأمير المؤسس الملا عمر الذى قال المنقلبون أنه حدث منذ عامين ونصف !! ، وبإختيار الإنقلابيون لأمير جديد ، أصبح معارضوه فى مكتب قطر بلا غطاء شرعى كان يوفره لهم الملا عمر . وبالشرعية الجديدة تواصلت المسيرة خلف الخطى الباكستانية نحو مفاوضات الصلح مع حكومة كابول . 
 
عناصر النظام القائم فى كابول مصرون على التفاوض مع طالبان وجذبهم عنوة أو استدراجا للمشاركة فى النظام ، تحت شعار ( نبذ العنف والتوقف عن استخدام السلاح ). وقالوها صراحة فى أحد مؤتمرات الحوار مع طالبان نحن لا نقبل ما تنادى به طالبان من جلاء قوات الإحتلال قبل عقد المصالحة ، لأن طالبان سوف تقضى على من تعاونوا مع الإحتلال إذا إنسحبت القوات الأمريكية والحليفة لها . فالجيش الأمريكى مازال يحتفظ بحوالى عشرة آلاف جندى ، وكمية من جنود الناتو والأتباع الآخرون ، مع حوالى خمسين ألف من المرتزقة الأجانب المتعاقدين مع الجيش الأمريكى ، هذا غير الميليشيات الحكومية والخاصة وهى بالمئات وسلسلة تمويلها تنتهى إلى الإحتلال . 
 
ــ كانت فكرة الملا عمر هى أن تكون المفاوضات مع المحتل الأمريكى ، بصفته الطرف الحقيقى فى المشكلة ، حيث أن نظام كابول هو مجرد دمية من صناعة الإحتلال . والآن مع المسيرة الباكستانية فإن التفاوض سيجرى مع حكومة كابول ، تحت ظل طائرات الإحتلال ، الذى سيتحول تلقائيا من عدو محارب ، إلى" راعى لعملية السلام " .. ورحم الله بلادا كان إسمها فلسطين . 
 
إذا كانت قطر مجرد قاعدة عسكرية أمريكية وكيان سياسى ضعيف وتابع ، وكانت باكستان منذ نشأتها إلى الآن هى قاعدة للإستعمار البريطانى ثم الأمريكى وكانت نقطة الإنطلاق الأساسية لغزو أفغانستان ، ومازالت تحتفظ فوق أراضيها بقوات أمريكية . فكيف يكون أيا من هذين البلدين منطلقا لعمل سياسى أفغانى يسعى للتحرر من الإحتلال الأمريكى ؟؟ . 
تمركز قيادات من طالبان فى كويتا داخل القبضة الباكستانية كان خطأ تاريخيا . والبحث عن مخرج للعمل السياسى فى قطر كان علاجا للخطأ بخطأ مماثل أو أشد . 
الذى إتخذ القرار الصحيح كان هو الملا عمر ، الذى رفض مغادرة أرض بلاده ، محافظا بذلك على وحدة المجاهدين ، فأعطى شرعية للجهاد ضد المحتل ، والمطالبة بالحرية والإستقلال تحت راية الشريعة ، وليس تحت راية أمريكية بالوكالة ، باكستانية كانت أم قطرية . 

 

أخبار ذات صلة

لما رد الشيخ عبد الرحمن المعلمي على الشيخ زاهد الكوثري أثار نقطة منهجية أخذها عليه، وهو أنه وضع الأمة في جانب: بمحدثيها، وفقهائها، ومتكلميها، ولغوييها، ... المزيد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ * ... المزيد

(سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى

والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى )

إنه تكليف وتعريف تفتتح به هذه ... المزيد

روى أحد أبناء الرئيس الراحل، محمد مرسي، اليوم السبت، اللحظات الأخيرة قبل دفن جثمانه إلى مثواه الأخير شرقي القاه ... المزيد